بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله. الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الخامس من مجالسنا في شرح مداخل إعجاز القرآن للأستاذ محمود شاكر رحمه الله، ووصلنا إلى المعمعة، وإلى المحور، وإلى الفاصل، أو الموضع الذي فصل بين السابق واللاحق، وإلى اللحظة التي تولد فيها القول بالصرفة، وذلك من المدخل الأول الذي هو بعنوان تاريخ حيرني ثم اهتديت في المقالة الحادية عشرة منه.
يقول الأستاذ محمود شاكر رحمه الله: لا أدري كيف ضل الرجلان في تيه الحوار والمناظرة حتى اهتديا بعد الإرهاق والتعب والهمود والخمود إلى قول مذهل للعقول، سمياه الصرفة، لتكون هذه الصرفة في شأن القرآن مصححة أيضاً لشرطهما الذي أحدثاه، وهو مدار الآية على عجز الخليقة، ولتخفي أيضاً ما في هذا الشرط من المغمس المفضي إلى فساده واضطرابه.
وهذه الصرفة كما وصفها أبو عثمان الجاحظ نفسه آنفاً، هي أن الله تعالى رفع من أوهام العرب، وصرف نفوسهم عن معارضة القرآن، بعد أن تحداهم الرسول صلى الله عليه وسلم بنظمه، وكذلك قال في مواضع أخر من كتابه أو من كتبه ولم يزد على هذا، إلى هنا قرأنا يا إخوة.
أما بيان مقالة أبي عثمان وأبي إسحاق في الصرفة، فهو كما ترى، الشأن في آيات الأنبياء جميعاً هو أن العجز عنها قائم في أنفس الخلائق، وذلك أن الله سبحانه حين فطر الخلائق سلبهم القدرة على أشياء استأثر بها سبحانه دونهم، لأنها داخلة دخولاً مبينًا في صفاته سبحانه.
فإذا جاءت الخلائق آية هي حدوث شيء قد سلبوا القدرة عليه فطرة، وجدوا العجز عنه في أنفسهم وجداناً ظاهراً مغروزاً في طباع الإنس والجن والملائكة المقربين. والقرآن بلا ريب هو لنبينا صلى الله عليه وسلم آية دالة على صدق نبوته كآيات سائر الأنبياء، فإذا كان ذلك كذلك فشرط الآية هو عجز الخليقة، يستوجب كما استوجب في سائر آيات الأنبياء أن تتلقى الخلائق القرآن بعجز تجده قائماً في أنفسها مغروزاً فيها، لأنهم قد سلبوا القدرة على مثله فطرة فطروا عليها.
بيد أن هذا العجز الذي يتطلبه شرط الآية في شأن القرآن غير مستبين ولا ظاهر، بل هو أمر مشكل، فالقرآن كلام عربي نظم وتأليف، وقدرة العرب على نظم كلام وتأليفه بألسنتها أمر مقطوع بأنه قائم في أنفسها قياماً ثابتاً مغروزاً فيها، يعني هم يقدرون، لا أحد يقدر على إحياء الموتى، لا أحد يقدر على إنزال مائدة من السماء، لا أحد يقدر على منع النار ألا تحرق فلاناً، لكن التحدي بكلام بليغ العرب قائم في أنفسهم، قدرتهم على الإتيان بكلام بليغ.
وقدرة العربي على نظم كلام وتأليفه بلسانها، بل قدرة سائر الخلائق على نظم كلام وتأليفه بألسنتها، أمر مقطوع بأنه قائم في أنفسها قياماً ثابتاً مغروزاً فيها فطرة فطروا عليها، وإذًا فقد صار محالًا أن تكون الخلائق مما تتلقى هذا القرآن العربي النظم والتأليف بعجز قائم في أنفسها مغروزاً فيها يقطعها قطعاً عن نظم كلام وتأليفه مع تمام قدرتها فطرة على نظم الكلام وتأليفه، يعني تصور ذلك أن يكون القرآن يقول: وإذًا فقد صار محالاً أن تكون الخلائق مما تتلقى هذا القرآن العربي النظم والتأليف بعجز قائم في أنفسها، هي قادرة على الإتيان بذلك.
ومع هذا المحال الذي لا شك في استحالته عقلاً، فإن العجز قد وقع مع ظهور هذه الاستحالة ظهوراً بيناً لا محيص عنه، فالعرب قد طولبوا في آيات من القرآن بأن يأتوا بسورة من مثله، بل أكبر من ذلك مجيء البيان القاطع للعرب وغير العرب من الإنس والجن بأنهم لا يستطيعون البتة بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، فقيل لهم: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُوا بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88].
وقد كان الأمر كما قد قيل لهذه الخلائق، لم ينتصب أحد من العرب لمعارضة هذا القرآن بسورة من مثله، وانقطعت الخلائق كلها انقطاعاً لا ريب فيه عن الإتيان بمثل هذا القرآن، فهذا الانقطاع المستبين هو العجز كل العجز عن نظم كلام وتأليفه يضارع نظم القرآن، مع أن قدرة الخلائق على نظم كلام وتأليفه بألسنتهم باقية على عهدهم بها لم تتغير ولم تتبدل، فهذا حادث واقع غير خفي وإن كان محالاً في العقل.
وإذاً فهذا المحال الذي صار واقعاً لا شك في وقوعه، لا يتأتى تفسيره وإخراجه من الاستحالة إلا على وجه واحد، أن يكون قد حدث في أنفس الخلائق عجز مستأنف مبتدع جاء مقارناً لتنزيل القرآن، هو نفسه آية أخرى دالة على صدق هذا النبي الذي أوحي إليه هذا القرآن صلى الله عليه وسلم.
ومعنى ذلك أن الله تعالى حين نزل القرآن على نبيه منذ أول يوم، كان قد أحدث في أنفس الخلائق عجزاً عن الإتيان بمثله، فتتلقى الخلائق آية القرآن بعجز قائم في أنفسها عن الإتيان بمثله، ويبين كل البيان أن العجز الذي هو شرط في آية كل نبي صار الآن عجزين، عجز قديم مغروز في أنفس الخلائق عند الفطرة الأولى، لأنهم سلبوا القدرة سلباً جازماً عن أفعال قد استأثر بها وحده سبحانه دون خلائقه جميعاً، فتأتي آيات الأنبياء جميعاً من هذا الباب، فتتلقاها الخلائق بالتسليم والعجز، هذا هو العجز الأول.
ثم عجز أحدثه الله إحداثاً عند تنزيل آية نبينا صلى الله عليه وسلم وهي القرآن، وهو عجز مستحدث فجأة في أنفس الخلائق، وهو عجز لا يسلبها القدرة على نظم الكلام وتأليفه البتة فذلك إلحاق لها بالبهائم والعجماوات، بل هو عجز يسلبها القدرة على نظم الكلام وتأليفه في حالة واحدة ليس غير، هي الحالة التي تريغ فيها الخلائق أو تسول لها أنفسها معارضة القرآن بنظم وتأليف يشابهه أو يدانيه، فعندئذ يقطعها العجز قطعاً مبيناً عن إتيان ما أراغته من الإتيان بمثل هذا القرآن.
ثم هي بعد ذلك دون هذا القصد دون هذه الإراغة، ثم هي بعد ذلك مطلقة قدرتها إطلاقا على ما شاءت من نظم الكلام وتأليفه بلا حرج عليها في ذلك، وهذا هو العجز الثاني وهذا هو وجه الصرفة.
يعني الآن أشرح لكم ما هي الصرفة؟ وما الفرق بين الصرفة وبين القرآن وبين الإعجاز البلاغي؟ الإعجاز البلاغي أن يقال لهم هذا هو المصحف، هذا هو القرآن، هذه سور القرآن، عليكم بالإتيان بمثل بلاغتها، فينظر في المصحف أو يستمع إلى القرآن، يقول هذه البلاغة لا نقدر عليها، ولو قصدوا المحاولة سيخرجون كلاماً، لكن هم لم يحاولوا احتراماً لأنفسهم كما قال شاكر، خلاص احتراماً لأنفسهم، لن يقدروا، لن يقدروا فخلاص.
يعني أنت مثلاً بعث الله تعالى جرير بن عطية الآن، وهجاك بقصيدة أعلى مما هجا به الفرزدق، وقيل لك أنت الآن في هذا العصر اسمع إلى هجاء جرير، هيا أنشئ هجائية مثلها، انقض بها هجائيته، أنت هل صرفك، أسألكم الآن، هل سيصرفك شيء عن الانتباه وعدم المحاولة؟ شيء في نفسك؟ عجز جديد؟ ها؟ هل سيصرفك أنت الشاعر المعاصر، هل سيصرفك شيء جديد؟ الذي سيصرفك ماذا؟ اقتناعك أنك لن تأتي ولو حاولت، أنت تعلم أنك ستأتي بقصيدة ضعيفة، صح؟
أنت لو حاولت ستعلم أنك ستأتي بقصيدة ضعيفة، فأنت لم تحاول، خلاص أنا أعرف، جرير يكسب بالضبط احترامي لنفسي، وأنت تعلم أنك لو جمعت كل شعراء عصرك لن تغلب جريراً، هذا وجه التحدي بالبلاغة.
ما وجه الصرفة؟ الصرفة قيل لهم هذا القرآن ائتوا بمثله، ائتوا بمثله، فصرف الله أوهامهم وانتباههم، يعني ماذا؟ فسروها العلماء، فسروها بوجهين، الوجه الأول صرف الهمة، الوجه الثاني نزع العلوم والقرائح، كيف يعني؟ الوجه الأول صرف الهمة، يعني يلا هيا أيها العرب، عليكم أن تأتوا بمثل هذا القرآن، ائتوا بسورة من مثله، نعم سنأتي حاضر، فقط الليلة ننتهي من أعمالنا، ننصرف من عباداتنا، فقط نرجع من أسفارنا، وينسون، ثم ينبهون، آه نعم سنأتي، فتصرف هممهم وأوهامهم، لا ينتبهون، صرفهم الله عن ذلك، لم يحاولوه، هذا الوجه الأول صرف الهمة أو صرف الأوهام.
الوجه الثاني رفع القرائح أو رفع العلوم، يعني ماذا؟ يعني يأتون إلى محاولة القرآن كما قال شاكر هنا، يجدون أنفسهم لا يعرفون استعارة ولا تركيباً ولا بلاغة ولا مجازاً ولا تشبيهاً ولا تقديم ولا تأخير ولا تعريف ولا تنكير ولا حذف ولا إثبات ولا قصر ولا إنشاء ولا خبر ولا إسناد مجازي ولا أي شيء، فجأة إذا أراد أن يقول قصيدة أو خطبة في أي باب آخر انطلق فصيحاً، لكن إذا أراد أن يتحدى القرآن يجد نفسه، كيف الكلام؟ كيف نتكلم أصلاً؟ كيف الموضوع؟ آه حصل له إغلاق، لا يعرف، لا يدري كيف يبدأ، لا يدري كيف يتكلم، الدنيا تقف عنده، الدنيا تقف عنده.
هذا هو الوجه الثاني في الصرف؛ الوجهان المعتبران يعني. هذه هي المعجزة الثانية التي قال بها الجاحظ. يقول محمود شاكر: على هذا الوجه زال الإشكال فيما توهم أبو إسحاق النظّام وأبو عثمان الجاحظ، وسلّم لهما الشرط الذي وضعاه، وهو مدار الآية على عجز الخليقة. خلاص الصرفة وجه مريح.
وهذا العاجز الثاني الذي هو الصرفة، الذي ضرب على الخلائق كلها عند تنزيل القرآن، سيظل مستقراً في أنفس الخلائق حتى يرث الله الأرض ومن عليها بلا ريب في ذلك. وقد استحدث لهذا العجز اسماً وهو الصرفة؛ لأن الله سبحانه حين نزل القرآن، كتب فجأة على العرب وعلى سائر الخلائق أن تكون أوهامهم مصروفة صرفاً سرمدياً عن القدرة على نظم كلام وتأليفه إذا راموا معارضة القرآن، أو الإتيان بسورة من مثله فقط إذا راموا، مع بقاء قدراتهم سالمة على نظم الكلام وتأليفه في سائر أحوالهم. وهذه الصرفة كما ترى تسلب نظم القرآن وتأليفه كل فضيلة؛ لأنهم معجزون بالصرفة لا غير.
بل أكبر من ذلك، أن هذه الصرفة تجعل مطالبة الخليقة في الإتيان بمثل القرآن مطالبة ظاهرها أنهم مخيرون في فعل ما طلبوا به تخييراً مطلقاً، وباطنها أنهم مجبرون على ترك فعل ما طلبوا به إجباراً مفاجئاً لا مخلص منه، ولا إرادة لهم فيه، ولا يملקים له دفعاً، فهم قادرون عاجزون في وقت معاً، وهذا عبث محض تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
هذا العبث الفاضح خليق بأن يكون سجية من سجايا ذكاء أبي إسحاق النظّام وحده وجبلة من جبلات عقله؛ لأنه مطبوع خلقة ووراثة على مثل هذه الحيل العابثة التي تتصرف مع هياج الطبائع المفطورة على ألف الجدل والمغالطة وحب الظهور على الخصوم. فأبو إسحاق هو ابن أخت أبي الهذيل العلاف، وأبو الهذيل هو سلف واصل بن عطاء البليغ الألثغ، وثلاثتهم هم أئمة الكلام الذي أحدثوه، فن الكلام؛ أبو الهذيل العلاف وواصل بن عطاء والنظّام أحدثوا علم الكلام، الثلاثة المعتزلة الكبار.
وثلاثتهم لا عمل لذكائهم إلا في الحيل التي تخلب العقول وتدلس عليها عند النظرة الأولى، مع ادعائهم تحكيم العقل، وتظاهر الشائعة عنهم في زمانهم وبعد زمانهم أنهم ملتزمون بما يلزمهم به العقل وحده. هذا عجب إن شئت أو ليس بعجب إن شئت. ولكن الأعجوبة، كما يقول أبو عثمان الجاحظ، هو أن يكون أبو عثمان الجاحظ ممن تقنعه هذه الأغلوطة المفتعلة الظاهرة البطلان والتناقض، وأن يكون أبو عثمان ممن يدافع عنها ويعتقدها مذهباً. وتفسير هذه الأعجوبة يحتاج إلى كلام يطول ليس هذا مكانه، ولكنك سترى أن أبا عثمان لن يصبر طويلاً على هذا الخضوع لحيل صاحبه وخليله النظّام.
تعرفون يا إخوة ما الذي يعجبني في هذه المعمعة وهذا الجدال وهذا الخضم والتلاطم لأمواج الجدال والعلم أنه بالحق والباطل علم، ترون فيه لذة علم. الآن ترى بغلاً، ترى عريض القفا يجادلك بحاجة تسد النفس؛ يعني حتى أنا لا يهمني أن يكون خصماً أو أن يكون صديقاً، بالعكس أنا يغريني الخصم، يغريني الخصم بس يكون ذكي. والله إن الإنسان ليبتلى بالخصوم الأغبياء، لأن الله جعل لذة ونعمة في الخصم الذكي، فحرم بعض الناس منها ابتلاء، أو نرجو أن يكون ابتلاء أو تكفير سيئات، تكفير سيئات وابتلاء، لا نطمع أن يكون زيادة حسنات، هو تكفير سيئات.
خلاص يعني الله تعالى يبتلي عبده؛ جعل من عبده حب الخصم الذكي الواعي الذي يثير البحث والفحص والمناقشة ويعطي لذة للمناظرة. أنا ألتذ بالحرب العلمية، ألتذ بالحرب الأدبية والحرب العلمية، ألتذ بهما؛ فيبتليك الله بخصم غبي، لا يمكنك الرد عليه، تقول له أنت الرابح لأنه غبي، خصم غبي، خصم بغل، ماذا تفعل مع بغل؟ سيرفصك، فأين هذا الخصم الشريف الذكي؟ أنا يعجبني هنا سواء كان الجاحظ والنظّام وأبو الهذيل العلاف وواصل بن عطاء ومن سيأتون بعدهم، هناك حركة علم، لا مكان للبغل، البغل هذا يضعونه في... لا مكان لبغل. يحترمون بعض، يلعنون بعضهم لعناً يا أخي، لكن يحترمون أنهم يلعنون عن علم، يلعنون علماء وهم علماء، فهناك شهوة للخصم المجادل القوي، هذا يغري؛ إنما ماذا تفعل مع البغل؟ يرفس، ماذا تفعل مع الحمار؟ نهيق، وأنت لن ترفس، ولن تأتي بصوت الحمير الذي هو أقبح الأصوات.
خلاص، حتى المخطئ منهم عالم، أنا ألتذ بذلك، يعني أنا أحترم المعتزلة والسنة جميعاً، أنا أحترم كل العلماء إذا كانوا يجادلون بعلم، حتى لو مغلوب في الأخير، حتى لو مغلوب أحترم نقاشه، في علم، في مسائل، هو لم يغلب إلا لأنه يتكلم بعلم فغلب، هو أنت تقدر تغلب البغل؟ والله ما تقدر، تستطيع أن تغلب البغل؟ لن تستطيع، هل تقنع البغل أن قوله قول بغل؟ لن تستطيع.
ولكنك سترى أن أبا عثمان لن يصبر طويلاً على هذا الخضوع لحيل صاحبه وخليله، وكان هو والنظّام هكذا أصحاب، وذلك أن أبا إسحاق النظّام لما أعجبته نفسه حين بلغ هذا المبلغ من تصحيح الشرط في الآية وهو عجز الخليقة بما سماه الصرفة، استخفه تهوره، كما روى أبو عثمان الجاحظ في كتاب حجج النبوة، فذهب يقول إن القرآن حق، أي هو بالصرفة آية كآيات الأنبياء وليس تأليفه بحجة، أي ليس نظمه وتأليفه آية، وأنه تنزيل، أي هو وحي من الله تعالى، وليس ببرهان ولا دلالة، أي أن الوحي ليس بآية كآيات الأنبياء.
ثم غلى فذهب يقول إن الآية في القرآن والأعجوبة هو ما فيه من الإخبار بالغيوب؛ هذا كلام النظّام، يقول، وهنا يحكي طبعاً هو يحكي عن النظّام، يعني هو يقول كما قال الجاحظ نفسه، نعم، قال: ثم غلى فذهب يقول إن الآية في القرآن والأعجوبة هو ما... وإن العرب لو خلي بينهم وبين معارضته ولم تأخذهم عنه الصرفة لكانوا قادرين على الإتيان بمثله، ومعنى هذا أنه يسلب نظم القرآن وتأليفه وبيانه كل فضل وفضيلة، وأن الآية كل الآية هو فيما أحدثه الله عند تنزيل القرآن من صرف أوهام الخلائق جميعاً صرفاً سرمدياً عن معارضته دائماً إذا هموا في أنفسهم بأن يفعلوا، وشرحت كيفية الصرفة إذا هموا.
وعندئذ فزع أبو عثمان فزعاً شديداً، وعلم أن الرجل قد خولط وأخذه ما أخذه، فهو يتخبط تخبطاً لا يصبر على مثله، ولم يشك أبو عثمان في جنونه واختلاط عقله، وعلم علماً يقيناً
في قرارة نفسه أن الاقتصار على تفسير العجز بهذه الصرفة وحدها مفضٍ إلى مثل هذا الهوس، وإلى ما هو أبلغ منه وأفحش. وأدرك أيضًا إدراكًا لا ريبة فيه أن خليله أبا إسحاق على ذكائه وتوقده وعلى بعض ما اكتسبه من تذوق البيان قد ختم على تذوقه ختمًا بما ألف من اللدد والجدل وحب الغلبة على الخصوم.
فانطمس حسه، وتجهم طبعه. كان بادئًا أديبًا وشاعرًا، وانتهى عالمًا متكلمًا، بخلاف أبي نواس تلميذه. بدأ عالمًا وشاعرًا وانتهى شاعرًا. أبو نواس كان عالمًا في كل شيء، في كل العلوم، كان عالمًا في كل الفروع.
يقول الأصمعي لبعض خلفاء أو أمراء بني العباس: يقول حضرت مجلسًا فيه الوجهاء والرؤوس من كل العلوم والفنون. يقول: حضرت مجلسًا فيه الوجهاء والرؤوس من كل العلوم والفنون، وحضره أبو نواس الشاعر. يقول: فأخذ يزاحم؛ كلما تكلم عالم في فنه زاحمه فيه حتى ينقطع العالم. عجب، عجب، عجب. الناس تتخيل الشاعر كتافه هكذا. يقول: فما تكلم عالم في فنه إلا زاحمه أبو نواس حتى ينقطع العالم في هذا الفن. نعم، سبحان الله.
والإمام الشافعي كان يعرف علمه، ثم يذهب ويقول: دع الربع ما للربع فيك نصيبه فما أنسبتني زينب وكعوب ولكن سبتني البابلية أنها لمثلي في طول الزمان سلوب ويقول: إذا ذاقها من ذاقها حلقت به فليس له عقل يعد أريب
والله قصيدة جميلة يا إخوة، في خمسة وعشرين بيتًا البائية، سنقرها إن شاء الله في مجالس السبت، جميلة جداً، ربما السبت القادم نقرأها.
فقال: وأدرك أيضًا إدراكًا لا ريبة فيه أن خليله أبا إسحاق على ذكائه وتوقده وعلى بعض ما اكتسبه من تذوق البيان قد ختم على تذوقه ختمًا بما ألف من اللدد والجدال وحب الغلبة على الخصوم، فانطمس حسه وتجهم طبعه، ومحق ما اكتسب من التذوق محقًا لا حياة له بعده. الذي يدخل في يغوص في الكلام والجدل بهذه الطريقة، أنَّ له أن يكون أديبًا. سبحان الله.
ألقى المتكلمين في زمننا فضلاء يعني، ولكن أعجب من لغتهم وطريقة حسهم في الكلام. طبعًا هم يتكلمون عادي يعني يتحدثون وأتحدث إليهم وكذا، لكن أعجب، الكلام له جمود هكذا، يخف فيه الحس اللغوي الأدبي، هذا اللدد وهذا الغوص، على أنهم لم يخوضوا مخاض هؤلاء.
قال: فانطمس حسه، وتجهم طبعه، ومحق ما اكتسب من التذوق محقًا لا حياة له من بعده. أما هو الجاحظ فقد أنجاه فزعه من مثل ما تخبط فيه خليله، وهداه ما فطر عليه من تذوق البيان، ومن يقظة الحس، ومن بشاشة الطباع. فأدرك إدراكًا خفيًا أنَّ الأمر أجل من أن يتردد فيه متردد، فإنَّ نظم القرآن وتأليفه وبيانه يهز القلوب هزًا، ويهيجها على الأريحية، ويقرع الأسماع قرعًا يأطرها على الإصغاء والإطراق أطرًا لا ينكره إلا معاند، فإن يكن خليله أبو إسحاق قد اختلبه اختلابًا حتى سلم عقله للصرفة، فإن تذوقه للبيان وبراعته هو في البيان وبشاشة قلبه للبيان قطعت ما بينه وبين خليله أبي إسحاق، فتجرد لتأليف كتابه الاحتجاج لنظم القرآن وسلامته من الزيادة والنقصان ووصفه في حجج النبوة -يعني وصف ما فعله في كتابه- فوصفه في حجج النبوة حيث يقول: كتبت لك كتابًا أجهدت فيه نفسي، بلغت منه أقصى ما يمكن مثلي في الاحتجاج للقرآن، وللرد على كل طعان، فلم أدع فيه مسألة لرافضي ولا لحديثي ولا لحشوي ولا لكافر مباد ولا لمنافق مقموع ولا لأصحاب النظام ولمن نجم بعد النظام ممن يزعم أن القرآن حق وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة.
ثم يبين عن رفضه كل ما قال خليله أحسن إبانة حيث يقول: لأن رجلًا من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة طويلة أو قصيرة لتبين له في نظامها ومخرجها وفي لفظها وطبعها أنه عاجز عن مثلها، ولو تحدي بها أبلغ العرب لظهر عجزه عنها، وليس ذلك في الحرف والحرفين والكلمة والكلمتين. ألا ترى أن الناس قد كان يتهيأ في طبائعهم ويجري على ألسنتهم أن يقول رجل منهم: الحمد لله، وإنا لله، وعلى الله توكلنا، وربنا الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهذا كله في القرآن، غير أنه متفرق غير مجتمع، ولو أراد أن يقول الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورة واحدة طويلة أو قصيرة على نظم القرآن وطبعه وتأليفه ومخرجه لما قدر عليه ولو استعان بجميع قحطان ومعد بن عدنان.
إذا، من سبق عبد القاهر إلى الحديث هكذا في نظرية النظم؟ من أول من تكلم في نظرية النظم؟ يقول لك: ليس بالكلمة والكلمتين والحرف والحرفين، ليس بالعبارة، لا، بالنظم، بالصورة، بالقدر. الجاحظ يا إخوة، الجاحظ فضله على عبد القاهر، والجاحظ صاحب أكبر فضل على عبد القاهر، نعم، بمصنف كامل يا علي، هو صاحب أول مصنف في نظرية النظم وبلاغة القرآن الجاحظ، كتابه الاحتجاج لنظم القرآن وسلامته من الزيادة والنقصان. ولذلك أي مخلوق يمشي على قدمين ويفكر تفكيرًا في علوم البلاغة، الجاحظ صاحب فضل عليه، شاء أو أبى، أول ما تكلم في البلاغة الجاحظ صاحب فضل عليه، الجاحظ صاحب فضل على عبد القاهر نفسه. نعم، ولا ينكر عبد القاهر ذلك بالمناسبة، ينقل عنه كثيرًا ويظهر أثره عنده شديدًا تصريحًا أو لزامًا.
قال: وهاتان الكلمتان اللتان كتبهما أبو عثمان تدلان دلالة ظاهرة على أن الخلة بين الخليلين قد تهتكت، وأن أبا عثمان قد رمى بعقل خليله أبي إسحاق النظام تحت قدميه ووطئه وطأة المتثاقل. ولكن الأعجوبة أن هذا الظاهر الذي لا شك في تبلجه ووضوحه لم يكن إلا تناقضًا فاضحًا في مذهب أبي عثمان الجاحظ. النظامي تهور، أبو إسحاق النظامي تهور، لكن كان مضطردًا، الرجل قال بالصرفة إذاً نظمه ليس بمعجز، انتهى، وكان شجاعًا على الأقل.
ولكن الأعجوبة أن هذا الظاهر الذي لا شك في تبلجه ووضوحه لم يكن إلا تناقضًا فاضحًا في مذهب أبي عثمان. اسمع، فإنا نراه لم يزل مصرًا على اعتقاد الصرفة وعلى التبجح بها -يعني يعرضها بشجاعة زائدة- إلى أن ألف أواخر كتبه ككتاب الحيوان. بيد أن ما كان منه من تأليفه كتاب الاحتجاج لنظم القرآن وكتاب حجج النبوة يدل أيضًا على أنه فزع وخالف نظامه مخالفة صريحة في أقواله الخبيثة التي ولدتها الصرفة ولادة طبيعية جداً.
وأوضح من ذلك بيانًا كما رأيت منذ قريب أنه يرى أن نظم القرآن وتأليفه وطبعه ومخرجه لا يقدر على مثله أحد من العرب لو استعان بجميع قحطان ومعد بن عدنان، وأنه لو تحدي أبلغ البلغاء -هذا كلامه كلام الجاحظ بعينه- وأنه لو تحدي أبلغ البلغاء بسورة واحدة طويلة أو قصيرة لظهر عجزه عنها. ومعنى ذلك أنه يرى نظم القرآن وتأليفه يظهر العجز في أنفس الخلائق، إذاً فقد صار بينًا أن عند أبي عثمان ضربًا من العجز ثالثًا غير العجز الأول القديم المغروز في أنفس الخلائق فيما استأثر الله به وحده، وهو الباب الذي جاءت عليه آيات جميع النبيين قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وغير العجز الذي أحدثه الله تعالى فجأة في أنفس الخلائق عند تنزيل القرآن وهو الصرفة، فصار عجزًا سرمديًا عن أمر واحد هو معارضة القرآن والإتيان بسورة مثله.
ثم هذا العجز الثالث، وهو ما يوجبه نظم القرآن وتأليفه من قطع أطماع البلاغاء من إدراكه أو الإتيان بمثله. ومعنى هذا أن مع القرآن العظيم عجزين: عجز مرده إلى الصرفة، وعجز مرده إلى نظم القرآن وتأليفه. والذي لا شك فيه أن أحدهما كاف من صاحبه، فإما العجز بالصرفة وإما العجز بنظم القرآن وتأليفه، أما الجمع بين العجزين فليس يحتمل، فليس يجتمع في عقل أحد يعقل، فأحدهما يلغي الآخر: كما ألغيت في الدية الحوارا -أي بحر؟ بيت ذي الرمة- فأحدهما يلغي الآخر كما ألغيت في الدية الحوارا.
لكن هكذا كان ما كان من أبي عثمان الجاحظ البليغ المعتزلي، عقل واحد يجمع بين المتناقضين جميعًا أو جمعًا لا غضاضة فيه عليه. وهل يجمع السيفان ويحك في غمدي؟ كما تعجب أبو ذؤيب الهذلي من أمر صاحبته أم عمرو، فأنا أتعجب أيضًا من أمر صاحبي أبي عثمان.
ومع ذلك محمود شاكر يقول: ومع ذلك -هنا سيتكلم عن معاناة الجاحظ من تناقض نفسه وأنه ظل في نفسه متحرجا من أمر الصرفة ويشعر بتناقض نفسه- فأنا أظن أن أبا عثمان كان يعاني المشقة من هذا التناقض، بينما ألفه زمنًا مع صاحبه أبي إسحاق في تأليف القرآن من القول في الصرفة التي اخترعها معًا وما أدت من القول الخبيث الذي قاله أبو إسحاق النظام، وبينما هدي إليه بالتذوق من أن نظم القرآن وتأليفه يعجز كل أحد.
ودليل ذلك أني رأيته في كتاب الحيوان -وهو من آخر كتبه- ذكر مسألة هدهد سليمان وآيات أخرى مما جاء في كتاب الله سبحانه، وأدار أمر تفسيرها على الصرفة بأسلوب جديد، واستغرق في ذلك أوراقًا كثيرة، فلما بلغ أواخر تفسيره قال هذه الكلمة الصريحة الدلالة وفي كتابنا الذي يدل على أنه صدق نظمه البديع
الذي لا يقدر على مثله العباد، مع ما سوى ذلك من الدلائل التي جاء بها من جاء به، ثم ختم هذا الفصل بعد ذلك بتعريض القول بالصرفة لمناقشة الخصوم وإعادة النظر في أمرها، وهذا حسبك من الشك في سلامتها.
فقال هذه الكلمة الجليلة في كتاب الحيوان، هذه في الجزء الرابع صفحة 94 الطبعة المصرية في سبعة مجلدات، فقال هذه الكلمة الجليلة: فبهذا وأشباهه من الأمور نحن إلى الإقرار به مضطرون بالحجج الاضطرارية، فليس لخصومنا حيلة إلا أن يوافقونا أو يواقفونا -أي نجتمع نحن وهم معًا للمناظرة- وينظروا في العلة التي اضطرتنا إلى هذا القول، وهذه العلة هي الصرفة، فإن كانت صحيحة فالصحيح لا يوجب إلا الصحيح، وإن كانت سقيمة، علمنا أن ما أوتينا من أقاويلنا.
يقول محمود شاكر: فهذا تشكك ومعاناة ظاهرة، بما يشعر به من التناقض، هو ما زال غير مطمئن، يقول: فهذا تشكك ومعاناة ظاهرة مما يشعر به من التناقض بين قوله بالصرفة، وبينما هدي إليه بعد بذل أقصى الجهد، كما قال فيما كتبه في الاحتجاج لنظم القرآن.
وأظنه لو لا الحياء والألف لفارق أبو عثمان الشك المتلفع إلى اليقين السافر، ولطرح الصرفة حيث تستحق أن تطرح.
انتهت المقالة الثالثة عشرة، وتبدأ المقالة الرابعة عشرة.
كان فزع أبي عثمان الجاحظ من هذه الأقوال الخبيثة التي أفضت إليها الصرفة حافزًا له على إعادة النظر في الأمر كله، ولما قال صاحبه النظام مقالته التي تسلب القرآن كل فضيلة، وأن العرب لو خلي بينهم وبينه لقدروا على الإتيان بمثله، لم يصبر المعتزلي البليغ المتذوق على ضلالة صاحبه المعتزلي وخليله، وأبى أن يقر بأن العجز كان مرده إلى الصرفة وحدها؛ لأن تذوقه وتذوق الأمة من قبله قاض قاطع بأن بديع نظم القرآن وتأليفه مما لا يقدر على مثله العباد.
ومضى على هذا الفزع زمان -تشعر أنه أديب صح؟ هو أديب- ومضى على هذا الفزع زمان حتى جاءته رسالة من صديق يسأله أن يكتب له شيئًا عن القرآن، وكانت عبارته مبهمة، أو هكذا زعم أبو عثمان، فأسرع يكتب ما كان يشغله من أمر نظم القرآن وتأليفه، مع أن صديقه كان كتب إليه يسأله أن يكتب له عن الاحتجاج لخلق القرآن كما ذكر أبو عثمان، وقال لصديقه فيما بعد: فكتبت لك أشق الكتابين وأثقلهما وأغمضهما وأطولهما طولًا، فكان هذا الكتاب هو الاحتجاج لنظم القرآن وسلامته من الزيادة والنقصان.
وقد ذكر أبو عثمان ما لقي في تأليف هذا الكتاب، فقال: كتبت لك كتابا أجهدت فيه نفسي وبلغت فيه منه أقصى ما يمكن مثلي.
وقد سماه هو في كتاب الحيوان الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه.
وهذا الكتاب اليوم مفقود مع شهرته المستفيضة التي كانت عند أهل القرن الرابع والخامس من الهجرة، وليس في أيدينا منه نصوص تذكر، فحكمنا عليه غير ممكن، وإنما نقتصر في ذلك على قول أبي عثمان نفسه، وعلى بعض أقوال من رأى الكتاب، وكان أقربهم إلى أبي عثمان زمنا هو ابن الخياط المعتزلي أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان المتوفى أوائل القرن الرابع.
فهو يقول في كتابه الانتصار في الرد على ابن الراوندي الملحد توفي سنة 298 من الهجرة: لا يعرف المتكلمون أحداً منهم -يعني من المتكلمين- نصر الرسالة واحتج للنبوة بلغ في ذلك كما بلغه الجاحظ، ولا يعرف كتاب في الاحتجاج لنظم القرآن وعجيب تأليفه وأنه حجة لمحمد صلى الله عليه وسلم على نبوته غير كتاب الجاحظ.
وهذه يقول شاكر: شهادة مهمة جداً من رجل لعله رأى الجاحظ المتوفى سنة 255 أو كان قريباً أن يراه، وهي تقطع بأن أول قائل في القرآن من جهة النظم والتأليف هو أبو عثمان.
وقد ذكره ابن الخياط أيضاً في أول كتاب الانتصار فقال: فمن قرأ كتاب عمرو بن بحر الجاحظ في الرد على الشيعة وكتابه في الأخبار وإثبات النبوة وكتابه في نظم القرآن، علم أن له في الإسلام غناء عظيماً لم يكن الله عز وجل ليضيعه له.
ثم يمضي بعد ذلك أكثر من ثلاثة أرباع قرن، فنجد القاضي الباقلاني المتوفى سنة 403 من الهجرة يصف هذا الكتاب في كتابه إعجاز القرآن -طبعا الباقلاني لسبب ما غبن الجاحظ حقه، وسينبه شاكر على هذا-.
ثم يمضي بعد ذلك أكثر من ثلاثة أرباع قرن، فنجد القاضي الباقلاني المتوفى سنة 403 من الهجرة يصف هذا الكتاب في كتابه إعجاز القرآن فيقول: وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتابا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى.
يقول محمود شاكر: وهذه كلمة فيها بعض الغبن لما كان في كتاب أبي عثمان، أما الغبن الأعظم فهو إيهام الباقلاني أن المتكلمين قد سبقوا إلى مثل ما سبق إليه الجاحظ في هذا الكتاب، وقد رأيت سياق ما كتبت أنا عن نشأة فكرة هذا الكتاب ومن أين جاءت ولماذا، ورأيت أيضا مقالة ابن الخياط: لا يعرف كتاب في الاحتجاج لنظم القرآن غير كتاب الجاحظ.
فهذا هو الحق الذي أنكره القاضي الباقلاني غضبا من أبي عثمان بغير حق وتحاملا عليه -ما هو الجاحظ معتزلي والباقلاني سني، فربما تحامل عليه، ولكن جاء محمود شاكر السني وقال: الباقلاني ظلم الجاحظ المعتزلي-.
دائما يا إخوة أنصحكم نصيحة لوجه الله ولوجه هذا العلم حتى يصحح بقدر ما يمكن أن نصححه أن نصفي مساحته: إذا كنت تحقد على أحد أو يعني ترى فيه ما لا يسرك متضايق منه، اجعل هذا الأمر الشخصي بينكما، لا تحاول أن تستعمل العلم أو الأدب في فعل ذلك، خلاص، لا تحاول أن تركب الموجة كما يقال، لا تحاول أن تجعل العلم حمارا تمتطيه إلى أغراضك الشخصية، لماذا؟ ستفضح، التاريخ لن يمررها لك.
هذا الباقلاني غبن الجاحظ حقه ربما لسبب الأشعرية والمعتزلية، جاء محمود شاكر السني وقال الباقلاني السني ظلم الجاحظ المعتزلي.
أصابت الغيرة الشديدة والحقد العقاد على شوقي، أصابته هو وإبراهيم المازني فألفا كتاب الديوان على شوقي وبعض الأدباء، ما من أحد يدرس الكتاب إلا ويقول: خلص صار معروفا حتى على المستوى الأكاديمي، معروف كتاب غير موضوعي، فيه فوائد، لكن سنظل نردد إلى يوم الدين: العقاد ظلم شوقي، العقاد حقد على شوقي، العقاد لم يكن موضوعيا، العقاد تجاوز الأدب مع شوقي، نظل نقول هذا، كان العقاد مع مكانته الأدبية في غنى عن ذلك.
وفي الحقيقة أريد أن أقول شيئا أخيرا: أرى أنه ينبغي للأديب أو الشاعر العالي أن يترفع عن مجابهة الأشخاص.
كانت يدي على قلبي في هذه الأيام في محاولة -طبعا أنظر من منظور شعري محض، أنا ما لي دعوة بالطوائف ولا هذا الكلام الفارغ لا يعنيني، من منظور حتى كنت أتواصل مع حبيبنا الدكتور عبد القدوس، أقول له بما يعنيني أنا-: أرى شعرورًا أو أرى شبه شعرور يحاول أن يستفز تميمًا البرغوثي ليأخذ معه الترند، ويدي على قلبي ألا ينتبه تميم البرغوثي إلى هذا، حتى أرسل إلي مقطع قناة فضائية: معركة شعرية! يا ويلي، معركة شعرية بين تميم وهذا! شخص ليس بشاعر يا إخوة، أنا قلت هذا منذ سنين أصلًا وأعرفه، فهي كانت موسم وفرصة، كما نقول لعبة صح، ضرب قنبلة من الدخان ووضع حالة إعلامية ليظهر قرينًا لتميم، ولا يبلغ قلامة ظفر تميم، على ما تعلمون من رأيي في نقد تميم، إحنا ننزل درجات ودركات -يعني على ما تعلمون من رأيي في نقد تميم من قديم- هذا لا يبلغ قلامة ظفر تميم في الشعر والأدب، تميم أديب من العظم، خلاص، تميم أعرفه يعني تميم من العظم، وتميم شاعر، فلا يبلغ فيما يتحدث فيه -يتكلم عن الشعر- قلامة ظفر تميم.
تقول لي بقى تميم مش عارف إيه تميم مجوسي، تميم مجوسي وثني ابن 60 في 70، لا يبلغ قلامة ظفر هذا المجوسي في الشعر، نقول بقى مجوسي، مش نقول مجوسي؟ مجوسي، خلاص؟
فأنا كنت خائفًا من ماذا؟ أن تميمًا يحسبه شاعرًا، إذا كان لا يعرفه، فينازله، وحمدت الله تعالى على أنه لم يشر إليه أصلًا، يعني كل الضجة حصلت من الناحية الأخرى، محاولة كل دخان واقتطاع أبيات وهكذا، محاولة ركوب الموجة، وهي طبعًا عادة يفعلونها كما تلاحظون، وأيضًا كلامي بعيد عن أية سياسة وطائفية، كل هذا عندي قذر، نتن، لا أقترب منه، وأتقزز منه جداً، النزاعات الدينية والطائفية والسياسية التي في الأخير يجعلون الدين فيها ركوبة، لا علاقة لي، الدين عندي أحفظه من هذا، بعيد.
المهم، ولا أرى أن الدين مطبق في جماعة أو في حكومة أو في نظام هكذا، الدين الصحيح الآن ما زال في المنازل، في المنازل فقط، في العبادات، لكن ليس مطبقًا في المجتمعات وفي أنظمة وفي كذا والدين وكذا، ونح- حتى تتصارع هذه باسم الدين، الدين في الجماعات ركوبة فقط، باسم الدين ركوبة، المهم، فلذلك أنا أنزه الدين عن ذلك، فأتكلم في الشعر والأدب.
فأنا أعجبني أن تميمًا أشار إليه، لم يقل قال، اقتطعوا أبيات وفعلوا كذا، وتنزه، وهم في الناحية الأخرى حشدوا كل قنابل الدخان ليتساووا مع تميم.
وذكرني هذا ببشار بن برد في على أنه كان شاعرا أيضا وهو صغير، في بداية حياته كان يهجو جريرا ليرد عليه جرير وكان جرير يهمله، فيقول بشار وظل مهمله جرير، فيقول بشار: لو أجابني جرير، لو هجاني جرير، كنت أشعر الناس! يعني إيه؟ هل يظن عاقل أنه لو هجاني صرت، صارت فيا شاعرية جديدة؟ لا، لو هجاني سيعتبر الناس أن جرير اعترف لي بالندية، فهمتم القضية؟ لو أن جرير رد على بشار فصار جرير يهجو وبشار يهجو، فسيكون اعترافا من جرير بنديته، فيقول بشار: لو هجاني جرير كنت أشعر الناس! تخيلوا ينتظر أن يهجوه جرير ولم يهجوه جرير، هذا مع بشار، وكان شاعرا صغيرا ربما هذا كان في أوله.
ومع ذلك، الذي أراه في حالة تميم ومن يحاولون الصعود على أكتافه، أنه أشبه بقصة أخرى مع جرير، جاؤوا إلى جرير وقالوا له: هناك رجل يهجوك، فقال: ما اسمه؟ قالوا: مجهول، فقال: ما اسمه؟ فقالوا: بردخت، قال: وما بردخت؟ قالوا: يعني الفارغ -ربما كلمة فارسية يعني بردخت- قالوا: الفارغ، قال: إذاً لا أشغله بي، مش فارغ؟ لا أشغله بي.
فأنا كنت قلقاً أن يستجيب تميم، إذاً سيراه الناس نداً لتميم، وهو والله ليس نداً لشاب تحت العشرين يتعلم الشعر مبتدئاً، أرأيتم؟
فهذه نقطة نحتاج إلى الوقوف عندها يا إخوة، ليس كل أحد تنازلونه، وأنا كما قلت أنصحكم عموماً ليس فقط بالإنصاف وعدم، أنصحكم بألا تناطحوا الأفراد وإنما تناطحوا الأفكار والجماعات، لا تناطحوا الأفراد وإنما ناطحوا الأفكار والجماعات، والأفراد فقط تبينوا الأحوال إذا تسنموا علماً معيناً ولم يكونوا على هذا التسنم وعلى هذه الدعوة، هذه الدعوة وهذا الإعلام، أن تبينوا ذلك بالدليل، خلاص أن تبينوا ذلك بالدليل وإلا لا تتدخلوا في شيء وشغلك علمك وفقط.
طيب، قال: ونحن لا ندري، يقول محمود شاكر: ونحن لا ندري على وجه التحقيق ماذا يتضمن كتاب نظم القرآن، ولكن سلف ما ذكره الجاحظ نفسه عن نظم القرآن وبديع تأليفه وبقي ما قاله في كتابه، سلف ما ذكره الجاحظ ونحن لا ندري على وجه.
التحقيق ماذا يتضمن كتاب نظم القرآن والذي هو للجاحظ، ولكن سلف ما ذكره الجاحظ نفسه عن نظم القرآن وبديع تأليفه، وبقي ما قاله في كتاب الحيوان، وأنا أقطع بأنه يعني هذا الكتاب، ولي كتاب جمعت فيه آيات من القرآن لتعرف بها فصل ما بين الإيجاز والحذف وبين الزوائد والفضول والاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز والجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة على الذي كتبته لك في باب الإيجاز وترك الفضول، وهذا كثير قد دللتك عليه، فإن أردته فموضعه مشهور.
يقول شاكر: وإذن فغير منكر أن يكون الجاحظ قد سلك في أبواب من هذا الكتاب مسلك المتكلمين كما قال القاضي الباقلاني، فإن الجاحظ نفسه قد دلنا على ذلك فيما نقلته آنفًا من كلامه، ولكنه أيضًا قد سلك غير مسلك المتكلمين في أبواب أخرى منه، كالتي أشار إليها في هذا النص القريب السالف، وتكلم في وجوه ليس للمتكلمين فيها منفذ؛ لأنها من عمل الكتاب والبلاغاء الذين يتذوقون البيان تذوقًا أرهفته الخبرة والألف والشغف المهوف بالبيان.
وقد يكون الباقلاني معذورًا فيما قاله مما يغض من شأن أبي عثمان، وذلك أن الجاحظ بلا ريب دخل إلى نظم القرآن وبديع تأليفه من باب الكلام كما رأيت آنفًا، وقد أعد عدته لإثبات أن نظم القرآن وتأليفه آية كسائر آيات الأنبياء، وأن هذه الآية حجة لنبينا صلى الله عليه وسلم على الناس، وأن مثل هذا النظم والتأليف لا يدخل في قدرة أحد من العباد، فلعل أبا عثمان كان قد خلط في كتابه هذا بين المسلكين، مسلك المتكلمين ومسلك المتذوقين من أهل البيان، فلما جاء الباقلاني بعد أكثر من مئة سنة وبلغ من العلم ما بلغ، وقرأ كتبًا في نظم القرآن وتأليفه كتبت بعد كتاب الجاحظ ولعلها خلصت الخلطة بين المسلكين، ثم قرأ كتاب أبي عثمان لم يرَ فيه إلا عمل المتكلمين من المعتزلة، ولم يخطر له ببال أن أبا عثمان هو أول من كتب في هذا الباب كتابًا، كما يشهد بذلك ابن الخياط آنفًا وهو ما يدل عليه أيضًا تاريخ القول في إعجاز القرآن كما أسلفت بيانه.
لا، شرح مسلك المتكلمين ستراه موجودًا عند الباقلاني نفسه، وستراه موجودًا عند الرماني، كل هؤلاء دخل فيهم مذهب المتكلمين، الذي صفا من ذلك لكن ظهر أثره أيضًا وعلى رأي شاكر كما سيأتي أنه منعه من كثير من الخير أن يصل إليه على مذهب شاكر كذلك، وعندي تحفظ على هذه النقطة وذكرتها في شرح الدلائل.
المهم الإمام عبد القاهر أيضًا كانت عنده طريقة متكلمين لكن لم تطغَ على شيء من أو هذا الذي سماه شاكر صدأ المتكلمين، هي منعته من أشياء معينة لكن لم تطغَ على الأسلوب الأدبي الذي عنده لما وضع كتاب الدلائل والأسرار، نعم ولكن نفس المتكلم، كل هؤلاء متكلم، كل هؤلاء متكلم نعم.
نكتفي اليوم، شكرًا لكم وجزاكم الله خيرا ورضي الله تعالى عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد