السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً. مرحباً، أهلاً بأختنا الكريمة، أم نور، يا مرحباً يا مرحباً، إن شاء الله.
طمئنوني يا إخوة إلى سلامة البث صوتاً وصورة لو سمحتم. أهلاً يا حبيبنا البلوي، كيف حالك؟ ممتاز، الحمد لله. ساطع، جميل، جميل يا حبيبنا، أنا زودت الإضاءة، رفعت الإضاءة وعملت اتزان، الإضاءة عدلتها. جميل. كيف حالكم يا كرام؟ ما شاء الله، الله يخليك محمد الهاشمي، نورك يا سيدي. أهلاً بحبيبنا البلوي، الله يرضى عليك. حبيبنا خالد الشيباني، أهلاً بالأستاذة نسرين، يا مرحباً. مرحباً بالجميع، يا مرحباً. أهلاً بأحمد عبد، يا مرحباً يا سيدي. إن شاء الله. تفاعلوا مع البث يا إخوة حتى يتقدم بالظهور للإخوة، تفاعلوا مع البث هذا يظهره إذا سمحتم، يا مرحباً، أكرمكم الله.
طبعاً هذا مجلسنا الخامس من مجالسنا التي قلنا سنطيلها مع معلقة لبيد بن ربيعة وما فيها من البيان. أنا سجدت لدى بيت آخر في هذه القصيدة، وأنتظرك تصل إليه على أحر من الجمر، جميل. واللذي صلى تهجد، والذي يحج، ما تجوا الحج بعد القصيدة. نعم. فليحيا، نعم.
يا مرحباً بالإخوة، يا مرحباً. نحن اليوم مع المجلس الخامس، وقد اتفقنا على أن نجعل المجالس أكثر تفصيلاً في شرح الأبيات بحيث البيان، وأن نجعل المجالس أكثر عدداً، تكون أكثر تفصيلاً وأكثر عدداً. وطبعاً الذي يخرج من هذه المجالس ولم يحفظ معلقة لبيد، لا عذر له. الذي يخرج من هذه المجالس ولم يحفظ معلقة لبيد، لا عذر له، صح؟ ولا لا؟ الذي يحفظ أو يخرج من هذه المجالس يحضرها جميعاً، ولا يحفظ المعلقة، ما عذره؟
عَفَتِ الدِّيارُ مَحَلُّهَا فَمَقَامُهَا ... بِمِنَنٍ تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فَرِجَامُهَا فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا ... خَلَقاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِيُّ سَلَامُهَا دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهْدِ أَنِيسِهَا ... حُجَجٌ خَلَوْنَ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا رُزِقَتْ مَرَابِيعَ النُّجُومِ وَأَصَابَهَا ... وَدَقُّ الرَّوَاعِدِ جُودُهَا فَرِهَامُهَا مِنْ كُلِّ غَادِيَةٍ مِنْ كُلِّ سَارِيَةٍ وَغَادٍ مُجِنٍّ ... وَعَشِيَّةٍ مُتَجَاوِبٍ إِرْزَامُهَا فَعَلَى فُرُوعِ الأَيْهَقَانِ وَأَطْفَلَتْ ... بِالْجَلَتَيْنِ ذُبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا وَالْعَيْنُ سَاكِنَةٌ عَلَى أَطْلَائِهَا ... عَوْزاً تَأَجَّلُ بِالْفَضَاءِ بِهَامُهَا وَجَلَّ السُّيُولُ عَنِ الطُّلُولِ كَأَنَّهَا ... زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونُهَا أَقْلَامُهَا أَوْ رَجْعُ وَاشِمَةٍ أَسَفَّ نُؤُورُهَا ... كَفَفاً تُعَرَّضُ فَوْقَهُنَّ وِشَامُهَا فَوَقَفْتُ أَسْأَلُهَا وَكَيْفَ سُؤَالُنَا ... صُمّاً خَوَالِدَ مَا يُبِينُ كَلَامُهَا عَرِيَتْ وَكَانَ بِهَا الْجَمِيعُ فَأَبْكَرُوا ... مِنْهَا وَغُودِرَ نُؤْيُهَا وَثِمَامُهَا شَاقَكَ ظَعْنُ الْحَيِّ حِينَ تَحَمَّلُوا ... فَتَكَنَّسُوا قُطْناً تَصِرُّ خِيَامُهَا مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يَظَلُّ عَصِيُّهُ ... نَمَطٌ زَوْجٌ هُوَ النَّمَطُ مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يَظَلُّ عَصِيُّهُ زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وَقَرَامُهَا زَجْلاً كَأَنَّ نِعَاجَ تَوْضَحَ فَوْقَهَا ... وَظِبَاءَ وَجْرَةَ عُطْفُهَا أَرَّامُهَا حَفِزَتْ وَزَايَلَهَا السَّرَابُ كَأَنَّهَا ... أَجْزَاعُ بَيْشَةَ أُثْلُهَا وَرِضَامُهَا مَرِّيَّةٌ حَلَّتْ بِفَيْدٍ وَجَاوَرَتْ ... أَهْلَ الْعِرَاقِ فَأَيْنَ مِنْكَ مَرَامُهَا؟ بِمَشَارِقِ الْجَبَلَيْنِ أَوْ بِمَحْجَرٍ ... فَتَضَمَّنَتْهُ فِرْدَةٌ فَرِحَامُهَا فَصَعَاعِدٌ إِنْ أَيْمَنْتَ فَمَظَنَّةٌ ... مِنْهَا وَحَافَ الْقَهْرُ أَوْ تَلْخَامُهَا فَاقْطَعْ لِبَانَةَ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُهُ ... وَلَا خَيْرَ وَاصِلٍ خِلَّةً صِرَامُهَا
وهذا انتقال شديد. يقول: «فَاقْطَعْ لِبَانَةَ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُهُ»، اللبانة الحاجة. ومعنى «تَعَرَّضَ وَصْلُهُ» يعني تغير. تغير وصله يتقلب، لا يثبت على حال. تعالوا أعطركم بالعود يا إخوة، لا يثبت على حال. فقال: «فَاقْطَعْ لِبَانَةَ»، أي اقطع الحاجة إلى من يتعرض وصله، لا حاجة لك فيه. كل من يختلف أو تختلف حاله اقطع حاجته.
هذا يذكرني بالشماخ بن ضرار: فَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرَ هَاضِمِ نَفْسِهِ ... لِوَصْلِ خَلِيلٍ صَارِمٍ أَوْ مُعَارِضِ وَمُرَقَّبَةٍ لَا يُسْتَقَالُ بِهَا الرَّدَى ... تَلَافَى بِهَا حِلْمِي عَنِ الْجَهْلِ حَاجِزُ
فيقول هنا: «فَاقْطَعْ لِبَانَةَ»، هنا ظهر الجاهل الذي في داخله، لا يستسلم هكذا ويموت، يقطع لبانته. هناك روايتان بعد ذلك يا إخوة: «وَلَا خَيْرَ وَاصِلٍ خِلَّةً صِرَامُهَا». طبعاً هذا البيت عكس بيت عدي بن الرقاع: إِنِّي إِذَا مَا لَمْ تَصِلْنِي خِلَّةٌ ... وَتَبَاعَدَتْ عَنِّي اغْتَفَرْتُ بِعَادِهَا
أنا أحب بيت لبيد والشماخ. يقول عدي بن الرقاع: «إِنِّي إِذَا مَا لَمْ تَصِلْنِي خِلَّةٌ وَتَبَاعَدَتْ عَنِّي اغْتَفَرْتُ بِعَادِهَا»، أنت زاهد فيها ولا إيه؟ تشعر أنه زاهد فيها. أقول: «وَلَا خَيْرَ وَاصِلٍ خِلَّةً صِرَامُهَا»، هذه رواية يا إخوة. يعني يقول: وشر من يصلك من يصرم. هذا معناه. ويروى: «وَلَا خَيْرَ وَاصِلٍ»، والخلة الصداقة. طبعاً معنى البيت والـمفردات واضحة، الخلة الصداقة واللبانة الحاجة.
كما قال عمرو بن كلثوم في وصف الخمر: تَجُوزُ بِذِي اللُّبَانَةِ عَنْ هَوَاهُ
وهذا لبيد، فـ«فَاقْطَعْ لِبَانَةَ» يعني الحاجة، تقطع أسباب اللبانة والهوى. وكما قال امرؤ القيس: «تَقْطَعُ أَسْبَابَ اللُّبَانَةِ وَالْهَوَى». فاللبانة هي الحاجة التي فيها شيء من الهوى، ليس الحاجة إلى الطعام أو الشراب أو المعاش، لا. اللبانة هي الحاجة التي في النفس وفيها صبغة الهوى.
وأيضاً أظن عمر بن أبي ربيعة ماذا قال؟ فَبِتْ رَقِيبًا لِلرِّفَاقِ عَلَى شَفَا ... أَحَاذِرُ مِنْهُمْ مَنْ يَطُوفُ قَبْلَهَا وَلَيْلَةٍ ذِي دَوْرَانَ نَشَمْنَ السُّرَى ... وَقَدْ يُجْشِمُ الْهَوْلَ الْمُحِبُّ الْمُغَرَّرُ فَبِتْ رَقِيبًا لِلرِّفَاقِ عَلَى شَفَا ... أَحَاذِرُ مِنْهُمْ مَنْ يَطُوفُ وَأَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مَتَى يَسْتَمْكِنُ النَّوْمُ مِنْهُمْ وَلِي مَجْلِسٌ لَوْلَا اللُّبَانَةُ أَوْ عارُ
أحسنت يا عبد الله الزرقاوي. «وَلِي مَجْلِسٌ لَوْلَا اللُّبَانَةُ»، لولا الحاجة أو الحب أو العار. فاللبانة مرتبطة بالحاجة المرتبطة بالهوى والحب، حتى نستعملها الآن استعمالها الصحيح، هي غير مستعملة أصلاً في كلامنا للأسف.
وتعرّض يعني تغير واختلف، ذاهب وآيب، يمين وشمال، هذا معنى تعرض. والخلة الصداقة أو الصحبة والصداقة والحب. فهناك الرواية التي أثبتها في صلب الديوان: «وَلَا خَيْرَ وَاصِلٍ خِلَّةً صِرَامُهَا»، يعني يقول لك: شر من يصلك الذي يقطعك، وهذا كلام لا خير فيه.
الذي يكثر قطعك، يا سلام! بجد، الذي يكثر صرمي، القطع. هو الواصل؛ هذا ليس فيه شيء، ليس فيه شيء، شر الواصل القطاع. حقًا، شر من يصلك من يكثر صرمك. ولا شر واصل خلة صرامها، لا شيء فيه إطلاقًا.
وإنما الرواية الصحيحة: «ولا خير واصل خلة صرامها»، ولا يمدح نفسه. وهذا على الوجه الذي فسرها به الأنباري، لأن هذه فيها وجهان. وجه ذكره الطوسي، والوجه الأصح الذي أذهب إليه من أول قراءة للقصيدة ذكره الأنباري.
الطوسي ماذا يقول؟ يقول: ورواية البيت على التضاد من التغييرات السيئة، فالشاعر لا بد من أن يكون في هذا الموطن قال شيئًا واحدًا وعناه، إما قال: «ولا شر واصل»، أو قال: «ولا خير واصل». فالمعنى يقول: إذا قلت «ولا شر واصل»، فالمعنى ينصرف إلى صديقك؛ كأنه يقول لك: صديقك شر واصل خلة صرامها.
وإذا قلت «ولا خير واصل»، هذا كلام الطوسي، يقول: وإذا قلت «ولا خير واصل خلة»، فالمعنى ينصرف إليك أنت. متى تكون خير واصل؟ إذا كنت صارمًا. فعلى الاعتبار الأول يكون المعنى: وشر الناس من كان يتجنى ليقطع مودتك، فاقطع مودته.
وعلى الاعتبار الثاني: «ولا خير واصل»، ما تفسيرها عند الطوسي؟ يقول: وعلى الاعتبار الثاني يكون المعنى: وخير الأصدقاء من إذا علم من صديقه أن حاجته تثقل عليه، قطع حوائجه منه. يعني أنت لا تثقل على صاحبك؛ «ولا خير واصل خلة صرامها». يا بخت من زار وخفف، استغنِ عن صاحبك. وهذا لا يلتئم مع الكلام؛ فاقطع لبانة من تعرض وصله، ثم يقول لك: أنت «ولا خير واصل خلة صرامها»، أنت ستكون الخير لو أنك تصرم لما ترى حاجة. هذا يستعمل مع الصديق حتى القريب.
يقول: وخير الأصدقاء من إذا علم من صديقه أن حاجته تثقل عليه قطع حوائجه منه، وهو غالبًا قصد من هنا نفس الوجه، تثقل يعني تعرض، لكن التعبير لم يكن صوابًا، "تثقل عليه"، لكن أنا أحسبه نفس التفسير، لكني حملته على التعبير الظاهر، أن حاجته تثقل، هو تعرض وصله.
فالذي عندي في رواية "خير" أنه يعني أن خير الواصل هو الصارم، وأن عزيز النفس الذي يقطع هو الذي يكون منه خير وصال لو استقام الوصال. هذا التفسير الصحيح إن شاء الله: «ولا خير واصل خلة صرامها»، يعني هذا الذي قطعك لأنك تغيرت عليه، هو خير من يصلك لو شعر منك بالإخلاص ودوام المودة. خير من يصاحبك ويصلك من يستغني عنك إذا رأى منك تغيرًا، لأنه صادق في الحالين.
رأيتم كيف المعنى أعلى واختلف عن رواية: «ولا شر واصل خلة»؟ لهذا رواية «ولا شر واصل خلة» لا أعتبرها صحيحة أصلًا، أعتبرها غالبًا خطأ محضًا. فاقطع لبانة من تعرض وصله، «ولا خير واصل خلة صرامها».
«وأحب المجامل بالجزيل»، في نفس السياق: «وأحب المجامل بالجزيل وصرمه باق». نفس الكلام، ظل آخر للمعنى، كأنه تفسير أو مبني عليه. فاقطع لبانة من تعرض وصله، «ولا خير واصل خلة صرامها». خير الناس في الوصال هو الذي يقطع إذا تغير صاحبه.
ولهذا يا إخوة، إياكم والتعلق؛ إذ تظهر الشواهد أنه ليس تعلقًا في مكانه الصحيح. إياكم والتعلق بمن لا يحبك، والذي لا يحبك ليس الذي يثقل عن أن يكون مظهرًا متكلفًا، لا، هو المبقي على المودة لا يقطعها، ولا يتصيد الأسباب ويتلمس الأسباب حتى يقطع خلته معك. فإياكم التعلق بمن لا يقدركم. وكما تكون خير واصل، كن خير صارم؛ «ولا خير واصل خلة صرامها» لأنه صادق، كما صدق لما وجد الوصلة منك تعرض قطعك، كذلك هو سيكون صادقًا إذا وصلته سيصله وصالًا صادقًا.
«وأحب المجامل بالجزيل»، أحب أي أعطِ المجامل، من الاختصاص؛ يقال حباه بكذا أي أعطاه، وقد خصه بهذا العطاء، وأحبه يعني أعطاه مخصصًا له مميزًا له بالمحاباة، المعاطاة، هذا العطاء الخاص، التخصيص له في الجزيل. والمجامل هو المتودد الذي يفعل الجميل، أعطه بالجزيل أي بالكثير.
«وصرمه باق»، وصرمه قطعه، "باق" هنا بمعنى في السياق "ممكن" أو "محتمل"، بدلالة قوله: "إذا ضلعت المودة وزاغ قوامها". يعني انحرفت واعوجت؛ "واحب المجامل بالجزيل وصرمه باق"، مهما أعطيته اجعل نفسك مهيأً مخولًا لصرمه إذا اعوجت مودته. المجامل هو المتودد بالجميل، أحبه أنت بزيادة بالجزيل، وصرمه قطعه ممكن إذا ضلعت مودته، أي اعوجت وانحرفت، وزاغ قوامها أي زالت استقامتها.
«واحب المجامل بالجزيل وصرمه باق إذا ضلعت وزاغ قوامها بطليح أسفار». قال الشراح هنا: "بطليح أسفار" متعلق بقوله "فاقطع لبانته"، أي اقطع لبانته بطليح أسفار. الطليح هنا الناقة التي قد أصابها الهزال والضمور الشديد بكثرة الأسفار، وهي تذكر بالهزال والضمور ولكن مع الشدة والقوة، ليس الهزال الاهتراء؛ هذه القوية الشديدة صارت كألوح الإران، صارت كالألواح والدسر في بعضها، قوية شديدة مفتولة.
"بطليح أسفار"، والله على هذه الإضافة؛ "طليح أسفار" كأنه من إضافة الصفة إلى السبب، أو المسبب إلى السبب، لأن الذي جعلها طليحًا هو الأسفار، فأضاف الشيء إلى سببه، كما نقول مثلًا: فلان هزيل فراق، أي هو مهزول بسبب الفراق، أو صريع الغواني، أي هو صريع بسبب الغواني. فهذه "طليح أسفار" أي هزلها وأضمرها السفر، وقد تركنا الضمير في "تركنا" يعود على الأسفار.
تركنا بقية منها، أبقى لها طول السفار مقرمداً، سنداً، ومثل دعائم المتخيم. من صاحب هذا الشطر؟ من هذا الشاعر يا إخوة؟ عنترة؟ نعم يا أمل طاهر، أحسنتِ.
«أبقى لها طول السفار مقرمداً سنداً، ومثل دعائم المتخيم». أرجلها وكذا، مثل هذه العروق الخشبية التي يُخيم على أعوادها العريضة. فشوف يا أخي عبقرية التشبيه والحس الصحيح المرهف. لا أحد فوق العرب في البيان.
تقول لي تفاضل اللغات وتفاضل هذا وما إلیه، والله قرأت في كل هذا وأعرفه، وأقول لك لا أحد فوق العرب في البيان. والله اختارهم لذلك، اختارهم ليجعل معجزته الباقية في الكتاب، القرآن، في البيان، فما هتجادل في هذا إلا وستصطدم بالحائط.
نعم طبعاً، قوة عقولهم مولانا. الله تعالى في القرآن وصفهم بأنهم قوم جدل، وصف العرب بأنهم أهل خصومة وجلادة في الخصومة. هؤلاء العرب أصلاً، أما هذه الصورة التي عليها العرب الآن فليست صورة العرب؛ العرب قوم متكلمون جدلون.
من الذي أنشأ العلم في العراق؟ العلم في صدر الإسلام دخل فيه غير العرب من الفرس وغيرهم، وأكثرهم الفرس، لكن من الذي أنشأ العلم في العراق؟ هل هم الفرس أم العرب الذين انتقلوا إلى العراق؟
عمر بن الخطاب لما صار بني الكوفة أرسل إليها عبد الله بن مسعود، وقال: «يا أهل الكوفة، قد أرسلت إليكم عمار بن ياسر أميراً، وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً، وقد آثرتكم بابن مسعود على نفسي».
عبد الله بن مسعود في العراق، علّم علقمة النخعي، وعلقمة النخعي علّم إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي علّم حماد بن أبي سليمان، وحماد بن أبي سليمان علّم أبا حنيفة، وأبو حنيفة علّم أبا يوسف ومحمداً وزفراً والحسن وغيرهم. ومن هؤلاء امتد المذهب الحنفي.
فأنا سندي مثلاً في المذهب الحنفي ينتهي إلى تلامذة أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة النخعي، عن عبد الله بن مسعود. هذا المذهب الجدل المشهور، مذهب أبي حنيفة الذي قال فيه الشافعي: «من أراد الفقه فعليه بأهل العراق، فإنهم قد أُوتي لهم الفقه كما أُوتي لداود الزيدي»؛ وفي هناك رواية أخرى: «فعليه بأصحاب أبي حنيفة، فإنهم قد أُوتي لهم الفقه كما أُوتي لداود الزيدي».
ويقول: «ما فتق لساني بالفقه مثل محمد بن الحسن الشيباني»، تلميذ أبي يوسف وأبي حنيفة؛ يعني درس بعضاً من زمانه مع أبي حنيفة ثم أكمل على أبي يوسف القاضي زميله، وتلمذ له وأكمل عليه، لأن أبا يوسف كان ألصق الناس بأبي حنيفة. فمن أهل الجدل يا شيخ خالد؟ العرب.
والإمام أحمد تعلم على كتب أبي حنيفة في بداية طلبه للعلم، عثر على كتب محمد بن الحسن مولانا، كتب «ظاهر الرواية»، وكتب ظاهر الرواية أتت ستة وبالأصول أيضاً، سميت كتب ظاهر الرواية. عثر على حمل بعير تقريباً من كتب محمد بن الحسن الشيباني، وتعلم منه وتخرج منه المذهب الحنبلي، لكن على مذهب وتفكيره هو واستدلاله هو والمدخلات الأخرى.
أبو حنيفة طبعاً أخذ عنه، وقال الشافعي: «ما فتق لساني بالفقه مثل محمد بن الحسن الشيباني»، مش لأني حنفي يا جماعة، خالص، ليس لأن كنيتي الأولى أبو يوسف وكل قول بالقضاء تعلق قول أبي يوسف فيه، وليس لأنني محمد، وفي مسائل ذوي الأرحام قد أفتوا بما يقوله محمد.
فمن الذي أنشأ هذا في العراق أولاً؟ الصحابة الذين ذهبوا إلى العراق، العرب الذين ذهبوا من مكة والمدينة إلى العراق. ما الذي جرى بعد ذلك؟ أشياء أخرى جرت، لكن العرب قوم أهل جدل ونقاش ومحاورة، وشعراؤهم أهل عمق ورهافة حس ودقة وبعد مرمى.
اللي حاصل الآن في الفقه وفي التفكير العام عند العرب وفي الحداثة والشعر كله، ما بتعرفش جاء منين، كله ضايع، فالعرب الآن غير العرب الأوائل مطلقاً، تماماً، انقلاب كامل.
عمر بن أبي ربيعة أيضاً في مثل هذا ماذا يقول: «فقمت إلى عَنَسٍ تخونُ نُهيها *** سرى الليلُ حتى لحمُها متحصّرُ» «وشدّيتُ على الحاجاتِ حتى كأنّها *** بقيةُ لوحٍ أو إثارةُ مشجرِ»
فنفس هذه المعاني ورثها عمر بن أبي ربيعة عن الجاهلية. بطليح أسفار؛ ترك لها السفر بقية، يا سلام على «ترك لها دي»، حلوة، صح ولا لا؟
«تركنا بقية منها فأحنق صلبها». يعني ضمر، ومنه الحنق؛ يقول يحمل في نفسه حنقاً، في القلوب حنق أي ضيق وضمور. انظر كيف استعمل الحنق هنا في أصله.
«أبقى لها طول السفار مقرمداً سنداً، فأحنق صلبها وسنامها». الصلب من الكتف إلى الحوض، وسنامها هبط، صارت هكذا قوسية. أكيد طبعاً الإخوة في السعودية رأوا الإبل الضامرة التي هي مقوسة، التي من غير سنام ومبرومة كالأسطوانة، من بعيد ترى الناقة مبرومة هكذا. وانتبهوا، لأنه من هنا يريد أن الناقة قد هانت عليها الأسفار واعتادتها، وهذه الناقة هي التي أطيل السفر عليها، فهزال الناقة وصف لنفسه، سباق الهجن.
«فاقطع لبانة من تعرض وصله، ولا شر ولا خير واصل، خلة سرابها، وأحب المجامل بالجزيل وصرمه، باقٍ إذا ضلعت وزاغ قوامها بطليح أسفار».
هنا سيقول لك المعاصر الدارس للأدب الغربي، الأكثر والمذاهب الغربية في التفسير، سيقول لك: قال يصف الناقة، قال يصف الرحلة بالناقة، ويظن أن القدماء قصدوا هذا أيضًا لما يصرحون بما يشبه ذلك. والحق لا، هو يصف ناقة ويشير بذلك إلى نفسه؛ أنه هو الذي طلحها بأسفاره، فوصف الناقة يؤول إلى شمائله، هو يقطع اللبانة بطليح أسفار، أي اعتادت السفر؛ يعني لا أمكث عند أحد حتى أحنق صلب ناقتي وسنامها.
يعني لا أمكث عند أحد، فأنا كثير التنقل حتى أن ناقتي ضمرت بطليح أسفار، تركنا بقية منها فأحنق صلبها وسنامها، وإذا تغالى لحمها وتحسرت وتقطعت بعد الكلال خدامها، فلها هباب في الزمام كأنها صهباء خف مع الجنوب جهامها.
يقول: «وإذا تغالى». قالوا: تغالى يعني ذهب وارتفع. والأصمعي، وهو لغوي طبعًا بالمقام الأول، يقول: تغالى يعني ركب رؤوس العظام؛ أي من شدة الضمور انسحب وصار حول المفاصل فقط، أو أنه من شدته وانفتاله ظهر على رؤوس العظام هكذا، صار مفتولًا عليها.
وقوله: «تحسرت»، يعني سقط وبرها، صارت حسيرًا، يعني نحل وبرها وسقط، مع كونها ضامرة. «أحنق صلبها وسنامها»، أي قوست هكذا. «وتغالي لحمها»، يعني ضمر، ذهب وارتفع، أو ضمر واستدار على رؤوس العظام، صار ظاهرًا فقط على المفاصل كما نقول، المفاصل صارت أكبر من الأوساط، ترى الساق نحيفة ولكن المفاصل كبيرة، هذا معنى تغالى لحمها.
وقد يكون «تحسرت» معناه تحسرت من اللحم أيضًا، يعني صرت ترى عظام صدرها وعظام المفاصل، فأيضًا مما فسر به التحسر هنا. «وتقطعت بعد الكلال خدامها»، والكلال هو التعب والإرهاق. والخدام يا إخوة جمع خادم، وهي السيور التي تشد في أرساغ الإبل وتشد إليها النعال في الأرساغ، وتشد إليها النعال إذا رقعت بها الإبل أو أخفاف الإبل عند الحفا؛ هذا قاله الأنباري.
وقلت لكم اجعلوا الأنباري أصلًا تعتمدون عليه وترجعون إليه في شرح القصائد السبع، على مذهب الجمهور ومحمد الراوية، باعتماد الحارث بن حلزة وعنترة مكان الأعشى والنابغة، وإلا إذا أردتم العشر كاملة فالتبريزي موجود أيضًا.
قالوا: كان الحفا يصيب نعال الإبل أو أسفل الأخفاف، وهي عبارة عن جلد سميك. كنت أنزل مع أمي إلى السوق وأشتري الأكارع، أكارع الجمال؛ يقف الرجل يبيعها هكذا، فكنت أقف عند الرجل وأظل أعمل بإصبعي، فالخف خف الجمل كبير، كنت أتعجب من أن خفه ضخم وساقه نحيفة، جلد على عظم حرفيًا، لكن خفه كبير ومرتفع كما نقول بالمصرية "ملظلظ".
كنت أرى الرجل في السوق على حاجة اسمها تروسيكل، هذه الماكينة البخارية، وبجواره صندوق يملأه بأقدام الإبل، أذكر هذا جيدًا وأنا طفل في مصر. وكنت أذهب إلى أهل جدتي في الأرياف في مصر، وكان عندهم جمل ينقل ما يسمونه "الترابة"، ينقل التراب من الغيط، والغيط هو البستان عندنا، ويضعونه تحت البهائم، ويأخذون القديم المخلوط بالروث والبول ويحملونه في وعائين كبيرين على جنبيه ويفرغونه لتغذية الزرع، ويأتون بالتراب الجاف وهكذا.
فكنت أيضًا أراقب الجمل وخلقته، فكل ما يمس الأرض من الجمل يموت فيه الجلد، يعمل كرة كأنها الخشب ومشقق، حتى في قاعدة صدره يسمونها الكركارة، وهي قطعة على شكل قلب أو كمثرية، أيضًا جلد ميت ينزل به إلى الأرض ويتكئ عليه، سبحان الله، هيأه الله لهذا، فيصيب الإبل التي تسير في الصحراء مدة طويلة أن تتآكل هذه، ومع الحرارة تدمى.
فكانوا يرقعون لها شيئًا، يشدون لها شيئًا يسمى الخدام، ويشدونه إلى الأرساغ ليحمي الخف الذي أصابه الحفا، أي رق الجلد حتى دمي ونزف. أخونا البلوي يقول: هذه أخطر منطقة في الجمل يطحن بها خصمه لما يبرك، وقد لاحظت هذا، ففي الخف تدمى، فيشدون لها هذا الخدام أو الخدمة، وهي السيور التي يربطون بها النعال التي ترقع.
بها النعل الذي يخصفون به، أو يدعمون به خف الإبل. هل أحد من أهل السعودية رأى هذا الشد؟ الذي كخف فوق الخف في الجمل الذي أصابه الحفا. هل أحد رأى هذا؟
على كل هذا قاله الشراح كالطوسي والأنباري؛ قالوا: الخدام جمع خدمة، وهي السيور التي تشد بها النعال التي يجعلونها على الخف الذي أصابه الحفا، فيشدونه بالخدام إلى الأرساغ.
الإبل مرفهة الآن، نسمع عن هذا قديمًا. أخونا البلوي من شمال السعودية يقول: إلى الآن موجودة في بعض الأماكن في الصعيد. وأختنا دينا من الصعيد تقول: إلى الآن موجود في بعض الأماكن في الصعيد. قالت رأتها، ممتاز. هي من الجاهلية موجودة، يفعلونها مع الإبل إذا تغالى لحمها وتحسرت، وتقطعت بعد الكلال خدامها.
في مواسم معينة ينقلون عليها أشياء للتجارة، البداوة طبقات. يقول: «وتقطعت بعد الكلال خدامها»، يعني حتى الخدام التي وضعت شدت عليها بعد إصابتها بالحفا تقطعت هي أيضًا. فيقول: «وإذا تغالى لحمها وتحسرت» في اللحم أو في الوبر، «وتقطعت أيضًا بعد الكلال» التعب «خدامها»، فلها هباب، نشاط.
الذي أعرفه أنا هباب بالكسر، ولذلك ضبطتها هنا، وكذلك هي موجودة في الأنباري: «فلها هباب». أنت معك النسخة التي فيها الروايات؟ وهنا مضبوطة بفتح الهاء. لحظة آتي بالمتن، لأن فيه ضبطًا جيدًا، فالذي أعرفه أنا أنها بكسر الهاء. هل هما وجهان بالكسر والفتح؟ الله أعلم. أيضًا هنا في النسخة بالفتح، بالكسر، آسف، لم يضبطها بشيء آخر. هي أيضًا بالفتح والكسر، هباب، وأنا أعرفها هباب، لكن هي في الديوان هباب؛ فأنا لا أقول خطأً، فمن عرف؟ اتساع لغة العرب كاد ألا يخطئ أحدًا. فأنا لا أخطئ، لكن لا أدري، لكن أعرفها هباب، ولهذا كسرتها في الديوان. وهباب بمعنى نشاط.
«فلها هباب في الزمام كأنها صهباء، خف مع الجنوب جهامها». الجنوب ريح الجنوب، والصهباء هي التي يخالط بياضها حمرة، وتكون قد وضعت ماءها، فأقل ريح تحركها. والجهام ما هراق ماءه، يعني الذي أفرغ ماءه، ولذلك تكون سريعة. صهباء فيها حمرة، كأنها تتخللها أشعة الشمس الآن.
الأخرى لما قال: «وغاد مدجن من كل سارية»، تكون غيمة معتمة، لماذا هي معتمة؟ من شدة اختزانها للماء وتراكمها وكثافتها، فلا تتخللها أشعة الشمس. فإذا تخللتها أشعة الشمس صارت صهباء فيها حمرة؛ لأن الأشعة نفذت فيها. والجهام هي التي أفرغت ماءها فخفت مع الريح.
فيقول: «فلها هباب»، يعني نشاط في الزمام. وهي في الزمام: «فلها هباب في الزمام كأنها صهباء»، يعني سحابة صهباء أفرغت ماءها، خف مع الجنوب، خف مع ريح الجنوب جهامها. وقد تفرقت بعد أن أفرغت الماء. وهذا أيضًا تشبيه موجود عند الجاهليين القدماء ممن قبل لبيد كإمرئ القيس.
«فعزيت نفسي حين بانوا بجسرة أمون كبنيان اليهودية خيفقي، إذا زجرت ألفيتها مشمعلة تنيف بعذق من غراس ابن معنق». تروح إذا راحت رواح جهامة بأثر جهام رائح متفرق. كل هذه ثقافة عربية قديمة جاهلية، كما نراها عند لبيد، نراها عند امرئ القيس، وهكذا، وهذا مما أستحضره في التو واللحظة، وإلا فهي كثيرة.
رواه المفضل وحده عن امرئ القيس في القافية: «صباحًا أيها الربع وانتقي»، يقول فيها: «تروح إذا راحت رواح جهامة بأثر جهام رائح متفرق». وأيضًا وصف الناقة أيضًا: «فلها هباب في الزمام كأنها صهباء، خف مع الجنوب جهامها، أو ملمع وسقت لأحقب لاحها». طبعًا الشاعر يقول لك كيف هو معتاد على الصرم، وكيف يهجر ديارًا، أو ديار من لا يجد صدق مودته.
وهذه دروس لكم جميعًا أيها الإخوة، للناس الذين يقتلهم التعلق. ليست القيمة فيمن تتعلق به، بل أنت الضعيف؛ لا تتعلق تعلقًا يجعلك ضعيفًا إذا لم يكن الإنسان يستحق التعلق. هناك من يستحق، أنا أتكلم عن من يبتلى بالتعلق مع من لا يستحق، ولا يخلو إنسان من التعلق. وربما تتعلق أكثر بعد ذهاب الفرصة. كأن تتعلق بأبيك، هذا ما حصل لي؛ تعلقت بأبي بعد وفاته، ورجوته وأحببته، حتى أنني أخشى زيارته، لا أذهب للقبر، لأنني أخشى الدخول، من شدة تعلقي به. تعلقت به شديدًا بعد وفاته رحمه الله، افتقدته، ولكن انظر إلى هذا الاختناق؛ أنك لن تناله.
وأنت تعلم اللقاء في الآخرة، لكن أيضًا تعلقات محتملة، عقلك يذهب ويجيء، أين ستكون وأين سيكون؟ الدنيا تبقى زحمة، هناك مش الدنيا لحالها، الدنيا الأمور هناك زحمة جدًا، كل واحد وأعماله، قصة ثانية خالص. فأنت تظن أنك راح تلتقي، وهو راح البيت الفلاني وأنت تنتقل إليه عن قريب، ما هو كل واحد عنده قصته مع ربه.
سبحان الله، أخونا أبو علي بن العراق يقول: الشريف الرضي كان لا يزور الحسين لشدة تعلقه، وعندما زاره مات على قبره. سبحان الله، هذا لا يفهمه أي أحد. أنا لا أستطيع زيارة أبي، سأتعب تعبًا غير طبيعي. فهذا التعلق لا يزري بك، إنما الأبله؛ الأبله الذي يروح يتعلق ويكون مازوخي وضعيف الشخصية، يروح يتعلق بواحدة عشان شايفها أقوى منه، وهي تتعلق بواحد مدي أمها على دماغها، واحد مأكلها الجزمة وهي متعلقة به، واللي عامل اللي بيعبدها عبادة مديالها هي بالجزمة.
تلاقي واحد أبله كده ضعيف الشخصية يحب بنت قوية، تحس إنه مازوخي، عايز واحدة قوية تديله على رأسه. هذا التعلق مريض. كذلك، وإن كنت لا أقطع فيه، لكن أنفر منه تعلق العذريين.
تعلق العذري، أنا ما أعرفش حب العذري، أنا ما ألفت تذكرت ليلى والسبع العذريات. أنا ما أعرفش في الحب العذري ده، الحب العذري ده عندي يعني أنا معذور؛ معذور في الجمال، معذور في الرشاقة، معذور في القد والنهد والخد. أنا معذور، ده معنى عذري عندي، إنما أنا صنعت السبع العذريات للناس.
دي المصارحة دي. أنا صنعت السبع العذريات لأنه أمر واقع. أنا لا أذق الحب العذري، لا أعرفه، لا لم أتخيله إلا من الشعر. عشته في الشعر فقط، همت فيه، لكن عمره بالنسبة لي حقيقي واقعي، إنما الآخر لذلك البعض يذهب إلى تصنيفه مرضا. بلغني أن بعض المختصين المعاصرين يصنفونه مرضا، لا أقطع بهذا العشق المرضي، لكن أيضا تنفر نفسي منه.
تنفر نفسي منه، من هذا الذي يظل يحبها ويتعلق بها وقد تزوجت ويعاشرها غيره وهو يتعلق بها ويموت في سيرتها، وأنا ما أعرفش. أنا ما كنتش من بادية الحجاز، طول عمرنا من قديم في مدن، فيما يشبه المدن، بعمري ما كنت في بادية الحجاز عشان أعرف الموضوع.
هو أقرب لمرض يعني ممكن. نزار قباني ده كذاب، ده هو بيقعد يتسلل ومرة واحدة يذكر نهدها مرة واحدة هوب، فهو بيتسلل للقلب عن طريق منفذ القلب. فأنا لا أفهم التوصل بها. أنا عذري وأقول لك هو مرض والشافي هو الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، الله المعين. لكن هو مرض، أنفر منه فراري من المرض.
الحب العذري ده اللي هو يفضل يحب خيالها وشخصيتها، يعني لا يقرب من جسدها ولا من فتنتها. ما أعرفش الكلام ده، قد أحب لكن الحبيب يتملك. يعني الحبيب بيملك، هو إيه؟ هي روحها ماشية هنا وجسدها ماشي هنا، ما هم الاثنان في بعض كده، يقولك أنا بحب روحها، ده روح أمك ده! يقولك أنا بحب روحها مش جسدها.
فلها هباب في الزمام. الجمال أنا شوفوا إخوة يأسرني الجمال. لو زرت وادي القرى، إخوة من السعودية بدأوا يشتغلوا معانا، الحجازيين بيشتغلوا معانا، لو زرت وادي القرى ستعرف السر، حتى الجبال هناك تثير الشعور. أنا يأسرني الجمال، أحب أن أرى الجمال هكذا، أن يكون الجمال قائما، وهذا يحب وليس شرطا أن يثير غرائز، لكن هذا يحب نفسيا.
لكن ليس هذا هو العذري يعني، لكن ممكن أهل البادية والحجاز لهم، وهناك عند القدماء كلام كهذا يعني أن لهم أحوالا خاصة وبيئات خاصة جعلت فيهم هذا العشق العذري، وهذا تكلم فيه بعض المؤرخين، أظن شوقي ضيف وعبد القادر طعيمة تناولوا هذا فيما أذكر.
خالد الشيباني يقول الشيخ رائد الدبيخي يقول: «الحب حق الصدر بالصدر، وهز تدمع منه العينان». الجاحظ تكرهه، أنا مع الجاحظ يا جماعة، أنا تبع الجاحظ يا باشا، أنا هنا معدول، أنا مع الجاحظ. أخونا العراقي يقول أقول لك سر البدو عندنا سريع العشق، أما نيجي ونشوف إن شاء الله.
يقعد يقول فيها أبوذية، أعرف النبرة دي بتاعة الأبوذية والإخوة البدو في العراق. «أو ملمع وسقت لأحقب لاحه طرد الفحول وضربها وكدامها». لا تنسوا الشاعر يصف ناقته التي تؤول إليه، تحتاج إلى هذه الوصلة الذهنية ألا تنقطع: «فلها هباب في الزمام كأنها صهباء خف مع الجنوب جهامها أو ملمع».
يعني كأنها ملمع وسقت، الملمع يا إخوة الأتان التي استبان حملها. وقال في تفسير ذلك الأنباري كلاما جميلا، انظر يقول: «الآتان التي قد استبان حملها في ضرعها كيف؟» قال: وذلك أنه يشرق باللبن. يقال لذوات الحافر والسباع قد ألمعت، وهي أتن ملاميع. يقولك استبان الحمل في الضرع، امتلأ وأشرق باللبن، فيقال ألمعت. فالأمر يدور حول الضرع على ظاهر كلام الأنباري.
«أو ملمع وسقت» يعني حملت، «لأحقب»، والأحقب كما قالوا هو العير الذي في موضع الحقو منه بياض، يعني ترى بياضا في بطنه وعلى جنبيه، أيضا يمتد بين فخذيه في الوراء، وهذا يكون عند استواء خلقته وضخامته وقيادته. فيقول أو ملمع حملت، يعني أصبحت حامل وألمع ضرعها أو احتفل ضرعها باللبن وكذا. وقال وسقت يعني حملت في بطنها لأحقب.
يا أخي أنا أيضا لا أستطيع أن أقف على التفصيل وإلا لن ننتهي الآن، أعمل معكم هذا إن شاء الله في الشماخ بن ضرار الزائقي، لكن هنا أيضا نوسع قليلا فقط. يقول أو ملمع وسقت، ومعنى وسقت حملت، لألمع، انظر إلى تعليق اللام بوسقت، حملت لحمار، ثم نعت الأحقب الحمار الضخم، يا أخي شوف الشعر، شوف النظم.
يقول لك شعر ونظم أهو، لأنه مش حكمة، منذ متى أعطوا الدكتوراه للعوام؟ لماذا أعطوا الدكتوراه للعوام؟ جاهدونا فيها والله، بسبب ما أراه كان أمامي أن أدرس وأحضر، تركت ما أحببتها الدال، ما وجدتها تشرف مما أراه. يعطينا الدكتوراه للعوام؟ يقول لك هذا نظم، يقول أو ملمع وسقت.
يا إخوة السلسلة التي هي تنويهات أدبية بالأبيات التي أسجلها صباحا عادة، احرصوا على مشاهدتها، تريكم الشعر كيف يصنع، تريكم التركيب الذي لا تنتبهوا إليه للوهلة الأولى. رأيتم أمس وأنا أتكلم عن عبد القاهر لما قال: «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»، كيف قال تفكير الناس الظاهري شيء وتفكير أهل التحقيق والذوق والعلم شيء في الشعر؟ شفت الكلام؟
فكيف يكون معه دال؟ من لا يرى ما يراه الناس حتى، فيقول ثلاثة أرباع الشعر من امرئ القيس إلى المتنبي نظم، وما أساء إلا لنفسه، أما الأدب فلم يتحرك من مكانه. إنما أغاضني أنه يحمل الدال، وأنا أعرف أن الدال في بعض البلاد الناشئة علميا لها كبير، يعني إخواننا في دول الخليج، يقول لك يا دكتور احتراما وإعظاما لك، يقولون لي يا دكتور، أقول له مش دكتور، يقول هذه عندنا يا مولانا احترام وتبجيل، فاختلاف ثقافة، أنا عندي الدكتوراه ليست شيئا، عندي أصدقاء دكاترة يأتون هنا نتناقش ماذا يدرس الطلاب.
ماذا يدرس الطلاب؟ دكتور هذه ليست شيئًا كبيرًا عظيمًا، أنا غاضب لأنه من بلاد تقول يا دكتور تعظيمًا. فهذا ما ضايقني، أرعبني. لو قالها في مصر ما عبأت له، والطلاب يعرفون دكتور على نفسه، يقول لك دكتور على نفسه، ده بيخرف. إنما في بلاد يعظمون كلمة دكتور.
رأيتم؟ مشكلة، فهذا ما جعله، هو إذا قال أبو قيس أثرته وأغضبته صدق، أنا غضبت أيامًا كاملة. تخيلت كم من الطلاب تدخل عليه كلمته لأنه دكتور، فيسيء الظن بآداب العرب، هذا أغضبني شديدًا جدًا. الله المعين.
انظروا يا إخوة، سأشرح لكم في مقطع في الصباح إن شاء الله غدًا. لماذا قال النابغة الذبياني لحسان بن ثابت: «إنك لا تحسن أن تقول، فإنك كالليل الذي هو مدركي، وإن خلت أن المنتأى عنك واسع، خطاطيف حجن في حبال متينة، تمد بها أيدٍ إليك نوازع».
ما الذي لا يقدر عليه حسان؟ أنت ممكن تقول البيت أنا فهمته سهل أهو، فكيف لا يقدر عليه حسان؟ كيف لما قال له النابغة يا بني إنك لا تقدر أن تقول، طأطأ رأسه ورجع القهقرى وجلس في مكانه. صباحًا إن شاء الله سأشرح لكم ما الذي لا يقدر عليه حسان في هذين البيتين؛ لأنه يشبه ما هنا.
شفت يا عمي خالد؟ أيوه، يشبه ما هنا. يقول: «ناقتي لما تغالى لحمها، وتحسرت وتقطعت بعد الكلال خدامها، لها هباب في الزمام كأنها ملمع». التشبيه الثاني؛ لأن أو عطفت على صهباء، كأنها صهباء أو ملمع، نسق على صهباء أو ملمع وسقت.
الملمع نكرة، فوصفها وسقت، يعني حملت لأحقب، أو ملمع وسقت لأحقب، تم الخلق حتى ظهر فيه موضع البياض وكذا لأحقب، لأحمر. هذا الأحقب لاحه طرد الفحول، يعني غيره. قالوا يعني ضربها له بالأرجل، وضربها وكدامها، يعني عضها. حملت لأحقب، هذا الأحقب أيضًا غيره، وصفه بأنه غيره، طرد الفحول، يعني رفضها له وضربها له، ويروى طرد الفحالة.
ضربها وتضربه بالأرجل وكذا، غير منه، يعني ملأ بجروح وكذا، وكدامها يعني عضها، والآن هي حامل منه، حملت له بعد أن كذا وكذا وكذا. وهذا كله في بيئة الصحراء عند العرب له دلالة؛ بعد أن يتغير الحمار من الكدام، العض، ومن الضرب، ومطاردة الإناث، فصارت هذه الملمع، هذه الناقة الملمع تحمل له هو. ففي أي مرحلة هم؟ في أية مرحلة؟ كم عاشوا في هذا المكان حتى وصل ما الذي وصلوا إليه الآن؟ أين ستضع أولادها؟ وهكذا نهاية الشتاء كما سيأتي ويبدأ الصيف.
ناقته كهذه الملمع التي حملت لأحقب، لاحه طرد الفحول وضربها وكدامها، يعلو بها حدب الأكام مسحج. وهناك رواية مسحجًا على الحال، يعني يعلو هو بها مسحجًا. أو هنا يعلو مسحج، على رواية الضم يكون مسحج هو الفاعل ليعلو، فإذا قلنا مسحجًا سيكون حالًا، فيعلو هنا سيكون بعده ضمير يعود على الأحقب، يقول يعلو بها حدب.
الأكام ما ارتفع وغلظ من الأرض، ومفردها أكمة. يعلو بها حدب الأكام، مسحج أو مسحجًا، يعني مغطى بالعض الذي لم يبلغ، لم يتعمق، ليس بغامض في جسمه، متشلفط، لبش. وصارت حاملًا، شوف أين عاشوا وكيف تزاوجوا، وكانت عنيدة عليه، الآن يعلو بها، قد رابه عصيانها ووحامها.
غريب، الوِحام هو الشهوة، شهوة النكاح، هذا الوِحام. والوِحام هو الشهوة، شهوة الشهوة إلى الحمار، وعصيانها امتناعها عليه، فكأنه يقصد عصيانها في الأول أو طلبها في الأول وعصيانها له الآن، أو ما كان من العصيان والشهوة إليه، هي تعصاه الآن لكن كانت تحتاج إليه في الأول، أو لأجل هذا التسحيج الذي فيه وقع له هذا وذاك، أو أنه يصوره الآن قد رابه عصيانها ووحامها، متقلبة.
هذه ناقته التي تحمله ليترك أرض الضيم، بل ما تذكر من نوار وقد نأت. وهو أثبت أيضًا أنه يتذكر، لا تنس أنه يصف ناقته التي يعبر بها عن حاله هو. والبيت يكشف هنا عن حال قلقة متقلبة بين الوِحام والطاعة والعصيان والعناد، تعند عليه، ويحصل اضطراب بين إقبال وإدبار، تطيع ولا تطيعه. الشاعر مضطرب بناقته لكنه ماض: «بل ما تذكر من نوار وقد نأت، وتقطعت أسبابها ورماحها، فاقطع لبانة من تعر، فناقتي وهي تجري في هذا... كأنها بعد أن تغالى لحمها وتحسرت، كأنها ملمع وسقت لأحقب لاحه».
هذه تشبيهات، كما عند الشماخ بن ضرار يشبهه، لكن مذهب البيان جهة الكلام، انتبهوا. هناك ما يسمى -سماه شاكر عقدة القصيدة، أنا يعجبني تعبير شاكر وأخذه عنه الدكتور محمد أبو موسى، وهو ما المعنى الذي عقدت عليه القصيدة، عقدة القصيدة. يقول: القصيدة معقودة على كذا، هذا شيء وجهة الكلام شيء. يعني مثلاً مطالع الطللية، هذه تسمى جهة الكلام في اصطلاح القرطاجني، لكن لها غاية عند كل شاعر، هذه الغاية سميها شاكر عقدة القصيدة، معقودة لأجل ماذا؟
كذلك هنا هذا اتجاه الكلام الذي هو عنده، الذي عند الشماخ بن ضرار، لكن عقدة القصيدة مختلفة هنا عما عند الشماخ، فهمت؟ يعلو بها حدب الأكام، هنا الشاعر مضطرب، ناقته، انظر التفصيل، قد رابه عصيانها ووحامها، والناقة نفسها مضطربة، ويشبهها هي كملمع وسقت لأحقب لاحه، طرد الفحول وضربها وكدامها، يعلو بها، هي ما زالت ناقته مهما أطال في التفسير في الشرح في التشبيه، هو يشبه ناقته كما عند الشماخ، هي الناقة.
هي ناقته، وناقته تكشف ما حملها عليه. فهمتم الآن بالتفصيل لماذا اعترضت على الأخوين الكريمين، سالم التميمي، وأخينا أيوب الجهني، وأظن ثالثهم عمر العتيبي. كنت قد اعترضت وحزنوا مني وحصلت مشكلات ساعتها، لكنها مرت، وأنا أكن لهم محبة كبيرة، فأناس على خلق فيما أرى منهم، وإن وقعت أمور في أثر نقدي أو تعليقي.
لما يحاولون عمل إسقاط، ترجمة للسيارة مكان الإبل؛ لا يصلح. لأن الغاية عند الجاهلي بالنظر إلى الإبل من حيث كونها مطواعة، هذه الفكرة الرئيسة أصلا أن الناقة مطواعة لصاحبها، ولهذا كانت ناقة، فلما يصف الناقة هو يكشف عن طبيعة نفسه، يكشف عن حقيقة ما يفعله هو معها، أما السيارة أو الآلة فمهما فعل لا تدل عليه.
لما يصف الناقة بأن لها هذا الصوت الذي تصدره، وتهدر بالصوت وصارت كذا، هذا دلالة على أنه أرهقها وأتعبها، خلاص؟ لا أظن عبد الله العتيبي، ولا عمر العتيبي، عبد الله العتيبي صح، ممكن عبد الله عمر العتيبي أو عبد الله العتيبي أبو عمر تقريبا. أخ فاضل أعرفه من قديم سنوات، عبد الله العتيبي نعم، اللي وصف فقاعات البيبسي وقاسها على فقاعات الخمر، هذا كان اعتراضي عليه.
طبعا أنا أدرك هذه الأشياء قبل أن تصير مذهبا، ولهذا أنا أسارع بالنقد؛ لا أسارع بالنقد لأني أريد أن أنقد أحدا، والله أحب شيء إلي أن أقفل كده كل الدنيا دي وأنام في مكتبي وأقعد أدرس مع نفسي، أميل إلى الوحدة أصلا. لكن أنا أدركها قبل أن تتفاقم وأن تصير مذهبا، وليس مسارعة لنقد أحد ولا أزاحم أحدا على شيء. أنا لا أزاحم أحدا على شيء، ولا أريد من أحد شيئا في مكان ولا في منصب، كل هذا لا أريده أصلا وأعرض عنه، لكن أنا أسارع قبل أن يصير ذلك مذهبا.
فهمتم الفكرة؟ قبل أن يصير مذهبا. أخونا عبد الله العتيبي تكلم عن فقاعات البيبسي وقاسها على فقاعات الخمر، وهذا أكبر غلط، نفس المشكلة التي وقع فيها سالم. فقاعات البيبسي أو الكولا فقاعات رخيصة من الصودا، لا دلالة لها. أما الفقاعات التي تعلو عند صب الخمر المعتق، ففيها دلالة على التعتيق، فإسقاط الفقاعات على الفقاعات خطأ.
كما في الإبل، إسقاط صوت البوري مكان هذا الصوت؛ البوري تسمونه البوري، هذا الصوت الذي هو «تيت»، لا علاقة له بالدلالة التي في صوت الناقة، فلو أسقطت هذا مكان هذا أفسدت. فهمتم؟ ها هو هنا، أنتم ترون ذلك تطبيقا الآن، أنا ما جبتش حاجة من عندي، ده كلام العرب اللي قعدت سنين بدرس فيه. أنا ما رحتش أعترض كده من الهوا، هذا كلام العرب الذي أدرسه منذ سنين، وأنتم الآن تدرسونه.
يعلو بها، هو يصف ناقته، ما زال يصف ناقته مهما أطال في وصف الحمر. يعلو كما في الشماخ، مهما أطال في الحمر هي ناقته في الأخير: «يعلو بها حدب الأكام مسحج، قد رابه». أيوه، يجسد روحه فيها، قد رابه أقلقه وأغضبه، قد رابه عصيانها ووحامها، بأحزة الثلابوت، يربأ فوقها قفر المراقب، خوفها آرامها.
هذا البيت يحتاج إلى شرح طويل، نؤجله إلى الغد إن شاء الله، هذا فيه تفصيل في الروايات لأن هذا البيت من أكثر الأبيات عندي تعقيدا في شأن الرواية والوجوه فيها، فنبدأ به من الغد إن شاء الله نكون في كامل النشاط.
وشكرا لكم، وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ورضي الله تعالى عنكم، طابت ليلتكم رضي الله عنكم.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد