السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام، يا مرحباً. ما شاء الله، ما شاء الله، يا مرحباً، يا مرحباً. كيف حالكم؟ ما شاء الله.
كل من ألقى السلام أقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وكل من حيا، حياك الله وبياك، وعمت صباحاً ومساءً. يا مرحباً، شاشة طيبة، جميل. الحمد لله. أرجو يا إخوة طمأنتي إلى سلامة البث، وكذلك أرجو التفاعل مع البث، أرجو التفاعل مع البث يا إخوة، ريثما أطمئن إليه من جهتي كذلك. يا مرحباً، يا مرحباً.
الحمد لله. أستاذي، هذه الشروح الموسعة مفيدة جداً. الحمد لله، هذا ليس موسعاً تماماً.
كيف يبدو لكم الضوء؟ طيب، جيد. الحمد لله. هذا يا إخوة هو مجلسنا الثامن. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.
هذا مجلسنا الثامن من مجالسنا التي تقرر أن نجعلها عديدة مع شيء من التوسع من الشرح على معلقة لبيد بن ربيعة رضي الله عنه، وهي المعلقة المشهورة المتفق عليها. لأن الجمهور من الرواة القدماء يتفقون على معلقة امرئ القيس، ومعلقة طرفة، ومعلقة زهير، ومعلقة عمرو بن كلثوم، ومعلقة لبيد بن ربيعة، ومعلقة الحارث بن حلزة، ومعلقة عنترة.
بعض الرواة خالف في ذلك وجعل مكان معلقة الحارث بن حلزة وعنترة معلقة الأعشى والنابغة الذبياني. فمعلقة لبيد من المعلقات أو من القصائد المتفق على أنها في الصمود، فيما يعرف بالمعلقات الصمود كما سماها أبو زيد القرشي عن أستاذه المفضل بن عبد الله المجبري. والمفضل هو المفضل بن عبد الله المجبري، وليس المفضل الضبي، هذا متأخر عنه ويشيع هذا الغلط، ووقع فيه بعض العلماء كالشيخ الطاهر بن عاشور؛ حيث حسب أن المفضل الذي يروي عنه أبو زيد القرشي هو المفضل الضبي، والصواب أنه المفضل بن عبد الله المجبري، عالم آخر أو راو آخر من رواة الشعر. فهذه القصيدة من المتفق عليها بالإجماع أنها من المعلقات.
ودعونا نقرأ ونقف حيث وقفنا في المحاضرة الماضية أمس، ومن ثم نرجع إن شاء الله تعالى. أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم جميعاً، وكل من ألقى السلام أقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا أقول له: حياك الله وبياك.
ربما يسأل سائل يقول: لماذا سميت هذه بالمطولات؟ لماذا ليس بالطويلات أو الطوال فقط؟ طبعاً سميت بالطوال ويشملها، لكن قيل فيها المطولات؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فالطويلة غير المطولة، التي زيد في تطويلها قصد إلى جعلها طويلة.
والذي استقر عند النقاد أو عند من تكلم في مفهوم القصيدة ومفهوم القطعة والأبيات، كحازم القرطاجني، أن الأبيات تكون قصيدة إذا كانت من سبعة أبيات. إذا كانت سبعة أبيات تكون قصيدة، وتكون من سبعة إلى تسعة أبيات قصيدة قصيرة. إذا بلغت عشرة أبيات كانت قصيدة متوسطة، من عشرة إلى تسعة عشر بيتاً. إذا بلغت عشرين بيتاً قيل فيها قصيدة طويلة.
الأخ أو الأخت الذي كرر السؤال عدة مرات، هذا ليس موضع السؤال، وأنت ترى أن هناك موضوعاً نتكلم فيه وسلسلة، فينبغي مراعاة هذا. لن أقطع لأتكلم فيما تسألون عنه، هذا لا يليق.
لما تبلغ القصيدة خمسين بيتاً، ستين بيتاً، سبعين بيتاً، هذه معلقة لبيد في ثمانية وثمانين بيتاً، لما تبلغ كذلك هذه مطولة؛ لأنها طويلة جداً، طُولت، قصد إلى تطويلها.
قال: عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمَقَامُهَا ... بِمِنَنٍ تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فَرِجَامُهَا فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عَرِيٌّ رَسْمُهَا ... خُلِقًا كَمَا ضَمِنَ الوُحِيُّ سَلَامُهَا دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهْدِ أَنِيسِهَا ... حُجُجٌ خَلَوْنَا حِلَالَهَا وَحَرَامَهَا رُزِقَتْ مَرَابِيعَ النُّجُومِ وَصَابَهَا ... وَادِقُ رُوَادِ جُودِهَا فَرِهَامُهَا مِنْ كُلِّ سَارِيَةٍ وَغَادٍ مُجِنٍّ ... وَعَشِيَّةٍ مُتَجَاوِبٍ إِرْزَامُهَا فَغَدَا فُرُوعُ الأَيْهَقَانِ وَأَطْفَلَتْ ... بِالْجَلْحَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا وَالعَيْنُ سَاكِنَةٌ عَلَى أَطْلَالِهَا ... عُوَّاذُ تَأْجَلُ بِالفَضَاءِ بِهَامُهَا وَجَلَى السُّيُولُ عَنِ الطُّلُولِ كَأَنَّهَا ... زُبَرٌ تَجِدُّ مُتُونَهَا أَقْلَامُهَا أَوْ رَجْعُ وَاشِمَةٍ أَسَفَّ نُؤُورَهَا ... كَفًّا تَعَرَّضَ فَوْقَهُنَّ وِشَامُهَا فَوَقَفْتُ أَسْأَلُهَا وَكَيْفَ سُؤَالُنَا ... صُمًّا خَوَالِدَ مَا يُبِينُ كَلَامُهَا عُرِيَتْ وَكَانَ بِهَا الجَمِيعُ فَأَبْكَرُوا ... مِنْهَا وَغُودِرَ نُؤْيُهَا وَثِمَامُهَا مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظَلُّ عَصِيُّهُ ... زَوْجٍ عَلَيْهِ كِلَالَةٌ وَقَرَامُهَا زَجْلًا كَأَنَّ نِعَاجَ تَوْضَحَ فَوْقَهَا ... وَظِبَاءَ وَجْرَةَ عُطْفُهَا أَرَّامُهَا حُفِظَتْ وَزَايلَهَا السَّرَابُ كَأَنَّهَا ... أَجْزَاعُ بَيْشَةَ أَتْلُهَا وَرِضَامُهَا بَلْ مَا تَذَكَّرْتُ مِنْ نَوَارٍ وَقَدْ نَأَتْ ... وَتَقَطَّعَتْ أَسْبَابُهَا وَرِمَامُهَا مَرِيَّةٌ حَلَّتْ بِفَيْدٍ وَجَاوَرَتْ ... أَهْلَ العِرَاقِ فَأَيْنَ مِنْكَ مَرَامُهَا بِمَشَارِقِ الجَبَلَيْنِ أَوْ بِمَحْجَرٍ ... فَتَضَمَّنَتْهَا فِرْدَةٌ فَرِخَامُهَا فَصَعَائِدٌ إِنْ أَيْمَنْتَ فَمَظِنَّةٌ ... مِنْهَا وَحَافَ القَهْرِ أَوْ تَلْخَامُهَا فَاقْطَعْ لِبَانَةَ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُهُ ... وَلَا خَيْرَ وَاصِلَ خِلَّةٍ صَرَامُهَا وَأَحِبَّ المُجَامِلَ بِالجَزِيلِ وَصَرْمُهُ ... بَاقٍ إِذَا ضَلَعَتْ وَزَاغَ قَوَامُهَا بِطَلْحِ أَسْفَارٍ تَرَكْنَا بَقِيَّةً ... مِنْهَا فَأَحْنَقَ صُلْبُهَا وَسَنَامُهَا وَإِذَا تَغَالَى لَحْمُهَا وَتَحَسَّرَتْ ... وَتَقَطَّعَتْ بَعْدَ الكَلَالِ خِدَامُهَا فَلَهَا هَبَابٌ فِي الزِّمَامِ كَأَنَّهَا ... صَهْبَاءُ خَفَّ مَعَ الجَنُوبِ جِهَامُهَا أَوْ مُلَمَّعٍ وَسَقَتْ لِأَحْقَبَ طَرْدُهُ ... الفُحُولِ وَضَرْبُهَا وَكِدَامُهَا يَعْلُو بِهَا حُدْبُ الأَكَامِ مُسَحَّجٌ ... قَدْ رَابَهُ عُصْيَانُهَا وَوِحَامُهَا بِأَخِرَةِ الثَّلْبُوتِ يَرْبَأُ فَوْقَهَا ... طَوْرًا مُرَابِئَ خَوْفُهُ أَرَّامُهَا حَتَّى إِذَا سَلَخَ جُمَادَى كُلُّهَا ... جَزَأَ فَطَالَ صِيَامُهَا وَصِيَامُهَا رَجَعَ بِأَمْرِهِمَا إِلَى ذِي مُرَّةٍ ... حَصَدَ وَنَجَّحَ صَرِيمَةً إِبْرَامُهَا وَرَمَى دَوَابِرَهَا السَّفَا وَتَهَيَّجَتْ ... رِيحُ المَصَايِفِ صَوْمُهَا وَسِهَامُهَا فَتَنَازَعَا سُبْطًا يَطِيرُ ظِلَالُهُ ... كَدُخَانِ مُشْعَلَةٍ يَشِبُّ ضِرَامُهَا مَشْمُولَةً غَلَّثَتْ بِنَابِتِ عَرْفَجٍ ... كَدُخَانِ نَارٍ سَاطِعٍ أَسْنَمُهَا فَمَضَى وَقَدَّمَهَا وَكَانَتْ عَادَةً ... مِنْهُ إِذَا هِيَ عَرَضَتْ إِقْدَامُهَا فَتَوَسَّطَ عَرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَ مَسْجُورَةً ... مُتَجَاوِزًا أَقْلَامَهَا مَحْفُوفَةً وَسَطَ اليَرَعِ يُظِلُّهَا مِنْهُ مَصْرَعُ غَابَةٍ وَقِيَامُهَا أَفَتْلِكَ أَمْ وَحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ ... خُذِلَتْ وَهَادِيَةُ الصِّوَارِ قَوَامُهَا خَنْسَاءُ ضَيَّعَتِ الفَرِيرَةَ فَلَمْ يَرُمْ ... عَرْضَ الشَّقَائِقِ طَوْفُهَا وَبِغَامُهَا لِمُعَفِّرٍ قَهْدٍ تَنَازَعَ شَلْوَهُ ... غُبْسٌ كَوَاسِبُ لَا يَمُنُّ طَعَامُهَا صَادَفْنَا مِنْهَا غُرَّةً فَأَصَبْنَاهَا ... إِنَّ المَنَايَا لَا تَطِيشُ سِهَامُهَا بَاتَتْ وَأَسْبَلَ وَاكِفٌ مِنْ دِيمَةٍ ... يَرْوِي الخَمَائِلَ دَائِمًا تَسْجَامُهَا يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرٌ ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ سَمَاؤُهَا.
يعلو طريقة متنها متواتر في ليلة كفر النجوم غمامها تجتاف أصلا قالصا تجتاف أصلا قالصا متنبعا بعجوب أنقاع يميله يامو يميلها يامها وتضيء في وجه الظلام منيرة وتضيء في وجه الظلام منيرة كجمانة البحر سلى نظامها حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت بكرت تزل عن الثرى أزلامها عليها تردد في نهاء صوائد سبعاً تؤاماً كاملاً أيامها حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت بكرت تزل عن الثرى أزلامها عليها تردد في نهاء في نهاء صوائد سبعاً تؤاماً كاملاً أيامها حتى إذا يئست وأسحق حالق لم يبله إرضاعها وفطامها حتى إذا يئست وأسحق حالق لم يبله إرضاعها وفطامها وتوجست رز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيس سقامها فغدت فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفاً دواجن قافلاً أعصابها
من أول هنا نشرح اليوم إن شاء الله توقفنا في هذا الموضع، صحيح؟ حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفاً. الغضف يا إخوة من الغضف، والغضف انكسار؛ الانكسار في أثناء أذن الكلب، انكسار أذن الكلب على الرأس أو على وجهه. فالغضف هي الكلاب مسترخية الآذان.
وهذا يدل على أنها متقدمة في السن، وهي أنواع معروفة؛ تطول أذنها وتسترخي وتسقط. قالوا هنا والكلاب كلها غضف، ولكن ربما أقول هذا إشارة إلى نوع من الكلاب السلوقية أو كلاب الصيد التي تكبر آذانها. ونحن عرفنا أن الصفة إذا كانت أصلية في الشيء فذكرت في الشعر فإنما يراد بها المبالغة فيها. فلما يقول: «وأرسلوا غضفاً»، فهذا يعني أنها كبيرة الآذان مسترخية، يدل ذلك على تقدم سنها أو شبابها وخبرتها في الصيد والقتل، أو على نوعها. ففي كلا الأمرين الأمر سيؤول إلى بيان شيء من خطورة هذه الكلاب أنها غضف.
تعالوا نطلع على شيء يا إخوة، أولاً نبين الغريبة. قوله: «حتى إذا يئس الرماة»، الرماة هم الذين يرمون للصيد. «توجست رزء الأنيس» وهو اختصر «يأس الرماة»، يعني قطعوا الأمل عن أن يرموها بالنبل، وهي مبتعدة شديداً وهي تخافهم شديداً فذهبت بعيداً. «أرسلوا غضفاً» كما قلت الغضف هي الكلاب مسترخية الآذان وذكرت الوجه في ذلك. «والدواجن» هي التي عودت على الصيد وعودت على ذلك، أو ربيت وعلمت الإرسال. «قافلاً أعصامها» يعني يابسة، والقلائد التي في أعناقها، والأعصام هنا الواحد منها عصام، وقالوا هذا جمع على غير قياس، كأنه ذهب إلى جمع الجمع؛ أي جمع عصام على عصم، ثم من عصم إلى أعصام، كما جمع حمار على حمر.
