دخولتسجيل الدخول

الدرس 6

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.

هذا مجلسنا السادس من مجالسنا التي نستمتع بها بقصيدة لبيد بن ربيعة. وكما تعلمون كانت نيتي أن أشرحها على طريقة القصائد الماضية في مجلس واحد، ولكن نظراً لبعض الأمور، استشرتكم في هذا الأمر، فقلتم لا نمشي فيها بشيء من التوسع، بل نكتفي بالشرح المختصر لمشروع الـ 100 قصيدة.

اتفقنا على أن نسير فيها سيراً هيناً، ونبهتكم إلى أن هذا أيضاً ما زال مختصراً، ليس هو الشرح الذي نقف معه، فهذا سيكون -إن شاء الله تعالى- مع قصيدة الشماخ بن ضرار الزاهدي «عفى بطن قوم من سليمة». وهذه القصيدة حتى لو توسعنا فيها، فأنا ما زلت مقيداً بأنها لأجل الحفظ، ولكن لا بأس أن تتسع منا شيئاً ما، لكي يستمتع الحفاظ الذين يحفظون في مشروع الـ 100 قصيدة بشيء من التوسع.

وقد ساقني إلى هذا -يا إخوة- المرجحات التي رجحت هذا الأمر بعد أن ساقتني الأبيات إلى شيء من التفصيل في الأول؛ فالمُرجح هو أننا لم نعرج على لبيد من قبل تقريباً منذ مدة بعيدة، وكنت أنا أقرأ ديوانه وأحفظه من قديم، ولكن مع الجمهور تفاجأت بأنه لم نعرج عليه، فقلت: ها قد جاءت الفرصة، ولا ندري متى نعود إليه بعد ذلك، فلنعطه حقه ولنبسط شيئاً من الشرح والتذوق.

والقصيدة -نعم- ما زالت مظلومة، صدقت، القصيدة ما زالت مظلومة للأسف الشديد.

عفت الديار محلها فمقامها ... بمن تآبد غولها فرجامها فمدافع الريان عري رسمها ... خلقاً كما ضمن الوحي سلامها دمن تجرم بعد عهد أنيسها ... حجج خلون حلالها وحرامها رزقت مرابيع النجوم وصابها ... وأدق الرواعد جودها من كل سارية وغاد مدجن وعشية متجاوب ... أرزامها فعلى فروع الآية قان وأطفلت ... بالجلهتين ضباؤها ونعامها والعين ساكنة على أطلائها ... عوذا تأجل بالفضاء بهامها وجل السيول عن الطلول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها أو رجع واشمة أسف نؤورها ... كففا تعرض فوقهن وشامها عريت وكان بها الجميع فابكروا ... منها وغدر نؤيها وتمامها فوقفت أسألها وكيف سؤالنا ... صماً خوالد ما يبين كلامها عريت وكان بها الجميع فابكروا ... منها وغدر نؤيها وتمامها شاقتك ضعن الحي حين تحملوا ... فتكنسوا قطناً تصر خيامها من كل محفوف يظل عصيه ... زجاً عليه كله وقرامها كأن نعاج طضح فوقها ... وضباء وجرة عطفا أرآمها حفزت وزايلها السراب كأنها ... أجزى عبيشة أثاً ورضامها بل ما تذكر من نوار وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها مرية حلت بفيدة وجاورت ... أهل العراق فأين منك مرامها بمشارق الجبلين أو بمحجر ... فتضمنتها فردة فرخامها فصعائد إن أيمت فمظنة ... منها وحاف القهر أو تلخامها فاقطع لبانه من تعرض وصله ... ولخير واصل خله صرامها وحب المجامل بالجزيل وصرمه ... باق إذا ضلعت وزاغ قوامها بطليح أسفار تركن بقية ... منها فاحنق صلبها وسنامها وإذا تغاي لحمها وتحسرت ... وتقطعت بعد الكلال خدامها فلها هباب في الزمام كأنها ... صهباء خف مع الجنوب جهامها أو ملمع وسقت لاحقب لاحه ... طرد الفحول وضربها وكدامها يعلو بها حدب الأكام مسحج ... قد رآبه عصيانها ووحامها باحز عزه الثلبوت يربا فوقها ... طوراً مرابئ خوفه أرآمها

هذا البيت توقفنا عنده أمس، وقلت نبدأ به المحاضرة الجديدة اليوم؛ لماذا يا إخوة؟ لأنه كما قلت من أكثر الأبيات عندي تعقيداً في شأن الرواية واختلاف الوجوه فيها، وما ينظر في ذلك من الترجيح على أصول البيان، وهكذا.

أنا نسيت أن أنبه إلى شيء أيها الإخوة، أوقعت مني غفلة لما قلت لكم شرح الطوسي، وكان سبب هذا شيئان؛ الأول هو أنني أعلم أن الطوسي قد شرح هذا الديوان ورواه، وأن شرحه هو المعتمد وهو السائر. والشيء الثاني هو تصريح بعض العلماء الذين استخرجوا نسخة الطوسي بأن الديوان كله بشرح الطوسي ومن ضمنه المعلقة بشرح الطوسي، فأنا علق بذهني ذلك.

أولاً علمي برواية الطوسي، والطوسي من رواة الكوفة، سأعرف لكم من هو الطوسي؛ مات عام 250 من الهجرة، وهو من رواة الكوفة، يروي عن ابن الأعرابي، وابن الأعرابي يروي عن المفضل الضبي، ولهذا رواية المفضل الضبي هي رواية الطوسي، يرويها الطوسي. قرأ مثلاً في ديوان امرئ القيس على ابن الأعرابي، وابن الأعرابي قرأه على المفضل الضبي، فرواية الطوسي هي رواية المفضل الضبي، وهذا سند كوفي: الطوسي عن ابن الأعرابي عن المفضل الضبي، هؤلاء رواة الكوفة. يناظرهم بعد ذلك رواة البصرة، وطبعاً فيهم أبو عمرو الشيباني أيضاً. وأما رواة البصرة فعلى رأسهم طبعاً أبو عمرو بن العلاء، والأصمعي تلميذه.

فكما قلت كان طال عهدي بهذا الديوان، وعلمت أن الطوسي يرويه وأنه يشرحه وأنه كذلك هو المعتمد، وكذلك علمت أن نص بعض العلماء على أن شرح المعلقة في نسخته وفي روايته هي من شرح الطوسي. بعد ذلك انتبهت اليوم وأشعرت بشيء من القلق من هذا الشرح؛ هذا ليس شرح الطوسي، الطوسي توفي في القرن الثالث عام 250 هـ.

فلما راجعت الديوان وكذا بتحقيق الدكتور إحسان عباس، وجدته قسم الديوان إلى ما شرحه الطوسي نفسه، إلا مراثي لبيد، ومراثي هذه المراثي استثنيت مما شرحه الطوسي ومما لم يشرحه، ثم بقية القصائد التي لم يشرحها الطوسي، ثم الأراجيز، ثم الأبيات المتفرقة، ثم أبيات ومقطعات منسوبة إلى لبيد.

قسم الديوان هكذا، فإذا بالقصيدة في القسم الثالث بقية القصائد التي لم يشرحها الطوسي. ماذا فعل فيها الدكتور إحسان عباس؟ يقول: "مزجت في المعلقة بين شرحي التبريزي والمرزوقي على نحو موجز، والذي دعاني إلى هذا -كما قلت- أنني وأنا أنظر في الكلام ما شعرت أنه كلام الطوسي، بل كنت أستحضر شرح الأنباري لأنه من الشروح القديمة التي حصلتها وحفرت في الصدر".

الأنباري توفي عام 328 هـ، والطوسي توفي عام 450 هـ، ومع ذلك ترى شرح الأنباري متيناً قوياً. ثم كان الشرح الذي جمعه الدكتور إحسان عباس كأنه أخذ من الأنباري، لأنك ترى التبريزي الذي اعتمد عليه إحسان عباس مع المرزوقي فيه النفس الأنباري، ونفس الاتجاه ونفس المادة والنص ربما.

فطبعاً شرح التبريزي أنا أيضاً وضعته في مجلد واحد مع الكتاب، لأن شرح التبريزي شمل المعلقات العشر بخلاف الأنباري الذي شمل السبع فقط. هذا شرح المعلقات تأليف الخطيب التبريزي، وله عدة طبعات، والتي عندي هي بتحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، وهناك التي عليها تعليقات الشيخ محمد الخضري حسين شيخ الأزهر التونسي، وهي نسخة إلى حد كبير جيدة.

هي شرح القصائد السبع مع المضاف إليها، وهي قصيدة الأعشى، وقصيدة النابغة الذبياني، وقصيدة عبيد بن الأبرص، مما شرحه الإمام أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي. أنا لا أدري إذا كانت نسخة الخضري حسين موجودة، فقد كانت في دار السلام، ولا أدري إذا كنت أراها الآن. عموماً، أنا عندي النسخة التي للدكتور فخر الدين قباوة، ومكتبتها دار الفكر بدمشق.

قيل لي إن التي للشيخ محمد الخضري حسين هي أجود وأفضل ولها تعليقات جيدة، وأظن أني اطلعت على ذلك، لكن لم تغرني التعليقات بشراء نسخة جديدة غير التي عندي. ربما تفيد طلبة العلم المبتدئين الذين لم يعالجوا الأدب أو القصائد من الشروح، لكن أنا لا أحتاج إليها لأني أعالجها في الأنباري وشروح أخرى كثيرة.

المهم، فإنت ترى الخطيب التبريزي من علماء القرن الخامس، توفي عام 502 هـ وولد في أربعين وأربعين وبضع وعشرين، توفي أول القرن السادس وولد في أول القرن الخامس. وأنت عندك الأنباري توفي عام 328 هـ، فأنا لما كنت أطلع في هذا الشرح كنت أرى كأنه ينقل من الأنباري، فتعجبت: ما الغريب؟ هذا كأنه من الأنباري. فلما راجعت كلام المحقق تفصيلاً انتبهت إلى أن الشرح هذا ليس للطوسي، فقلت لابد من تنبيهكم؛ هذا الشرح أخذه من التبريزي والمرزوقي، وهو المحقق إحسان عباس رحمه الله.

والتبريزي كما رأيتم يعتمد على الأنباري كثيراً وكأنه ينقل عنه، والأنباري حقيقة أجود، لكن تحتاجون إلى التبريزي لأجل القصائد الثلاث الزائدة. أما الطوسي يا إخوة، فهو أبو الحسن علي بن عبد الله بن سنان الطوسي، توفي عام 450 هـ. طوس مدينة إيرانية معروفة وينسب إليها عدد كبير من العلماء لأنها قديماً كانت محلاً للعلم والأدب وطلاب العلم، والآن هي داخلة في العمران المعروف بمشهد.

سمي بمشهد لأنه دُفن فيه الإمام الثامن من أئمة الشيعة الاثني عشرية، وهو علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﷺ. دُفن هناك في طوس فسميت بمشهد علي، وتسمى الآن مشهد طوس.

وكان الطوسي أبو الحسن علي بن عبد الله بن سنان يروي عن ابن الأعرابي، وابن الأعرابي يروي عن المفضل الضبي الكوفي، فهذا يعتبر سنداً كوفياً. والرواة طبعاً كانوا في الكوفة والبصرة أكثر ما يكونون، ولهذا تبلغنا رواية المفضل الضبي عن طريق الطوسي بواسطة ابن الأعرابي، مثل في ديوان امرئ القيس برواية المفضل؛ يرويه الطوسي عن ابن الأعرابي عن المفضل الضبي، يعني هو قرأ ديوان امرئ القيس على ابن الأعرابي الذي قرأه على المفضل الضبي. وهو من رؤوس الرواة الأوائل.

ربما استعرض لكم كذلك شيئاً هنا حول قضية الديوان والشعر. قال الدكتور إحسان عباس: «وقد عثر المرحوم يوسف ضياء الدين الخالدي، وكان أستاذاً بجامعة وين، على شرح الطوسي هذا بدار الخلافة، وحدثنا أنه في جزئين لامرئ القيس، وحدثنا أنه في جزئين». ولا أدري هل هذه تجزئة الطوسي أو تجزئة النسخ أو تجزئة الخالدي نفسه.

ونشر الخالدي عشرين قصيدة من شعر لبيد باسم الجزء الثاني، لأنه لم يتمكن من قراءة الجزء الأول. وهذه النسخة التي نشر عنها الخالدي تم الفراغ من نسخها في العشر الأواسط من شهر شوال سنة 589 هـ بالقاهرة المعزية. ويصرح الخالدي، يا سلام، يعني يصل المعنى...

ويصرح الخالدي أن الجزء الأول كان يحوي المعلقة مشروحة بشرح الطوسي كذلك. شوف الكلام، ويصرح الخالدي هذا ما جعلني أظن أن الشرح للطوسي، لكن أسلوبه حثني للمراجعة. قال: «ويصرح الخالدي أن الجزء الأول كان يحوي المعلقة مشروحة بشرح الطوسي كذلك».

وطبع الخالدي ما أسماه الجزء الثاني سنة 1880، ووعد بأن يجمع بقية شعر لبيد من الكتب وينشره هو والمعلقة مع ترجمة لبيد مستخرجة من الكتب أيضًا، غير أن المنية أدركت الخالدي قبل أن يفي بذلك، فتولى الدكتور أنطون هوبر ذلك العمل ونشر قطعة من شعر لبيد عام 1887، بدأها برقم 21، أي أنه أكمل بها الديوان الذي نشره الخالدي. وكانت هذه المجموعة تنقص بضعة قصائد فأضافها إليه بروكلمان، واستوفى أبياتًا متفرقة أخرى سواء صحت نسبتها إلى لبيد أو لم تصح، ولم يعرض للمعلقة.

«وقد رأيت أن ديوان لبيد يستحق عناية جديدة، فأخذت نفسي بنشره وأنا غير واثق من أنني أستطيع العثور في فرصة قريبة على نسخة خطية من ديوانه». ويقول في الحاشية: «في دار الكتب نسخة خطية رقم 6 غير مشروحة، وقد قابلت عليها قصائد الديوان ولكني لم أستطع أن أعتمدها أصلاً، وهي تحتوي 47 قصيدة ومقطوعة».

إذ فاتته المعلقة، فأنا حسبت أن المعلقة دخلت في الجديد، فلذلك كنت أقول لكم شرح الطوسي، وهذا سهو مني فانتبهوا إليه، فأبقيت شرح الطوسي كما هو، غير أني غيرت ترتيب القصائد وقسمت الديوان إلى ستة أقسام، القسم الثالث منه بقية القصائد التي لم يشرحها الطوسي، وكان منها المعلقة.

قال: «وقد تناولت بالشرح القصائد التي لم أجد للطوسي شرحًا عليها، وكانت خطتي أن أرجع إلى ما قاله الأئمة أو ما نُقل من شروح قديمة»، وسيجد القارئ أنني مثلاً أنقل عن ابن قتيبة في «المعاني الكبير» إلى آخره، وأنني مزجت في المعلقة بين شرحي التبريزي والمرزوقي على نحو الموجز، ولم أحاول أن أتولى الشرح بنفسي إلا حيث فقدت العون من المصادر؛ لأنه حتى في الشرح اللغوي ليس كل أحد يشرح الشعر حتى لو كان شرحًا لغويًا وإعرابيًا.

فأنا أنبهكم إلى هذا؛ إذ جعلني أقول هذا كما قلت إن الديوان أنا أعلم أنه مشروح وأعلم أنها النسخة المعتمدة، وكذلك صرح الخالدي بأن الجزء الأول كان يحوي المعلقة مشروحة بشرح الطوسي كذلك. ونرجع إلى القصيدة؛ فجيد أنني تذكرت حتى أنبهكم، فهذا شرح مجمع وليس شرح الطوسي. وسبحان الله وجدتني، وأنا كنت أظنه في الأول شرح الطوسي، وجدتني أرجع إلى شرح الأنباري، لأني لم أجد ما وجدته محررًا.

قال: «بأحزة الثلبوت يربا فوقها»، هنا الذي جاء في أصل الديوان: «يربا فوقها قفر المراقب»، ثم قال: «خوفها أرآمها»، وأظن «خوفها» هنا حتى على هذه الرواية خطأ يا إخوة: «قفر المراقب خوفها أرآمها»؛ لأن ليس لها وجه بالمعنى، حتى لا أظن أنها ضبطت هكذا في هذه النسخة التي حققها أخونا أحمد عبد الباقي.

هو أثبت الأخرى: «تورا مرابئ»، أثبت للأصمعي: «تورا مرابئ خوفه أرآمها»، وسأتكلم عن هذه الروايات الآن. هو قال هذه روايات الأصمعي كما ذكرها ابن الأنباري، ويروى: «يربع فوقها قفر المراقب خوفها أرآمها»، هذه التي في الديوان، وأخذ بالك يا خالد الشيباني: «خوفها أرآمها»، ويروى: «قفرًا مراقب خوفها»، ويروى: «قفرًا مراقب خوفها». هذه الروايات سنعرض لها أو لأكثرها الآن.

إنما التي هنا يا إخوة أحسبها غلطًا: «قفر المراقب خوفها» بفتح الفاء، لا، هي على هذه الرواية: «قفر المراقب خوفها أرآمها». تعالوا نأخذ جولة مع الأنباري لأقفكم على هذا البيت في الروايات، وكما قلت هو من أكثر الأبيات عندي تعقيدًا في شأن الرواية، والذين يحفظون القصيدة لهم أن يعتمدوا الرواية التي يشاؤون.

بالرفع في شرح الهروي أيضًا، هي لا تكون إلا بالرفع. ما معنى: «قفر المراقب خوفها أرآمها»؟ هذا لا يقوم بالمعنى. نرى الأنباري، هذا شرح الأنباري والتبريزي معًا يا إخوة، ضممتهما في مجلد، هذا أقدم من أقدم الكتب عندي، يعني شرح المطولات لابن الأنباري والتبريزي. لأنني أحب مراجعة هذا وذاك، وإذا كنت أجلس مع المعلقات، فأنا في المعلقة أراجع هنا وهنا؛ فالتبريزي فيه القصائد الثلاث: الأعشى والنابغة وعبيد، وليست فيَّ، أنا أشاور هنا وهنا؛ لأن التبريزي ليس فيه الأنباري، فيأتي بالكتابين جميعًا.

نرجع إلى البيت السابع بعد العشر، نرى ما يقول: قال: «خلف الأحمر الراوي، الشاعر المعروف والناقد الكبير، سمعت أعرابيًا يرويه بأحزة الثلبوت»، وكذلك رواه الأصمعي. قال الأنباري: «ليس بأحزة الثلبوت»، جمع حزيز؛ المكان الغليظ، لا، «بأخره الثلبوت». قال: «والأخره مطمئنات في الأرض تكون كالوهدة بين الربوتين»، أرض منخفضة مطمئنة بين وحدتين، أو كالوهدة أسفل بين ربوتين. قال: «تنقاد وتجري الواحد خرير والجمع أخره أو خربوت»، موضع، والثبوت موضع.

إذن هو قال: «بأحزة الثبوت»، لو أثبتناها بدون إعجام؛ «بأحزة الثلبوت» أو أنها معجمة على الزاي وليس على الحاء، فتكون «بأحزة الثلبوت»، الأحزاء جمع حزيز، المكان الغليظ الثابت القوي. والأولى والله أعلم ما سمعه خلف من الأعرابي الراوي ورواه الأصمعي، وهو «أخره الثلبوت»؛ لأنها مكان منخفض بين كوهدة بين ربوتين، فهي ترتع فيه وتطمئن وتحتمي، والله تعالى أعلم.

تعالوا إلى الروايات؛ قال رواه الأصمعي، في الشطر الثاني الإشكال؛ قال رواه الأصمعي: «يربا فوقها طورًا، مرابئ خوفه أرآمها»، ورواها الأصمعي: «بأخره الثلبوت، يربا فوقها طورًا، مرابئ خوفه أرآمها»، طورًا مرابئ خوفه. أراد مصاعد خوفه، أعلامها المشرفة، يعني مصاعد خوفه هي هذه الأعلام العالية. وأصل الأرآم هنا قالوا: أصل الأرآم هو أعلام يجعلونها على القبور والطرق ونحو ذلك، أو مرتفعات كالجبال الصغيرة والصوان ونحو ذلك. هذه رواية الأصمعي: «يربا فوقها طورًا، مرابئ خوفه أرآمها»، يعني مصاعد المرابئ، المصاعد هي مصاعد خوفه، هي أعلامها.

قال: «أراد مصاعد خوفه أعلامها المشرفة»، وأصل الأرام أعلام كانوا ينصبونها على القبور والطرق؛ فأراد يصعد الحمار هذه الأكمة كالربيئة، لها أي كالحافظ، وإنما خوف هذه المراقب أعلامها لما يكون خلفها من صائد وغيره. يعني مرابئ خوفه أرامها، يعني لا يخاف إلا من هذه الأعلام.

أيوة، ترم الغيوب بالضبط كترم الغيوب. ويحتمل أن تكون الأعلام مقصودًا بها الصور والجبال، العلامات؛ فالجبل والصخر يقال فيها علم وأعلام. لكن هنا قال الأنباري: «أصل الأرام أعلام كانوا ينصبونها على القبور والطرق»، فهل الأرام هي هذه؟ على كلامه هنا الأرام أعلام ينصبونها وليست الجبال وليست كذا، فليست الأرام.

قال: «وإنما خوف هذه المراقب أعلامها». خلاص، فورًا: مرابئ خوفه أعلامها، أو أرامها؛ لما يكون خلفها من صائد وغيره. وقال: «ويروى قفراً: مراقب خوفها أرامها».

باحزة الثلابوت يربأ فوقها قفراً ثم قفراً، ثم مراقب خوفها أرامها. وهذا قريب من الأول. وقال: «ويروى قفراً: مراقب خوفها أرامها».

شوف، قلت لك من أعقد المواضع وأكثرها تشعبًا في الرواية والترجيح، والمشكلة أن فيه النفس الجاهلي المفرط؛ يعني أنت عندك روايات كثيرة متداخلة وتحتاج إلى أن تكون مع لبيد في عصره، مع لغته، أقصد مع اللغة الجاهلية، حتى تعلم أي الوجوه ترجح.

أنا أحياناً أنظر في كلام بعض المحققين، وأعلم أننا وقفنا طويلاً عند البيت، لكن هذا العلم ضروري، هذا علم وإلا نظل على السطح. أقول: أحياناً في كلام بعض المحققين تراه يرجح على لغته هو على ظاهره، كما قال عبد القاهر في «طوى الجزيرة» حتى جاءني خبر يقول: العوامة وأهل الظاهر سيجعلون «خبر» فاعلاً لـ«طوى»، ويضمرون الفاعل في «جاءني». خلاص، يعني «طوى الجزيرة» خبر حتى جاءني.

قال: «وأما أهل التحقيق والعلم والذوق الصحيح فيجعلون الضمير في طوى، ويفسرون بفاعل جاءني الظاهر»، يعني «طوى الجزيرة حتى جاءني». بالضبط، أهل الظاهر وأهل النظر: «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»، فالخبر علمت أنه يفسر الضمير في «طوى». ومن هنا يثيرك: «طوى الجزيرة ماذا؟ حتى جاءني خبر»، إذاً «طوى الجزيرة» خبر حتى جاءك الخبر. فأنت هنا تحتاج إلى ترجيح.

قلت لكم هذا من أعقد ما يكون، حتى الصفحة عندي هنا عند هذا البيت مزحومة باحتمالات، وكلما كتبت احتمالاً أضرب عليه وأكتب احتمالاً، وكلما أقول «أو».. هذا من زمن طويل، فأنت ليست مثلاً كلغة زهير هنا، لا، هذه لغة مغرقة. هناك لغة هكذا عند البعض، يعني مثلاً أنت تقطع بأن لغة الشماخ ومزرد ليست لغة امرئ القيس، أنت تقطع بهذا. لغة الشماخ والمزرد، ومثلًا حتى أبو ذئيب في بعض شعره، وكذلك لغة آل سويد بن أبي كاهل وبعض الشعراء في زمرة هكذا ليست كالاعشى، وليست للنابغة الذبياني، وليست كزهير وامرئ القيس، مختلفة.

بالضبط يا خالد، طبقات البدو حتى في الجاهلية هناك، هناك بعض الشعراء ليس عندهم مشكلة. بشر بن أبي خازم لما تقرأه ليس كهذه الطبقة، ليس كطرف بن العبد، حتى لا سما لما يصفون الحمر الوحشية وكذا. وطبعاً هذا شيء والجودة شيء، انتبهوا، البعض يرى هذا ويقول: «آه يعني جودة»، لا، هو هذه صبغة، والجودة شيء آخر. تميم بن أبي مقبل، أحسنت، الجودة شيء آخر.

النابغة الذبياني صعب؟ النابغة مش صعب يا عمي، أنا أتكلم ليس في الجودة، الصعوبة في اللغة التي هي أبعد عنا. الشماخ دخل في الإسلام، في زمن الإسلام، وصدره جاهلي في الشعر، وأبو ذئيب ظل كما هو. آل كاهل، الهذليون لهم سبق خاصة في الشعر، صح ولا لا؟ الهذليون لهم صبغة خاصة في الشعر ظلت هكذا، أما دراسة الجودة شيء، والنسيج شيء، والبيان شيء آخر.

لبيد بن ربيعة على علو كعبه وكذا، لكن لا، زهير لا يوازيه لبيد. إذ يقول: بكرت عليه غدوة فرأيته *** قعوداً لديه بالصريم عواذله يفدينه طوراً وطوراً يلمنه *** واعياً فما يدرين أين مخاقله فاقصرن عنه فاقصرن منه *** عن كريم مرزا عزوم على الأمر الذي هو فاعله

أنت ترى هذه اللغة أقرب إلينا، صح؟ من هذه اللغة، لكن هذه أجود في البيان، الرتبة. وقد تكون بهذه اللغة أجود من الأخرى، جهة اللغة منفصلة عن قضية البيان، يعني صبغة اللغة. لا، لن يتفوق الصعاليك بلغة إذا ثبت أنها فيها صعلكة، أنا لا أرى أن لغة الصعاليك خاصة، فيها خشونة عند طرفة مثلاً، هذه الخشونة لن تتفوق لأجل أنها هكذا.

قال: «ويروى قفراً: مراقب خوفها أرامها». قال: «فمن رفع المراقب وخفض الخوف قفراً: مراقب خوفه أرامها»، رفع المراقب بالأرام، يعني أرامها مبتدأ مؤخر ومراقب خوفها خبر مقدم، فرفع المراقب بالأرام. طيب، قال: «ومن نصب المراقب: قفراً مراقبه»، من نصب المراقب جعلها تابعة للقفر، «وقفراً مراقبه، ورفع الخوف بالأرام»، يعني قفراً مراقبه خوفها أرامها.

إذاً عندنا الآن هذه الروايات أربع روايات، نذكر الروايات المثبتة أمامنا في الديوان بتحقيق إحسان عباس: «باحزة الثلابوت يربأ فوقها قفر المراقب خوفها أرامها»، وقلت «خوفها» هذا غلط في النسخة، غير موجود أصلاً، يعني لم أجده ولا وجه له في المعنى. «باحزة الثلابوت يربأ فوقها قفر المراقب خوفها أرامها»، يعني أرامها هي التي تخاف، تخاف من ماذا؟ تخاف من الأرام، هذا ما يخيفها وليس غيره.

طيب، هناك رواية الأصمعي: «باحزة الثلابوت يربأ فوقها طوراً، مرابئ خوفه أرامها»، خلاص، باحزة الثلابوت يربأ فوقها طوراً، فصل بعد طوراً جملة جديدة: «مرابئ خوفه أرامها»، يعني أعلامها هي صعائد خوفه، لا يخاف إلا منها.

الرواية الثالثة: «باحزة الثلابوت يربأ فوقها قفراً، حال كونها قفراً: مراقب خوفها أرامها». هذه كأنها: «قفراً مرابئ خوفه أرامها».

الرواية الرابعة: «قفراً مراقباً»، يبقى نضع الفاصلة بعد «مراقب» هذه المرة لأنها ستكون منصوبة تابعة للقفر: «باحزة الثلابوت يربأ فوقها قفراً مراقبه خوفها أرامها»، يعني هي مراقب قفر، قفراً مراقبه خوفها أرامها. إذاً أربع روايات: «باحزة الثلابوت يربأ فوقها قفر المراقب خوفها أرامها».

يربا فوقها طورًا مرابئ خوفه أرامه باحزة الثلبوت، يربا فوقها قفراً مراقباً خوفها أرامه.

هتقول لي ما الراجح؟ تستعبط؟ صح أنت بتهزر! وأنا بقى فيا نفس ولا بقى فيها نفس؟ أنا يا دوب حصلت الروايات، ما الراجح قبل ما حد يفتح بق لي ما الراجح! ما الراجح ده عند ربنا بقى. قم الليل لعل لبيت يجي لك في المنام ويقول لك الراجح.

أنا أقول هنا ما الأضعف، برضه ما فيش أنا أقول هنا ما قاله أبو عمرو ابن العلاء. ذهب من يحسن هذا الكلام، لكن هو الأمر ليس ممتنعاً، أنا أمزح معكم لكن يحتاج إلى مقام لا يناسبه هذا المقام؛ يحتاج إلى مقام دقيق وفراغ ذهن لا يناسبه هذا المقام، ولا أفعله إلا في خلوتي أصلاً.

هو في هذا كله كما قلت لكم، لا تنسى أنه يصف ناقته التي تؤول إلى نفسه أو حاله، هو من نفسه بحيث حمل ناقته؛ لو أردنا أن نعبر تعبيراً قديماً عن هذا تعبيراً متقدماً في الزمن، نقول وإنه بذكر ناقته إنما يرمي إلى حال نفسه التي جعلته يحمل الناقة على مثل ما وصفها، إنما يرمي أو يشير إلى حال نفسه التي حثته على أن يحمل ناقته على ما قال.

اعتبار كل الروايات، لا في الحقيقة؛ فيقول: «باحزة الثلبوت»، وقلنا: «بآخره الثلبوت»، وهكذا سمعها خلف وهي رواية الأصمعي كما قال الأنباري: «بآخره الثلبوت يربا فوقها طوراً مرابئ خوفه أرامه». رواية الأصمعي حلوة؛ يعني: يربا فوقها طوراً مرابئ خوفه أرامه. والروايات الأخرى أيضاً والله جيدة ربما تترجح، المهم حتى إذا سلخ جماداً ستة، وهناك رواية: «جزءاً أو جزا»، «فطال صيامه وصيامها رجعا بأمرهما إلى ذي مرة»، «حصد ونجح صريمه أبرامها».

يقول: حتى إذا سلخ، يعني انتهى، خرج منه جماداً ستة. حتى إذا سلخ جماداً ستة، أو يعني قالوا ستة أشهر، حتى إذا سلخ جماداً كلها، بعضهم يقول يا إخوة إن «جماداً» يطلق على كل البرد وليس على شهر معين؛ بعض أهل اللغة يقول إن «جماداً» يطلق على كل البرد، حتى إذا سلخ جماد ستة جزا. ومعنى «جزا» أيها الإخوة يعني اجتزا بالعشب عن الماء، «فطال صيامه وصيامها» يعني أقام وثبت كما قال الأنباري.

والصيام هو الإمساك، والصيام وهذا ليس الصيام عن أكل، ربما ترى أنه حيوان ويأكل وصحراء فتقول الصيام بمعنى الإمساك عن الأكل أو عن الشرب، الصيام هنا هو الإقامة والثبات. والصيام في اللغة مطلق الإمساك، ولهذا في الاصطلاح الفقهي ماذا يقولون؟ «إمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة في زمان مخصوص».

طيب ما مثال الإمساك بأصله اللغوي؟ «تقطع غيطاناً كان متونها، إذا أظهرت تكسى ملأً منشره، أو فعد فدعذا وسل الهم عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وهجر»، إذا صام النهار وهجر، ما معنى صام النهار؟ أمسك، يعني جاءت الشمس صارت في كبد السماء وثبتت، أمسكت، وهذا معنى صام النهار وهجر، يعني أمسك النهار في وقت الهجير، فقد دخل في الهجير فآمسك خلاص.

وهذا يحصل في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، حديث صحيح؛ طالب الفقه حديث أنس بن مالك الذي يريدونه في الدلالة على قصر خطبة الجمعة وأنها السنة، أظنه أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: «كنا نصلي الجمعة مع النبي ﷺ وننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به». انظر، يعني ثبتت الشمس في كبد السماء فدخل وقت الظهر، فخطب بهم النبي ﷺ خطبتين وصلا وانصرفوا وليس للحيطان ظل يستظلون به. كنا نصلي الجمعة مع النبي ﷺ أو ننفتل من صلاة الجمعة وليس للحيطان ظل نستظل به، إشارة إلى قصر الخطبتين وخفة الصلاة.

هذا يورد في الدلالة على قصر الخطبة، مع أن أصلاً كل ما جرى من شعائر صلاة الجمعة كان بعد الزوال، يعني بعد ثبات وبلوغ الشمس ذروتها في كبد السماء، فخطب النبي ﷺ خطبتين وصلى وانصرفوا وليس هناك ظل، صامت الشمس صام النهار وهجر؛ هذا معنى قول امرئ القيس، وهنا صيامه وصيامها يعني إمساكها في هذا المكان وثبوتها وإقامتها التي طالت في هذا المكان.

قال: «حتى إذا سلخ جماداً كلها»، هناك رواية «جزا» يعني اجتزا، يعني اكتفيا بالعشب عن الماء، وهناك رواية «جزءاً» يعني كان ذلك جزءاً أو حالة كانت جزءاً، «فطال صيامه» يعني قيامه، إقامته وإقامتها.

نطلع بسرعة على مقال الأنباري في هذا الموضع، يقول لرواية الأصمعي: «حتى إذا سلخ جماده كلها»، وقوله سلخ يعني العير والأتان خرج، وجماد شدة البرد، هو قال سلخ جماده يعني خرج من جماده كلها، سلخ جماده يعني انتهى جماد وخرج منه وإن كان الفعل مسنداً إلى الضمير العائد على الأتان، سلخ حتى إذا سلخ جماد ستة يعني استغرق رقى جماداً كلها. الأصمعي قال: حتى إذا سلخ جماداً كلها، وقوله سلخ يعني العير والأتان خرج، وجماد شدة البرد، يعني وكذا كان الشتاء في ذلك الزمان، هكذا يقول الأنباري.

لماذا في ذلك الزمان؟ يعني عند الأنباري كان تغيراً عن الزمان عند الجاهلية، أم نقصد في تلك الأرض قديماً؟ قال: وكذلك كان الشتاء في ذلك الزمان، وفيها كان يكون أول المطر، فيقول: وخرج عنها كلب البرد وأنبتت الأرض واستقبل الجزء فصام عن الماء. هذا تفسير خلاص.

قال: ويقال صام إذا قام وثبت، يعني أنت بحسب ما ستفسر «جماداً» وما كان فيه ستفسر الصيام. لا تنشغل بهذا لأنني شخصياً لا أعرف، نحن اخترنا أن تكون مجالس هكذا استثناء، وممكن نعملها في بعض قصائد أخرى لكن ليس الأصل؛ يعني نمر بالقصائد على العادي بالشرح المختصر، ثم بعض القصائد نعمل فيها هذا، وهذا أبرك في العلم حقيقة.

ويقال صام إذا قام وثبت، ويقال صام النهار إذا ركد حين ترتفع الشمس، ويقال صام النهار إذا سكن. قال: وقوم من العرب يجعلون جماداً الشتاء، ويروى «جزا» أي قطع طعماً، وهل يكون بمعنى اجتزا؟ هكذا فهمته أيضاً، «جزا» يعني اجتزا، وهنا يقول «جزا» بمعنى قطع، فطال صيامه وصيامها والله أعلم، يقول في تفسير الرواية ستة، يقول وستة.

تختفض أو تختفض بإضافة جمادة إليها. خلاص، أي متمم ستة، وخاتم ستة أشهر؛ يريد سلخ أشهرا آخرها جماد الآخر وأولها المحرم. وروي ستة بالنصب، فمن رواها هكذا جعل الستة تابعة لجماده، أي سلخ جمادا ستة، فجعل ستة تابعة لجماده وليس جماداً مضافاً إلى ستة، يعني لم يقل جماد ستة، قال جمادة ستة.

فمن رواه هكذا جعل الستة تابعة لجماده، أي سلخ أشهرا ستة، فاكتفى بجماده من الأشهر، يعني قال ستة جمادة ستة هو ستة أشهر، فاكتفى بجماده، وهذا أراه بعيداً والله أعلم. ولعل الأصح رواية الأصمعي، وهذا أظهر حتى إذا سلخ جماده كلها، ويُحمل جماده على كل الشتاء، كل البرد وليس على جماده الشهر المعروف، حتى إذا سلخ جماده كلها جزءاً، فإن طال صيامه وصيامها.

رجعا بأمرهما إلى ذي مرة. خلاص، جزءاً أو جزا بمعنى قطعاً، لكن قطع ويبنى عليها بالفاء: «فطال صيامه وصيامها». لا ينبني عليها لو كان بمعنى الإمساك، ولا ينبني عليها لو كان بمعنى الصيام عن الطعام أيضاً. فنجعل جزءاً تابعاً لما كان في جمادا، حتى إذا سلخ... شفتم؟ رأيتم اللغة فيها مشكلة؟ اللغة بالنسبة إلينا فيها مشكلة.

حتى إذا سلخ جماده كلها، وتظل تقلبها مع الروايات وتحرص على ألا تأتي بها على فهمك فقط وعصرك، لا على ما يُفهم عن الشاعر. هذه المشكلة، بعض الناس ينخدع، يظل يكيف البيت إلى أن يطابق فهمه، ينسى أنه إنما يكيف البيت ليوافق لغة الشاعر لا ليوافق فهمك أنت.

فهمتم؟ أغلب المحققين للأسف هكذا لما يحققون، تراهم يرجحون الرواية التي فهمها وأقرب إلى لغته، وهذا المعيار غير معتبر. الصواب أن تحرر الرواية التي هي أقرب إلى لغة الشعراء ومنازعهم. ستقول: طيب، ما هذا معناه أنه لا يحقق الشعر الجاهلي في إثبات نصوصه وترجيح رواية على رواية؟ حق الترجيح إلا من كان أصلاً عالماً مشتغلاً بالشعر الجاهلي. أقول: صواب، أحسنت، ما شاء الله، عرفتها بنفسك!

إذن ماذا نفعل في المحققين الذين يرجحون الروايات وهم محققون ليسوا مشتغلين بأصل هذا الفن في ذاته؟ أقول: جزاهم الله خيراً على الجمع والتحقيق وإثبات الروايات في كتاب واحد، وأقول: ولكنهم تجاوزوا اختصاصهم بأن رجحوا؛ ينبغي ألا يرجحوا ونحن نراهم يرجحون بماذا؟ بما يوافق لغتنا. والصواب أن يرجحه بما يوافق لغة الشاعر ومنازع الشعراء في هذا العصر، ليس بنا نحن، ليس بما يهبط بالنص، وإنما بمذهب النص.

تقول لي: يعني يا أبا قيس ما الذي يمنع؟ أقول لك: يا رجل، كون القصيدة بدوية أو حضرية هذا من معنى القصيدة، أليس كذلك يا خالد الشيباني؟ بشار قال لك: لو قلت كذا كانت حضرية أو مولدة وخالفت مذهب القصيدة أو معنى القصيدة، سماها "معنى القصيدة". يعني صبغة القصيدة سماها معنى القصيدة. فلما تكون هذه اللغة للبييد وتأتي أنت في بيت ترجح وتكيف الروايات حتى توافق لغتك أنت، عملت رقعة في بيت لبيد -وهو حرف واحد- أحسنت، أنت عملت رقعة في قصيدة لبيد، خالفت معنى القصيدة.

الصواب أنك ملك القصيدة وليس أن القصيدة ملكك. الصواب أنك ملك القصيدة وأنت تخدمها في ذاتها في مكانها، تخدمها في مكانها وليس أن القصيدة تخدمك. إذا أردت أن تكيف، اذهب واصنع نصاً، هات شاعراً معاصراً وكيف كما رأيت، مش حرام على فكرة؟

أندهلك؟ نقعد كده ونشرب قهوة، بشرط ما بقعدش في حاجة فيها شرب حرام، ما بقعدش غير في حلال. أندهلك كده ونقعد ونشرب قهوة وندردش ونتبسط ونقول اللي يكيفنا، لكن لما تأتي عند قصيدة لشاعر، أنت ملك القصيدة وليس أن القصيدة ملكك. تكيف بها دماغك؟ لا، هذه بدوية أو هذه مولدة، وقد بنيتها بدوية، فلو قلت كذا خالفت معنى القصيدة. يا سلام على الدقة التي عند بشار بن برد! شفت يا عم البلوي؟ شفت؟ جبت شيئاً من عندي أنا الآن، كلام بشار أهو.

وأنت كما قلت ينبغي أن تكون في حكم القصيدة وليس أن تكون القصيدة في حكمك، وأنت تنقحها وتدرسها؛ لأنك تقومها على ما هي عليه وليس أنك تكيفها لتخدمك في عصرك. بالضبط.

حتى إذا سلخ جماداً كلها جزءاً، وأنا أظن جزءاً هنا بمعنى الاجتزاء كما قال الأنباري وغيره، الاجتزاء بالعشب الكثير عن الطعام. أو جزا، هنا أقول شيئاً: هم قالوا جزا بمعنى قطع عند اقتراح يستقيم به الكلام، لو قلنا جزا على صيغة الماضي ولكن بمعنى اجتزا، لو صح جزا بمعنى اجتزا بعد الشتاء، بعد الشتاء، فطال صيامه وصيامها، يعني عن الماء أو المكث. أو نقول: سلخ جزء جماده كلها جزءاً، يعني سلخ داخلين في الاجتزاء، فطال صيامه وصيامها على الوجهين يصح، لكن على الوجه الأول سيقابلنا شيء، وهو أنه جزا سيكون جواب "إذا".

وماذا سنفعل في "رجعا"؟ فالرواية إذا "جزءاً" ومعنى جزءاً يعني سلخ، إذا كان الاجتزاء لا يكون في الشتاء، فإذ انسلخ من الشتاء اجتزاء بعد الشتاء وطال صيامه وصيامها، يعني إقامته وإقامتها، فيكون المعنى كالتالي يا إخوة: حتى إذا سلخ جماداً كلها، الشتاء كله سلخ، يعني قطع الشتاء كله -انتبهوا حتى نفهم على وجه وتحفظون القصيدة عليه، وبعد ذلك المجال مفتوح للنظر وإعادة النظر- لكن أنتم الآن تحفظون القصيدة: حتى إذا سلخ جماداً كلها، يعني حتى إذا قطع تجاوز الشتاء كله جزءاً، إذا صح هذا أن يكون قطعوا متجاوزين إلى الاجتزاء، يعني بالزروع جزءاً، فطال صيامه وصيامها.

أو يكون "جزا" جزءاً، يعني اجتزاء بعد السلخ، فطال صيامه يعني إقامته وإقامتها، رجعا بأمرهما إلى ذي مرة. رجعا بأمرهما إلى ذي مرة؛ المرة القوة في الرأي كما قال الأنباري، لكن المقصود هنا أنه ما رجع إلى رأيه هو، رأي نفسه لأنها كانت تعند عليه، صح؟ كانت تعند عليه.

رجعا بأمرهما إلى ذي مرة؛ حصد، مبرم محكم. ونجح صريمه؛ يعني عزيمة إبرامها، يعني إحكامها والقطع بها والقيام لها. رجعا بأمرهما إلى ذي مرة، يعني قوة في الرأي، هنا في هذا المقام رجعا بأمرهما إلى ذي مرة، يعني هي رجعت إليه واستقر على رأي نفسه، هو القائد. خلاص، رجعا بأمرهما إلى ذي مرة، حصد مبرم محكم، ونجح صريمه، الصليمة هي العزيمة.

من شواهد ذلك في الشعر الجاهلي قول الشماخ بن ضرار: «وعوجاء مجذاً وامر صريمة» يعني أمر عزيمة، تركت بها الشك الذي هو عاجزه. يا سلام، يا سلام! نفس المذهب في هذه الأبيات، نفس المذهب النسجي، نفس العب الذي هناك.

ده بتاع الشماخ والمزرد وبتاع لبيد هنا، وبشر بن أبي خازم وتميم بن مقبل. لا، الكتاب بعيد، ولو بقي الكتاب بعيداً لا أحتاج إلى النظارة؛ أنا إذا كنت هكذا سأحتاج، لكن هكذا عادي، ولا أحبها الصراحة، ألبسها للضرورة فقط لما أقترب من الكتاب.

طيب نجرب، هي فين؟ أهي، نجرب. آه والله أفضل، ماشي. خليني كده يا عم، أنت هتعارهما؟ إلى ذي مرة، حصد ونجح صريمة، عرفتم معنى الصريمة؟ الصريمة العزيمة، من شاهدها قول الشماخ بن درار: «كما قلت وعوجاء مجذام وامر صريمة».

يعني وامر عزيمة، تركت بها الشك الذي هو عاجزه، فالصليمة يعني عزيمة، كأنه قال: ونجح عزيمة إبرامها، أحكامها، والإقدام عليها. نعم، أنت إذا كانت عندك عزيمة لشيء لابد أن تحكمها وأن تضعها على محك التنفيذ، لكن لابد من الإبرام والإحكام، رجعاً بأمرهما إلى ذي مرة: حصد ونجح صريمة، إبرامها يعني نجاح العزيمة ونفاذها في أحكامها والإقدام عليها.

«ورمى دوابرها السفا وتهيجت ريح المصايف سومها وسمامها». قال: رمى دوابرها، الدوابر هنا الحوافر، ماخر الحوافر، والسفا شوك يجف إذا جاء الصيف، أو التراب، أو جاء الصيف وهاج، ويطلق السفا على التراب كذلك. هل هذا طباق؟ صليمة وإبرام، لا مش طباق، إنهما من جهة واحدة.

قال: «ورمى دوابرها»، شوف الكناية، يشير بهذا إلى انتهاء الربيع ومجيء الصيف واحتياجها إلى ورود ماء. قال: «ورمى دوابرها»، يعني ماخر الحوافر علق بماخر الحوافر الشوك، هذا معنى رمى دوابرها لأن الدوابر ماخر الحوافر فتعلق فيها الأشواك، ورمى دوابرها السفا؛ شوك يجف إذا جاء الصيف، ولا يقال منه لا يقصد منه التراب هنا، ليس هو الذي يرمي ماخر الحوافر خاصة، لكن هو ذكر السفا لأنه يعلق بما فوق الحافر من الوراء، من خلف، من آخره.

«وتهيجت ريح المصايف سومها وسمامها». يعني هاجت ريح المصايف، وجعلها مصايف مش مصيف، مصايف. ريح المصايف سومها، مرها وسمامها. قالوا سومها: مرورها، وسمامها: قالوا ريحها الحارة. يقول في هذا الأنباري: قال سومها مرها، شرحناها، حتى يقول انظر، حتى يقول مرها، يقال جاءنا جيش سوم الجراد أي يمر مر الجراد في كثرته، فهذا معنى سومها.

وقال: «والسهام ريح حارة»، قال: ريح المصايف سومها يعني مرها وسمامها يعني ما يتبعها من الريح الحارة، وتتوالى الريح الحارة. ومعنى البيت: رمت دوابر الحمير السفا، أي نخستها ليبسي السفا وجفافه، وهيجت ريح المصايف الحشيش فهاج الحشيش، وتهيجت ريح المصايف سومها وسمامها يعني مرورها وحرارتها الشديدة.

قالوا: كل فعل أسند إلى مؤنث وتقدم، أي الفعل، وحيل بينه وبين الاسم، جاز تذكيره وتأنيثه. يا إخوة، كل فعل أسند إلى مؤنث، يعني الفاعل مؤنث، وتقدم الفعل وحيل بينه وبين الاسم بشيء، جاز تذكير الاسم وتأنيثه. عندك هنا في الرواية في الأنباري، يرويها: «ورمت دوابرها السفا»، يقول هنا ويروى «ورمى دوابرها السفا»، أنث السفا، قال السفا مؤنثه، ومن ذكر قال هو مما يذكر ويؤنث، خلاص. من ذكر قال هو مما يذكر ويؤنث، ومن أنث ماذا قال؟ قال: كل فعل لمؤنث متقدم عليه، إذا حيل بينه وبين الاسم صلح فيه التذكير والتأنيث. يعني السفا مؤنثه، «رمى دوابرها السفا» أو «رمت دوابرها السفا»، فهمتم؟

ومفرد الدوابر دابرة، شرحتها يا أخي الكريم شرحتها من قبل، ابحث في القناة ولا تكتب الأشياء كثيراً، لا تكتب المنشور كثيراً يا أخي الكريم. والقصيدة عمرو بن معدي كرب، عذرك مقبول، أنا شرحتها من قبل، موجودة في القناة يا إخوة مشروحة، صح؟ مشروحة صح. «فكل رداء يرتديه جميل إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»، فكل رداء يرتديه جميل، شرحتوها صح. هذا السماول، أنت عمرو بن معدي كرب، أظن شرحتها أيضاً. هذا السماوي قال: أنت تقصد قصيدة العمر، «ليس الجمال بمئزر»، يا أخي المئزر والرداء اختلط علي، «ليس الجمال بمئزر فاعلم وإن رديت بردة»، شرحتها أيضاً. ابحث في القناة وراسلني، أنا لا أتذكر الآن، لا استحضر اللحظة، هي في المائة قصيدة، أليس كذلك؟

«ورمى دوابرها السفا وتهيجت ريح المصايف سومها وسمامها، فتنازع سبطاً يطير ظلاله كدخان مشعل يشب ضرامها». تنازع سبطاً، السبط الغبار الممتد في السماء. أنا ليست الفكرة هنا في غبار ممتد في السماء، الجمال البياني هنا في قوله «فتنازع سبطاً»، يعني غبار مرتفع ممتد في السماء يطير ظلاله، يعني يعمل كالظلال تتراكم فوقهم. المشكلة في تنازعا، تنازعا، صورة يتنازعان، هذا الغبار الذي يخرج منهما يعني عزم وحركها وحثحثها، هذه لغة، أهي حثحثها؟ خلاص.

تنازع سبطاً يعني غباراً ممتداً في السماء يطير ظلاله، أنا أتخيل الصورة الآن من الهليكوبتر لما بيصوروا العربيات أو سباقات الهجن أو سباقات الخيل لكن في صحراء وترى الغبار، لأن الغبار يلازمهما ولأنهما مجتمعين كأنهما يتنازعانه. «يناهبها أم الهدى وتناهبه»، يا سلام ما شاء الله عليك يا أخي، الله يحفظك يا عمي، أوعى تحسب ما تقولش كل اللي أنت عارفه، الله يكرمك خلينا نختزنك للي جاي.

«يناهبها أم الهدى وتناهبه»، يعني يتناهبان الطريق، يأكلان الطريق أكلاً، يحفرانه، كأنهما يتجاذبان الطريق، شوف المجاز العربي. فتنازع سبطاً يطير ظلاله، كدخان مشعل يشب ضرامها. الضرام الحطب الدقيق الذي تسرع فيه النيران، كدخان مشعل، يعني نار مشعلة، يشب ضرامها، يشب حطبها الدقيق الذي يشتعل بسرعة. «مشمولة»، مشمولة يعني أصابتها، ما هي المشعلة كدخان مشعل، مشمولة أصابتها ريح الشمال، فهيجتها ريح شديدة، فهيجتها غلثت، يعني خلطت. وكل مخلوطين يقال فيهما غليث.

كل ممزوج يقال فيه غليث، مشموله غلثت بنابت عرفج. والنابت يكون أخضر جديدًا، فأراد بالنابت أنه لين أخضر يتسبب في دخان؛ لأن حرق الأشياء الخضراء مع الحطب لا يتسبب في دخان شديد، لكن إذا أشعلته ووضعت فيه أشياء خضراء دخن، ولو أشعلته وحده لم يشتعل.

ولو أشعلت الحطب وحده ستضطرم النيران، ولكن الدخان خفيف؛ لأنه يشتعل بسرعة وكلما هبت النار خف الدخان وانتهى المحروق بسرعة. إنما هذا المزيج ليحدث لك امتدادًا في الدخان والاشتعال؛ لأن الأخضر وحده لا يشتعل، ولهذا قال: «غلثت».

هذا ليس فراغًا ونظمًا يا جماعة، هذا ليس نظمًا حتى لا يقال إنني أرمي بالكلام ولا أقصد. أقصد عبد الرزاق الصاعدي، الدكتور الذي اتهم الشاعرة العربية بأنه نظم من امرئ القيس إلى المتنبي.

قال: «مشموله غلث يعني خلطت بنابت عرفج». العرفج نبات صحراوي معروف، ومنه يسمى بعض القوم بالعرفج، وهناك عائلة العرفج في السعودية موجودة في الأحساء. أعرف أصدقاء من أسرة العرفج، وهناك علماء في السعودية أحسائيون، وعائلة العرفج أحسائية أهدوني بعض الكتب، منها كتاب عن البدعة.

النبته معروفة، وهناك عائلة تسمى العرفج في الأحساء تقريبًا، زاروني مرة أو مرتين قديمًا وأهدوني بعض الكتب، وكنت أستغرب من الاسم حينها ثم عرفت أن العرفج نبات صحراوي.

وقال: «بنابت عرفج» ليكون أخضر كدخان نار ساطع أسنامها. يصف هذا الغبار بأنه كدخان نار ساطع أسنامها؛ أي ما ارتفع منها، وسمي السنام سنامًا لأصل ارتفاعه، كسنام الجمل. فالمادة هي السنام عمومًا لكل شيء مرتفع، وسمي السنام لذلك.

«فمضى وقدمها وكانت عادة منه إذا هي عرضت أقدامها». يصف هذا، وكأنها من القصيم، والله لي لهم كتاب عندي أو كتب، لحظة.. والله لا يظهر كتاب أمامي الآن. أنت عشت في القصيم منذ أحد عشر عامًا تقريبًا؟ لا يظهر الكتاب أمامي لأنه لهم كتاب اسمه في البدعة، لكنه يبدو في المكتبة التي في الداخل، البدعة الأصلية والبدعة.

اسم العائلة العرفج، وهم أكثر من واحد لما زاروني، وكانوا قومًا كرامًا بالمناسبة، وبيننا صلة. عندي محمد وليد العرفج، وعبد اللطيف العرفج، وهم مسجلون عندي في التليجرام. وهم موجودون في الكويت، لكنني أتكلم عن السعودية، وقد أخبروني أنهم بكريون. قالوا لي: «نحن أقرباء»، فكنت أظنهم يمازحونني بسبب الشعر الجاهلي فيقولون: «نحن أقارب طرفة بن العبد».

وهم في مكان في السعودية مميز، وليس في الرياض، ومختلفون في الاتجاه العلمي أظن، فكتاب البدعة هذا يخالف ما عليه الفكر السائد. عنوانه: «مفهوم البدعة وأثره في اضطراب الفتاوى»، لست متذكرًا تمامًا، لكنه كتاب العرفج، ويبدو في الداخل، لم أضعه مع أصول الفقه مباشرة بل مع كتب الفكر.

عبد الإله العرفج، هذا الكتاب «مفهوم البدعة»، أنا أذكر أنهم أهدوني إياه لما زاروا مصر، واطلعت فيه ووجدته يحمل نفس الفكر الذي عندي، وجدته يحلل ويشرح ويفصل شيئًا في بيئة معينة، وشعرت وأنا أزهري أنني أحطت بالفكرة. الكتاب حسن في التشبيه وفي الأمثلة والنقل، وهذا جيد جدًا لأن الناس يحتاجون إلى النقل لحصول الموثوقية، وكلما كثر النقل عن العلماء القدماء وأصحاب الأسماء الكبيرة كان ذلك أجدر.

«مشموله غلثت بنابت عرفج، كدخان نار ساطع أسنامها، فمضى وقدمها، وكانت عادة منه إذا هي عرضت أقدامها». يقول الأنباري: جعلها قدامه كي لا تعند عليه، ولكن وقفت عند قوله: «وكانت عادة منه إذا هي عرضت»، بمعنى عدلت عن الطريق أقدامها، وأصل التعريض هو الفرار، فيعني كأنها كلما عدلت عن الطريق كالفار هكذا أقدمها وقومها، وهذه طبعًا فصلها.

«فكأنما هو مدوس متقلب بالكف، إلا أنه أضلع، وكأنه يسر يفيض على القداح ويصدع، وكأنه ربابة». هذا يصف هنا «فمضى وقدمها وكانت عادة منه إذا هي عرضت أقدامها». لماذا كانت عادة؟ هذا تفسره في سياق القصيدة؛ لأنه يصف ناقته التي يرمي بها إلى حال نفسه التي حمل بها الناقة على أن تكون بهذه الصفة التي تشبه فيها هاتين الآلتين.

رأيت في قوله: «وكانت عادة منه إذا هي عرضت أقدامها» الشاعر وهو يقود ناقته، ولا يسمح لها بيمين ولا شمال ولا نظر إلى وراء. رأيت الآتان، الآتان التي رجعت إلى رأيه بعد العناد والمشاكسة والكدام.

«فاقطع لبانه من تعرض وصله، ولخير واصل خلة صرامها، بطليح أسفار تركن بقية منها، فاحنق صلبها وسنامها». ثم أخذ يصفها وشبهها الآن بالآلتين، وهو يصف ناقته ويشبهها بالآلتين، ولا أحد يقول يشبه نفسه، هو يشبهها هي، وشيء يطارضها، يحثها ويمنعها من الانحراف.

«إذا أريد بالضيم بل ما تذكر من نوار، وقد نات وتقطعت أسبابها ورمامها، فاقطع لبانه من تعرض وصله، ولخير واصل خلة صرامها، بطليح أسفار تركن بقية منها، فاحنق صلبها وسنامها، وإذا تغاي لحمها وتحسرت، وتقطعت بعد الكلال خدامها، فلها هباب نشاط في الزمام، كأنها صهباء خف مع الجنوب جهامها، أو ملمع وسقت لاحق عاندت فترة».

يحصل كل عام، وأنا كذلك ناقتي تقوم في الطريق وتدفع في الطريق، في كل موقف يراد به مني أو يراد به بيضيم أو الحيف، فمضى وقدمها، وكانت عادة للآتان التي هي المشبه به.

لا تسألني: لماذا قلت هذا يا أبا قيس؟ بعيد في المسافة، إنما الآتان ما زالت مشبهاً به، يا بابا افهم يا حبيبي. هو بعيد على العقل المعاصر، لأنه عقل كليل بتاع "ريلز"؛ مش بقول لكم "الريلز" هيجيب لكم تخلف عقلي؟ النت هيجيب لكم تخلف عقلي، الأشياء القصيرة هتجيب تخلف عقلي. أنت نسيت أن هذه الآتان مشبهاً بها، وأن الناقة مشبه هو ما زال يشبه ناقته في كل حرف، يشبه ناقته. فلما قال هنا: «وكانت عادة منها إذا هي عرضت أقدامها»، وأنا بذلك أشبه بها ناقتي، يعني ناقتي كذلك.

ماشي يا مولانا، حلو. إحنا قلنا ما قلناش أنت يا ابني. فتوسط عرض السري، وصدع مسجورة، متجاوراً -وهناك رواية متجاوزاً وهي الصواب- قلامها.

قال: «فتوسط عرض السري»، والعرض يعني الناحية والجانب، والسري هو نهر صغير يكون بمنزلة الجدول، نهر صغير بمنزلة الجدول؛ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24]. يعني نهر صغير أشبه بالجدول.

فتوسط عرض السري؛ شفت السري يا إخوة في القرآن وفي الشعر؟ فالذي يعرف الشعر سيعرف القرآن، الذي لا يقرأ التفسير إلا من القرآن لن يتصور، سيعرف المعنى المعجمي لن يتخيل. الشعر يأتي لك بالألفاظ في التخييل الشعري فتتخيل تفهم. كما في "العسعسة" ستشرح لك في كتب التفسير معناها كذا وكذا، وتفضل عامل كدة، إنما لما تعرفها من الشعر، من شعر عنتر مثلاً: بِرَحِيبَةِ الفَرْغَيْنِ يَهْدِي جَرْسُهَا ... بِاللَّيْلِ مُعْتِسِ السِّبَاعِ الدَّرْمِيِّ

شفت الكلام؟ السري أهو في سورة مريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، فتوسط عرض السري. والعرض يعني الجانب، وتوسط يعني دخل فيه. هذا السري، النهر الصغير، له جانب هكذا، فيه العين، نبع الماء. قال: «فتوسط»، أو إنها اجتمعت في هذا المكان، عمل عيناً هكذا أو كالحديقة الصغيرة، يعني بؤرة صغيرة هكذا شق منها جانب هكذا مساحة دائرية، فتوسط عرض السري، جانب أو ناحية السري، النهر الصغير.

وصدع يعني شق النبت الذي على الماء؛ «وصدع مسجورة»، وهذا يدل على أنها عين ينبع منها مصدر هذا السري أصلاً، والله أعلم؛ لأن النهر في بلاد العرب لا يأتي من البحر كما مثلاً، ولا يأتي من جبال بعيدة مثلاً كبيرة كما في أفريقيا وإثيوبيا. جبال في إثيوبيا والسودان وتنزل وهكذا، يجري في السودان من إثيوبيا الجبال، أو تكون عيناً، أو في فترة السيول تجري مدة وفترة.

أنا رأيتها في صحراء الأردن بالمناسبة لما ذهبت إلى الأردن في عام 2023، ذهبت إلى لواء الكورة، صحراء لواء الكورة، ومشيت في الجبال هناك رأيت هذه المياه التي تجري في الشقوق ولا تعرف مصدرها، تدور كدة جاية منين؟ من جوه الجبل، تبحث عنها ما فيش، هي ماشية وطالع فيها نبت قصب هكذا، لكن يبدو أنها جوفية، رائحتها كبريتية أظن. المهم، لم أنزل فيها، وجدت أهل الأردن يحبون أي مجرى مياه جداً؛ لأن هناك أنا عندي النيل هنا وكل ترعة وبتاع، فالمياه عندي مش حاجة، أنا مش هروح أقلع الجزمة والشراب وأنزل في المياه. الأردن يحبون النزول في المياه لأن الأردن لا تطل على أي بحر للأسف إلا عند خليج العقبة بعيد، وليس فيها أنهار إلا نهر الأردن.

قال: «فتوسط عرض السري وصدع مسجورة»، يعني عيناً مملوءة. والبحر المسجور، قالوا هذا من الأضداد، قيل الفارغ، قيل الممتلئ، وقيل المشتعل، وتسجير اشتعال. والمراد هنا بمسجورة يعني يفور منها الماء، يمتلئ بشدة، يفور منها الماء.

«فتوسط عرض السري وصدع مسجورة، متجاوزاً في الطول قلامها»، نباتها، قالوا هو الحامض أو كذا. أنا لم أتصوره، الحمض... السجائر أخذت منها السجائر.

«فتوسط عرض السري وصدع مسجورة»، يعني دخل في عرض هذا النهر الصغير وتوسط عيناً مسجورة، وصدع، يعني شق النبات فيها الذي يكون على الماء كما قال الأنباري. «وتوسطاه وهي عين مسجورة كث كثيرة الماء متجاورة قلامها»، أو متجاوزاً مرتفعاً قلامها.

«محفوفة»، تبقى عيناً مسجورة محفوفة، «وسط اليراعي يظلها». هذه العين محفوفة بالقصب، محفوفة وسط اليراعي، يعني هي بين القصب يحيط بها القصب، واليراع هنا هو القصب والواحد يراع. "يظلها"، فيظل الماء فهو بارد ولا يذهب، لا يتبخر. «يظلها منه مصرع غابة»، الغابة الأجمة، يعني هو صار كثيفاً كثيراً، «فمنه قائم ومنها مصرع»، يعني مائل وقائم؛ فيظلها منه مائل وقائم، قائم يحفها وفيه مائل عليها هكذا يظلها، دخل في كل ذلك وكانت مسجورة كثيرة وشرب.

«فتلك أشبه بها ناقتي، أم وحشية مسبوعة». شفت كيف لم ينسَ أنه يشبه؟ قال: «فتلك»، تلك الآتان أشبه بها الناقة، أم وحشية مسبوعة، ودخل في مشبه به ثانٍ، وسيُطيل كل هذا بهذه الوحشية، الضبية المسبوعة، البقرة الوحشية، سيشبه ناقته، وبالتي مضت الآتان شبه ناقته. والله لو أتى بمائة بيت ليس فيها أداة تشبيه يبقى تشبيهاً، أنت بقى عقلك كليل مشلول. لا دعوة، يجاب أداة تشبيه وإن شاء الله يمشي مائة بيت، تشبيه ولا مش تشبيه؟ تشبيه. ألم يقل النابغة الذبياني بعد قصة طويلة: «فتلك تبلغني النعمان»، أي تلك الناقة التي شبهتها بتلك البقرة الوحشية أو الثور الوحشي الذي حصل معه كذا وكذا، «فتلك تبلغني النعمان».

والآن اسمع، روح فين؟ إحنا مع بعض، تعال. «بطليح أسفار الناقة»، ما زال صريحاً في الناقة؛ «بطليح أسفار تركنا بقية منها فاحنق صلبها وسنامها، وإذا تغالى لحمها وتحسنت، وتقطعت بعد الكلال خدامها». ما زلنا في الناقة.

صراحة فلها هباب في الزمام كأنها صهباء خف، مع الجنوب جهامها أو ملمع، يعني كأنها صهباء سحابة، واختصر التشبيه أو ملمع الاتان أو ملمع.

وسقت لاحق بلاحة طرد الفحول وضربها، وكدامها يعلو بها حب الأكام مسحج قد رآبه، عصيانها ووحامها بأحزة اللابوت يربا فوقها، طوراً مرابئ خوفه أرآمها حتى إذا سلخ جماداً، كلها جزءاً فطال صيامه وصيامها رجعاً، بأمرهما إلى ذي مرة حصد ونجح صريمه إبرامها.

ورمى دوابرها السفا وتهيجت ريح المصايف، سومها وسهامها فتنازعا سبطاً يطير ظلاله، كدخان مشعل يشب ضرامه مشموله، غلثت بنابت عرفج كدخان نار ساطع أسنامها، فمضى وقدمها، وكانت عادته منه إذا هي عردت أقدامها، فتوسطاً نجت فتوسطاً عرض السري وصدعا مسجورة، متجاوراً قلامها محفوفة وسط اليراع ظلها، منه مصرع غابة وقيامها.

تشبيه: «أفتلك أم وحشية مسبوعة؟» «أفتلك أشبه بها ناقتي أم وحشية مسبوعة؟»

خذلت وهادية الصوار قوامها خنساء ضيعت الفرير، فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها، لمعفر قهد تنازع شلوه غبس كواسب لا يمن طعامها.

تشبيه آخر طويل سيأتي لناقته، تشبيه ولا مش تشبيه إن شاء الله يقعد 1500 بيت. رأيتم طول التشبيه؟ تريدون للعقل المعاصر أن يعي هذا التشبيه، وأن يعي هذا التركيب الطويل؟ تخيلوا العقل المعاصر لم يكتفِ بأنه كليل عاجز، وأنه أكتع، اتهَم هذا الشعر.

لا أنسى يوماً حديث نفسي وأنا أسمع، حين أرسل لي القطعة هكذا من كلام أختنا الأستاذة ثناء صالح الحاج من سوريا، لما هاجمت نصاً حداثياً كليلاً ميتاً، فقامت تدافع عنه، تعرفون ماذا قالت؟ تعرفون ماذا بالضبط يا خالد؟ لا، يركبون استعارة صحيحة! دكتور عبد القدوس يقول عندهم أمية فنية، يقول لا يستطيعون الإتيان ببيت تشبيهي مركب، بيت واحد، لأن الحداثي مشغول باللفظة، كيف يلخبط فيها.

تعرفون ماذا قالت؟ أنا أتذكر لأنه وقع حديث في نفسي حينها، قالت: «المشكلة أن الأستاذ أبا قيس لم يتعامل إلا مع الشعر الجاهلي الساذج، أو كالساذج الصريح العادي في المعاني القريبة، لم يتعلم هذا الشعر العميق الذي ندعو إليه».

أنا حينها قلت في نفسي: أحقاً تعنين ما تقولين؟ هذه كانت أختنا ثناء الحاج لما صدروها تدافع عن قصيدة حداثية هاجمتها لمجموعتها، يعني من مجموعة الإخوة الحداثيين، المهم لأنهم قالوا حينها: هذه أول قصيدة مدح نبوي تأتي بعد البوصيري! طب أين شوقي؟ قلت: طب تعالِ، عملت محاضرة موجودة بالمناسبة على قناتي، فغضبوا واستصرخوا الأستاذة ثناء الحاج على أنها ناقدة.

وما أحببت أن يصدروها الحقيقة، لأنني في ردودي عموماً في حدة، وأنا أعرف أن في حدة في التعبير، ولا أحب أن يكون هذا تجاه امرأة، لا أحب هذا في نفسي، أكرهه جداً، لسنا ممن يدخل في أمور الجلد. فحتى حينها ردت عليها مرة واحدة وأمسكت، وما رددت إلا بعد استشارة كثيرة، وحتى قال لي المستشارون: نعلم أنك تريد من يقول لك لا تخرج، لا ترد، لكن لا بأس، هذا علم وكذا، لا بأس أن تجيب بأدب معها ورفق. لكن كان الأصل عندي ألا أجيب، لأن في شدة وأعرفها في حدة، لكن أحترم ولا أسئ، لكن في حدة لا أحب أن تكون نحو امرأة، هن لم يُخلقن لذلك.

مهما كانت نشئت في الحلية، المهم هي قالت حينها طبعاً لم أجِب، خلاص كنت أنهيت الذي عندي ولم أجِب، لكن هي قالت حينها: «أبو قيس يتعامل مع الشعر القريب الصريح الساذج، أما لم يعرف هذا الشعر العميق الجديد الحداثي».

أنا قلت في نفسي: حقاً تعني ما تقول؟ ماذا لو جربت هذا الشعر؟ رأيتم يا إخوة التشبيه؟ هل أنا أسألكم، هل تحسبون أنهم فهموا هذا؟ أنتم الآن جمهور الشعر الأصيل وتتابعون وقائمون معنا، ومع ذلك أنا أعلم أن بعضكم ما زال ينبهر من هذه النماذج، لا يتوقع بعضها، صح؟

هذا أنا هموتك في الشماخ بن ضرار، هجيب أجلك إن شاء الله. الشماخ بن ضرار الذبياني، هتشوف بقى يعني إيه الشعر العربي، ويعني إيه انشداد القصيدة وأسر القصيدة. ما هو أنا ما أخرت الشرح، لماذا أخرت الشرح؟ أريد أن يأتي على أصوله. يبدو من كلامهم أنهم لم يفهموا شعر شوقي حتى يفهموا هذا أصلاً، حتى شعر شوقي لم يفهموه، فما بالك بهذا؟

رأيتم يا إخوة، بعد كل هذا «أفتلك أم وحشية»، وسيطيل جداً. خذ عندك معجلاً، شوف معجلاً، هو قال: «أفتلك أم وحشية؟»، تعالَ نعد مع بعض من البيت السادس، بعد 17 بيتاً في تشبيه ناقته بماذا؟ في تشبيه ناقته بالظبية المسبوعة الوحشية.

قال في البيت الثالث بعد الخمسين، في السادس بعد هنا، الثالث بعد الخمسين قال: «فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى، واجتاب أرضه السراب، أقضِ اللبانة لا أفرط ريبة، أو أن يلوم بحاجة لوامها». يقول لك القصيدة مفككة! دماغك اللي مفككة! «فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى واجتاب أرضه السراب، أكامها أقضِ اللبانة لا أفرط ريبة أو أن يلوم بحاجة لوامها».

«أولم تكن تدري نوار بأنني وصال عقد حبائل جذامها؟» وصال جذاب ردك إلى الأول بعد رحلة تشبيه، رحلتين تشبيهيتين، ومن الذي اختصر الكلام هذا وما جاء به؟ لم يأتِ به في موضوع نوار وكذا، الشماخ قال لك: «عفى بطن قو من سليمة فعالز، فذات الغضا فالمشرفات النواشز».

وأحنا لسه هخبطك، قال لك: «فكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل، صارم أو معارز، أنجز خلص الطلب». خلص الطلب، مش أنا لسه هبكي عليها! فعل هذا بالضبط، هكذا: «عفى بطن قو من سليمة فعالز، فذات الغضا فالمشرفات النواشز». هذا أول بيت، البيت الثاني: «فكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل، صارم أو معارز، أنجز». هي لم تسعَ إلى اللقاء والاجتماع، ما عنديش وقت. «فانقلب ومرقبة لا يستقال بها الردى، تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز، وعوجاء مجذى وأمر صريمة»، تركت بها الشك الذي هو عاجز، كان قتودي فوق جاب مطر ودخل الباب. طبعاً يا شيخ خالد، الشماخ.

تحسه أكثر بداوة من لبيد. نبدأ غدًا في "أفتلك أم وحشية" مسبعة.

بصراحة أنا سعيد أننا لم نقرأ هذه القصيدة بسرعة، حقًا والله سعيد أننا لم نجتزها بشرح مختصر. أنا أحب هذا النوع من الفن، من هذه القصائد، أحب جداً؛ أشعر أحياناً بحرمة شرعية لما أشرح شرحاً مختصراً قصيدة فيها عمق. لو أكملت، نحن دينيا ساعتين يا إخوة، يا نهار أبيض! في حد بيعمل بث يقعد ساعتين ويقول له أكمل؟ والشعر القديم كمان.

والله هذا هو الفلاح، الحمد لله تعالى. ماذا كنت أقول؟ لما تكون قصيدة فيها عمق، عميقة وفيها دلالات وتراكيب رهيفة وخطيرة، أشعر بحرمة شرعية أن أقرأها قراءة مختصرة. سبحان الله! حتى في رمضان صرت أقلل القراءة في التلاوة الرمضانية؛ لأني أشعر بعدم راحة أني أجرد. لما أرى أصحاب القراءات يجردون القراءات ويجمعون العشر من طريق الشاطبية مثلاً وتجده يقف ويعيد وكذا، سواء على طريقة الشاميين أو طريقة المصريين.

هل تعلمون معنى هذا؟ هل تعلمون قيمة ما تقرؤون؟ تمضغون ألفاظه باللفظة، مش بالآية على بعضها، باللفظة. النبي ﷺ مكث يردد آية حتى أصبح، ما هو عرف معناها، لكن ما هو يعلم معناها دلالة لغوية، والنبي عربي ﷺ لكن يكرر معناها وهو ﷺ يبكي، ويشعرها جديدة في كل قراءة، وإلا فهو منزه ﷺ عن اللغو. النبي ﷺ منزه عن اللغو، فكل قراءة هي جديدة، كل ترديد لتكرار الآية فلا تزداد إلا استنارة، كل تكرار نور جديد. وإلا ما فعله ﷺ لا يلهو ﷺ، منزه عن اللغو، فكل قراءة جديدة، كل قراءة للآية جديدة، مكث يرددها حتى أصبح.

ونحن أسعد، الحمد لله. والله إني سعيد بهذا الإنجاز، أكبر نعمة يا إخوة؛ كل النعم الأخرى تضيء وتخبو، وهذه النعمة نعمة التوفيق في نشر فكرة تضيء وتظل مضيئة، ولكنك تكون نهماً لإضاءة جديدة، تكون نهماً للزيادة. فأنا أحمد الله، أشهدكم وأشهد الله سبحانه وتعالى أنني سعيد جداً وحامد لربي سبحانه وشاكر له فضله في نجاح هذه الدعوة، هذه الحركة التصحيحية للشعر، وفي إعادة الناس مرة أخرى إلى قطب الشعر العربي، وإلى أن يتحدوا على هذا اللسان، لسان القرآن العظيم، وأن يجتمعوا عليه مرة أخرى، وأن تكون القصيدة العربية هي القصيدة العربية كما كانت قديماً قبل التفرق وقبل أن تغزونا الثقافات.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرجع لجزيرة العرب ريادتها وسيادتها وقطبيتها على العرب والمسلمين جميعاً في هذا القطر العربي الأصيل. فيصعب علي شديداً الحالة التي آلت إليها بلادنا.

والحمد لله رب العالمين، تصبحون على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نلتقي غداً إن شاء الله بإذن الله.