دخولتسجيل الدخول

الدرس 7

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلا وسهلا ومرحبا بالكرام. أرجو أيها الكرام طمأنتي إلى سلامة البث صوتا وصورة من بعد إذنكم.

يا مرحبا، يا مرحبا، ما شاء الله، جميل البث مستقر وجيد الحمد لله، فقط أطمئن إليه كذلك. أنا عمليات السحب الفوري لدينا تختلف عن الإعلانات.

هذا أيها الأحباب لقاؤنا السابع مع معلقة لبيد بن ربيعة. يا مرحبا، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لكل من ألقى السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لكل من حيا، حياك الله وبياك وعمت صباحا ومساء.

أهلا وسهلا ومرحبا بالكرام. هذا أيها الإخوة هو لقاؤنا السابع مع الشرح الذي كان مختصرا على معلقة لبيد، وصار مجالس أدبية. وأرجو يا إخوة أن تتفاعلوا مع البث لو سمحتم، أرجو أن تتفاعلوا مع البث صوتا وصورة من بعد إذنكم.

رأينا أننا أمس أيها الإخوة رأينا أننا أمام معلم فني ظاهر مقطوع به، وهو الإغراق والإطالة في الصورة الفنية مع بقاء الوجه البياني على صفته، سواء كان تشبيها أو استعارة؛ الوجه الفني باق على حاله.

وقارئ الشعر العربي متورط كما أن الشاعر متورط. قال الرافعي: «إن من نكد الشعر العربي أنه لا يتحمل الشرح وإلا تحول إلى نظم»، لا يتحمل التفصيل الشارح بجهة العقل، وإنما هو كثافات التعبير النفسي المهيج.

وأنا أقول أيضا: من نكد الشعر العربي كذلك على المتلقي المثقف، أنه مضطر إلى أن يكون عنده هذا النفس الطويل، وهذا الذهن الرابط الذي لا يحيد عن الوجه البياني المستعمل وإن طال المعنى في ذلك.

وسنرى الآن ونحن نستعرض القصيدة مرة أخرى أيها الإخوة، تعالوا نبدأ كعادتنا بقراءة القصيدة، ثم أبهركم إلى صلتها، ومن ثم نستأنف شرحنا عليها إن شاء الله. معذرة أنا عندي دوشة، كتب والوضع ليس أمرا يسيرا. بسم الله.

نعود إلى قراءتنا مرة سادسة أو سابعة: عَفَتِ الدِّيارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا ... بِمَنْ تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فَرِجَامُهَا فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا ... خَلَقًا كَمَا ضَمَّنَ الْوَحْيَ سُمُّهَا دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهْدِ أَنِيسِهَا ... حُجُجٌ خَلَوْنَ حَلَالُهَا وَحَرَامُهَا رُزِقَتْ مَرَابِيعَ النُّجُومِ وَصَابَهَا ... أَدَاقُ الرَّوَاعِدِ جُودُهَا مِنْ كُلِّ سَارِيَةٍ وَغَادٍ مُجِنٍّ وَعَشِيَّةٍ ... مُتَجَاوِبٍ أَرْزَامُهَا فَعَلَى فُرُوعِ الْإِيهَقَانِ وَأَطْفَلَتْ ... بِالْجَلْهَتَيْنِ ضِبَاؤُهَا وَنِعَامُهَا وَالْعَيْنُ سَاكِنَةٌ عَلَى أَطْلَائِهَا ... عُوذًا تَأَجَّلَ بِالْفَضَاءِ بِهَامِهَا وَجَلَّ السُّيُولُ عَنِ الطُّلُولِ كَأَنَّهَا ... زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَهَا أَقْلَامُهَا أَوْ رَجْعُ وَاشِمَةٍ أَسَفٌ نُؤُورُهَا ... كَفْفًا تَعَرَّضَ فَوْقَهُنَّ وِشَامُهَا فَوَقَفْتُ أَسْأَلُهَا وَكَيْفَ سُؤَالُنَا ... صُمًّا خَوَالِدَ مَا يُبَيِّنُ كَلَامُهَا عُرِيَتْ وَكَانَ بِهَا الْجَمِيعُ فَأَبْكَرُوا ... مِنْهَا وَغَدْرُ نُؤَيْهَا وَثَمَامُهَا شَاقَتْكَ دَعْنُ الْحَيِّ حِينَ تَحَمَّلُوا ... فَتَكَنَّسُوا قُطْنًا تَصِرُّ خِيَامُهَا مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يَظَلُّ عَصِيَّةً ... زَوْجٌ عَلَيْهِ كُلُّهُ وَقَرَامُهَا زَجْلًا كَأَنَّ نِعَاجَ طَوْضٍ فَوْقَهَا ... وَضِبَاءُ وَجْرٍ عُطْفًا أَرَامُهَا حَفِزَتْ وَزَايَ لَهَا السَّرَابُ كَأَنَّهَا ... أَجْزَى عُبَيْشَةَ إِثَا وَرِضَامُهَا بَلْ مَا تَذَكَّرَ مِنْ نَوَارٍ وَقَدْ نَأَتْ ... وَتَقَطَّعَتْ أَسْبَابُهَا وَرِمَامُهَا مُرِّيَّةٌ حَلَّتْ بِفَيْدَةَ وَجَاوَرَتْ ... أَهْلَ الْعِرَاقِ فَأَيْنَ مِنْكِ مَرَامُهَا بِمَشَارِقِ الْجَبَلَيْنِ أَوْ بِمَحْجَرٍ ... فَتَضَمَّنَتْهُ فَرْدَةٌ فَرِخَامُهَا فَصَعَائِدٌ إِنْ أَيْمَنَتْ فَمَظِنَّةٌ ... فِيهَا وَحَافٍ الْقَهْرِ أَوْ طَلْخَامُهَا فَاقْطَعْ لَبَانَكَ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُهُ ... وَلْخَيْرِ وَاصِلِ خُلَّةٍ صَرْمُ رَامِهَا وَحُبُّ الْمُجَامَلِ بِالْجَزِيلِ وَصَرْمِهِ ... بَاقٍ إِذَا ضَلَعَتْ وَزَاغَ قَوَامُهَا بِطَلِيحِ أَسْفَارٍ تُرِكْنَ بَقِيَّةً ... مِنْهَا فَأَحْنَقَ صُلْبُهَا وَسَنَامُهَا وَإِذَا تَغَايَى لَحْمُهَا وَتَحَسَّرَتْ ... وَتَقَطَّعَتْ بَعْدَ كَلَالٍ خِدَامُهَا فَلَهَا هُبَابٌ فِي الزِّمَامِ كَأَنَّهَا ... صَهْبَاءُ خَفَّ مَعَ الْجَنُوبِ جِهَامُهَا أَوْ مُمْلِعٌ وَسَقَتْ لَاحِقٍ بَلَاحَهُ ... طَرْدَ الْفُحُولِ وَضَرْبُهَا وَكِدَامُهَا يَعْلُو بِهَا حَدَبُ الْأَكَامِ مُسَحَّجٌ ... قَدْ رَابَهُ عِصْيَانُهَا وَوِحَامُهَا بِأَحَزَّةٍ بَاخِرَةِ الثُّلَابُوتِ يَرْبَا ... فَوْقَهَا طَوْرًا مَرَابِئُ خَوْفِهِ أَرَامُهَا حَتَّى إِذَا سَلَخَ جِمَادُهَا كُلَّهُ ... جُزْءًا فَطَالَ صِيَامُهُ وَصِيَامُهَا رَجَعَا بِأَمْرِهِمَا إِلَى ذِي مُرَّةٍ ... حَصَدٌ وَنَجْحٌ صَرِيمُهُ إِبْرَامُهَا وَرَمَى دَوَابِرَهَا السَّفَا وَتَهَيَّجَتْ ... رِيحُ الْمَصَايِفِ سَوْمُهَا وَسِهَامُهَا فَتَنَازَعَ سِبْطًا يَطِيرُ ظِلَالُهُ ... كَدُخَانِ مُشْعَلَةٍ يَشِبُّ ضِرَامُهَا مَشْمُولَةً غُلِثَتْ بِنَابِتِ عَرْفَجٍ ... كَدُخَانِ نَارٍ سَاطِعٍ أَسْنَامُهَا فَمَضَى وَقَدَّمَهَا وَكَانَتْ عَادَةً ... مِنْهُ إِذَا هِيَ عُرِّضَتْ أَقْدَامُهَا فَتَوَسَّطَا عَرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَا ... مَسْجُورَةً مُتَجَاوِزًا قَلَامُهَا مَحْفُوفَةً وَسْطَ الْيَرَاعِ يُظِلُّهَا ... مِنْهُ مَصْرَعُ غَابَةٍ وَقِيَامُهَا أَفَتْلَكٌ أَمْ وَحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ ... خَذَلَتْ وَهَادِيَةُ الصَّوَارِ قَوَامُهَا؟

إِذَا قَرَأْنَا الْقَصِيدَةَ مِنَ الْأَوَّلِ وَرَأَيْنَا كَيْفَ اتَّصَلَتْ، مَا زَالَ يَذْكُرُ نَاقَتَهُ الَّتِي يَقْطَعُ بِهَا لَبَانَهُ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُهُ، وَرَأَيْنَا كَيْفَ اتَّصَلَ الْكَلَامُ، وَالْآنَ يَدْخُلُ فِي مُشَبَّهٍ بِهِ جَدِيدٍ. يَعْنِي «أَفَتْلَكٌ» تُشَبِّهُ نَاقَتِي بِـ «أُمِّ وَحْشِيَّةٍ مَسْبُوعَةٍ».

قَالَ «أَفَتْلَكٌ أَمْ وَحْشِيَّةٌ»، يَعْنِي بَقَرَةً وَحْشِيَّةً، الضِّبَاءَ الْأَرَامَ الْبَيْضَاءَ الَّتِي أَطْرَافُهَا وَمُؤَخَّرُ ذَيْلِهَا وَرَأْسُهَا فِيهِ سَوَادٌ وَهِيَ بَيْضَاءُ الْأَرَامِ يَا إِخْوَةَ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهَا. أَظُنُّ مَعْرُوفَةً تَعْرِفُونَهَا، هَلْ تَحْتَاجُونَ إِلَى صُورَةٍ؟ هَذَا هُوَ، فَقَطْ أَضِئِ الْإِضَاءَةَ.

هَذَا يَا إِخْوَةُ الَّذِي يُحَافِظُونَ عَلَيْهِ مِنَ الِانْقِرَاضِ هُوَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مِنْ قَدِيمٍ جِدًّا. وَطَبْعًا كَادَ يَنْقَرِضُ بِسَبَبِ الصَّيْدِ الْجَائِرِ مِنْ امْرِئِ الْقَيْسِ، الْمُرَّ الْقَيْسِيِّ يَحْمِلُ ذُنُوبَ النَّاسِ جَمِيعًا.

كَتَبَ أَحَدُهُمْ مَرَّةً قَالَ: امْرُؤُ الْقَيْسِ يَحْمِلُ ذُنُوبَ كُلِّ الشَّبَابِ وَالشَّابَّاتِ مِنْ بَعْدِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي شَرَعَ فِيهِمْ، اخْتَرَعَ فِيهِمْ لِقَاءَ الْحَبِيبَاتِ وَالْمُوَاعَدَةَ. وَاللَّهِ أَنَا صَادِقٌ، أَنَا أَتَكَلَّمُ عَنْ شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ حَصَلَ، شَيْءٍ صَادِقٍ، شَيْءٍ وَاقِعٍ مِنْ سِنِينَ. أَحَدُ الشَّبَابِ مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَنَا فِي الْأَزْهَرِ، أَزْهَرِيٌّ.

كتب امرؤ القيس، وسيتهم البعض أنه سيتحمل ذنوب جميع الشباب والشابات لأنه هو الذي شرع المواعدة، هو مخترع معاني وليس المواعدة فقط، هو صاحب اختراعات، وهو أشهر مخترع في الجاهليين، لكنه ما اخترعش المواعدة. هو شايل كل الذنوب، وامرؤ القيس هو سبب أن كاد هذا الحيوان ينقرض لأنه كما في المعلقة صاد صيداً جائراً.

القصة مش بيواعد، ده بيخش على هذه الوحشية، البقرة الوحشية يا أخوها مسبوعة. أنا والله بعض الإخوة، للأسف من الذين يعدون مشايخ عندنا في الأزهر أو في غيره، الآن هناك يوجد وعي، الحمد لله، حركتنا هذه لم تأتِ عقيمة بحمد الله، لكن في البداية كانت هناك مشكلات وتصورات غريبة جداً.

حتى إن بعضهم قال لي في مرة -ولم يكن من الأزهر، بل شخص عادي من الناس- قال: أنت شغلت بالشاعر والشعر هكذا، جهنم حتف باللفظ! بهذا القدر، والله جهنم حتف! قال: خلاص بقى شعر، خلاص هكذا. قالت جهنم حتف! أيه يا عم، جهنم أيه؟ في أيه؟ طب قول مباح يا عم، اعتبرني رايح ألعب كورة، أنا ما بلعبش كورة عمري، لكن اعتبرني بلعب كورة.

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تواجه هذه العينات، وهي الحمد لله بدأت تخف في مصر، لكن كل فترة نلتقي بواحد هكذا أو هكذا. رأيت منشوراً لأحدهم نقل شيئاً عني من باب الاستملاح لعنترة أو كذا، أو نشر بيتين جاهليين، فقال أحدهم معلقاً له: لا تنشر عن الجاهليين، لا تنشر عنهم وتحبب الناس فيهم، انشر من كلام علمائنا وسلفنا الصالح.

يقول: لا تنشر من كلام الجاهليين، كأنه يقول لا تكثر سوادهم ولا تنشر أقوالهم. هم أصلاً منشورين يا ابني، هم أصلاً موجودين، اللي لا تنشر كلامهم ولا تلفت الأنظار إليهم، هم ملفتون أصلاً لوحدهم. مسكين، أنا كنت قديماً ربما أغضب وانفعل، الآن أنا أنظر برحمة إلى هذا، لا أحملها على محمل شخصي ولا على محمل عداوة نحو الأدب العربي، لكن ربما أغضب لأن هذه هي الحال، لكن لا أغضب على الأشخاص لأنهم مساكين.

إذا كان دكاترة بيقولوا كلام دكاترة، الحزن طبيعي طبعاً. «افتكلك أم وحشية مسبوعة»، وحشية هذه البقرة الوحشية كما رأيتموها، ومسبوعة يعني أكل السبع ولدها فهي مذعورة، لزمها الذعر، مذعورة لزمها الذعر، «افتكلك أم». «افتكلك أم وحشية مسبوعة»، شوف يا أخي الاختصار، مسبوعة كمثكولة، أصابتها المصيبة أكل السبع ولدها فأصابها الذعر.

«خذلت»، معنى خذلت يا إخوة هنا كلام خطير، معنى خذلت يعني تأخرت عن السوار الذي هو سرب الأبقار، السوار تأخرت عنه. هناك كلام في هذه المسألة، وخذوا هذه الفائدة وادعوا لي لأن هذه مسألة عويصة، ليس لأنها ذكاء، لا، هي وجود التصور المقصود في هذا.

ترى الكلام عن المطفل، أو عن هذه الضبية التي أطفلت أو تأخرت عن القطيع أو خذلت كما هنا، ماذا يقصدون بذلك؟ تراهم يذكرون نظرتها كما عند امرئ القيس مثلاً، يذكر نظرتها وأنها مثلاً تلك التي نظرت أو هي ناظرة وهي قد أطفلت من وحش وجرة. أنا أشرح لكم، نحن جميعنا يعرف الشعر، يعرف البيت ولكن ما معناه؟ ما معنى أن يشبه حبيبته بهذه الناظرة المطفلة من وحش وجرة التي أطفلت من وحش وجرة؟

تعالوا نقرأ شيئاً مما قاله ابن الأنباري هنا في شرحه على هذا البيت، يقول في قوله «خذلت»: تأخرت عن القطيع، ومنه الخذلان أن تتأخر عنه، أن تتأخر عن الإنسان في وقت حاجته إليك يسمى خذلان، فمعنى خذلت يعني تأخرت عن القطيع. ومثله «خدرت»، يريد خذلت أصحابها من الوحش وأقامت على ولدها ترعى قربه، وتلفت إلى البقر، فإذا رأتها طابت نفسها وعلمت أن السوار لم يفتها.

هذه العبارة الطويلة مهمة جداً في فهم هذه المسألة، يقول: يريد خذلت أصحابها، تأخرت عنهم لم تلحق بهم، خذلت أصحابها من الوحش وأقامت ترعى قربه، يعني قرب هذا البقر، قرب أصحابها، قرب السوار، وأقامت على ولدها ترعى قربه، أو ترعى قرب ابنها وتلفت إلى البقر، فإذا رأت البقرات طابت نفسها وعلمت أن السوار لم يفتها.

هذا الكائن يا إخوة يعيش في جماعات، ولكن إذا ولدت هذه الضباء، هذا البقر الوحشي، أولادها لا يسيرون ولا يتحركون كثيراً، صغار ضعاف في أول ميلادهم، في أول أيامهم يحتاج إلى رعي وإلى رضاعة وأن يمكث نائماً مكانه لا يرعى معها، يكون طلاً، فإذا مشى معها وشدا معها فهذه مرحلة أخرى، وهكذا.

نحن أظن عرضنا لهذا من قبل، فمرحلته الأولى وهو طلا تختلف عن مرحلته بعد ذلك وهو شاد معها ثم وهو رشا حتى يصير غزالا. في المراحل الأولى ترعى قرب السوار، قرب السرب أو القطيع، ترعى قربه وتظل تنظر إليه، تلتفت إليه وكأنها تخاف أن يفوتها.

فربما الشاعر القيسي مثلاً لما قال: «إنها كناظرة أطفلت من وحش وجرة»، معناه أنها أطفلت وتأخرت خذلت، فهي تردد النظر بنوع من اللهفة وجحوظ العين وانفتاحها الكامل إلى القطيع، كما قال: «أقامت على ولدها ترعى قربه وتلفت إلى البقر، فإذا رأت البقر طابت نفسها وعلمت أن السوار لم يفتها»، فهي تعيش قلقاً، لكنها قائمة على ولدها لأن الولد لابد أن يجعلها تخذل القطيع لأنها ستقوم عليه وهو لا يرعى معها، يعني لم يشد ليكون معها وليس برشا.

فهنا يمكنك أن تفهم هذا جيداً، أو أن تتأمل ما يقوله الشعراء ويقلبونه في هذا، حتى لو قلبت الصورة، جعلت النظر من الصغير، وترنو بعينيها إليّ، كما رنت إلى جؤذر وسط الخ... إلى ظبية وسط الخميله، جؤذر طرن هكذا.

هو ينظر إلى أمه، يخاف أن تذهب عنه بعيدًا، فهمتم؟ هذا الكلام خطير يا إخوة، أفتلكُ؛ أم وحشية مسبوعة خذلت وهادية الصوار قوامها.

قال: وهادية الصوار، قوامها يعني اهتداؤها واستقامة أمرها. وهادية الصوار؛ الصوار هو سرب البقر. تفاعلوا مع البث يا إخوة حتى يصل للإخوان، واضح أنه لم يصل لإخوانكم للأسف. وهادية الصوار هي القائدة التي تهدي، وتسمى هادية، وحتى سميت الأعناق هوادي؛ لأجل هذا، لأنها كأنها تهدي الجسد للسير تقوده.

فيقول: أفتلكُ؛ أم وحشية مسبوعة أكل السبع ولدها، فهي مذعورة خذلت، ما قصتها؟ تأخرت عن الصوار، وهادية الصوار يعني القائدة التي تقود هذا السرب، قوامها يعني اهتداؤها واستقامة أمرها؛ لأنها تتلفت إليها وتطمئن إلى أن السوار لم يفتها. ماذا حصل؟ قال: خنساء ضيعت الفرير.

الخنساء التي في أنفها تأخر، وهذا إشارة إلى تمامها، إشارة إلى مرحلة سنية فيها. لأن امرأ القيس لما أراد أن يصيد في لاميته ماذا قال؟ «فجال الصوار وأتقين بقرةٍ.. طويل القرى والروق أخنس ذيالِ». معنى أخنس: يعني من شدة لحم وجهه ويبسه وكذا وقع في أنفه، خنس يعني رجع قليلاً إلى الوراء، فيه انخناس إلى الوراء. فهذه خنساء ضيعت الفرير، والفرير هو ولد البقر، ويقال فرار كذلك.

خنساء ضيعت، يعني فقدته وضاع منها. خنساء ضيعت الفرير فلم يرم عرض الشقائق. «لم يرم» يعني لم يترك ولم يبرح، حاول أن تتذكر وأنت تسمع هذا مع تمام الصورة التي نأخذها في الأبيات، حاول أن تتذكر أنه يصف ناقته، حاول، لست تفعل هذا في التشبيه القصير. هذا تشبيه بعيد، سواء يصف بالإسقاطات، يعني أن يكون في كل تفصيل شيء يقابل التفصيل في المشبه، أو كان تشبيهاً بالمعنى، أو المعنى النفسي أو الصدري أو الصورة الذهنية أو المخيلة.

نعم، خنساء ضيعت الفرير فلم يرم، «لم يرم» يعني لم يترك، لم يبرح، لمن طلل برا يريمه، يعني لا يذهب ولا يترك المكان. لم يرم؛ ما هو كسر الراء؟ خنساء ضيعت الفرير في نسختنا «يَرِمُ» مع كسر الراء، كيف؟ أنا قلت «لم يَرُم»، إذاً لا، زلت لساني، لو ضممت الراء زلت لساني، «لم يَرُم»، لمن طلل برا يريم.

خنساء ضيعت الفرير فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها. يقول: خنساء ضيعت ولدها فلم يترك عرض الشقائق. العرض: الناحية والجانب، يعني أراد هنا النواحي. والشقائق: أرض ثابتة غليظة بين رملين. يقول: فلم يرم يعني لم يترك عرض الشقائق طوفها وبغامها. طوفها يعني دورانها في المكان كالطواف حول الكعبة، والطواف بين الصفا والمروة، فهي تدور في المكان وتذهب وتجيء وتظل، هذا طوفها وبغامها؛ أي صوتها. تدور ولم تخرج عن هذه الجنبات.

وقدم هنا مفعول «لم يرم»؛ عرض الشقائق طوفها وبغامها. خنساء ضيعت الفرير فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها، لم تخرج عن هذا المكان وظلت تبحث فيه كالمجنونة تدور فيه. يقول هنا نقل عن بعض الشراح: ولم تجاوز في بغامها ابنها عرض الشقائق؛ لأن في تلك الرملة نباتاً، فهي تدور وتصيح لئلا يكون النبات قد غطاه. يعني على كلامه أن في هذا المكان نباتاً وكذا تدور فيه، أمل أنه لم يخرج عن هذا الموضع.

خنساء ضيعت الفرير فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها، ظلت تدور في هذه البقعة لم تخرج عنها، وظلت المسكينة لم تجده لكن ظلت تطوف ولها بغام؛ «لمعفر» يعني من أجل معفر. تابعوا الآن تسلسل المعاني: أفتلكُ أم وحشية مسبوعة خذلت، وهادية الصوار قوامها، خنساء ضيعت الفرير. يا أخي، ضيعت الفرير! هذه لوحدها قصة، كلما قرأت قوله «ضيعت الفرير» أشعر أن هناك شيئاً يوقفني هنا، ماذا يعني خنساء ضيعت الفرير؟ من شعر بنفس أو بمعنى بدلالة أنها قسرت أو وقع منها إهمال، يُبنى عليه حسرة. من شعر بهذا في خنساء ضيعت الفرير؟

الفرير هنا هو ولد البقر، وقيل الأصل أنه الخروف ولكن نقلوه للبقر وهكذا. خنساء ضيعت الفرير فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها لمعفر، يعني كان ذلك من أجل هذا الطواف والبغام من أجل معفر، والمعفر هنا يا إخوة -على ما قاله الأصمعي- هو الذي سحب وافترست في العفر وهو التراب.

هذه عراقية، إهداء من حاضر عراقي في بغداد حضر لنا بعض المحاضرات. كنت سأشتري هذه، أعجبتني هنا فكنت سأشتري واحدة، فأحد الإخوة الذين يعلمون أنني كنت سأشتريها، قال له أبو قيس سيشتري مثل هذه، فخلعها وأعطاني إياها. فأنا ألبسها وأرجو أن يراها، حاولت دفعها وإبقائها عليه لأنني كنت سأشتري واحدة.

مع أننا كنا في الشتاء، يلبسها نحن في الشتاء، هذه عراقية وثمينة جداً. حاولت إبقاءها عليه، قلت ذكرني بخلع البردة عليه، هذه البردة يعتبر خلع البردة، فقلت قبل ما نعملها في الشعر. جزاه الله خيراً، هذه هديته.

هذه رأيتها في العراق قلت في الشتاء في العام الماضي وأعجبتني جداً هذه يا إخوة، عيبها شيء واحد، داخل فروها، هي اسمها فروة أصلاً، عيبها أنها ثقيلة الوزن جداً، يعني أنت لما أخلعها وأعلقها على المشجب، تكون ثقيلة الوزن ليست خفيفة، لا تتحرك بها حركة خفيفة، ثقيلة جداً، لكن تجعلك في تنور حرفياً. هذه نجلها في بلاد الشام ما شاء الله، الله يرضى عليكم، أنا إذا ذهبت إلى العراق سأشتري واحدة أو اثنتين لأنها رائعة جداً. أهل الصعيد عندنا نسميها العباءة، لكن هذه مختلفة، لم أرها في مصر، هذه في داخلها فروة سميكة، انظروا في داخلها فروة، هم يسمونها فروة في العراق، فروة في الداخل، ساخنة جداً وهي سميكة جداً، هذا الذي في الخارج سميك وفي الداخل سميك، عندنا مثلها يمانية ما شاء الله.

العباءة غير بالضبط، موجودة في ليبيا. تعال البصرة يا شيخ، لك مني اثنان. هاجي البصرة، والله اثنان تستحق. أنا أجي أروح البصرة، البصرة لم أذهب إليها لأنها كانت بعيدة جدا في رحلتي السابقة. البصرة بعيدة جدا، فلم أذهب إلى البصرة لبعدها؛ قالوا بعيدة وتأخذ ساعات في الطريق. البصرة جنب الكويت، يعني الذي في الكويت أقرب للبصرة منه الذي في بغداد والنجف، فلم أذهب إلى البصرة، لكن نأتيك البصرة إن شاء الله.

الله يرضى عليكم يا رب، نأتي البصرة إن شاء الله. أهم شيء تزور شارع المتنبي. أنا زرت شارع المتنبي في بغداد، وأعجبني في العراق نقش الأبيات حجرية في الأماكن القديمة؛ أبيات المتنبي، الله يرضى عليك يا أحمد التميمي رضي الله عنك. أبيات المتنبي قرب منطقة شارع المتنبي، أبيات المتنبي منقوشة على الأبواب والمداخل. العراق هذه حضارة إسلامية عجيبة، حقا والله، ضيعوها. ضيعوها، ضيعهم الله، ضيعوها.

لا يا رجل، أنت تمشي في بغداد، وأنا في بغداد وجدت في بعض الطرق صوراً ضخمة، صوراً ضخمة فيها بوابات ضخمة وكذا. سور ضخم، أثري، ومن ضخامته كأنه فيه غرف، عالي ممتد طويل. فقلت لهم: ما هذا؟ فعرفت أن بعضهم عرفه وبعضهم لم يعرفه. قلت: كيف لعراقي لا يعرف هذا السور؟ لازم تعرفه، شكله لازم تعرف. فقالوا: عرفت أنه سور مدينة بغداد التي بناها العباسيون، سور مدينة بغداد القديمة، يعني في داخله مدينة بغداد القديمة.

السور ما زال موجوداً، ضخم. شارع المتنبي أيضاً كمنطقة الأزهر عندنا والحسين، هكذا حجارة كبيرة وبوابات ضخمة. حضارة كانت هنا حضارة، وأبيات المتنبي منقوشة كبيرة ضخمة هكذا في المداخل. المتنبي، قلت أنا لو جبت ستة متنبي بالنقد في العراق، أنا أتعلق على البوابة! يقول لك: شنقناه على بوابة المتنبي!

امشِ في شارع المتنبي، إن المتنبي أشعر شعراء الجاهلية والإسلام. كيف يا ابني؟ مش مهم، هو إنفاق له عقل؟ عقل النفاق مالوش عقل، لا عقل ولا ملة. يعني تشعر بالبوابة في شارع المتنبي، يعلق عليها من ينقد المتنبي.

ولكن خذوا هذه: المكان هو المتنبي العريق، يشبه القاهرة الإخشيدية القديمة أو القاهرة العباسية القديمة التي جاءها المتنبي، طبعاً مش هقول المعزية لأنه المعز بعد المتنبي، فتشبه القاهرة الإخشيدية، أو لو قعدت قليلاً تشبه القاهرة العباسية القديمة. ولكن الذين في شارع المتنبي لا يسر حالهم، لا يمتون للمتنبي بصلة. هو شارع المتنبي ومكتبات في شارع المتنبي، لكن الذين يجتمعون في الأوقات الثقافية في شارع المتنبي لا علاقة لهم لا بالمتنبي ولا بشعر المتنبي ولا بشعر العرب الذي ينتسب إليه المتنبي.

تشعر أنهم متغربون، هكذا أشكالهم غربية، يقلدون الغرب، حداثيون منكوش هكذا، وعامل فيها بهيمي وعامل فيها سريالي. بالضبط، حديثاً أصبح شارع ومكتبات وكتب، أما ثقافياً رأيته أنا لما زرته، كان في وقت قالوا فيه مناسبة لأن غداً عطلة أو شيء لا أتذكر. المهم الهيئات التي رأيتها هيئات متغربة لا علاقة لها بالمتنبي، هم جاؤوا في مكان ثقافي فقط، انما هيئاتهم وطرائقهم وحركاتهم ليست حركات العرب، وليست طرائق العرب، وإنما متغربون كاتحاد الأدباء، متغربون كاتحاد الأدباء للاسف الشديد. فأسلح الله العراق وأصلح الله مصر وأصلح الله سائر بلاد العرب، آمين.

كنت أتمنى لما ذهبت إلى شارع المتنبي أن أرى ثقافة المتنبي، أن لا ترى شيئاً. "لمعفر قهد"، المعفر الذي صار في العفر في التراب. وقيل المعفر الذي بدأت في فطامه، يترك من رضعة ورضعتين وهكذا إلى أن يقوى ويشدو ويقوم ويعتمد على نفسه، يعني قالوا هذا هو التعفير، والله تعالى أعلم. قالوا هذا هو التعفير، ولا أظن المعفر، والله تعالى أعلم؛ لأن ذكره أنه بدأت تفطمه قد يكون له أثر، لكن أن تفعل هذا.. بل قد يترجح المعنى الذي ذكره الأنباري: التعفير وهو أنها بدأت في فطامه، لماذا؟ لأنها لم تره بعد في الأرض. هو قال: تفعل هذا لمعفر قهد، فهي تبحث عنه وهي لم تره بعد، فلذلك وصف ذلك بأنها بدأت في فطامه وأنه كبر وبدأت تفرح به وكذا ويشدو معها. هذا يرجح أن المعفر هو الذي شرعت في مراحل فطامه، والله تعالى أعلم.

لا، لم أزر المغرب يا عبد القدوس. القهد كذلك وقع فيه خلاف؛ قيل الأبيض، وقيل هو الصغير، صغير الأذن تعلوه حمرة، يعني صغير لأن هذه الضباء آذانها كبيرة، فلما يكون أذنه صغيرة فمعناه أنه ما زال طفلاً صغيراً تعلوه حمرة. ويقال القهد اللطيف هو اللطيف، رقيق لين الجسم، وهذا جائز كذلك لمعفر قهد.

"تنازع شلوه"، والشلو بقية، يقال أشلاء، صح، مفردها شلو وهو بقية، جمعت أشلاءه يعني جمعت بقاياه، الواحد شلو بقيته، وجمعت أشلاءه يعني جمعت بقاياه. قال: "تنازع شلوه" أي تنازع بقيته، الجلد بعض الجلد والعظم تنازعه. "غبس كواسب"، قالوا فيها الغبس وهي صفرة إلى سواد، وأراد أن يقول هنا عن الذئاب أن يصف الذئاب. "غبس كواسب"، لا يمن طعامها، وكواسب يعني هي تكسب أو تكتسب ما تأكل، يعني حيوانات تعيش في البرية. وقيل إن المقصود هنا هو الكلاب، ومعنى كواسب أنها لا تأكل إلا مما تصيد، فهي حريصة على الصيد، يعني صاحبها يتركها تصيد وتأكل بعض الصيد. وهذا ربما يؤيده أنه قال غبس، من صفرة إلى كدرة أو إلى سواد، فهذا ربما لأن الذي يذكر في الذئب هو الغبرة، وإن كان قد يصح الغبس والله أعلم أيضاً، لكن قيل الذئاب وقيل الكلاب "لا يمن طعامها".

تعالوا ننظر ما قاله التبريزي من وجوه تفسيره؛ ذكر ثلاثة وجوه أرى من الضروري مراجعتها وأن نقيسها على المعنى وأن نوجهها على معنى الكلام ونرى ما الذي يتوجه منها، كما قلنا نحن في هذه القراءة نتعلم قراءة الشعر. في شرح التبريزي، عندي طبعة فخر الدين قباوة صفحة 182، قال في قوله: "ما يمن طعامها" فيه ثلاثة أقوال:

أحدها أن المعنى أنه لا يطعمها أحد فيمن عليها، إنما تصيد لنفسها، يعني على معنى ما قلنا لو كانت كلاباً. "ما يمن طعامها" لكن ذكر المن، يعني لا أدري، أنه لا يمن عليها، يعني لا يتفضل عليها، وإنما تأكل ما يسمح لها الصائد بأن تجعله لنفسها، يعني ممكن. والقول الآخر أنها لا تمن بشيء مما تصيده، هي لا تمن بشيء مما تصيده، "لا يمن طعامها" لا يكاد يكون لها موقع في الكلام، والله أعلم. قال: والقول ويقال...

إن الذئب إذا أصاب شيئًا أكله. هذا لو كانت كلابًا، لكن لو كانت ذئابًا؛ يقال إن الذئب إذا أصاب شيئًا أكله مكانه. ربما يفسرون هذا القول الآخر: «لا يمنُّ أو لا تمن بشيء مما تصيده»، والثالث: «لتمن»، ربما يعني لا تعطي الذئب يأكل مكانه، الله أعلم.

والثالث أن معنى قوله «ما يمن طعامها» أي ما ينقص. قال الله عز وجل: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: 25]، أي غير ناقص، فما يمن طعامها يعني لا ينقص ولا ينقطع طعامها، يعني هي تأكل تحت كل الأحوال.

نرجع إلى آل البيت والسياق لنرى، يقول: «غبس كواسب، لا يمن طعامها». لو قلنا إنها ذئاب، أولًا استبعد أنها الكلاب؛ فالكلاب تستعمل في الصيد ابتداءً، والصيد يكون للكبيرة، والأصل في تعليم الكلب ألا يترك يأكل من الصيد، هذا شرط عندنا.

أنا عندنا في المذهب الحنفي علامة تعليم الكلب ألا يأكل من الصيد إطلاقًا، هذه علامة تعليم الكلب؛ الكلب المعلم علامته أنه لا يأكل من الصيد، وإنما يمسكه، بخلاف الطير؛ الطير يسمح له بالأكل من الصيد، الصيد بالعقاب والباشق والبازي الشاهين يسمح له بالأكل من الصيد، يعني أنه غير معلم. لكن أكل الكلب يعني أنه غير معلم، ويكون صيده حرامًا ميته، لأن شرط التعليم هذا عندنا في المذهب الحنفي.

أنا حنفي طبعًا منذ طفولتي، الكلب المعلم هو الذي لا يأكل من الصيد، وذكر علماؤنا وفقهاؤنا علة ذلك أن الكلب يمكن عقابه، جثته جسمه يتحمل العقاب والضرب في مرحلة التعليم على أنه لا يأكل من الصيد، فإذا أكل من الصيد فعوقب بالضرب جسمه يتحمل. الطير لا يتحمل، لذلك يكتفون بالطير بأن يرسلوه، أو أن يذهب إذا أرسل وأن يرجع إذا دعي؛ هذه علامته المعلم: أن يرسل إذا أرسل وأن يرجع إذا طلب. إذا دعي الكلب لا، وألا يأكل أيضًا. والفرق ما عرفته فاستبعد أن تكون الكلاب.

وقد كان لبيد حنفيًا. مات فين؟ سيدنا لبيد أين مات؟ أين دفن؟ اسم الله عليك، الكوفة، أبو حنيفة منين؟ الكوفة، بس خلاص، وكان لبيد حنفيًا. الدين حنفي، أنت ما تعرفش ولا إيه؟ ألا تعلم أن سيدنا عيسى عليه السلام سينزل يحكم بمذهب أبي حنيفة؟

رضي الله عن الإمام أبي حنيفة، ورضي الله عن الإمام الشافعي وكافة الأئمة، حتى متوفين في مقبرة واحدة، أم ماذا نهزر؟ حتى لبيد وحنيفة. «من طلب شيئًا وجده». وعز في الناس من ينظر بإنصاف وتجرد في كل شيء.

أخذ البعض يثبت أن أبا حنيفة كان عربيًا، لم يكن. أبو حنيفة المعروف أنه كان فارسيًا رحمه الله ورضي عنه، والفقيه الأكبر، أخذ عن حماد بن أبي سليمان، وحماد أخذ عن إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي أخذ عن علقمة النخعي، وعلقمة النخعي أخذ عن عبد الله بن مسعود، أول فقيه في الكوفة أصلاً لما بناها عمر بن الخطاب، فسند أبي حنيفة في الفقه متين.

فكان فارسيًا عاقلًا إمامًا ورعًا، فالبعض يذهب يؤلف كتابًا في عروبة أبي حنيفة، لا نحتاج حديثًا في عروبة أبي حنيفة، أبو حنيفة هو أبو حنيفة، لماذا تجعله عربيًا؟ وأخذوا يثبتون أنه كان أفصح وأعلم بالعربية، كان أفصح بالعربية وأعلم بالعربية وبالأدب والشعر من الشافعي، لا والله لا يكون، لماذا؟

يجعلونه أعلم بالشعر وبالأدب وبالعربية ولا توجد شواهد، أنا لا أقول الشواهد تدل على غير هذا، لا توجد شواهد تدل على هذا، ولا أقول الشواهد تدل على غير هذا، لأن أبا حنيفة كان يعرف مكانه أين هو وماذا يفعل، ولن يتكلم في الشعر وفي كذا بالدرجة التي تسمح بالمقارنة مع الشافعي الذي عاش في البادية في هذيل وتلقى ديوان الهذلي.

طبعًا بعض الحنفية يعتبرني هنا حنفيًا غير بار، ربما البعض قال هذا أصلاً يعني أنك حنفي غير بار، والله أنا أراكم أنتم غير بارين بأبي حنيفة؛ لأني أجل أبي حنيفة على كونه أبا حنيفة وعلى كونه فقيهًا وعلى كونه إمامًا، أنتم تلحقون به البله، لما تتكلمون بهذا الكلام سيقال أبو حنيفة يتبع مذهبه البله، أنتم بله بهذا.

لا تثبت عنه الآثار التي ثبتت عن الشافعي في إمامته في العربية، هو لا شك في العربية بقر، لكن في معرفته بالشعر وبالأدب وباللغة، الشافعي نشأ في مكة في بني هذيل وحفظ ديوانهم الكبير حتى انبهر منه الأصمعي، والإمام أبو حنيفة نشأ في العراق من أصول فارسية، حتى وإن وصل إلى إمامته في العربية، لن يكون كالشافعي في معرفة الشعر وكذا، وإن كانت العربية بهذه الدرجة شرطًا في الاجتهاد المطلق، لكن هذا شيء من جهة الاجتهاد ومن جهة الفقه شيء، وأن تجعله في علم الشافعي ومعرفته بالشعر والبيان واللغة شيء آخر.

وأنا هنا أبر بأبي حنيفة منهم لأنهم يجعلون هنا العاقلة، يرى أن اتباع أبي حنيفة ضخموه فربما يأخذ في... لا، أبو حنيفة ضخم أصلاً. أجل الشافعي عن الديوان المنسوب إليه، وفي نفس الوقت أجل الشافعية عن الديوان المنسوب إليه.

طيب، إذا تجنبنا أنها الكلاب ولتكن الذئاب؛ «غبس كواسب لا يمن طعامها»، لا ينقطع طعامها، يعني أنها تصيد متمكنة في الصيد بكل حال، هذا الذي أراه. وكواسب يعني أنها تكسب دائما، وأراد بذلك أنها مديمة على اكتساب طعامها، ولهذا قال لا يمن طعامها يعني لا ينقطع. ومعنى كواسب، أنا عندي القاعدة التي استنبطتها من بيان العرب، لو أن الشاعر وصف الشيء في شعره بصفة أصلها فيه فإنما يريد المبالغة؛ لأن الذئاب كواسب ما طبيعي، لكن لما يقول: «غبس كواسب لا يمن طعامها».

«كواسب لا يمن من طعامها، صادفن منها غرة فاصبنها».

هناك رواية أخرى، لكن رواية منها أجود: «صادفنا منها غرة فاصبنها». لو قلت صادفنا منه غرة، يعني هو الذي كان يحمي نفسه، لا؛ «صادفنا منها غرة فاصبنها». كأنه يحكي يا أخوة عن صروف الدهر، لا تنسى أنه يتحدث عن ناقته، فكأنه هنا يشير إلى صروف الدهر التي تصيب منك على غرة.

وقلت زهير يقول: «وتعلم أن للصيد غرة، وإلا تضيعها، فإنك قاتله». هذه القصيدة الملكة الساحرة: «القلب عن سلمى وأقصر باطله، وعري إفراس الصبا ورواحله، وأقصرت عما تعلمين وسددت، علي سوى قصد السبيل معادله. وقال العذار إنما أنت عمنا، وكان الشباب كالخليط نزايله، فأصبحن ما يعرفن إلا خليقتي، وإلا سواد الرأس والشيب شامله».

«صادفنا منها غرة فاصبنها». الله على «فاصبنها»! ضيعت الفرير، ضيعت الفرير. الخنساء: «ضيعت الفرير فلم يرم عرض الشقائق، طوفها وبغامها».

«صادفنا منها غرة فاصبنها»، «إن المنايا لا تطيش سهامها». هذا اسمه يا أخوة: الإقناع بعد التخييل. «إن المنايا لا تطيش سهامها»، رحمه الله على موتاكم، آمين.

دخول الموتى الآن ليس هو المهم، القصيدة عندي هي الأهم مطلقاً بالشعر العربي، ولكن نقول مختصر؟ لا يوجد أي اختصار يا أستاذنا، ومش سأختصر، ولو كنت أختصر مش سأختصر عشانك. أنت جئت نازلاً ببراشوت تتكلم، ما أنت لو حضرت من الأول كنت عرفت هذه المجالس ماذا قررنا فيها.

«صادفنا منها غرة فاصبنها»، ليس لك أن تعترض هذا الاعتراض. هناك مقام المستفيد ومقام الأستاذ، ولن أضيعه ولن أخجل؛ لأني هنا الأستاذ، لن أخجل من أن أنبه وأقول: «ما ضيع الحق إلا الخجل فيه». أنت لا تأتي تعترض، وواجبك إذا كان في أستاذك -وأنا كنت هكذا وما زلت- إذا كان في أستاذي سلبيات أتحملها وليس أعترض، وهكذا عاملت وهكذا أعامل. إذا كان لا يعجبك الشرح الممتد، أو لا يعجبك في الأستاذ كذا، لا تتكلم، من قال لك إن من حقك أن تعترض؟ أنت هنا مستفيد، أنت طالب تحت الأستاذ تستفيد وأنت ساكت.

إذا رأيتني مجرد مقدم محتوى اذهب وتفرج على "الرأس" واعترض على الرقاصة كما تريد، هناك قواعد وأصول نشأت عليها وسألتزم بها في نفسي وفي غيري. لما تقول مثلاً هذا الشرح، أنت تحاكمني، أنت قلت مختصر ولم يظهر مختصراً، ليس لك أن تقول هذا؛ هذا سوء أدب أصلاً. ما كنت أفعل هذا مع أساتذتي ومشايخي في الأزهر وخارج الأزهر، لكن غلبتك ثقافة تقديم المحتوى، وأنك تجالس الناس من أجل المحتوى ليقدموا لك ما يسعدك، اذهب لمكان آخر ما يسعدك. هنا أنت تأتي تأخذ الموجود وتكون شاكراً.

أنا أشرح وأعلل هذا الوضوح وهذه الحدية؛ لأن الخجل هو الذي ضيع الحق، خجل الناس ضيع الحق. إذا كنا لا نستطيع -وأنا أستطيع أن أعمل مجالس في مصر ويكون الناس موجودين- لكن أريد عدداً أكبر واستفادة أكبر. هل أنا عاجز عن أن أعمل مجالس في مصر؟ في أي مكان، ما زلت أدعى إلى الأماكن في مصر، وأعتذر، ما زلت أدعى والله إلى الآن في أماكن كثيرة. لماذا؟ أريد عدداً أكبر واستفادة أكبر ومحاضرة تُسجل يراها كثيرون. إنما أذهب لأعمل محاضرة في مصر وأظل أسأل: سجلت؟ رفعتموها؟ لم ترفعوها؟ لماذا هذا الهم؟ أعمل محاضرة أمام الإنترنت وأمام اللاب توب وأسجل وخلاص، وفي الصباح يراها كثيرون وبعد أيام يراها كثيرون. إنما نقل المحاضرة لا يعني ترك الآداب، ولا يعني ترك الأصول، والخجل هو الذي يجعل الناس يضيعون الحق.

ومع ذلك أنت فوق كل ذلك، أنت جئت على المجالس ببراشوت، من أول مجلس في الشرح أنا قلته: نعمل مجالس موسعة بعض الشيء، تتعدد وتقل فيها الأبيات ويكثر الكلام في الشرح، لسما ولبيد لم نعمله ولم نشرحه من قبل إطلاقاً، ولا ندري متى نشرحه بعد ذلك، فربما نعطيه حقه في هذه ونعرف شاعريته، أم نشرح مختصراً وكنت قادراً على ذلك كما فعلت مع الأعشى قبله. الإخوة بالإجماع قالوا: بل نتوسع، فأنت حتى تأتي تعترض وأنت تهبط ببراشوت، تأتي في المنتصف هكذا تعترض، يعني في المحاضرة السابعة! كل ما فعلته لا يليق، ولا تعد إلى مثل هذا، وفقك الله ورفع قدرك وعلمك ما لم تكن تعلم.

«صادفنا منها غرة فاصبنها»، «إن المنايا لا تطيش سهامها». خلاص يا أخوة لو سمحتم لا تعلقوا على هذه. هذا يسمى كما يسميه قرطاجني: الإقناع بعد التخييل. هل أشرحها؟ أنا شرحتها في مجالس من قبل في محاضرات مستقلة.

على كل حال، الإقناع أو ما يسمى بالأقاويل الإقناعية هو الأصل في غير الشعر، أما الشعر فأقاويله تسمى أقاويل تخييلية. هناك نوعان من الأقاويل: أقاويل تخييلية وهي الشعر، وأقاويل إقناعية في غير الشعر. الأصل في الأقاويل الشعرية أن تكون تخييلية.

أحسن يا شيخ خالد، بارك الله فيك ويرضى عليك، بالضبط، الأصل في التخييل أو في الأقاويل الشعرية أن تكون تخييلية: «صادفنا منها غرة فاصبنها»، «لمعفر فرهد تنازع شلوه غبس كواسب لا يمن طعامها»، «خنساء ضيعت الفرير فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها». وهكذا إذا رجعنا لكل الأبيات: «فتوسطاً عرض السري وصدعا، مسجورة متجاوزاً قلامها، محفوفة وسط اليراع يظلها، منه مصرع غابة وقيامها، أفتلك أم وحشية مسبوعة، خذلت وهادية الصوار قوامها، خنساء ضيعت الفرير فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها، لمعفر فرهد تنازع شلوه غبس كواسب لا يمن طعامها، صادفن منها غرة فاصبنها».

إلى هنا تسمى أقاويل تخييلية، يعني هي في ذاتها تؤدي إلى التخييل الشعري. ثم «إن المنايا لا تطيش سهامها»، هذه العبارة لو فصلتها من مكانها في الشعر انطفأت؛ لأنها عبارة حكمية مباشرة. وشرحت هذا بالتفصيل في المثال الرائع العالي جداً في هذه المسألة، وهو بيت أبي فراس إذ يقول: «شديد على الإنسان ما لم يعوده».

رجع البث يا أخوة، «رجع شديد على الإنسان ما لم يعوده». عبارة «شديد على الإنسان ما لم يعوده»، هل فيها تخييل؟ لا. طيب ما رأيك لو جئتك الآن هكذا وقلت لك بدون شعر بدون شيء: «شديد على الإنسان ما لم يعوده»، أنت ستقول: حقاً؟ حقاً شديد على الإنسان ما لم يعوده؟ هذه حقيقة.

ولكنها حسنت متى. العبارات التخييلية تقع تطعيماً وترصيعاً في العبارة الإقناعية التي أصلها نثري ودلالتها غير تخييلية؛ تقع كالترصيع والتطعيم في العبارات الأصلية التخييلية، وتبغ بصبغتها إذا وقعت في مكانها.

خذوا هذا السر يا إخوة، هذا سر خطير ومهم، انتبهوا؛ العبارات الإقناعية متى تحصل في الشعر وتكون جيدة؟ حين تأتي في مكانها المناسب من الأقاويل التخييلية، وتكون الأقاويل التخييلية أصلاً في ذلك الشعر أو في ذلك النص، فإذا جاءت في مكانها جاءت داعمة ومصطبغة، وتنتقل إليها صفة التخيل.

على العكس من ذلك، الخطبة والكلام النثري الأصل فيه أن يكون إقناعياً مع وجود المسحة الأدبية طبعاً، لكنه إقناعي وليس كالشعر تخييلياً. فإذا وقعت العبارات التخييلية في المادة التي أصلها إقناعية جاءت كذلك، فكأنك رصعتها بالشعر، كإدخال الشعر في الخطب وإدخال الشعر في الرسائل وكذا، حتى لو كان شعر الكتاب.

نرجع إلى القصيدة التي وقع فيها عبارات تخييلية أو عبارات إقناعية؛ متى يفسد الإقناع الشعر؟ يفسد إذا زادت العبارات الإقناعية وفقدت صلتها بالعبارات التخييلية وصار لها وجود مستقل، وهنا تنقلب القصيدة إلى نظم وإلى حكم. ومن هنا قال ناقد قديم جداً وهو الجاحظ في كتاب «البيان والتبيين»: «القصيدة إذا كثرت الحكمة فيها قبحت».

الشرح في ذلك أن الحكمة عبارات إقناعية، وشرط أن تأتي صحيحة في الشعر أن تأتي نادرة في مواضع تتصل بالتخييل، فإذا كثرت صار لها وجود يستقل عن التخييل فخالفت قانون الشعر والشاعرية، وصارت منظومات إرشادية أو تعليمية؛ فالقصائد التعليمية الحكمية ليست شعراً. إذا بنيت القصيدة على الحكمة ولم تقع تخييلية، فهذه تعليم وإرشاد مهما أعجبتك، فأين الشعر؟

انظر هنا ماذا فعل لمعفر قهد: تنازع شلوه غبس كواسب ... ما يم لا يمن طعامها صادفن منها غره فاصبنها

هنا يكون المعنى أن المنايا لا تطيش سهامها. متى صارت العبارة الإقناعية تخييلية؟ لما أيدت تخيلاً، لم تأتِ في فراغ؛ فقوله «إن المنايا لا تطيش سهامها» جاءت لتصدق «صادفن منها غرة فاصبنها»، جاءت تطبيقاً، فجاء الإقناع تطبيقاً في تخييل فالتجم وصار شعراً. فماذا لو زدت أنا من طريقة «إن المنايا لا تطيش سهامها» كذا وكذا؟ خلاص، صار حكمة. بناء القصيدة على الأقاويل الإقناعية هذا تفسيرها علمياً.

من الذي شرحها علمياً بهذه الطريقة؟ حازم القرطجني، أقول تقريباً احتياطاً للذمة العلمية، لكن أنا لا أذكر أحداً غيره، وسماه «التحجيل». سمى هذا الأسلوب بالتحجيل، تعرفون لماذا؟ لأنه يشبه التحجيل الذي في أقدام الفرس الداكن؛ لما يكون الفرس أسود أو كميت يكون مظلماً ثم يأتي التحجيل بياضاً نوراً. فيقول: «إن المنايا لا تطيش سهامها»، الشطر الحكمي كأنه أضاء الفهم وأشعل شعلة لترى، ماذا حصل؟ «صادفن منها غرة فاصبنها». إن المنايا لا تطيش سهامها؛ هي اسمها التحجيل، الإقناع بعد التخييل والتحجيل.

هذه كلاهما استعمال القرطجني، واستعمله كذلك -أظن فيما أذكر- صاحب كتاب «أصول الشعر». المهم اسمه التحجيل، وهو الإقناع بعد التخييل: «صادفن منها غرة فاصبنها»، «إن المنايا لا تطيش سهامها».

باتت وأسبل واكف من ديمة ... يروي الخمائل دائماً تسجامها

لا تنسى أنه يتكلم عن ناقته؛ «باتت وأسبل» أي سال واسترخى، «واكف من ديمة» أي المطر الدائم، والديمة هطلاء فيها وطف، فالديمة هنا يطلق كذلك على السحاب نفسها التي تمطر مطراً دائماً خفيفاً.

«مصائب قوم عند قوم فوائده»؛ قلت أنا: «مصائب قوم عند قوم قصائده»، في شعار لكتاب السبع العذريات. أنا أسألكم سؤالاً يا شيخ خالد الشيباني وسليمان وخان والإخوة جميعاً: لو جئت لك وقلت «مصائب قوم عند قوم فوائده»، هل هذا فيه شعر؟ يعني هذا معنى مباشر، قول إقناعي. للوهلة الأولى لا، وحدها هكذا «مصائب قوم عند قوم فوائده» معنى معروف، إنما لما تقع في الشعر تصديقاً لتخييل تصير تخيلاً، والقرطجني نص بالمناسبة أنها تصير تخيلاً.

هذا الذي أحدثكم به هو علم الشعر التقعيدي، هو الموجود. انتبهوا يا إخوة، أذكر وأنا صغير درست أصول الفقه، فحفظت «الورقات» للجويني وحفظت نظمها للعمريطي وقرأت بعض الشروح، ثم دخلت في أصول الحنفية في «نسمات الأسحار» لابن عابدين وفي «شرح المنار». فلما درست المتون الأولى، صار بعض الإخوة الزملاء في الحي يقولون: محمد قوي في أصول الفقه، متخصص في أصول الفقه. أين المتخصص؟ أنا لأنني تكلمت بما في «الورقات» حفظتها وتكلمت بها، فرأيتموها علماً، وهذا للمبتدئين.

كذلك يقولون: أبو قيس عالم في أصول نقد الشعر وكذا. العالم لا يكون بادٍ إدراكه للأصول، قد يكون الإنسان عالماً لكن ليس بمعرفة الأصول. لا تقل للشخص أنت فقيه لأنك تعلم موجبات صيغة الأمر، هو لو لا يعلمها لكان الأمر ليس شيئاً خالصاً.

ينبغي لكل أحد أن يكون محصل «ألفية ابن مالك»، فمن الطبيعي أن أستحضر الأبيات من الألفية في الأحكام النحوية أثناء شرح الشعر، لابد أن أكون محصلاً للألفية أستطيع الأخذ منها واللجوء إليها حينما أحتاج إلى فهم مسألة، هذا طبيعي. إنما الإنسان يصبح عالماً بالتحقيق؛ العالم دائماً يسأل ماذا قدمت؟

في شهادة الدكتوراه، الأصل فيها تسمى شهادة العالمية، ويحضر رسالة، انظر الرسالة، رسالة الدكتوراه عبارة عن ماذا؟ عبارة عن شيء أنت حققته. ولهذا أنا لما أنظر في رسالة الدكتوراه لا أجد فكرة معينة، أقول: أخبرني ماذا قدمت لهذا العلم؟ أو لما يحصون أقوال كذا في كتاب كذا، ماشي جهد، طيب جهد، أين الفكرة التي أضفتها أنت إلى هذا العلم؟ أين الفكرة التي أضفتها إلى هذا العلم؟

العالم الأصل أنه يستطيع أن يضيف إلى هذا العلم، هذا الذي أفهمه في معنى عالم؛ الذي يستطيع أن يحرر وأن يضيف وأن يأتي بكلام يناقش فيه العلماء ويرجح ويناهز كلامه كلامهم، ويكون له رأي معتبر. وليس الذي حصل مسائل العلم وصار مستحضراً إياها، هذا حصل فهم، أستاذ أو شيخ أو معلم، لكن العالم هو الذي يحرر، فليس بمعرفة مسألة الإقناع بعد التخييل يكون أبو قيس عالماً. وليس كل ما في الأمر أنني تعبت في دراستي، هذا لم تتعبوا؟ ألم تدرسوه؟ وأكثر الناس لا يعرفون هذه المصنفات أصلاً.

فلست حتى أكون صادقاً أمام ربي وأمام نفسي، لا أكون عالماً بالشعر بمعرفة الأصول، وإنما بتحرير القضايا وبمعرفة جديد واستخراج ما لم يستخرج من قبل، هذا هو الذي يكون به فلان عالماً. قد يكون أستاذاً مقعداً عالماً بمعنى أنه أحاط بهذا الباب أو بهذا الفرع من الفن، ممكن، لكن ليس العالم الذي نتصور أنه أضاف إلى هذا الفن إضافة تسجل باسمه، تحفظ باسمه.

الله المعين. «باتت وأسبل وأكف من ديمة، يروي الخمائل، دائماً تسجامها». الديمة هي المطر الدائم، والخمائل هي الرملة التي غطاها النبت أو العشب. «باتت الخنساء التي ضيعت الفرير، وأسبل أكف عليها من ديمة يروي الخمائل دائماً تسجامها».

«يعلو طريقه متنها متواتر، في ليلة كفر النجوم غمامها». يعلو طريقه متنها متواتر؛ متواتر يعني متتابع. الله على التركيب! في ليلة كفر النجوم غمامها؛ والضمير يعود على الليلة. كفر يعني غطى، ومنه الكفر لأنه ران على القلب غطاء عن الحق فجعله محجوباً، غشاوه غطاء فكفره. ومنه قالوا جاء في الإنجليزية "الكفر" (Cover) بمعنى غطاء أو هجمة مرتدة، يقول لك هجمة مرتدة. المهم، يعلو طريقه متنها متواتر. والفلاح كافر لأنه يغطي البذور في الأرض، هو كافر، يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار.

على قولي وتفسيري: «باتت وأسبل وأكف من ديمة يروي الخمائل دائماً تسجامها»، أي كمثل غيث أعجب الكفار نباته، هذه كانت الآية التي على ذهني وجئت بالأخرى، أحسنت. «يعلو طريقه متنها متواتر، في ليلة كفر النجوم غمامها». تخيل السماء في ليلة كفر النجوم غمامها، لم يقل كفر غمامها النجوم، قدم النجوم لأن النجوم هي التي تجعل للسماء نوراً يبهج النفس، فإذا غطاها الغيم صار كئيباً، فاجتمعت هذه الكآبة إلى كآبة فقدها لولدها، هكذا ناقته.

«هكذا ناقتي التي أقطع بها لبانه، من تعرض رض وصله، تجتاف أصلاً قالصاً متنبذاً، بعجوب أنقاء يميل هيامها». لا أعرف هيامها، أعرف الهيام وهو الرمل اللين الذي لا يتماسك الذي ينهار، الهيام هنا يقول: «تجتاف أصلاً»، تجتاف يعني تدخل في جوف وتستكن فيه، أصل شجرة. «قالصاً»، مرتفعاً متفرقاً متشعباً، يعني أصل شجرة ضخم كبير بعيد. «بعجوب أنقاء»، والأنقاء هي الرمال الناعمة التي لا تثبت، وما امتد منها وارتفع. «يميل هيامها»، يعني ينهار رملها الناعم.

كأنه يشير إلى نأي الموضع وقدم الشجرة، يقول: «تجتاف أصلاً»، يعني تدخل في جوفه وتستكن فيه، «قالصاً متنبذاً»، قالوا متفرقاً متفلقاً، وقيل متنبذاً يعني بعيداً في الأطراف. فلو قلنا متنبذاً معناه متفرقاً سيكون «بعجوب» لا يتعلق بالتنبذ، بل سيتعلق بـ «تجتاف» أو بالأصل، أي كائناً بعجوب أنقاء. ولو قلنا متنبذاً بمعنى بعيد أو نائن فسيتعلق به الجر في «بعجوب»، أي متنبذاً بعجوب أنقاء. وكما قلت بعضهم قال متنبذاً يعني مفلقاً، ففيه مساحة تدخل فيها.

«العجوب» هو الماخِر البعيد، آخر الأنقاء إذا امتدت بعيداً. «يميل هيامها» يعني يسقط، فأشار إلى أنها كأنها في موضع وفيه شجرة قديمة، وهذا الموضع رمال لا تثبت، فهي لجأت إلى مكان ليس فيه حيوان يعيش، وصارت بعيدة منبوذة بعد أن فقدت ولدها، وبعد أن أصابتها الأمطار فاضطرت إلى المكان البعيد، وطبعاً فاتها الصوار وكل شيء، فاضطرت إلى المكان البعيد الذي تتخبأ فيه، حتى وإن كان «بعجوب أنقاء يميل هيامها» يتساقط، تسقط قطع الرمال منها من نعومتها، فكيف يعيش فيها شيء؟ كيف تمر بها ضباء؟ هي اضطرت إلى هذا المكان.

«يعلو طريقه متنها متواتر، في ليلة كفر النجوم غمامها، تجتاف أصلاً قالصاً متنبذاً، بعجوب أنقاء يميل هيامها». أنا في الشرح المختصر ما كنت سأقول لك هذا الكلام، ما كنت سأقول لك إنه يصور بعد أن كانت «كفر النجوم غمامها» وكذا، وأعود وأربطها لك بالأول بفقدها ابنها، وأنها «تجتاف أصلاً» في الأطراف «بعجوب أنقاء» بعيداً يميل هيامها ويتكسر، وأن انهيار هذا الرمل الناعم يشير إلى أنها لجأت إلى مكان لم تكن لتلجأ إليه لولا ما أصابها من الأمطار والوحدة والخوف إلى آخره. ما كنت سأقول لك هذه الدلالات، وهي دلالات الشعر نفسه. رأيت: «تجداف أصلاً خالصاً».

هذه قصيدة يظلمها الشرح المختصر، ولهذا ما أردت أن يكون مختصراً تماماً، بالمناسبة هو ما زال مختصراً.

أنا لم أستكشف، أنا لم أشرح لك مثلاً عندما قلت لك: «باتت وأسبل وأكف»، لم أشرح لك علة الواو، تفسير الواو؛ لماذا من ديمة؟ لماذا واقف من ديمة؟ هذا البناء لم أشرحه لك. يروي الخمائل، لماذا ذكر الخمائل دائماً تسجها؟ لماذا لم أشرح لك شيئاً من هذا؟ بالمناسبة ما زال مختصراً. يعلو طريقه متنها، لماذا قال يعلو طريقه؟ لماذا لم يقل لم ينزل على طريقه متنها؟ خلاص.

وطريق المتن يا إخوة كما قالوا: الخطوط أو الخط الذي يكون في الظهر، هذا معنى طريقه متنها؛ تكون مخالفة للون الظهر، فلماذا خص هذا؟ لم أشرح لك هذا، ما زال خلاص.

تتجاذب أصلاً خالصاً متنبذاً بعجوب، أنقاء يميل هيامها، يتكسر الرمل فيها ويسقط. ولما لماذا قال يميل؟ لماذا لم يقل ينهار، يسقط، ينهال، أي شيء؟ لماذا يميلها يا مها؟ شفت، «يميل» هذه فيها سر أصلاً؛ قال يميلها، يميل رملها لأن الرمل إذا انهار قطعه كبيرة، قطعة واحدة هكذا، لا تكون كبيرة؛ أما يميل فمعناه قطع كبيرة وكلها تميل، هيامها يميل، يميل ينزاح هكذا، الحركة أيضاً ميل لأن الرمل كثير، إشارة إلى أن الكتلة أكبر. هذا أيضاً لم أشرحه لك، قلته لك الآن وأنا أقول لك إنه ما زال مختصراً، هذا أيضاً تجاوزته ولم أقله؛ لماذا قال يميل؟ فما زال هناك مستوى شرح لم أتعرض له، فما زال مختصراً.

ويا خالد الشيباني، لماذا سلكت هذا في هذه القصيدة؟ لن نعيش مع معلقة من قبل بعد انتهاء هذه القصيدة، لا، لن نخلص. بعد انتهاء هذه القصيدة أنا إن شاء الله وعدتكم بـ «زئير الشماخ» ستكون هكذا إن شاء الله، زئير الشماخ بإذن الله. خلاص، أقول أنا وعدتكم بماذا؟ أنا وعدتكم بماذا؟ بزئير الشماخ ابن ضرار إن شاء الله يكون فيها هذا. لم أذكر لك أن هذا الرمل إذا انهال هكذا كله فإنت في صحراء كبيرة وقطعة كبيرة وكذا، كل هذا لم أشرحه.

وتضيء في وجه الظلام منيرة. أبشر يا خالد الشيباني، وتضيء في وجه الظلام منيرة. كجمانة البحر، سل نظامها. هذا البيت خطير، أولاً قال: تضيء في وجه الظلام منيرة. قال تضيء ثم جعلها منيرة، لماذا قال منيرة؟ أراد أن الضياء، قال تضيء -طبعاً هذا تضيء فعل مضارع- ومعنى منيرة يعني تضيء لغيرها، ينتقل نورها إلى غيرها، يعني النور ينتقل منها ليضيء ما حولها أو ينير ما حولها، يتجاوزها الضياء، أو تضيء وتخبو بدلالة الشطر الثاني.

كجمانة البحر؛ أصل الجمانة أيها الإخوة هي آل الخرزة الصغيرة من الفضة على هيئة اللؤلؤ، ومع ذلك هنا قال: كجمانة البحر، يعني رجع إلى اللؤلؤة فجعل اللؤلؤة جمانة. لماذا جعل الدر جمانة فضية مع أنه قال البحر؟ يعني هي درة ولكن قال جمانة البحر، لماذا جعلها جمانة؟ ليسْبِغ عليها بريق الفضة؛ لأن اللؤلؤة فيها بياض وفيها شفافية ومائية، لكن ليس فيها بريق ينتقل عنها.

لو جلست في مجالس، أنت في مصر، أنت محمد عبد العزيز، يا مرحبا يا وردي، يا مرحبا. والله كنت أتوقع نفسي تافهاً لأني أعشق المعلقات ولا أرى أحداً يأبه لها. شكراً للشرح الرائع، الله يرضى عليك يا حبيبي، الله يرضى عليك، رضي الله عنك. لا لست تافهاً، كيف قصيدة من المعلقات وتظن هذا؟ كيف لا يتأتى أن تقول ما قلت يا رجل؟

وتضيء في وجه الظلام منيرة كجمانة البحر، سل نظامها. سل يعني انفرطت من عقد نظامها، انتظامها في العقد، سل نظامها يعني سقطت؛ لأنها إذا سل نظامها ستتقافز، تقع وتتقافز وتظل تضيء وتخبو، تضيء وتخبو، تضيء وتخبو، في هذا بيت يا خالد الشيباني لو تتذكره.

سأشرح لكم بيتاً الآن، كثير فيه لزهير، لا، سأشرح لكم بيتاً الآن. سنقوم جميعاً نقوم الليل، مش نسجد شكر، نقوم الليل، بس استنى لحظة بالكتابة. لحظة يا إخوة، أصل البيت مر علي قريباً وهو عندي قديم من الأبيات التي أحتفي بها جداً، أشعر أنني اقتربت من الوصول إليه فيما تقود إليه بعض الذاكرة، كيف يذهب مني؟

بيت الطرماح، بيت الطرماح يا إخوة، يذكر ماذا يا إخوة؟ يذكر أيضاً وحش الرماح، يقول: يبدو وتضمره البلاد كأنه سيف على شرف يسل ويغمد

يبدو يعني يظهر، يصف بياض ثور الوحش، يبدو يظهر يعني على مرتفعات، أحسنت يا خالد، ما بسألك أنا عارف أنك ممكن تجيبها، يبدو وتضمره البلاد، كأنه يظهر هكذا وتضمره، ويظل -طبعاً يستعمل المضارع، انتبهوا يا إخوة كلما ذكر الشاعر المضارع أو إذا ذكر المضارع في مثل هذه الحركة فهو يذكر التكرار والتكرار والاستمرار- يبدو وتضمره البلاد، يعني يبدو وتضمر، يبدو وتضمر، يبدو وتضمره البلاد كأنه سيف على شرف يسل ويغمد. يعني كأنه في كل مكان مشرف ظهر عليه ونزل، كأنه سيف سل وأغمد.

طبعاً الشخص غير المتخصص في التذوق النصي والتعليل سيفهم ماذا؟ سيفهم أن أصل التشبيه هو الجمال، أقول لا؛ يبدو وتضمره بصيغة المضارع، ثم كأنه سيف على شرف يسل ويغمد، لأن كلمة يسل ويغمد تدل على تكرر الظهور على الشرف. فالتعبير بالمضارع في «يبدو وتضمره»، والتعبير بالمضارع في «يسل ويغمد»، وبناء الفعل لما لم يُسمَّ فاعله، لم يقل: كأن رجلاً يرفع سيفاً ويغمده، كأن مش عارف مين فارساً، لا؛ سيف يسل ويغمد. أنا لا أريد أن أرى الرجل الذي يسل السيف ويغمده، أنا أريد أن أرى السيف الذي يسل ويغمد فقط.

يبدو وتضمر طبعاً إشارة إلى ماذا؟ لونه وشدة بياضه المضيء في الشمس في الليل، هل ذكر البياض؟ أنا أسألكم، هل ذكر البياض؟ هل ذكر البريق؟ هل ذكره في اللفظ؟ لا، مع أنه هو المقصود، مع أنه هو المقصود، صح هو المقصود. يبدو وتضمره البلاد كأنه سيف على شرف يسل ويغمد. هو طبعاً يسافر، ينطلق، يمر على مشارف ثم يهبط غيطان، ثم يظهر على متونها، وينزل، يظهر وينزل، يظهر ويضمر، وهو أبيض هكذا أبيض ناصع.

استلم يا عم، يلا يا عم خالد ممدوح، إيه رأيك؟ شفت التشبيه؟ شفت التشبيه؟ وهنا نفس الصورة.

بصورة بيانية مختلفة، وتضيء في وجه الظلام منيرة، كجمانة البحر سل نظامها؛ إذا سل نظامها تقافزت، فخبت وظهرت، فخبت وظهرت. فيقول: إنك تراها بين الأكام، وقد رأيت نفس الصورة التشبيهية، لكن بتشبيه مختلف للمقصد نفسه في المشهد، تراها وهي تتقافز في الظلام، تختفي حول أكمة، ثم حول حقف، ثم حول شجرة، ثم تضيء وتظهر، كجمانة البحر؛ سل نظامها لأنها إذا سقطت قفزت، فخبت وظهرت. كذلك هذه، تراها في الظلام تختفي وتظهر كأنها جمانة بحر، لؤلؤة تتقافز، فتختفي وتظهر وتختفي وتظهر.

يقول التشبيهات الساذجة: «وتضيء في وجه الظلام منيرة، كجمانة البحر سل نظامها». حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت، بكرت. حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت، يعني يقول: أسفر الصبح، دخل في وقت السحر، صارت في سحر الصبح، أسفرت الأسفار. حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت، بكرت في الصباح، طبعاً التي فقدت ولدها، هذه التي ناقته، بكرت تزل عن الثرى أزلامها.

الثرى: المبتل من التراب أو الرمل المبتل الذي صار ليناً، وتزل، يعني تغوص فيه. وأزلامها: قوائمها التي يصفها بأنها عبلة، أو عبلة الشوى، أي أنها ملتفة وعريضة، فشبهها بالأزلام التي هي القداح، الاستقسام بالأزلام؛ القداح، القدح الكبير، فيقول إن أقدامها، أي قوائمها، كالقداح، فصارت تزل أقدامها لأن الطين لين وتنغرس أقدامها فيه وتنزلق عنه.

«حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت، بكرت تزل عن الثرى أزلامها». عليها التردد في نهاء صعائد، سبعاً تؤاماً، كاملاً أيامها. عليهت؛ العلة يا إخوة هي خفة من الجزع، خفة تعتري الإنسان من الجزع أو غيره، يقال: عليه الرجل عِلَه، أي أصابته علة. ونهاء: جمع نهي، وهو مكان فيه حاجز ينهى الماء عن أن يفيض، مكان فيه حاجز ينهى الماء عن أن يفيض، والتبريزي فسره بالغدير.

يقول: «عليهت»؛ جزعت شديداً، أصابتها خفة الجزع، «عليهت»؛ ترددت في نهاء صعائد، وصعائد اسم مكان، والنهاء هنا كما قلنا جمع نهي، يعني في أماكن حصرت فيها المياه، أو الغدر، أو الأماكن التي فيها مجاري المياه، أو مخازن المياه، أو حدائق مياه، كذا، يعني أقامت في مكان، أو بسبب المطر الذي نزل، ظلت جازعة فيه تتردد من يمين إلى شمال، ومن شرق إلى غرب، وتجري من هنا ومن هنا.

«عليهت ترددت في نهاء صعائد، سبعاً تؤاماً، كاملاً أيامها». قال الشراح في «كاملاً أيامها»: أي لا ينقضي جزعها، لا ينقضي جزعها، كاملاً أي أيامها، يومها كامل، يعني لا تقعد ولا تستريح، تظل تتردد على طول يومها. «عليهت» التردد ماذا تفعل؟ تبحث عن ابنها. ما زالت أقعدها في الأول، الواكف باتت وأسبل واكف من ديمة، ثم صعدت في الصباح، أصبحت، حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت، بكرت لتبحث عن ولدها، تزل عن الثرى أزلامها.

«عليهت»؛ جزعت، ظلت جازعة كما كان لها طوب وبغام في الأول، الخنساء ضيعت الفرير، الولد غالي يا ولدي، الولد غالي عليها. «عليهت» التردد في نهاء صعائد، سبعاً تؤاماً، كاملاً أيامها، كل يومها بالنهار من الصبح إلى غروب الشمس تطوف وتجري. حتى إذا يئست، طبعاً تؤام جمع توأم يا إخوة، حتى إذا يئست: «وأسحق حالق، لم يبله إرضاعها وفطامها».

لم يبله إرضاعها وفطامها؟ لم يبله ماذا؟ الحالق. أسحق يعني أخلق وانجرد، أخلق صار مهترئاً، هكذا خلاص صار أخلق، يقال: أسحق الثوب صار خلقاً، والحالق هو الضرع الملان، جف ضرعها. من ماذا؟ لم يبله إرضاعها وفطامها، ليس الذي أبلى ضرعها بعد أن كان حافلاً باللبن أن أُرِضِعَت وفُطِمَت، بل ما وصلت إليه وما أنهكت فيه.

والصورة مؤلمة جداً جداً يا إخوة، ما بلغت إليه وما أصيبت به من ملاحظة، لم يقل فقط فقدت ولدها، بل أصيبت بأمطار وبغيوم وكفرة النجوم. شوف التصوير، أختكم أمل تقول: "دمعة عيني يا ريتك"، والله أنا عايزة أعيط أكتر من كده، إن معناها أن نجحت في تصوير الصورة. أنا سعيد أنك تبكين، الحقيقة أنا لست حزيناً أو مشفقاً خالصاً، لا أعرف لماذا.

«حتى إذا يئست، وأسحق حالق»، ياست عن أن تجد ابنها، ياست خلاص، وأسحق يعني بلي واخلق، الحالق هو الضرع الذي كان مَلآن، لم يبله إرضاعها وفطامها، وإنما أبلاه أن فقدته، وأن حزنت عليه، وأن أصيبت بصروف الدهر والبلاءات، وبالسحب والمطر والليل، وأنها أنهكت من البحث عنه والطوف والبغام. هنا يئست، وكان ضرعها قد أخلق وبلي.

«وتوجست»، إذاً لا تزال في يأس، وهناك صروف دهر، لا تنسى، يصف ناقته، ياست وقابلت صروف الدهر «وتوجست»، يصف ناقته، ياست وقابلت صروف الدهر «وتوجست ركز الأنيس فراعها عن ظهر غيب، والآنيس سقامها». توجست يعني تسمعت، ركز الأنيس يعني الصوت الخفي، وهناك رواية: ركّز الأنيس، خلاص، أو تسمّع لهم ركزا في القرآن يعني الصوت الخفي، والآنيس الناس، الصياد ما هي ناقصة، صياد وتوجست ركز الأنيس فراعها.

لا، البث لم ينقطع، وتوجست ركز الأنيس فراعها عن ظهر غيب، والآنيس سقامها، سقام يعني هلاكها، السقام هنا الهلاك. «وتوجست ركز الأنيس فراعها عن ظهر غيب»، معنى عن ظهر غيب يا إخوة يعني من وراء حجاب، يعني تسمع ما لا تراه، تسمعت ركز الأنيس، الصوت الخفي من الصياد، الناس البشري، فراعها عن ظهر غيب، أخافها وهي لا تراه، فراعها عن ظهر غيب.

«والآنيس سقامها»، هو كان الشاعر يقول لك كأنك لا تعرف حالها، أنت لا تعرف الأنيس، هذا مهلكها، هذا هلاكها، هلاك هذه الضباء في الإنسان والآنيس سقامها. فيا أخي ما الروعة! «فغدت كلا الفرجين، تحسب أنه مولى المخا»، خلفها وأمامها. «فغدت كلا الفرجين»، تحسب أنه الفرج الواسع من الأرض يا إخوة، وهذا فصيح في القصيدة لا نعرفه، الفرج الواسع من الأرض من أمامها وورائها ويمينها وشمالها، خلاص، وأختيار الأنيس، ما قلت لك مش سأتكلم في كل شيء، سيطول جداً لو فعلت هذا. «فغدت كلا الفرجين».

تحسب أنه مولى المخافة، معنى المولى في الأولى بالمخافة، أو المكان الذي تولى الإخافة، هذا معنى مولى المخافة؛ أي الأولى بالمخافة، أو مظنة المخافة.

نرى ما قال كعادتنا، ننظر في الأنباري، نرى ما قال الأنباري، لا التبريزي هنا، أذكر أنه له قول أجود وأوضح. هو قال: ولي المخافة، أي الموضع الذي فيه المخافة، ولي المخافة؛ هذا مفرده لا نستعمله ولا نعرفه، نرجع فيه إلى الشروح وإلى كلام أهل اللغة.

رايتم مولى المخافة، هذا مولى المخافة، اسمعوا، ينقل أيضًا عن ثعلب، المولى في هذا البيت -وطبعًا هذا إحسان عباس رحمه الله ينقل من الشروح الآخرين- قال: المولى في هذا البيت معناه أولى، كأنها تحسب أن كل فرجين أولى بالمخافة من الثاني؛ فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة، أي أنه الأولى من غيره بالمخافة، هذا تفسير آخر، تفسير آخر على صيغة أفعل، فسرها بأفعل، أن كل موضع هو أولى بالمخافة.

والتبريزي فسرها بولي المخافة، يعني ما يتولى الإخافة أو المخافة ويكون منه الخوف، هو أيضًا يرجع في الأخير بدون زيادة أفعل التفضيل إلى أنه يتولى المخافة، هو الأولى بها.

هنا يقول، قسمًا بالله شخصيًا، أكاد أعتبر هل القصيدة معجزة؟ طب ما أنا كنت مستعجل، وتقول لي مش مختصر، وتخلينا نتنرفز معك ونروح نقصها من الدرس، أنت تعطلني. أوعى تكون زعلان، لا أزعل.

فغدت كلا الفرجين، أنا أنتشي بالشعر يا إخوة، لما أوصل لمرحلة الانتشاء هذه ببقى سكر، والله في خفة وطرب، في هرمون اسمه "شعر" يسمونه بالإنجليزية "Poetry". أما أوصل لمرحلة اللذة هذه، أبقى راضية عن الدنيا، لما أسمع العالم الثانية ألعن فلسفة جدود الدنيا واللي جابوها، إنما لما هكذا ببقى راضية عن الدنيا، أنا اتبسطت والله، عليت معي.

مع أني بالمناسبة لا أتعاطى حاجات تعلي الدماغ عند الناس، أنا لا أدخن أصلاً، حتى التدخين حياتي ما فيها، لأني رياضي بالأصل، لكن أنا عارف يعني إيه تعلي دماغك، أنا بعلي دماغي بهذا الكريم والطرب، الدماغ عليت والله، وتبسطت لما اختنا أمل بكتب.

إن معنى هذا أنها عاشت الصورة والتركيب اللغوي، فعل فعله معها وهذا الشرح والبيان، وربما لو قرأتها من قبل لم تنتبه، لكن لما شرحت الدلالات ووضحت القصيدة تأثرنا: "فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة".

تفسير ثعلب بأنه "أولى"، تعرفون لماذا يترجح عندي؟ أود أن أعطيكم شيئًا من التفصيل الذي لم أكن أنويه، تفسير ثعلب بأنه أولى فيه قرب من تصوير الظبية أو البقرة وهي تنظر أمامها، على أن ذلك مولى المخافة، ثم تظن أن الوراء هو الأولى، فتنظر إلى الوراء ثم ترجع إلى الأمام، هذا أولى، هذا أولى.

اسمعوا البيت بتفسير أولى: فغدت كلا الفرجين، مش واحد، تحسب أنه مكان المخافة، فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها، كل شوية هذا أولى، هذا أولى، تحسب كل واحد أولى بالخوف من غيره، تحسب أن خلف أولى من أمام، ثم تحسب أن أمام أولى من خلف، ثم تحسب أن خلف أولى من أمام، فهي هكذا.

تفسير ثعلب من أهل اللغة الكبار، قال: مولى هنا معناها أولى، لأنه أضافها إلى المخافة، "مولى المخافة" يعني هذا الذي هو مولى المخافة، فانعطف بها إلى معنى أولى في هذا السياق، هذا مولى المخافة دون غيره، لأن الأصل في المولى أن يكون واحدًا، مولى الشيء يكون واحدًا، فمولى المخافة؛ ولهذا لا يتعارض كلام ثعلب مع كلام التبريزي أنه "ولي المخافة"، هما واحد، لأن الولي واحد.

ثعلب فسره بالمعنى الواقع في النفس، والتبريزي فسره بالمرادف، ثعلب فسره بالأثر الواقع في النفس، والتبريزي فسره بالمرادف قال: ولي المخافة، وهنا قال مولى يعني أولى بالخوف، هذا هو أثر المعنى، فهمتم الأثر الشعري للمعنى؟ ففي الأخير هي تقول: بل هذا، بل هذا.

فغدت كلا الفرجين تحسب أنه -وطبعًا يجوز تحسب- تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها، حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا.

سنبدأ في هذا غدًا إن شاء الله، وشكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعمتم صباحًا ومساء. سنبدأ من حيث "يئس الرماة وأرسلوا"، ولا نكمل؟ لا نكمل، نكمل نخلصها، نكمل لأن بقيت أبيات قليلة، حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفًا.

تجاوزنا ساعتين، شكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، غدًا بإذن الله نلتقي، إن شاء الله، عمتم مساءً.