والمراد به القلادة التي في العنق، ومعنى أنها قافلة يعني متيبسة، فسروا ذلك بأنها مشدودة على أعناقها، ولا يبدو لي هذا؛ لأنه لا معنى لشدها على الأعناق. إذا كان المراد أن أعناق الكلاب غليظة فهذا خطأ في المعنى، لأن الكلاب السلوقية لا تكون أعناقها غليظة ولا يشد عليها الطوق. وإنما قوله «قافلاً أعصابها» يعني يابسة، قديم الجلد، فالكلاب عتيقة متقدمة في السن، فلم تخلع من أعناقها الأعصاب أو العصم إذا جمعنا على القياس. وهذا يؤيده قوله «غضفاً» يعني مسترخية الآذان، فالكلاب عتيقة أو متقدمة في السن، هذا وجه.
تعالوا الآن أيها الإخوة ننظر حديث الواو عند الأنباري في قوله «وأرسلوا»، هل يقال: حتى إذا يئس الرماة أرسلوا؟ تعالوا نقرأ حديث الواو في شرح الأنباري الصفحة الثمانية والستين بعد الخمسمائة. قال: «وقوله قافلاً عصامها معناه يابسة قلائدها التي في أعناقها، وإنما جعلها كأنها ربط القرب، كأنها مشدودة، وعصام القربة ما شدت به»، فهذا كأنه يشير إلى أنها شدت شديداً على أعناقها، وهذا كما قلت في المعنى ليس صحيحاً ولا يدل على شيء ولا يرمي إلى تغلظ عنق الكلب.
قال: «وجواب حتى إذا هو أرسله»، يعني حتى إذا يئس الرماة ماذا قال؟ أرسله، فجواب «حتى إذا» قوله «أرسله». قال: «وجواب إذا أرسلوا والواو مقحمة»، والواو مقحمة هكذا قال، كما قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73]، أراد فتحت أبوابها فأقحم الواو.
وقال بعض النحويين: «أرسلوا نسق على يئس»، اسمعوا يا إخوة، قال: «أرسلوا نسق على يئس والجواب محذوف»، يعني حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفاً دواجن قافلاً أعصامها، أراد: حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا ظفروا ولحقوا. قال: فحذف الجواب لمعرفة المخاطبين به، حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفاً دواجن قافلاً أعصامها، يعني نعلم أنهم لحقوها. ولكن هذا الوجه الثاني غير صحيح، والذين قالوا به نظروا فقط إلى البيت ولم ينظروا إلى موقعه في القصيدة. لأنه في القصيدة البيت التالي له: «فلحقنا واعتركت لها مدرية»، فكيف تصرح بالمعنى الذي حذفته؟ فهمتم ما أقول يا إخوة؟
ولكن ما معنى أن تكون الواو مقحمة؟ ليس معنى أن الواو مقحمة أن المتكلم أقحمها هكذا على الجواب بدون فائدة، بل معنى مقحمة أن المتكلم اكتفى بأنه معروف أن هذا شرط وجواب شرط.
حتى إذا يئس الرماة أرسلوا. أراد اعتمادًا على هذه المعرفة وعدم الإشكال أن يعطي هذا الخبر احتفاءً وإخبارًا جديدًا، فقال: «وأرسلوا غُدفًا»، اعتمادًا على أنك علمت أنه هو الجواب؛ حتى إذا يئس الرماة، يئس الرماة وأرسلوا. فأضفت أنهم أرسلوا، ويئسوا من كذا وأرسلوا، يئسوا وأرسلوا. خلاص؟ يئسوا وأرسلوا، فأضفت معنى أو عطفت معنى على معنى.
فهمتم؟ هذا ليس سربًا، هذه وحشية واحدة، السرب ذهب. فغدت كلا الفرجينا تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها، حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا. فهو جاء بالجواب ولكنه في صورة كلام جديد، وهذا من طرق تكثيف المعاني.
حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غُدفًا دواجن، قافلاً أعصامها يابسة. العُصم أو الأعصام التي في أعناقها. قال هنا في معنى الدواجن المعودة كما ذكرت لكم الآن، التي ربيت وعلمت وعودت الصيد. قال: والكلاب كلها غدف. يقال غدفت أذنه تغدف غدفًا، وقد غدفها يغدفها غدفا، ومنه الآن يا إخوة فيما يبدو الأسماء التي يلقب بها البعض مثل الأغدف مثلاً. فأنا أرى أن هذه الواو هي واو مقحمة بعد اطمئنان النفس إلى الجواب بأرسلوا، فزاد المعنى بإقحامها كأن الشاعر أقحمها تجرؤًا، فهذا من شجاعة العربية، كأن الشاعر أقحمها زيادة للمعنى.
بسم الله. حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفًا دواجن، قافلاً أعصامها، فلحقنا واعتكرت لها مدرية كالسمهرية حدها وتمامها. قال: «فلحقنا»، يعني الكلام لحقت بالظبية بهذه الوحشية المسبوعة التي تبحث عن ابنها. «فلحقنا واعتكرت»، معنى اعتكرت يعني استدارت ورجعت، الاعتكار الدوران والرجوع.
فلحقنا واعتكرت لها مدرية، اعتكرت لها مدرية يعني استدارت، هذه المدرية يعني القرن، كالسمهرية. والسمهرية هي القناة، الرمح، القناة الطويلة الشديدة. تعرفون طبعًا هيئة هذه القرون في الظباء العربية التي هي بقر الوحش عند العرب.
وهناك وجهان للإعراب هنا، وأنا هنا أختبر ذوقكم، ننظر مع أنفسنا أي الوجهين أبلغ وأقرب إلى شرف المعنى. قال: «فلحقنا واعتكرت»، ثم أن يقول «لها مدرية» عبارة كلام مستقل، فلحقنا واعتكرت يعني لحقنا بها ودارت لها مدرية، يعني مدرية لها، فلحقنا واعتكرت ثم كلام جديد: لها مدرية كالسمهرية. أم أن تكون «مدرية» هي فاعلة الاعتكار؟ فلحقنا واعتكرت لها مدرية. ماذا ترون في هذا؟
نقول الكلام المستقل أم المتصل؟ أغلبكم على الأول. فلحقنا واعتكرت لها مدرية كالسمهرية. عشان حتى نفهم الاستقلال، نصل الكلام مع الثاني في الوجه الأول: فلحقنا واعتكرت لها مدرية كالسمهرية حدها وتمامها. شخصيًا أنا لا أريد أن أقطع الآن، لكن أنا شخصيًا أرجح الوجه الأول؛ لأن «لها مدرية» ستكون حالًا من الضمير الفاعل في «اعتكرد»، فلحقنا واعتكرت لها مدرية كالسمهرية، يعني حالة كونها اعتكرد، أي استدارت للكلاب حالة كونها لها مدرية كالسمهرية. وهذا يشوقنا شديدًا إلى إعدادها.
وأما في الثانية، فلحقنا واعتكرت لها مدرية، لم أرَ فائدة كبيرة من أن يسند الاعتكار إلى المدرية فقط، اعتكرت لها مدرية وأن تخص المدرية من جسمها، اعتكرت لها مدرية فيها بلاغة لكن ليست كالأولى. رأيتم؟ فلحقنا واعتكرت لها مدرية كالسمهرية، أنت ماذا تفهم من «لها مدرية كالسمهرية»؟ ما ستفعله بها، وهذا من المعاني المضمرة في الكلام. أظن أنه يوحي بأنها ستواجه به اللحاق الذي وقع.
وهنا يجب التنويه على تعبير محمود شاكر، وهذا بمناسبة علم الوقف والابتداء في القرآن. هذا علم الوقف والابتداء، لذلك أقول دائمًا لا يتكلم في علم الوقف والابتداء إلا من أوعب القرآن أصلاً، ما تجاوز الوقفات المروية والسكتات التي هي بالرواية بالسماع. لا يتكلم في وقفات القرآن بعد ذلك إلا متذوق للقرآن، محلل بياني. ولهذا لا أعبأ كثيرًا إلا بالموروث في كتب الوقف والابتداء، كما جاء مثلاً أن النبي ﷺ يقف على رؤوس الآي، أو ورد في أثر أنه وقف هنا ﷺ، أو بعض الصحابة وقفوا هنا، نعتبرها وننظر إليها، أما المصنفات بعد ذلك فتختلف في مسألة الوقف والابتداء. ولهذا بعض دور طباعة المصحف المعاصرة ألغت علامات الوقف والابتداء من المصحف، إلا في الوقف المتفق على منعه، والوصل المتفق على وجوبه.
الدكتور مساعد الطيار، أعرفه طبعًا، جامعة الملك خالد في أبها تقريبًا. الدكتور مساعد الطيار هو أشهر سعودي متخصص في علوم القرآن، أعرفه منذ زمن بعيد، منذ عقدين وأكثر. الدكتور مساعد الطيار يقول أصعب وأوسع علم للقرآن الوقف والابتداء، طبعًا لأنه متعلق بالبيان، هو خرج عن قضية علوم القرآن المعهودة في مصنفات علوم القرآن، دخل في قضية البيان، وهو طبعًا أصعب ويحتاج إلى شخص يمارس هذا الذي نتكلم فيه. يعني علم آخر، حياة أخرى، عمر آخر أصلاً. لذلك، أنا أرى أن قوله الدكتور مساعد الطيار حفظه الله «أصعب علم» لا يوفي القضية حقها، يعني هذا يصور كأنه صعب، لكن مع الاجتهاد من متخصص في علوم القرآن.
سيستطيع ضبطه، لا، غلط. بكل وضوح، لن يفعل إلا ممن مارس البيان على الشرط الذي تكلم فيه الزمخشري في مقدمة الكشاف. أخرجه هذا من علوم القرآن أصلاً لتدبر القرآن وللغة القرآن، أخرجه إلى علم آخر تماماً هو البيان القرآني، البلاغة القرآنية شيء آخر تماماً.
فلحقنا واعتكرت لها مدرية، فلحقنا واعتكرت لها مدرية، قرن كالسمهرية، كالرمح، كالقناة الشديدة الطويلة، حدها وتمامها. لك أن تقول: كالسمهرية حدها وتمامها، أو: حدها وتمامها كالسمهرية.
تعالوا نطلع على ما قاله الأنباري والتبريزي في إعراب أو في ذكر هذه الوجوه. نقرأ الأنباري أولًا في صفحة 569، يقول: «والكاف في موضع رفع على النعت لمدرية، وحدها وتمامها يرتفعان بالإتباع لمدرية». يعني مدريةٌ حدها وتمامها كالسمهرية؛ حدها وبقية جسمها كالسمهرية، السنان فوق النصل، وبقية القرن المدرية تشبه السمهرية، الرمح بكامله أيضًا الطويل الشديد الحاد. هذا وجهٌ ذكره الأنباري ولم يذكر غيره.
ننتقل إلى التبريزي في صفحة 189 من طبعة تحقيق فخر الدين قباوة، يقول: «والكاف في قوله كالسمهرية في موضع رفع بالابتداء، وحدها خبره، وإن شئت كانت الكاف خبرًا». يعني لك أن تقول: كالسمهرية حدها وتمامها. ويقول: «وإن شئت جعلت الحد خبر هذا المبتدأ».
والذي يظهر لي هنا أنه يقول: فلحقنا واعتكرت لها مدرية، كالسمهرية، بعد ذلك حدها وتمامها. أن يجعل ذلك تابعًا لمدرية، يعني: مدرية حدها وتمامها كالسمهرية. والوجه الثاني أن تقول: مدرية حدها وتمامها كالسمهرية، فتجعل الحد مقدمًا على «كالسمهرية»، والله تعالى أعلم.
لكن الأجود عندي، والذي يحقق شرف المعنى الشعري، أن حدها وتمامها تابع للمدرية بدل من مدرية، مدرية كالسمهرية، حدها وتمامها كالسمهرية، والله تعالى أعلم.
قال: «فلحقنا حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفًا دواجنًا». غضفًا دواجنًا، يعني دُجنت عندهم على الصيد وربيت له، وغضف أذنها كبيرة مسترخية قافل أعصابها، وهذا يدل على أنها عتيقة عندهم وقديمة، متقدمة في السن وعودت الصيد.
«فلحقنا واعتكرت لها مدرية كالسمهرية حدها وتمامها، لتذودهن، وأيقنت إن لم تذد أن قد أحم مع الحتوف حمامها». هناك رواية: «من الحتوف» ورواية: «مع الحتوف»، وكلاهما صالح جيد.
ما رأيكم في الواو في «وأيقنت»؟ نجعلها استئنافًا أم نجعلها حالًا؟ أنا أراها حالًا؛ لأن قوله: «وأيقنت إن لم تذد أن قد أحم» سيجعل من فعلها وهي تذود نوعًا من المثابرة والكفاح والمقاومة الشديدة. «لتذودهن وأيقنت»، أي ونراها وهي تذودهن قد أيقنت إن لم تذد أن قد أحم من الحتوف أو مع الحتوف حمامها. الحتوف هي الهلاك، وأحم يعني اقترب، حم القضاء يعني حضر القضاء. فمع الحتوف يعني مع الحتوف التي قدرها الله جاء حتفها.
«لتذودهن وأيقنت إن لم تذد أن قد أحم من الحتوف حمامها، فتقصدت منها كساب فضرجت بدم». تقصدت يعني قصدت، ولكن بالمبالغة، والقاعدة الصرفية في العربية أن زيادة المبنى لأجل زيادة المعنى؛ فتقصدت يعني ظلت تقصدها وركزت عليها. وهذا تجدونه في جماعة الأسود إذا صادت، فالأسود تختلف عن النمر أو الفهد؛ النمر يصيد وحده والفهد يصيد وحده، أما الأسود فتعيش في جماعات، والصيد يكون بتدبير وخطة، وإذا أرادوا الصيد ركزوا على واحد فقط، سواء كانت لبؤة أو لبؤات، لا يشتتون الهم، حتى لو كان الذي عليه العين بعيدًا يركزون عليه، وهذا من أخلاق الأسود، لديهم حكمة، تمر بجانبهم طرائد أخرى فلا يلتفتون إليها لأنهم يعلمون أن هذا سيشتتهم، فتظل أعينهم على البعيد.
«فتقصدت منها كساب فضرجت بدم»، ضرجت يعني لطخت وتغطت بالدم، وهذا يلزم منه في الأخير أنها قتلت، لكن فيها زيادة لأنها تقصدتها، ظلت تركز مع كلبة اسمها كساب. «وغودر في المكر سخامها»، سخام اسم كلبة أيضًا، وأنا وقفت طويلًا عند قوله «سخامها»؛ لأن ظاهرة في الشعر القديم الحرص على ذكر أسماء كلاب الصيد، لأن هذه الأسماء كما عند النابغة الذبياني وغيره، هي أسماء تُسمى بها الكلاب إذا كانت لها صفات حسنة، وتدل على التربية وطول المكث معهم.
نرجع إلى موضوعنا، قوله «سخامها» أو «سحامها»، اسم كلب أو كلبة، والضمير «ها» يعود على من؟ على كساب، كساب كلبة، فقوله «سحامها» يعني كلبها، أي ذكر كساب، فقتلت الكلبة وزوجها، وربما أخر الزوج لأن الكلب الذكر أقوى، فهي تقصدت الأنثى ثم كان قتل سخام أهون، حتى أنه قال: «وغودر في المكر سخامها».
موضع الكر والقتل، حيث كرت عليهم، تكر عليهم حيث كرت عليهم. غودر فيه، يعني ترك، ومنه جاءت كلمة غدير. ما معنى غدير يا إخوة؟ غدير؛ يعني من أين سمي غديراً على وزن فعيل؟ لأن الماء غودر فيه، ظل ينزل ويجتمع فصار غديراً. فغودر يعني ترك، كما في غودر نؤيها وثمامها، غودر الماء بالضبط، من الترك أصلاً لأن الماء ترك فيها؛ غادر، ترك ومكث هنا.
«فتقصدت منها كساب فدرجت بدمائها» أو «فدرجت بدم». وغودر في لو كنت تسأل عن الكلب الذكر الأقوى، وغودر في المكر سحام، هذا الذي لم تقصده قتلته أيضاً. غرزت فيه السمهري المدري التي هي كالسمهرية في حدها وفي تمامها، غرزت وانتهينا. وغودر، أنت تسأل عن الكلب: «وغودر في المكر سحامها»، رأيتم كيف ضميرها يعود في آخر القصيدة؟ ليس حتى هو حرف الروي، ليس حرف الروي، عاد على كساب، ربط الدنيا ببعضها ورفع شرف المعنى. هذا هو الشعر، هذا هو الشعر الذي يكسر الدنيا.
هذا وجه آخر يا مولانا، أخونا الشيخ خالد يقول في اللسان: "غدير لأنه لا يبقى زمناً طويلاً"، هذا وجه آخر يا مولانا، وجه آخر. أنا أذكر أظن الأنباري تكلم هنا عن معنى غدير؛ انظر، وقوله غودر معناه ترك، هذا كلام الأنباري. وسمي الغدير غديراً لأن السيل غادره، السيل أنزل الماء هنا كما قلت وغادره، سمي الغدير غديراً لأن السيل أودع فيه الماء وغادره. وسحام هو المعروف عند المزرّد أيضاً، سحام بالحاء يعني جيد. وسمي الغدير غديراً لأن السيل غادره؛ يقال غادرت الشيء وأغدرته إذا تركته. فهذا وجه آخر يذكر أيضاً.
«فتقصدت منها كساب فدرجت بدم» «وغودر في المكر سحامها»
تعالوا الآن تعلموا شيئاً بسرعة. من الذي انتصر هنا؟ البقرة أم الكلاب؟ البقرة، لأنه كان يفخر فنجت البقرة. من الذي انتصر عند النابغة الذبياني في المعلقة؟ البقرة أم الكلاب؟ المعلقة أيضاً، معلقة النابغة الذبياني، الثور يعني ذكر البقر، الثور أيضاً لأنه كان يبرئ نفسه. من الذي انتصر عند أبي ذؤيب؟ من الذي انتصر عند أبي ذؤيب؟ الصياد بعد أن حارب الكلاب ومات الثور.
إذا كان يرثي فالثور سيقتل الكلاب، والكلاب ستقتل الثور. أما إذا كان يفخر أو يبرئ أو شيء على الجانب الإيجابي للنفس، فالثور ينجو والكلاب تقتل وتهرب.
«إذ رقص اللوامع بالضحى» «واجتاب أرضية السراب إكامها اقض اللبانة لا أفرط ريبة» «أو أن يلوم بحاجة لوامها» «أفتلك أم وحشية مسبوعة؟»
تأمل ما اختزن من المعنى فقط في لفظة «تلك» بحكم موقعها. «فبتلك» تلك ماذا؟ التي حكيت لك عنها كل ذلك، وأنت تريد مني يا لبيد أيها الشاعر الجاهلي أن أتذكر كل ما فات في لفظة «تلك»؟ والله لو تقدر ما تقدر. تريد مني ما هو؟ هو قال لك «فبتلك»، هو يشير إلى كساب، أنا أسألكم: هل يشير إلى كساب؟ هل يشير إلى أي شيء آخر؟ أجيبوني بنعم أو لا، هل يشير إلى بيت دون بيت؟ يعني هل توجد صفة فيها في بيت دون بيت يحمل عليه قوله «بتلك»؟ لا.
تلك ماذا؟ تلك الناقة التي شبهتها لك بكل ما سبق إلى أن جئنا إلى البيت الثالث بعد الخمسين، فتأمل المختزن من المعنى فقط في لفظة «بتلك» هذه اللفظة بحكم موقعها. أرأيتم الآن الجمع بين تحقيق أصل البيان وإبعاد المعنى وتحقيق شرف المعنى في لفظة؟
أختنا أمل طاهر تقول: "تجمع النص كله، كل ما سبق"، رأيتم الآن بهذه اللفظة «تلك» بحكم موقعها كيف جمعت بين تحقيق أصل البيان في الوضوح؟ إنها واضحة، هي حدثية يا إخوة. شوف أكثر «تلك» في الشعر، النابغة الذبياني قرب، هذه أكثف أم «تلك»؟ «فتلك تبلغني النعمان». خذها عندك: «فعدي عما ترى إذ لا ارتجاع له.. وانم القتود على عيرانة أجد».
الجاسر يقول لك: "يجعلك تحاول استرجاع كل ما ذكر بسرعة دفعة واحدة". هم لا، بل تحضر كل ما سبق. العرب ليسوا سذجاً في البيان؛ الذين يقولون لك العرب لديهم سذاجة البيان والمباشرة، ليسوا مثلنا، نحن نرمي إلى أعماق الدلالة. يقول لك أعماق الدلالة، الأعماق هي. الجاسر يقول لك تجعلنا نحاول استرجاع، أنت لا تحاول استرجاع، لبيد كان ممكن يجلس للنابغة الذبياني في سوق عكاظ، وإذا قال «فبتلك»، النابغة الذبياني يعلم ما «تلك»، يعني كل ما سبق هو مستحضر.
أنت نسيت، وعارف أنت نسيت ليه؟ لأنك متربي على "الريلز"، عقلك قصير. أربعون بيتاً، «لتلك» لازم تستحضر أربعين بيتاً، عند العرب حاضرة، أنت عقلك قصير، بعد بيتين عقلك انقطع أصلاً، وبناء الكلام وتراكمه غير حاضر عندك. علمتم لماذا نقول لكم خففوا وأقصروا من وسائط التواصل؟ لأنها تقصر عقلك، تجعله قاصراً، ضعيفاً، قصير النفس. المعرض الآن للكتاب أغلب القصص الجديدة قصص قصيرة، ليه؟ يقول لك الناس ما تقرأش. نجيب محفوظ في "أولاد حارتنا" داخلة في ستمائة صفحة، والثلاثية طبعت ثلاثة مجلدات كبار، وهي أصلاً رواية واحدة بالمناسبة، هكذا.
رواية واحدة، وأنت عقلك قصير، أنت بعد بيتين تسقط أصلًا، بعد بيتين تسقط. تعال شوف النابغة الذبياني ماذا قال لما بكى الأطلال.
نجيبها مع بعض، بما أنه علم الآن، وهذه مجالس تدارس تحولت من شرح مختصر إلى تدارس. النابغة الذبياني ماذا قال؟ قال:
يا دار مية بالعلياء فالسندِ .. أقوت وطال عليها سالف الأبدِ وقفت فيها أصيلانا أسائلها .. عيت جوابا وما بالربع من أحدِ إلا الأواري لا يما أبينها .. والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلدي ردت عليه أقاصيه ولبده .. ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأدي خلى سبيل أتي كان يحبسه .. ورفعته إلى السجفين فالنضد أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا .. أخنى عليها الذي أخنى على لبدِ
تعال، عد معي الأبيات. فعدي عما ترى إذ الارتجاع له، وانم القتود على عيرانة أجد، مقذوفة بدخيس نهد بازلها له صريف صريف القعو بالمسد، كأن رحلي وقد زال النهار بنا، يوم الجليل على مستأنس وحد، من وحش وجرة موشي أكارعه طاو المصير كسيف الصيقل الفريد. أسرت عليه من الجوزاء سارية، تحز الشمال عليه جامد البرد، فارتع من صوت كلاب فبات له، طوع الشوامت من خوف ومن سرد، فبثهن عليه واستمر به، سمع الكعوب بريئات من الحرد، وكان ضمران منه حيث يوزعه، طعن المعارك عند المحجر النجدي، شك الفريصة بالمدرى فأنفذها. طعن المبيطر إذ يشفي من العضد، كأنه خارجا من جنب صفحته، سفود شرب نسوه عند مفتأد، فظل يعجم أعلى الروق منقبضا، في حالك اللون صدق غير ذي أود، لما رأى واشق إقعاص صاحبه ولا سبيل إلى عقل ولا قودي، قالت له النفس إني لا أرى طمعا وإنما مولاك لم يسلم ولم يصدي.
ثلاث عشرة بيتا. فتلك تبلغني النعمان إن له فضلا على الناس في الأدنى وفي البعد. فتلك تبلغني النعمان، أها، فبتلك إذ رقى تلك ماذا؟ الموصوفة بكل ما سبق، تلك الموصوفة بكل ما سبق، أو ملمع وثقت، أفتلك أم وحشية؟ فبتلك إذ رقص، يعني ماذا؟ ما هو أنا أفهم، ما هو هذا التفصيل الذي وقع في الأتان مع الحمار، ونا ونا ونجيا وانتهيا إلى مسجورة صدع فصدع مسجورة متجاوزا قلامها وكذا، وخلاص وصلوا للماء.
وصلوا للماء، وصلنا وصلا للماء، ثم بعد ذلك هذه الوحشية التي فقدت ولدها فذعرت وجرت حتى انتهت وقتلت الكلاب وكذا، يعني مرت بفقد وأجبرت على أن تجري وأجبرت على النجاة بنفسها بعد أن فقدت من نفسها. تلك، الشاعر يشير كما عند الحمر وعند هذه أنه فقد أشياء ولا بد أن يضحي بأشياء وأن يترك أشياء وراء ظهره بطلح أسفار.
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى. عرفتم الآن لماذا الحداثي يفعل الآن تخاريفه؟ لأنه لا يقدر على عشر معشار هذا العمق. دكتور عبد القدوس يقول لي: هذا لا عندهم أمية فنية، لا يستطيع أن يبني بيتا على تشبيه مركب أو بيتين، لا يستطيع، بيت لأنه قاصر عن إيجاد. ترى الحداثي يقول لك شيئا يبهجك كذا بالتحويلات التي تخدعك، ثم ترى يحشو بقية بالبالين، يحشيها بالبالين جرايد، يكرم جرايد كذا زي حشو الجزم، بالشنط والجزم يحشي جرايد، كان مش جرايد، أهم حاجة أنا اتبسطت من الحمام المقلوب، اتبسطت من جناح الطفل، واتبسطت من كهربا ناشفة، ومية مبلولة.
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى. ورقص يعني تحرك واضطرب بانتظام وتكرر، تكررت هذه الحركة واضطربت. هذا الربط الذي تقوله يستخدمه ابن عاشور وسيد قطب، صحيح. سيد قطب في الظلال يتكلم، سيد قطب طبعا أديب كبير، ومن أفضل من ربطوا صور القرآن ببعضها، ربطوا الفصول، قد تخالفه أو توافقه في الفصول لكن ربط ربطا حسنا إلى حد كبير. وهذا وطاهر بن عاشور، لأن هذا أصلا لابد أن يكون حديث من يتكلم في بلاغة نص، طبيعي، هو سمى الربط الموضوعي، بالضبط، الربط الموضوعي.
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى، واجتاب أردية السراب إكامها. أقضي اللبانة، يعني بتلك أقضي اللبانة؛ تلك التي رأيتها مرة مذعورة بعد الفقد والاضطرار وكذا، وواجهت صروف السماء والأمطار وكذا، ثم الكلاب ثم نجت وتخلصت من خوفها.
بتلك إذ رقص اللوامع، واللوامع هنا أراد السراب الذي يلمع. رقص اللوامع اضطربت وتحركت وظلت واستمرت هكذا، يعني السراب اللامع الذي يكون على الأرض في شدة الهجير أو في الظهيرة، ويكون من بداية اليوم يسمى الآل. فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى، واجتاب، اجتاب معناها لبس، واجتاب أردية جمع رداء، واجتاب أردية السراب، جعل السراب رداء، إكامها. الأكمة المكان المرتفع. يقول بتلك الناقة إذ ظرفية، إذ رقص اللوامع بالضحى من الصباح من وقت الضحى، واجتاب أردية السراب.
أردية السراب، هذا من إضافة ماذا إلى ماذا؟ إخوة البلاغة، إخوة البلاغة والنحو، أردية السراب من إضافة ماذا إلى ماذا؟ أيوة إضافة ماذا؟ المشبه به إلى المشبه. من إضافة المشبه به إلى المشبه، أيوة أحسنت، المشبه به إلى المشبه، لأن السراب شبه بالرداء وتلبسه الأكام. خلاص، السراب شبه بالرداء وتلبسه الأكام، أردية السراب يعني السراب الذي كالأردية.
امرؤ القيس قال: كأن متونها إذا أظهرت .. تكسى ملاء منشرة
يا أخي البيان عند العرب غريب، تشبيهاتهم عجيبة، فيهم دقة ورقة ورهفة. فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى، واجتاب لبس أردية السراب إكامها، يعني اجتاب إكامها فاعل مؤخر، أردية السراب، وقدم أردية السراب للترهيب منها. واجتاب أردية السراب إكامها، والإكام مرتفع قليلا، ومعنى أن يكون السراب فوق ما ارتفع قليلا، أنهم وصلوا بعد الضحى إلى شدة الهجير حتى الأكام عليها سراب نراه، يعني حتى الأكام، لأن السراب ليس ماء على الحقيقة، ده انعكاسات حرارية بسبب الحرارة. فحتى الأكام هذه، كنا نرى السراب تحت في المنخفضات أو تكون في الأماكن المفتوحة، لكن أن تظهر على المرتفعات، كما في: كأن متونها إذا أظهرت، وهنا الأكام، انظر، هنا قال الأكام فيها ارتفاع، وهناك قال كأن متونها يعني مرتفعاتها، إذا أظهرت تكسى ملاء منشره، ليس فقط الأماكن المنخفضة أو المتسعة، حتى المرتفعة.
فقال: فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى، واجتاب أردية السراب إكامها، أقضي اللبانة، يعني أحقق حاجتي. هنا توجد روايات: أقضي اللبانة لا أفرط ريبة، أو أن يلوم بحاجة لوامها. ركزوا معي، قالوا اللبانة طبعًا معناها الحاجة، قالوا لا أفرط ريبة، يعني لا أدع، لا أفرط، التفريط هنا هو الإنفاذ والتقديم.
«لا أفرط ريبة» يعني لا أدع ريبة، أو لا أدع أمرًا مريبًا؛ ففيه احتمال أنني أكون قصرت فيه، أو أن يلوم بحاجة لوامها. هنا سيكون هناك اضطراب في المعنى قليلًا.
أقضي اللبانة، لا أفرط ريبة، يعني لا أمرر ريبة مني. ما أنا قلت ريبة، لا، ريبة بكسر الراء. أنت رأيتها هكذا ضبطت؟ هل وجدتها بفتح الراء في مكان؟ لا، هي ريبة في كل مكان، كما في قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾ [الجن: 13].
وهذا القول ذكره الأنباري، وذكر الرواية الأخرى التي سأتحدث عنها الآن. فقوله: «أقضي اللبانة» يعني الحاجة، «لا أفرط ريبة» يعني لا أدع ريبة، أي أمرًا مريبًا؛ لا أسمح لأي احتمال أن أكون قد أصابني الضيم أو الحيف أو رضيت بالذلة أية ريبة لا أسمح بها.
«وعوجاء مجذام»؛ هذه من منازع العرب في الكلام من معانيهم. «وأمر صريمة تركت بها الشك الذي هو ريبة»؛ العربي كان إذا شعر بريبة ترك، ركب الناقة وشرخ. يعني لا يمكث إذا شعر بريبة أنه ثقيل أو أنه غير مرغوب فيه، بل أخذ ناقته وطار.
وإذا أذيت ببلدة ودعتها، ولا أقيم بغير دار مقامي. أحسنت. فيقول: «أقضي اللبانة لا أفرط ريبة، أو أن يلوم بحاجة لوامها». كأنه قال لئلا يلوم، فالمعنى في الأخير: لا أفرط، أو أن يلوم، أو أن أترك من أن يلوم بحاجة لوامها. وهذا المعنى عندي فيه اضطراب.
والذي يظهر لي من صواب الرواية الآتي: أن مكان «أن» هو «أنْ» التي تنصب، و«أن لوامها» تكون بفتح اللام. هذه كلها روايات، أنا لا أقترح من عندي، بل هي روايات موجودة.
«أقضي اللبانة أن أفرط ريبة، أو أن يلوم بحاجة لوامها». يعني أقضي اللبانة لئلا أفرط ريبة، أو أن يلوم بحاجة لوامها. وعندي هنا أن الرواية «لوامها» ويعني بها نفسه، على صيغة المبالغة «اللوام»، يعني أنه هو لوام لنفسه بعد إن إذا لم ينفذ حاجته، فهو يقول: أنا أقطع عن نفسي أن ألوم بهذه النفس اللوامة.
أقضي اللبانة أن أفرط ريبة أو أن يلوم بحاجة لوامها، يعني أن يلوم بسبب التفريط في حاجة وفي أمر كان ينبغي أن يعقد، لوامها أنا ألوم دائمًا، يعني أنا لوام نفسي، والله تعالى أعلم. هذا طبعًا أذكر وجهًا من الوجوه، أنا لا أستوفي كل الوجوه الآن ولا كل الأقوال التي قيلت، سواء عند الأنباري أو التبريزي، فهذا سيكون واسعًا جدًا.
«أقضي اللبانة أن أفرط ريبة أو أن يلوم بحاجة لوامها، هكذا بتلك الناقة لا ألتفت، أترك أية ريبة». انظر: «أولم تكن تدرين نوار؟»، هو جعل «نوار» مبنى للكلام، بنى عليها كل شيء: «أولم تكن تدري نوار بأنني، واصال عقد حبائل جذامها».
«وآصال عقد حبائل» يعني أصل عقد الحبال أشدها إلى بعضها، وهي استعارة عن الوصل والود وإنشاء العلاقة. «جذامها» يعني قطاعها.
«أقضي اللبانة أن أفرط ريبة أو أن يلوم بحاجة لوامها. أولم تكن تدري نوار بأنني واصال عقد حبائل جذامها». هذا أسلوب استنكار، يراد به تقرير أن هذه الشملة، هذه الخليطة، ظاهرة ينبغي أن تكون معلومة لتلك الحبيبة.
«عفت الدية عفا بطن قوم، من سليمة فعالزوا، فذات الغضى، فالمشرفات النواشز، فكل خليل غير هاضم نفسه، خليل صارم أو معارض. ومرتبة لا يستقال بها الردى، تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز».
هناك مذهب للشعراء هكذا يقلبون الطاولة: «أولم تكن تدري، بل ما تذكر من نوار وقد نأت، وتقطعت أسبابها ورمامها. أولم تكن تدري نوار بأنني، واصال عقد حبائل جذامها. تراك أمكنة إذا لم أرضها، أو يعتلق بعض النفوس حمامها».
تأمل صيغة «تراك أمكنة»، تأمل صيغة المبالغة المتماهية مع «طليح أسفار»، يعني طلحتها الأسفار، فالأسفار سبب في أنها صارت طليحًا. «تراك أمكنة» على وزن «فعال».
طبعًا وقع جدل كبير وحيرة في تفسير السكون في «يعتلق»، من أين جاء هذا السكون؟ هذا البيت «تراك أمكنة» يعيبه عليه بعض النقاد؛ يأخذون عليه السكون في «يعتلق». من أين جاء هذا السكون؟ لأنه الأصل. «تراك أمكنة إذا لم أرضها، أو يعتلق بعض النفوس حمامها». أي أن السكون جعلها معطوفة على «أرضها».
فذكروا لذلك وجهين في النحو، يرجعان في الأخير إلى أن الفعل إنما يرجع إلى أصله. التبريزي هو الذي توسع وذكره، لم يذكره الأنباري وهذا أغرب، لكن التبريزي ذكره يقول: «وقيل إن يرتبط»؛ طبعًا هناك رواية ثانية «يعتلق ويرتبط»، وليست قضيتنا الآن، توجد رواية أخرى أشهر هي «يرتبط»، وهذه الرواية هي «يعتلق».
قال: «قيل إن يرتبط في موضع رفع، إلا أنه أسكنه لأنه رد الفعل إلى أصله». لأن أصل الأفعال ألا تعرب، فالأصل في الأفعال ألا تعرب وإنما أعربت للمضارعة. والمضارعة بمعنى المشابهة، أي المشابهة للاسم. الفعل المضارع لماذا سمي مضارعًا؟ لأنه يتقلب في الإعراب فضارع الاسم، ضارع الاسم في التقلب في الإعراب، أما فعل الأمر والفعل الماضي فلا.
يلزم حالة، سواء قلت في فعل الأمر بالبناء أو قلت فيه بالبناء، أو قلت فيه بالإعراب بالجزم، فهو يلزم حالة من السكون أو الحذف. والفعل الماضي كذلك يلزم حالة واحدة؛ لأنه يبنى.
ما الذي يتقلب؟ المضارع. فسمي مضارعاً لأنه ضارع الاسم، أي شابهه في أنك تقلبه في الإعراب، فيأتي مرفوعاً ويأتي منصوباً، فهو ضارع الاسم، فقالوا هنا رده إلى أصله.
وقال: وقيل إن يرتبط في موضع نصب، ومعنى أو معنى، إلا أن كما قال امرؤ القيس: تراكَ أمكنةً إذا لم أرضَها ... أو يعتلق بعضَ النفوسِ حمامُها
أي أو أن نموت فنُعذر. فيعتلق أو يعتلق، ولكن أيضاً رد الفعل إلى أصله وهو عدم الإعراب؛ لأن الإعراب وقع للمضارع.
وقال: وأجود من هذين الوجهين أن يكون أو يرتبط مجزوماً، يعني يعتلق هنا مجزوماً عطفا على قوله "إذا لم أرضها". قال لأن أبا العباس، يعني ثعلب، قال: لا يجوز للشاعر أن يسكن الفعل المستقبل؛ لأن "أو" والمستقبل كلاهما، لأنه قد وجب له الإعراب لمضارعته الأسماء وصار الإعراب فيه يفرق بين المعاني. قال: لا ترده إلى أصله؛ لأنك لو رددته إلى أصله أفقدته التفريق بين المعاني بالإعراب، هو صار كالاسم في التفريق بين المعاني بالإعراب، فلو فعلت غير هذا حصل لبس.
ولكن ما وجدت أحداً من الشراح شرح المعنى بعطف "يعتلق" أو "يرتبط" على "أرضها"، لأن أصل "أرضها" "أرضاها"، فجزمت بأداة الجزم "لم" فصارت "لم أرضها". أو "يعتلق" لابد إذا قلنا بالعطف على "أرضها" لابد أن نشرح المعنى.
قال التبريزي هذا، وقال في الإعراب أيضاً ممن رجحه هكذا ترجيح سريع، والشيخ محمد محاكاة للتبريزي فيما أظن، الشيخ محمد علي طه الدرة في إعراب المعلقات العشر، وطبع في مجلدين بالسعودية قديماً في دار السوادي. فقال الشيخ: حبيب بن خالد الشيباني يقول التبريزي أخذه من شرح الهروي.
قال: هذا أجود أيضاً. ما معنى: "تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النفوس حمامها"؟ يعني أنه يلزم الموت النفوس. إذا قلنا بالعطف على "أرضها"، كان المعنى أنه يترك الأمكنة إذا لم يرضها، وإذا أصابها الموت من الوباء مثلاً. وغايته من هذا هي جعل عدم الرضا بمنزلة الموت الذي يترك لأجله الأرض؛ فعدم الرضا والموت سواء.
تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النفوس حمامها. فما معنى "أو يعتلق" على وجه النفي؟ يعني لو قال "أو اعتلق" إذا لم أرضها أو إذا اعتلق بعض النفوس حمامها سيكون مفهوماً، لكن إذا قال "أو" يعتلق، فهذا مجزوم، والجزم هنا وقع بماذا؟ بـ "لم" أو بالعطف على "أرضها" المجزومة. فما معنى الكلام؟ "تراك أمكنة إذا لم أرضها وإذا لم يعتلق بعض النفوس حمامها".
هم قالوا هذا الوجه أجود، أن "يعتلق" على "أرضها". التبريزي قال أجود، والشيخ محمد علي طه الدرة وافقه وقال أجود. فما المعنى؟ لم أجد من شرح المعنى. ننتظر حبيبنا خالد الشيباني أن يفيدنا بهذا إن شاء الله.
يقول: أترك المكان الذي لا أرضاه إن لم يحل بيني وبين التحول عنه. يعني إذا لم أرضها أو لم يعتلق، طبعاً ببعض النفوس يقصد نفسه، إن لم يحل وإذا لم يربط الحمام نفسي. إذاً الشيخ هنا قدر كلاماً صح؟ يعني أترك المكان الذي لا أرضاه إن لم يحل بيني وبين التحول شيء، وإذا لم يربط الحمام نفسي. شفت التقدير؟
تراك أمكنة إذا لم أرضها، أو يعتلق بعض النفوس حمامها. وما زلت سأطيل التأمل فيها في الحقيقة إلا أن يعرجني طفل. المشكلة لا بد من التقدير؛ لأن عطفها على "أرضها" سيجعل المعنى: تراك أمكنة إذا لم يعتلق بعض النفوس حمامها، وسيكون هذا مستقيماً فيما يظهر.
يقول: إني تراك أماكن إذا لم أرضها إلا أن يرتبط نفسي حمام فلا يمكن البراح، وأراد ببعض النفوس هنا نفسه. هذا اختصار شديد الأسلوب، وهذا الوجه جيد، وسيكون قريباً حتى التقدير فيه ليس بعيداً. ممكن ألا نقدره أصلاً؛ يعني "تراك أمكنة إذا لم أرضها وإذا لم يعتلق بعض النفوس حمامها"، وسيكون مفهوماً أنه لم يرضاها فلم يمت، لا نحتاج إلى تقدير "لم يحبسه الموت".
هذا حسن جداً من شرح الهروي، ولا نحتاج إلى الحط من أن نقول أخطأ لبيد: "تراك أمكنة إذا لم أرضاها وإذا لم يعتلق بعض النفوس حمامها". فالحمام الموت يا إخوة، والهلاك. "ويعتلق" ويرتبط يعني ينالها.
تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النفوس حمامها، بل أنت لا تدرين كم من ليلة طلق لذيذ لهوها وندامها. ونبدأ في هذا غداً إن شاء الله تعالى. شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تصبحون على خير، نلتقي غداً إن شاء الله.
الله يرضى عليكم يا أخي، بعد أن تنتهي من هذه المعلقة هل يمكنك تفسر لنا الشمقماقية؟
شوف يا عمي، خلينا نخلص القصائد التي هي شعر وقصائد، وبعدين نشوف الشمقماقية ممكن نقعد نتكلم في أمور تتعلق بها، لكن أكون معك صريحاً، هذه لا تبلغ شعراً عندنا. الشعر الذي هو الشعر، لا تبلغ الشعر، لكن إذا أردت الحكمة فيها فهي سهلة، وقت لاحق قد يكون، لكن هي سهلة. هل تحتاج إلى شرح؟ هل فيها ما نضع فيه الطاقة للشرح؟ هل في الشمقماقية ما نضع فيه طاقة الشرح الشعري؟ هل سأجد هذه الصور، هذا التعبير، هذه الدقة في التركيب، هذه الدلالة والدقة والرهفة في الدلالة؟ هل فيها هذا؟
ليست شعرًا بهذا المعنى، ليست شعرًا، فليست داخلة في عملنا أخي الكريم. وقد صنف فيها كثير، نعم، ممكن ترجع فيها إلى أحد مهتم بمعناها أو بأبوابها، لكن لن تراها من عمل نقاد الشعر، فهمت قصدي؟
بالتوفيق إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد