أهلاً وسهلاً، يا مرحباً، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. طمئنونا أيها الكرام إلى سلامة البث من بعد إذنكم، طمئنونا أيها الإخوة إلى سلامة البث لو سمحتم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من ألقى علينا السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيانا حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً. أنا فقط أطمئن إلى سلامة الأمور من جهتي، ومن ثم نتوكل على الله تعالى.
الحمد لله رب العالمين، وبعد، هذا هو مجلسنا التاسع من مجالسنا التي اتفقنا على أن تمتد في معلقة لبيد بن ربيعة.
بالنسبة للذين يسألون عن كتبي يا إخوة، كما قلت هي واقفة في الميناء؛ كل الكتب التي جاءت من بيروت عبر البحر واقفة في الشحن التجاري في الإسكندرية، وأصحاب الدور لا يعرفون ماذا هناك، لكنها واقفة معطلة في ميناء الإسكندرية، ويؤجلونهم دائماً ويعطونهم موعداً كل يوم.
الكتب بقي لها أربعة أيام في القاهرة، وهي موجودة بالفعل من أول يوم تقريباً، لكنها في الإسكندرية في البحر وليست في الميناء بالقاهرة في معرض الكتاب. بمجرد أن يُفرج عنها وتتحرك الكتب إن شاء الله، تأتي إلى القاهرة بإذن الله. هذه حالة تتعلق بكل الناشرين؛ عدة دور وصلت بالشحن وتقف هناك في الميناء، وإن شاء الله أستبشر خيراً أن تكون موجودة غداً. فلا تقلقوا، بمجرد أن تحصلوا على «تذكرت ليلى» و«مدرسة الغزل» والسبع العذريات، ستعيشون في جنة شعرية حقيقية بإذن الله.
أما «الدفاع عن القرآن: كشف الجهالات وتفنيد المرجعات» وكتاب «ألا عم صباحاً»، فكتابان تغلب فيهما العلمية والرتبة، وأعلى رتبتهما أعلى من رتبة سائر الكتب.
أما بخصوص التوفر في لندن، فبعض الإخوة من أحبابنا من أستراليا أرادوا الحصول عليها فأرشدتهم إلى «فرات»، فقالوا: نفذت الكمية التي في «فرات». فلا أدري يا أخي الكريم ماذا يكون في لندن؟ لكن أحسب أن بعض الإخوة من أصحاب الجنسية البريطانية هنا من المسلمين يرجعون إن شاء الله، والله أعلم.
هل تتوفر في السعودية؟ موجودة في السعودية طبعاً. توجد مكتبتان على الأقل؛ المكتبة الأسدية في مكة، وفي مكان آخر هناك دار المحدث في الرياض. كتبي في السعودية في دار المحدث الموزع والمكتبة الأسدية في مكة. المكتبة الأسدية في مكة أظن، وأين أيضاً في الرياض لها فرع.
أما كتب «السبع العذريات» و«ألا عم صباحاً» و«الدفاع عن القرآن»، فلا توجد هذه النسخ طبعاً؛ هذا يضر بالدار يا أخي الكريم. أما «تذكرت ليلى» و«مدرسة الغزل»، فلم يخرجوا إلا للتو من المطبعة في لبنان، وهما الآن بالإسكندرية، وهذا أول خروج للكتابين للبيع.
متى تتوفر الكتب في العراق؟ تتوفر قريباً إن شاء الله. الآن يوجد «ألا عم صباحاً» والسبع العذريات و«الدفاع عن القرآن»، وبعد أيام قليلة، أسبوع أو أسبوعين إن شاء الله، يصل الكتاب إلى العراق في مكتبة محمود السامرائي في بغداد، ويوزع لكل العراق بلا استثناء.
يقول أخوكم البياتي: «نعم، اشتريت الثلاثة، بقي الكتابان». الكتابان ليس بيدي أصلاً وليس بيد أحد، لم يشترهما أحد بعد؛ فهما في أول خروجهما من المطابع في لبنان، لم يذهبا إلى الأردن، بل من لبنان إلى مصر، وطُبعا قبيل المعرض مباشرة، وهما الآن في الإسكندرية كما حكيت لكم. ليس معي أصلاً نسخة منهما، والنسخة عندي صفر، وأنا أشتاق إليهما في الحقيقة؛ فلهما عندي معزة من أوائل ما كتبت، وكنت أعيش معهما الأجواء، كنت أستلذ بغزل عمر بن أبي ربيعة، وكنت أتعاطف مع المجنون وأغتاظ منه أحياناً.
والآن دعوكم ولنذهب إلى المعلق:
عَفَتِ الدِّيارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا ... بِمِنَنٍ تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فَرِجَامُهَا فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا ... خَلَقاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَّ سَلَامُهَا دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهْدِ أَنِيسِهَا ... حُجُجٌ خَلَوْنَ حَلَالُهَا وَحَرَامُهَا رُزِقَتْ مَرَابِيعَ النُّجُومِ وَصَابَهَا ... وَأَدَقُّ الرَّوَاعِدِ جُودُهَا مِنْ كُلِّ سَارِيَةٍ وَغَادٍ مُدَجَّنٍ وَعَشِيَّةٍ مُتَجَاوِبٍ أَرِزَامُهَا فَعَلَى فُرُوعِ الأَيْهَقَانِ وَأَطْفَلَتْ ... بِالْجَلْهَتَيْنِ ضِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا وَالْعَيْنُ سَاكِنَةٌ عَلَى أَطْلَالِهَا ... عَوْذاً تَأَجَّلَ بِالْفَضَاءِ بِهَامُهَا وَجَلَّ السُّيُولُ عَنِ الطُّلُولِ كَأَنَّهَا ... زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَهَا أَقْلَامُهَا أَوْ رَجْعُ وَاشِمَةٍ نُؤُورُهَا كَفَفاً ... تُعْرَضُ فَوْقَهُنَّ وَحَامُهَا عُرِّيَتْ فَقَفْتُ أَسْأَلُهَا ... وَكَيْفَ سُؤَالُنَا صُمًّا خَوَالِدَ مَا يُبِينُ كَلَامُهَا عُرِّيَتْ وَكَانَ بِهَا الْجَمِيعُ فَأَبْكِرُوا ... مِنْهَا وَغَدْرُ نُؤَيْهَا وَثَمَامُهَا
شاقتك ضعن الحي حين تحملوا، فتكنسوا قطنا، تصر خيامها من كل محفوف، يظل عصيه، زجلا كان عاج توضح فوقها وضحباء وجرة عطفا أرامها.
حفزت وزايلها السرى كأنها أجزى عبيشة إثا ورضابها، بل ما تذكر من نوار وقد نأت وتقطعت أسبابها ورماها. مرية حلت بفيد وجاورت أهل العراق فأين منك مرامها؟ بمشارق الجبلين أو بمحجر فتضمنتها فرده فرخامها.
فصعائد إن أيمنت فمظنة منها وحاف القهر أو طلخامها، فاقطع لبانه من تعرض وصله، ولخير واصل خله صرامها. وحب المجامل بالجزيل وصرمه باق إذا ضلعت وزاغ قوامها.
بطليح أسفار تركن بقية منها فاح أنق صلبها وسنامها. وإذا تغالى لحمها وتحسرت وتقطعت بعد الكلال خدامها، فلها هباب في الزمام كأنها صهباء خف مع الجنوب جهامها، أو ملمع وسقت لاحق بلاحه طرد الفحول وضربها، يعلو بها حب الأكام مسحج قد رآبه عصيانها ووحامها.
بأخره الثبوت يربا فوقها طورا مرابئ خوفه أرامها، حتى إذا سلخ جمادها كلها جزءا فطال صيامه وصيامها، رجع بأمرهما إلى ذي مرة حصد ونجح صريمه إبرامها.
ورمى دوابرها السفا وتهيجت ريح المصايف سومها وسهامها، فتنازع سبطا يطير ظلاله كدخان مشعله يشب ضرامه مشموله، غلثت بنابت عرفج كدخان نار ساطع أسنامها.
فمضى وقدمها، وكانت عادة منه إذا هي عرضت أقدامها فتوسط عرض السرى وصدعا مسجورة متجاوزا قلامها، محفوفة وسط اليراع يظلها منه مصرع غابة وقيامها.
أفتلك أم وحشية مسبوعة خذلت وهادية الصوار قوامها؟ خنساء ضيعت الفرير فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها. لمعفر قهد تنازع شلو وه غبس كواسب لا يمن طعامها.
صادفن منها غرة فاصبنها، إن المنايا لا تطيش سهامها. باتت وأسبل أكف من ديمة يروي الخمائل دائماً تسجامها، يعلو طريقه متنها متواتر في ليلة كفر النجوم غمامها.
تجتاف أصلاً خالصاً متنبذاً بعجوب أنقاء يميل هيامها، وتضيء في وجه الظلام منيرة كجمانة البحر سل نظامها، حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت، بكرت تزل عن الثرى أزلامها، عليها التردد في نها صعائد سبعاً توأم كمال أيامها.
حتى إذا يئست وأسحق حالق لم يبله إرضاعها وفطامها، وتوجست رز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنُس سقامها، فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها.
حتى إذا يئس الرمات وأرسلوا غضفاً دواجن قافلاً أعصامها، فلحقت واعتكرت لها مدرية كالسمهرية حدها وتمامها، لتذودهن وأيقنت أن لم تذم من الحتوف حمامها، فتقصدت منها كساب فضرجت بدمائها بدم وغدر في المكر سخامها.
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى واجتاب أرضيه السراب أكامها، أقضي اللبانه لا أفرف ريبة أو أن يلوم بحاجة لوامها. أولم تكن تدري نوار بأنني، والصال عقد حبائل جذامها، تراك أمكنه إذا لم أرضها أو يعتلِق بعض النفوس حمامها؟ بل أنت لا تدرين كم من ليلة.
والشرح يبدأ من هنا.
رأيتم القصائد نظم، هذه قصائد نظم يا إخوة، نظم ها رأيتم النظم؟ العيب في الفهم. وأنا لا يعنيني إلا أن يفهم الإنسان، لأنه حالة إنسانية يمكن أن تعالج. إنما يعنيني شديداً ألا يفهم الإنسان، وأن يظن أنه يفهم، وأن يشهد له بأنه فاهم فيصدر لإفهام غير الفاهمين.
هذا ما يؤرقني، أنا لا يؤرقني وأنا هكذا لا أفكر فيه أن فلاناً يجهل، أو أن بعض الناس تجهل، أو أن أكثر الناس يجهل؛ لأن إنما شفاء العي السؤال. العي هو الضعف، العجز هو السؤال. هذا كلام النبي ﷺ.
كلنا سأل أساتذته ومشايخه، كلنا جلس إلى الأساتذة والمشايخ والدكاترة وتعلم وسأل، عادي. إنما الذي يؤرقني وأنا أضع رأسي هكذا، أن يكون الإنسان لا يفهم، وأن يظن أنه يفهم، وأن يشهد له بأنه يفهم، فيصدر للناس لإفهام من لا يفهم؛ هذه المصيبة.
الناس وقفت عند الجهل المركب، لا، أنا أقول هناك جهل "معصلج" مش مركب، جهل معقد. هناك الجهل المعصلج، يعني ماذا؟ جهل معقد، ليس مركباً معقداً؛ لأنه ليس جهله فقط، الجهل البسيط هو جهل الإنسان الواحد، والجهل المركب يعني يجهل ولا يعلم أنه يجهل، هذا الجهل المركب. صح، أيضاً جهل إنسان واحد، كلاهما جهل إنسان واحد، لكن حين يشهد له بأنه يعلم، فيصدر لإفهام من لا يعلم، أو لإعلام من لا يعلم، هذا الجهل الكارثي، هذا هو الجهل المعصلج، يعني هذه مصيبة، أنت خرجت من مشكلة واحد إلى مشكلة مجتمع، مجتمع مصيبة.
نعم، ونحن نعيش الآن مسرحيات، مسرح مسرحيات. المنظرة والشهره والتصوير، والله كرهت الذهاب، لم أذهب إلى معرض الكتاب إلى الآن، كرهت الذهاب إليه لأجل هذه المنظرة التي صرت أراها، وصور وكذا وكذب أشياء قبيحة. هناك محبة وذكرى للقاء ممكن، لكن بعيد، كثير من الناس عندهم مشكلة، يظن أنه إذا شهر نفسه وأخذ صوراً خلاص أنا هكذا دكتور وأنا عالم وأنا كذا. كرهت هذا المكان الذي يحصل فيه هذا، سبحان الله.
أنا والله ذاهب إلى مدرسة الكتاب غداً، لأن بعض الأحباب الذين أعرفهم في بعض الدور قالوا سنسافر سفرة سريعة إلى اليمن يوم الثلاثاء، فأرجو أن نراك سريعاً في الجمعة يوم الاثنين، هل نراك؟ قلت لم أستطع أن أقول لا، قلت له سآتي حاضرًا مبكرًا، لم أذهب لشيء غير هذا.
تقابلني يا خالد؟ ماشي. بل أنت لا تدرين، كم من ليلةٍ طَلْقٍ لذيذٍ لهوها. ما الذي بدأه هنا الشاعر يا أخوه؟ الشاعر هنا بهذه المعاني إنما يريد لازمها، ركزوا؛ سيذكر شيئاً من السبأ، سبأ الخمر، الأصحاب، والكرم والعطاء، ثم الفروسية. الشاعر هنا بعد أن انقلب على الحزن ووصف طبيعة ناقته، قال: «أولم تكن تدري نوار بأنني وصالٌ عَقْدَ حَبائلِ جذامِها؟ تراكِ أمكنه إذا لم أرضها، أو يعتلق بعض النفوس حمامها؟».
هذا الكلام، وصال عقد حبائل جذامها، ما زال مرتبطاً بالأول؛ فاقطع لبانه من تعرض وصله. بعد ذلك الآن كأنه يذكر أنه مستغنٍ بنفسه وبصفاته، وأنه ليس ممن يبكي على الذاهبين الذين لا يبذلون لوصاله، وهو جعل نوارًا مثالًا لذلك كما ترون. «بل ما تذكروا من نوار وقد نأت وتقطعت أسبابها ورمامها». نات وذهبت هنا، خلاص حاجاتك ذهبت، انتهى؛ «فاقطع لبانه من تعرض وصله، ولخير واصلٍ خله صرامها». يعني الذي يفي في الخلة هو الذي يصرمها.
هنا في مثل هذه المواضع: «أولم تكن تدري نوار بأنني وصال عقد حبائل». شوف، هي نوار محور القضية التي يستند عليه، يمكنكم أن تسموا نوار هنا -ولا أدري إذا هذا سُمي من قبل أو لا، هل هو من الذاكرة دون أن أعرف؟ لا أدري، اسميها المتكأ- أهلاً يا أم عبد الله، كيف حالك؟ سلامي للحبيب أبي عبد الله. أنا اسمي نوار هنا المتكأ يا أخوه، الله يرضى عليكم يا رب، الله يرضى عليكم. سلامي لأبي عبد الله ولحماك، السيد الكبير. نعم، سلامي للجميع وللأحباب الصغار، طبعاً عبد الله ما شاء الله يكبر الآن، البنت الصغيرة لم أرها وأنا في العراق، نراها إن شاء الله المرة القادمة، رأينا عبد الله فقط.
أنا اسمي نوار هنا المتكأ حتى تفهموا القضية. وأنا إلى الآن أريد أن أرى شعراء معاصرين يحاولون أن يتكلموا بهذا المتكأ، يعني أن يتخذوا فتاة محورا للحديث عن أنفسهم، إلى الآن لا يحسنونه، مع أن هذا الوجه ليس بعيداً، ليس عويصاً. فمثلاً عنترة لما قال: «أثني علي بما علمتِ فإنني... سمحٌ مخالقتي إذا لم أظلمِ، إذا ظلمتُ فإن ظلمي باسلٌ... مرٌ مذاقته كطعم العلقمِ». هذا اتخذ الفتاة التي يحدثها متكئاً. وكذلك الـ... من يتكلم؟ «هل علمتِ بلواءٍ رفع لنا في غدرِ؟ هل علمتِ؟». هذا ليس هو يتغزل، هو يتخذ فتاة متكئاً وتكلمت من قبل.
لماذا ينطلقون في الحديث من المرأة؟ لأن المرأة عندهم هي التي يكون لها الاختيار صافياً. انتبهوا إلى هذا يا أخوة، هذا كلام أقوله ولا أدري إذا قاله أحد قبلي أو لا، ربما قيل، لكن لا أذكر أنني قرأته. أسلوب رائق، طبعاً يا خالد وأنت ما بتعرفش تعمله أساساً، أنت ما بتعرفش تعمله، بقول لك أنت جلف، شعرك تدين، بس خليك في التدين، أنت هتتغزل؟ أنت قابلني، ابقى قابلني. المهم، مش متخيلك، براحتك. لو أجدتك هتقوم، خليك أنت في الشعر المتدين الصوفي، خليك أنت في الكلام، خليك أنت في الشعر الديني، براحتك، مش هتعرف، ستعجز عن هذا، أنا أعرفك ستعجز عن هذا.
طيب، أقول هنا لماذا المرأة يا أخوة؟ الإنسان قد يكلم أحداً بالفخار، ولكن لماذا المرأة؟ المرأة هي الكائن الذي يعجب بالخلائق بالفطرة دون منغصات. المرأة هي التي يمكنها أن تقدر بطولات الرجال بلا مناغصات، بلا تأثير لأشياء وأمور في النفس؛ لأن المرأة مجبولة على حب الرجل بصفاته، حتى لو كان من أعداء قومها قد تحبه، كما أن الرجل قد يحب من بنات أعدائه عادي. فالنفس صافيه تجاه الأنثى، والأنثى تصفو تجاه الرجل بصفاته بفطرتها.
طبعاً ستقول لي ما هو في نساء ستأخذ لي، أنا أقول نساء، أقول إناث، يعني على الأصل، المرأة تميل كما قال الله تعالى: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18]. فالمرأة تميل إلى الرجل بصفاته، تعجب به، فلهذا الرجل في صفات نفسه يخاطب الأنثى؛ لأنه يخاطب بذلك من يصدق ومن يسلم بوجود الأشياء ويعجب بها صافية عن الدواخل.
فيقول لها: «أولم تكن تدري نوار بأنني وصال عقد حبائل جذامها؟ تراكِ أمكنه إذا لم أرضها، أو يعتلق بعض النفوس حمامها؟». فهو بهذه المعاني يريد لازمها، يريد أنه من أهل الفعال والفخار في إقامته وفي صحبه وفي عشيرته، وأنه ليس هو الذي ينوح على ذاهب، وإنما يكتفي بنفسه وفعاله ومكانه في قومه.
«بل أنت لا تدرين كم من ليلةٍ طَلْقٍ لذيذٍ لهوها». "طلق" معنى طلق؛ يعني لا حر فيها ولا ريح شديدة ولا مطر ولا شيء، ليلة طلق لا يعكر كدرها شيء، لا يفسدها شيء، ليلة طلق من كل هذا، ليست مقيدة بريح لا تفسد بأمطار، لا حر فيها، ليلة طلق هواء عليل جميل، نسيم رقيق لا ريح شديدة فيه، هذا معنى ليلة طلق، فكلمة طلق توشك أن تكون من الجوامع ألفاظاً. «بل أنت لا تدرين كم من ليلةٍ طلقٍ لذيذٍ لهوها».
«الندام» هي «الندام»، والندام هي «المنادمة»، يقول: «بَلْ أَنْتِ لَا تَدْرِينَ كَمْ مِنْ لَيْلَةٍ طَلَقٍ لَذِيذٍ ... لَهْوُهَا وَنَدِيمُهَا قَدْ بِتُّ سَامِرَهَا وَغَايَةَ تَاجِرِ»
يقول: قد بتُّ تسامرها، بل أنتِ لا تدرين كم من ليلة طلق لذيذ لهوها ونديمها. قد بتُّ سامرها، وغايه تاجر. يقول: قد بتُّ تسامرها، بل أنتِ لا تدرين كم من ليلة طلق لذيذ لهوها ونديمها، قد بتُّ سامرها، وغايه تاجر، وافيت إذ رفعت وعزّ مدامها.
كلماته كم من ليلة كذا، قد بتُّ سامرها، سامرها يعني أسهر فيها من السمر مع الأصحاب. وغايه تاجر، يعني وكم من غاية تاجر. الواو هذه ما نوعها؟ أنا سؤالي هنا لسليمان خان، يلا نعملها درس. سليمان، الواو في «وغايه تاجر» وأنت دارس للنحو، ما نوعها؟ ما نوع هذه الواو؟
لا ليست واو عطف. اختنا أحسنت يا خالد الشيباني، عاطفة. اختنا تقول: ما أدريش، يعني عشان ما تسألنيش. بص يا عم أنا ما بعرفش، فما تسألنيش على الله يكرمك، بجيبها لك من الآخر ما بعرفش.
ماشي، هذه واو العطف يا إخوة. طيب حبيبنا خالد الشيباني كمل جميلك بقى أتمم عملك، ليست واو ربّ يا ملاعب، نعم واو العطف. طيب عطفت على ماذا؟ خلتها عاطفة ثم غيرت رأيك، أنت شفت أثبت؛ عطفت على ماذا يا خالد؟ لا، ليس على «كم من ليلة»، بل على «ليلة»؛ يعني «كم من ليلة وغايه تاجر».
إذن يا إخوة، لا تركزوا في أنهما بيتان، ركزوا في البناء النحوي. خلاص، «بل أنت لا تدرين»، ركزوا معايا يا إخوة، الآن هذا بناء شعر، بناء لغة، هذه لغتكم. دعوكم من أدونيس الذي قال: «سترون»، استغني عن طريقته المعهودة، «سترون أن اللغة ستستغني بهذا الجرأة هكذا ستستغني عن علامة الإعراب». يقول: سترون، لم نرَ ولن يحصل؛ لأنني لن أستطيع الربط البعيد كهذا الربط إلا بعلامة الإعراب.
أحسنت يا بلوي، إلا بعلامة الإعراب. ولهذا أفلح العقاد وأخفق أدونيس. أفلح العقاد لما قال إن علامة الإعراب هي جواز السفر، الباسبور الذي يكون مع الكلمة، يجعلها تسافر في أي مكان في الكلام ولا تفقد صفتها وهويتها وأصل موضعها. العقاد قال هذا في «اللغة الشاعرة»، وأنا شرحت هذا، أنصحكم يا إخوة شديداً بكتاب «اللغة الشاعرة» للعقاد.
قال: علامة الإعراب هي الهوية، بطاقة إثبات الهوية. في الأردن، نعم أحسنت، في عام 2023 كتاب «اللغة الشاعرة» للعقاد شرحته في الأردن في كم مجلس، ستة مجالس تقريباً. يقول: هي البطاقة أو الهوية التي تسمح للكلمة أن تسافر في أي مكان ولا تفقد صفتها ولا أصل موضعها.
فهو يقول: «بَلْ أَنْتِ لَا تَدْرِينَ كَمْ مِنْ لَيْلَةٍ ... طَلَقٍ لَذِيذٍ لَهْوُهَا وَنَدِيمُهَا قَدْ بِتُّ سَامِرَهَا وَغَايَةَ تَاجِرِ»
هذا النوع من الحذف والاختصار صعب تجده في النثر، وإذا جاء به أحد في النثر عيب نثره. هذا الاختصار صعب أن يجيء في النثر، وإذا جاء في النثر عيبه.
والغاية يا إخوة هي الراية. «قد بتُّ سامرها وغايه تاجر»، التاجر تاجر الخمر، والغاية هنا هي الراية. وسميت غاية لأنهم كانوا في لهوهم بالخيل وسباقهم ينصبون راية عند الغاية التي يبلغها الفرس. قال هذا الأنباري: كانوا إذا أجروا سباق الخيل في المضمار جعلوا راية عند الغاية، فإذا بلغت الخيل إلى هذه الغاية التي عندها الراية قالوا: قد بلغوا الغاية. فسميت، ونعم، يسمى الأمد أيضاً، فسميت الراية غاية لأنها تُغرز عند الغاية التي ينتهي إليها سباق الخيل، فصارت أي راية يقال فيها غاية ينتهي إليها.
«قد بتُّ سامرها وغايه تاجر»، انظر هنا حتى تعرف ثراء الشعر العربي، وحتى تعرف ثراء البيت الواحد. أنت كيف ستؤدي هذا البيت؟ سؤال: كيف ستؤدي هذا البيت؟ ستقول: «قد بتُّ سامرها» ولا بد أن تقف، وإذا قلت «وغايه تاجر» أحضرت الأسلوب الذي قلت به «كم من ليلة»؛ هكذا: «بل أنت لا تدرين كم من ليلة طلق لذيذ لهوها ونديمها قد بتُّ سامرها وغايه تاجر»، يعني وكم من غاية تاجر.
رأيت كيف البيت لما فهمته فككت إعرابه وعرفت بيانه؟ اختلف عليك وتباطأ، واختلف في الأداء نفس التركيب، الدنيا واسعة في الشعر، في داخل البيت الواحد. كنت أقرأ البيت منفصلاً، مستحيل تقرأه منفصلاً، تعرف لماذا؟ لأن النص الخفض الذي في «غاية» لا يظهر حكمه منفرداً. هذا الكسر الذي في «غاية» لا تعرف سببه، ما الذي خفض أو جر؟ لو قلت «قد بتُّ سامرها»، هي سامر إيه؟ فين الهاء؟ تعود على ماذا؟ البيت كله مبني على ما قبله، مع انفصاله بالمعنى مع استقلاله بالمعنى.
«قد بتُّ سامرها وغايه تاجر وافيت»، «إذ» هنا ظرفية يعني حين لحظة رفعت، رفعت الراية، كان تجار الخمر كما يقولون يرفعون راية عندها. والله الرايات سمعتها في العرب زفت! ولا إيه يا خالد؟ الرايات سمعتها زفت في الحمرة ونسوان. واحد بقى خاف يشوف أي عالم وهو ماشي، والله بقيت أشوف كل واحد ودراسته وثقافته، أنا مش أشوف أي عالم مرفوع في حته، ما أبص ألاقي في المصايف، على البحر، الشواطئ، المنطقة الخطر، يعني في راية حمراء أقول له: راية حمراء؟ مش هنا يعني منطقة شديدة الأمواج مكان غرق، مظلة غرق يعني فيها دوامات أو كذا، يرفعون راية حمراء. أنا عارف الراية الحمراء بترفع فين أصلاً؟ عندنا في العرب زمان، أنا لما أقول عندنا يعني هناك. بالمناسبة صار في كلامي أتكلم مع الناس في عصرنا يقولوا: «عندنا»، كأني جئت من هناك! والله صار هذا الذي أقوله، عندنا وأنا أقصد خارج الدواوين، يعني قل له عندنا كذا يقول لي: «عندكم» وأنت مش معانا، حضرتك هنا!
فكانوا يرفعون راية على مكان البيع، بيع الخمر.
قال: وافيت إذ رفعت الراية، وغاية تاجرٍ إذ رفعت وعزَّ مدامها ارتفع ثمنها.
والمدام يا إخوة هي الخمر. من يعرف لماذا سميت مدام؟ ليست "مدام" التي نعرفها، فكلمة "مدام" فرنسية، إنما المدام بتاعتنا لماذا سميت مدام؟ من يعرف؟ هذا هو الأصل فيها والذي يذكرونه.
المدام يا إخوة لأنها "مدامة" على صيغة المفعول، مدامة يعني أديمت في الدن؛ لأنها كلما أديمت، يعني طال دوامها وطال بقاؤها في الدن وعتقت، كانت أجود. كانت معتقة لأنهم يعتقونها ربما سنوات، ولذا كانت العرب تأتي تأخذها من الشام. هناك مدن في الشام معروفة في الجاهلية يشرب فيها أغلبها، فكانت الشام معروفة بمصنع الخمر، أو يصنع فيها الخمر ويتاجر بها، وكانت العرب تصنع أيضاً مما تدل عليه بعض الأحاديث. فهي تدوم، يطول دوامها في دنها، فمن هنا سميت.
قال: "وعز مدامها". أنا الذي أعجبني هنا ما الذي لفتني؟ الضمير في "مدامها" يعود على ماذا؟ الضمير "ها" يعود على ماذا يا إخوة؟ هات لي الولد الذي يقول لي... على ماذا؟ على الغاية. أوعى تكون حذفته يا مولانا؟ أوعى تحذفه، لا خليه، كنا نمزح.
استاذنا من المغرب، أستاذ جليل محترم معنا، متابع منذ عشرة أعوام، وأحسب أن له رعاية أو منصباً في الثقافة أو الأوقاف أو شيء من هذا القبيل، هو إنسان محترم لما سمعت عنه إلا خيراً. المخطئ هو هذه الكتابات، الإنسان يحترس في مثل هذه البرامج. كيف حالك أستاذنا الكريم؟ أرجو أن تكونوا بخير. الله يرضى عليكم يا رب، إنسان محترم جداً يا إخوة، إنسان كريم، ما عرفت عنه إلا خيراً.
نعم، يعود على الغاية يا إخوة، فالذي أعجبني نسبة المدام إلى الغاية، مدام الغاية بحكم أنها ترفع عليها، فنسب المدام إليها.
بل أنت لا تدرين كم من ليلة طلق لذيذ لهوها ونها، قد بدت سامرها. وغاية تاجرٍ وافيت، إذ رفعت وعز مدامها رفعت الراية، وعز مدامها غلا سعره، غلا ثمنه لأنه جيد جداً فغلا سعره. وافيت إذ رفعت وعز مدامها، رفعت الراية، ونسب الخمر إلى الراية؛ لأنه عنده أغلى السباء.
«أغلى السباء بكل أدكن عاتق، أو جونة قدحت وفض ختامها». يقول: أغلى السباء، والسباء يا إخوة هو شراء الخمر، خاصة السباء لا يقال إلا في شراء الخمر، لا يقال سباء في شراء أي شيء. بعض الشروح يقول السباء هو الشراء، لا، هو شراء الخمر خاصة.
«أغلى السباء بكل أدكن عاتق»، هنا تستغرب في التعبير؛ هو لا يشتري به ولا يدفعه ثمناً، هو يشتريه ويحصل عليه، فتعبيره «أغلى السباء بكل أدكن» كأنه يقول عنده. «الأدكن» هو الدن الذي اسود من القدم، والجونة قيل هي الزق الأسود وقيل هي الدن، لكن قد نفرق بأن الجونة هذه المؤنثة هي الزق الأسود، وأن الأدكن هو الدن. "أدكن" يعني صار داكناً، لم يبق فيه لون الفخار أو الخزف، بل صار أسود من التعتيق ومن القدم ومن إدامة الخمر به، وهذه تكون أغلى شديداً عند العرب وعند غير العرب.
«أو جونة قدحت وفض ختامها»، يعني لا يشتري الأجزاء، بل "قدحت" يعني غرفت، و"فض ختامها" يعني أول غرفه، أي اشتراها وهي مبرشمة لم تفض ختامها بعد.
«وصبوح صافيه، وجذب كرينه، تاتاله إبهامها». في قوله «وصبوح صافيه»، هذا يظهر فيه أن الواو هي واو ربّ وليست العاطفة على "ليلة"، يعني ليس "كم ليلة وغاية تاجر وصبوح صافيه"، لا، الواو هنا واو ربّ يا إخوة. وكما قال بعض المحققين، الواو في "رب" أو ما يعرف بـ "واو ربّ" هي في الأصل واو الاستئناف، ولكنهم قالوا "واو ربّ" حتى يعللوا لك الخفض الذي يكون بعدها. فإذا حذفت "رب" وجئت أنت قرأت "وصبوح صافيه"، فربما تظن أن هذه الواو تعطف على ما قبلها، فيقولون لك انتبه هذه واو ربّ، لكنها في الأصل واو استئناف، واو ابتداء يبتدئون بها الكلام أصلاً.
والصبوح هو الخمر التي تشرب في الصباح، كما الغبوق هو الخمر الذي يشرب في العشاء أو الليل. «وصبوح صافيه» يعني ورب صبوح صافيه، خمر صافيه رائقة، ونسب الصبوح إليها، فقال.
صبوح صافية وجذب كرينة، هي ذات الكيران، وهو البربط الذي هو العود، فالتي تعزف وتغني لهم خلاص هذه الكرينة.
عندنا هذه الألفاظ تستعمل في أشياء أخرى، يقول لك كرينة، تفضل يا أستاذ. يقال عند خليجيين من رأس الدلة: صبوح صافية وجذب كرينة بموتر. الموتر هو العود، وسأذكر الآن لماذا موتر، لأنه الأصل أن يقال إنه موتر. بموتر تاتاله، ومعنى تاتاله يعني تؤوله تصلحه، وتعمله من قولك: قلت الأمر إذا أصلحته. فلان يلي هذا الأمر يلي على كذا يعمل كذا، فهذا كله من العناية به والقيام عليه، فقال: تاتاله إبهامها، يعني تعالجه ولكن بعناية وتقوم عليه برعاية. بموتر تاتاله إبهامها، يعني تعمل حركة معينة وتخرج نغمًا عن هذه المعالجة الحسنة.
نأتي إلى كلمة موتر، ما هو الموتر؟ أنت قلت إنها كرينة، والكرينة يعني تمارس على الكيران، العود، البربط. العود هو أقرب شيء إليه. العود العربي الآن، مثل عود فريد الأطرش، وعود نصير شمة العراقي. العراقيون فرحوا قوي، كنت أظنه سوري، أول ما قلت هو عازف العود السوري قال أنا كنت أظنه سوري، قالوا عراقي فهاجوا العراقيون وفرحوا أنه عراقي. هو العود الذي هو زي الجيتار بس العربي.
لماذا قال بموتر؟ ما هو قال كرينة، يعني تستعمل الكيران وتعزف عليه، تستعمله وتعزف عليه. تذكرون قلت لكم العرب إذا ذكرت صفة بديهية في الشيء فإنما تريد المبالغة فيها، وهذا في القرآن بالمناسبة وجدته في مواضع في القرآن. إذا ذكرت صفة هي موجودة بالأصل، فالمراد المبالغة.
يقول زهير بن أبي سلمى: إِذَا لَقَحَتْ حَرْبٌ عِوَانٌ مَضَرَّةٌ *** تَهْرُ النُّفُوسَ أَنْيَابُهَا الْعُصْلُ
يعني ماذا؟ حرب مضرة، ممكن شخص يقول ما هي حرب؟ هو في حرب مفيدة للصحة، حرب فيها فيتامينات، حرب مسلية، حرب نزهة، هي اسمها حرب خلاص، الحرب في ذاتها مادتها الضرر. فلما تقول حرب مضرة، يعني مضرة جداً. وهذه قاعدة خذوها، تتبعتها ولاحظتها في أشعار العرب وفي القرآن؛ إذا ذكرت الصفة في الكلام البليغ وكانت الصفة أصلية في الشيء، فالمقصود المبالغة الشديدة.
وجرب هذا فيما أنت في كلامك تلحقه بشيء موصوف، وهذا الموصوف فيه هذه الصفة أصلاً، فتصفه بها في الكلام، أنت تريد الزيادة. فقال: بموتر، لا، الموتر هنا يعني كثير الأوتار، وكأنه يقول إنه أكثر أفانين المعالجة، ولهذا قال: تاتاله، معنى تاتاله تعالجه وتعنى به، فهذا يناسب أن يكون كثير الأوتار، بموتر تاتاله، فشوية فوق وشوية تحت، هكذا وتخرج نغمات كثيرة.
صبوح صافية وجذب كرينة بموتر، تجذب بالموتر تشده ترن ترن، فجعل عزفها عليه جذباً لأوتاره، وجذب كرينة بموتر تاتاله إبهامها. بادرت حاجتها الدجاج بسحره، لا أعلم منها حين هب نيامها. تعالوا ركزوا معي جيداً في هذا البيت، لأن فيه عملاً، وهذا البيت في ظني قد وقع فيه لغو في الشرح، ومغالطات بنيت على أخطاء.
سأطرح لكم ما عندي وأنتم تأملوا وأطيلوا وأجيلوا النظر، وهكذا العلم كما يقول الدكتور محمد أبو موسى دائماً؛ العلم أن تتأمل وتطيل وتنظر وتخطئ وتصيب. أحد الشباب ممن يحاول الأدب في هذه الأيام ويتكلم فيه وينشر، أرسلوا إليه أشياء، يعني أنه هُجم ونُقد كثيرون وأخذوا يثبطونه ويخطئونه كثيراً ويهجمون، فأرسلت إليه رسالة هذا اليوم، قلت له: اسمع، ما دمت تسير وتفيد فمن حقك أن تخطئ. ليس "نغتفر" هنا، بل "من حقك أن تخطئ" ما دمت تسير وتدخل الباب من باب البيت وتعمل وتجتهد وتفيد، فمن حقك أن تخطئ. ومن الواجب على الناس أن تغض إذا كانت تستفيد.
هذه قاعدة خذوها في حياتكم، إياك أن تظل هكذا معتذراً إذا كنت تفيد، فمن حقك أن تخطئ، وإذا كنت تقوّم نفسك وتسير ويستقيم طريقك، ليس من حق أحد أن يقعدك عن ذلك، ومن الواجب على الناس أن تغض في مقابل استفادتها.
هذا حتى الذي كنت أفهمه من كلام الشيخ محمد أبو موسى من وقت مبكر جداً، يقول كان الدكتور محمد أبو موسى يركز على حركة العلم، المهم أنه متحرك. تلاحظون الدكتور محمد أبو موسى يركز كثيراً في من أصاب وأخطأ، يركز على الفعاليات، على الحركة، على ما نسميه الزخم، يعني العمل والتداخل والتفاعل والكثافة الحركية.
للأسف انتشرت بين الناس ثقافة الإسقاط لأنهم صاروا أقزاماً، كلما كان الناس أقل حجماً انتشرت ثقافة الإسقاط. وكلما وجدت المجتمع فيه من العلم والعلماء، اعذر بعضهم بعضاً ونظروا وتجاوزوا. الشاب يبذل جهداً ويساعد وهو متخصص أصلاً في علوم اللغة، فيما رأيته ليس معنى هذا أنني أزكيه أو أذكر أنه صواب، لكن أنا تعاطفت مع الموقف، يعني أنتم تستفيدون منه والرجل يصحح لكم في اللغة، بقطع النظر عن موقفه منه، هذا شيء آخر تماماً. لكن فجأة هجمات للإسقاط وتحذيرات، حتى تكلم معه البعض، قيل لي أنا لا أتابع لكن نقلوا، أخذوا يرسلون إليه روابط، فبحثت عن حسابه وأرسلت إليه رسالة.
قلت فيها بالنص: إذا كنت تعمل وتفيد وتصحح وتتعلم، فمن حقك أن تخطئ، هذا حقك المكفول. ومن واجب المستفيدين منك أن يغضوا الطرف في مقابل استفادتهم. اعرف حقك، أنت لست على رأسك ضاحكة وخائف وتعتذر عن كذا، أنت تفيدهم بعشرين فائدة، ولما تخطئ في واحدة يأكلونك! قاتلهم الله إذا فعلوا، لعنة الله عليهم إذا فعلوا، أخساهم الله إذا فعلوا، أرذلوا الخلق إذا فعلوا؛ يستفيدون منك عشرين فائدة ثم تخطئ في واحدة أو في اثنتين يهاجمونك. إذا أنت علقت اللؤلؤ في أعناق الخنازير.
فأنا أعجبني، تعجبني حركة العلم، فتح هذا الكلام نقاش في هذا البيت؛ لأنني أرى أن هذا البيت في ظني وقع فيه لغو الشراح، كما ربما يسميه محمود شاكر، وقع فيه حصل فيه بناء الغلط على الغلط. كيف؟ تعالوا.
بالضبط، تعالوا نقرأ مثلا ما قاله التبريزي في شرح هذا البيت. التبريزي يقول: "بكرت حاجتها" أو "بادرت روايات"، طبعاً "بادرت حاجتها" معناه حاجتي إلى الخمر، فأضاف الحاجة إلى الخمر اتساعاً. قال: "والدجاج هنا الديكة، والمراد هنا أو المعنى باكرت بشربها صياح الديكة".
وقوله: "لأعل منها" من العلل، وهو الشرب الثاني، وقد يقال للثالث والرابع، يعني ما تجاوز المرة الواحدة التي هي النهلة، و"ينهل" يعني يشرب مرة، "العلل" مرة بعد ثانية وهكذا. يشرب مرة، هذا نهل، ثم يشرب الثانية دخل في العلل، فالثانية علل، يعل منه. قال: "وقد يقال الثالث والرابع، علل من قولهم تعللت به أي انتفعت به مرة بعد مرة".
قال: "والمعنى يقول: ومن روى أن يهب نيامها من قولهم هب النائم إذا استيقظ، فإن عنده في موضع نصب، والمعنى وقت أن يهب نيامها، كما تقول أنا آتيئك مقدم الحاج، أي وقت مقدم الحاج، ثم حذفت وقتاً وأعربت مقدماً بإعرابه، ونصب الدجاج على الوقت كذلك، نصب الدجاج على الوقت، يعني يكون قوله بادرت حاجتها الدجاج، فالدجاج هو الوقت، يعني وقت صياح الدجاج". خلاص، تعالوا ننظر ماذا قال الأنباري.
انظروا، قال بعض أهل اللغة: "نصب الدجاج على الوقت، أراد في وقت صياح الدجاج، فأقام الدجاج مقام الصياح فنصبه، يعني بادرت حاجتها صياح الدجاج، صياح الديكة". ثم قال: "وقوله حين هب نيامها معناه حين انتبه نيامها، يعني أنه ذهب بليل، يعني لما انتبه نيام الدجاج". وقال: "ونصب الدجاج على الوقت، والناصب له باكرت أو بادرت، يعني باكرت الخمر، باكرت حاجتي إلى الخمر، الدجاج يعني وقت صياح الدجاج، الديكة".
طبعاً هذا الكلام لغط شديد، ومحاولة في نظري -على الأقل- محاولة لإحداث معنى للبيت. خلاص، "بادرت حاجتها الدجاج" يعني بادرت -خلي مكان الحاجة الخمر- جعلت أو بادرت الخمر وقت صياح الديكة، "لأعل منها حين هب نيامها"، يعني ما الفائدة؟ لأعلى من الخمر أشرب المرة بعد الثانية، المرة الثانية بعد الأولى والثالثة بعد الثانية، وقت صياح الديكة أو حين هب نيامها. ما أنت قلت الدجاج بمعنى الصياح كما صرحوا، فما معنى "حين هب نيامها"؟
فكما قلت، هذا البيت في ظني وقع فيه لغو الشرح وبني فيه غلط على غلط فيما ظهر لي. فظني أنهم -أو بعضهم- أعربوا الدجاج ظرفاً، ولماذا أعرب الدجاج ظرفاً؟ لأنه فسروا قوله "حين هب نيامها" برجوع الضمير على الدجاج. يعني لما رأوا الرواية "حين هب نيامها"، يعني حصل هبوب، حصل تيقظ، حصل انتباه، فلما رأينا من قد تنبه منهم وأيقظهم قالت أشر كيف تأمر؟ تنبهوا، يعني هناك من استيقظ حين هب نيامها، فأرجعوا الضمير في رواية "حين هب نيامها" على الدجاج.
ولو كان كذلك ما كان للكلام فائدة ولا معنى، بل كان منتهى السخف. ما معنى أن تقول: بادرت الخمر وقت صياح الدجاج بسحره، يعني قبيل الفجر بليل، وهو السحر أيضاً، "لأعل منها حين هب نيامها"؟ ما معنى أن تقول الدجاج بمعنى صياح الدجاج، ثم تقول حينها هب نيامها؟ ونيام الدجاج؟ يعني ماذا تقول في الديكة: هب نيامها؟ ولماذا هب نيام الديك؟ فأنا رأيي أن هذا تفسير سخيف، أياً كان من كان القائل به. وعندي أن السبب في هذا هو اعتمادهم رواية "حين هب نيامها" لأن فيها تقرير هبوب وأن هناك انتباه وتيقظ، فقالوا الذي يكون كذلك في البيت هو الدجاج.
خلاص، أهو أخونا سيدخل في لغط آخر يقول: هل يمكن الهاء تعود على الخمر؟ يعني أنت وضميرك، إن الخمر هب نيامها، أنت وراحتك، لو أنت نايم وضميرك مرتاح، هذا أهم شيء في الدنيا. أخونا يقول الهاء تعود على نيام الليلة، صحيح، طيب أين ذكر الليلة أصلاً؟ سأسألك سؤالين يا خالد: أين ذكر الليلة؟ وهذا الأسهل، أين الليلة؟
سآتي إلى الكلام يا أختنا أمل طاهر. إذا أردت أن تجيب جواباً علمياً: الليلة أو الضمير يعود على الليلة، وهي مفهوم غير مذكور، صح؟ مفهوم غير مذكور. والسؤال الثاني: ما فائدة قوله "وهذا الأعصر الآن حين هب نيامها"؟ ما معنى "حين هب نيامها" أصلاً؟
لا يا أختنا أمل، الليلة التي في البيت، السبع بعد الخمسين، كم من ليلة هذه؟ لا تدخل معنا في الكلام، الكلام انتهى أصلاً. تقول إنه قام قبلهم يحضر لهم الصبوح، لكنك قلت "حين هب نيامها" وليس "قبل أن يهب نيامها". قلت لك السؤال الثاني أصعب، كلامك يصح لكن اللغة لا تدل عليه؛ لأن قال "حين هب" وليس "قبل هب"، قبل أن يهب نيامها، فهمت قصدي يا خالد؟
إنما يستقيم الشعر -يا إخوة- على حقه، معناه على رواية "أن يهب نيامها"، هذه رواية موجودة، "أن يهب نيامها"، وهنا سيعود الضمير...
على مفهوم غير مذكور وهو الليلة، أو على مذكور وهو السحر، الذي هو قطعة من الليل بسحره. لا أعلم منها حين يهب نيامها، فيكون المعنى: بادرت حاجتي إليها، أي حاجتي إلى الخمر. معنى بادرت يعني سابقت، أو على رواية: باكرت حاجتها؛ فقد أسند الحاجة إلى الخمر اتساعاً كما رأيتم.
بادرت حاجتها الدجاجة، أي صياح الديوك؛ بادرت حاجتها الدجاجة أي قبل أن تصيح الديوك، فالدجاجة هنا منصوب وليس والذي هو الديك منصوب على المفعولية وليس على الظرفية، منصوب على المفعولية وليس على الظرفية كما قال التبريزي وكما قال الأنباري؛ منصوب على المفعولية.
إذاً بادرت يعني سابقت أو باكرت، وفي رواية أخرى وأوضح هذه: باكرت حاجتها الدجاجة، أي صياح الدجاج قبل أن يصيح الدجاج؛ منصوب على المفعولية لا على الظرفية، والظرفية غريبة جداً. وقلت لكم لماذا قالوا هذا؟ بسبب هذه الرواية: بادرت حاجتها الدجاج بسحره لئلا يهب نيامها، يعني يعلل لماذا باكر أو بادر بسحره؟ بادر الدجاج قبل أن يصيح الدجاج بسحره لئلا يهب نيامها، وهنا سيعود الضمير في نيامها على السحرة، أو على غير مذكور وهو الليلة المفهومة من السياق.
بادرت حاجتها سابقت باكرت حاجتها الدجاجة، باكرت حاجتي من الخمر الدجاجة قبل أن يصيح الدجاج بسحره؛ يعني بادرت بسحره قبل أن يصيح الدجاج لئلا يهب نيامها، لماذا بادرت؟ لماذا سابقت الدجاج بسحره لئلا يهب نيام السحرة أو نيام الليلة؟ وهذا الذي أراه يستقيم به الشعر ويستقيم به المعنى، وأما الذي وجدته من وجه التفسير في الشرح فهو أراه لغواً، وأراه غلطاً على غلط.
الغلط الأول الذي بني عليه الكلام هو اعتماد الرواية: «حين هب نيامها»، وهذه رواية فاسدة. رواية «حين هب نيامها» لا تفيد شيئاً بل حشو وتكرار، بل تجعل البيت لا معنى فيه صراحة بكل وضوح. هذا ما أنتم رأيتم، عندكم عقل فكر، ألا تتأملون؟ ألم تدرسوا العربية؟ ألا تعلمون المرفوع والمنصوب؟ ألا تعلمون معنى بادرت؟ ألا تقرأون الشروح؟ أي طالب علم إذا تأمل ينظر. عندك البيت أمامك، انظر فيه؛ لست مقتنعاً بهذا التفسير الذي في الكتب.
بادرت أو باكرت حاجتها الدجاجة بسحره لئلا منها أن يهب نيامها؛ يعني بادرت بسحره لئلا يهب أي لئلا يهب نيامها أي قبل أن يهب نيامها، هذا هو والله تعالى أعلم.
«وغداه ريح قد وزعت وقره»، وهناك رواية أيضاً قد كشفته، وربما حفظتها قديماً على كشفته: «وغداه ريح قد وزعت وقره إذ أصبحت بيد الشمال زمامها». هذا البيت يا إخوة أصل في الاستعارة المكنية، كما بيت أبي ذؤيب الهذلي، هذا أصل عند عبد القاهر في الاستعارة وذكره في «الدلائل» أيضاً، مع أنك ربما تظن أنه ليس مظنته.
وذكر في «الدلائل» وهو يتكلم في آخر كتابه عن كيف أن الاستعارة، أو أن الذي يراد من الألفاظ هو المعاني. وقال من أدلة ذلك أنك في الاستعارة لا تستعير اللفظ للفظ، هو كان يرد على القاضي عبد الجبار الهمذاني، والكتاب كله أصلاً ألف للرد على الفكر المعتزلي الذي انتشر في هذا الوقت. وعبد القاهر غضب منه جداً، وهم أنهم قالوا إنما العبرة بالألفاظ ففهمت الألفاظ خطأ، قال العبرة بالألفاظ وظنوا أن الألفاظ هي التي تعمل، وليس أنها تجلب ابتداءً لأجل معانيها، كأنهم يضعون المعنى جملة ويضعون له الألفاظ، ولا تتزايد المعاني إنما تتزايد الألفاظ.
فهو وقف في هذا وأقام كتابه «الدلائل» الذي كان أساساً لعلم المعاني بعد ذلك في البلاغة، وكان أساساً لنقد الشعر أيضاً، والنقد الفني عموماً، وهو كتاب «الأسرار» ووضع كتاب «الدلائل» لأجل هذه المسألة؛ ليرد على هذه المقولة المعتزلية أو الجبارية للقاضي عبد الجبار الهمذاني، هذا فحل المعتزلة الكبير، يقابله ويعاصره القاضي أبو بكر الباقلاني فحل الأشاعرة أهل السنة الكبير، كلاهما فحل كبير.
وشرحت لكم تاريخ تسلسل هذا من رسالة محمود شاكر «المدخل إلى إعجاز القرآن». فهو من المؤثرين الأوائل القاضي عبد الجبار، وعبد القاهر ذكره يقول: وهناك مما يدل على أن الذي يؤتى به في الاستعارة هو المعنى وليس اللفظ، لما تأتي بلفظ مكان لفظ، ليس تأتي بلفظ مكان صوت، قال: مما يدل على أنك تأتي بمعنى مكان معنى، أنك قد تستعير الشيء وليس له شيء يقابله.
انظر عبد القاهر، ونبهت الشيخ هذا الذي يقال فيه الشيخ الكبير عبد القاهر، قال: إنك قد تستعير اللفظ وليس له شيء يقابله، وذكر هذا البيت؛ قال لأن اليد المستعارة ليس لها شيء يقابلها؛ لأنها وضعت مع الريح والريح ليست إنساناً له يد، استعارة مكنية. أما بيت أبي ذؤيب الهذلي وهو الذي يمثل به كذلك في البلاغة التقريرية ويشتهر، فهو يرد أكثر في كتب الشعر وإن كان موجوداً أيضاً في البلاغة، هو بيت أبي ذؤيب الهذلي الذي يقول في عينِيته: «وإذا المنية أنشبت أظفارها، ألفيت كل تميمة لا تنفع». كيف أنشبت أظفارها؟ هذه تسمى استعارة مكنية، لماذا؟ استعارت الشيء ولم تستعمله وإنما كنيت عنه.
إن شاء الله ربما قريباً أشرح لكم البلاغة، إن شاء الله بإذن الله تلخيص القزويني، أنشر لكم الشرح الذي يخص المدرسة، شرح تلخيص القزويني في علم البلاغة إن شاء الله. فالله يرضى عليكم، فإن شاء الله ييسر الله الأمر بإذن الله. أنا لا أريد أن أخرج كل الشروح، لكن إن شاء الله تلخيص القزويني أنشره لكم بإذن الله تعالى حتى تفهموا ما البلاغة، لا تكون ضحية لبعض الجهلة والشعوبية الذين يفسدون أكثر مما يصلحون، قاتلهم الله.
فإن شاء الله تعالى أنشر لكم شرح كتاب تلخيص القزويني في علوم البلاغة، تلخيص أجمل من الإيضاح؛ الإيضاح بمقام الشرح للتلخيص، وأنا سأضع لك ما في الإيضاح على التلخيص. القزويني حينما ألف كتابه «الإيضاح»، انتبه هو صرح بهذا، ألفه تأليفاً مستقلاً وزاد فيه، وأخذ فيه من القدماء وقال: هذا الكتاب بمقام الشرح للتلخيص. فلذلك الذي تراه في شرح التلخيص أن تجد عليه شرح الإيضاح، كتاب الإيضاح كاملاً ضخم، لكنه رائع ممتع أحبه جداً، بعد عبد القاهر لا أحد فوقه.
لا أحد فوق عبد القاهر إلا الآمدي، لكن عبد القاهر في خط البلاغة، عبد القاهر عند رأس الكنز. وأما البلاغة التقريرية في صورتها الأخيرة، فأجمل شيء عندي الإيضاح؛ كتاب الإيضاح لا شك، التلخيص متن، وضع التلخيص أولاً ثم شعر أنه أشد اختصاراً فوضع الإيضاح، وقال هذا بمقام الشرح، وضعه مستقلاً، هو لم يضع متناً يشرح المتن، بل هو نفسه قال في المقدمة: «قال هذا بمقام الشرح»، فاعتبره إيضاح شرح تلخيص المفتاح.
فإن شاء الله تعالى، بإذن الله، أشرح وأضع لكم تلخيص المفتاح أنشره فيكم، وعليه الإيضاح بإذن الله بالكامل.
قال: «وغداه ريحٌ قد وزعت»، يعني رب غداه ريح، قد وزعت؛ أي دفعت. كيف دفعها؟ كيف دفع الريح؟ بما بذله؛ لأن الريح تفسد، فجعل عطاءه دفعاً للريح. نحن نشرح البلاغة للمبتدئين هكذا، نشرح للأطفال، البعض لا يفهم البلاغة إلا هكذا، وغير هذا لا يفهم، ولا سيما من الطلبة النظاميين الذين للأسف الشديد عندهم إكذا في الفهم جداً؛ إذا لم تقل له: «وغداه ريح»، جعل الريح بما أفسدت، لأن الريح تفسد كذا وكذا، فجعل ما يعطي بمقام دفع الريح.
«وغداه ريحٌ قد وزعت»، يعني قد وزعتها دفعتها، وهناك رواية: «كشفت وقرة»، والقرة يعني ليلة قره، والقر والقرة هو البرد الشديد، والقرة الليلة شديدة البرد. قال: «إذ أصبحت بيد الشمال زمامها»، يعني دفعتها أيضاً، وقرة أيضاً دفعتها إذ أصبحت بيد الشمال زمامها. ما معنى هذا؟ «إذ أصبحت بيد الشمال زمامها»؛ الشمال جعلها شيئاً آخر كالإنسان، هي ريح الشمال والشمال نفس الريح، فلذلك البعض استشكل هذا البيت، قال: كيف والقارة إذا كانت ريحاً؟ لا، القارة هي الليلة.
قال: «إذ أصبحت بيد الشمال زمامها»، طيب الزمام هنا، الضمير في «زمامها» يعود على القرة أم يعود على الريح؟ الذي يظهر عندي أنه يعود على القرة (الليلة)، وجعلها بما فيها من الريح كفرس، والشمال هو الذي يحركها، فهي ريح الشمال، جعل الشمال إنساناً، وجعل الليلة بما فيها من الريح فرساً؛ فالشمال إنسان باعتباره وحده له استقلال يقود هذه الليلة بريحها، وقرة أي ورب قارة دفعتها وزعتها إذ أصبحت بيد الشمال زمامها، يعني المتحكم فيها ريح الشمال، الشمال متحكمة في هذه الليلة، أمسكت بزمامها ووجهت ريحها، فالبيت لا إشكال فيه، يحتاج إلى رهافة حس فقط.
ثم يقولون الجاهليون سطحيون مباشرون! الذي تحبون، «وغداه ريح قد وزعت وقرة»، «وغداه ريح قد وزعت، وزعت وقرة»، ليلة قرة شديدة البرد، إذ أصبحت أي وزعت إذ أصبحت بيد الشمال زمامها. أسألكم سؤالاً يا طلبة العلم، «إذ» ما نوعها؟ ظرفية، خلاص أحسنت. الشمال فارس، إذ ظرفية صح ولا لا؟ ظرفية صح. نعم حلو، ما العامل فيها؟ ما العامل في «إذ»؟ هو الوزع الذي تفهمه من وجوده مع غداه الريح، أحسنتم.
«وغداه ريح قد وزعت وقرة قد وزعت أيضاً»، إذ هي وزعت، إذ أصبحت بيد الشمال، كأنه قال: ورب غداه ريح ورب قرة قد وزعت إذ أصبحت بيد الشمال زمامها، لكن لما أخر «وقرة» جعل الريح التي بيد الشمال خاصة بالقرة وليس بالريح الأولى، كأنه قال: ورب قارة قد وزعت إذ أصبحت بيد الشمال زمامها، فهمتم؟
«ولقد حميت الحية»، كل هذا يفخر، القصيدة يفخر بنفسه وبقومه، انظروا كيف وصل إلى الفخر: «بك ديار بل ما تذكروا من نوار وقد نات...»، «فاقطع لبانه من تعرض وصله...»، «أو ملمع وسقت كأنها صهباء...»، «فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى...»، «أقضي اللبانه لا أن أفرط ريبة أو أن يلوم...».
أما مفاصل القصيدة، فأنظروا كيف انتقل: «عفت الديار محلها فمقامها...»، «بل ما تذكر من نوار وقد نات...»، «مرية حلت بفيدة وجاورت أهل العراق...»، «ثم فاقطع لبانه من تعرض وصله...». مفاصل، أقفز لك على المفاصل، نسميها مفاصل القصيدة، ركز معي يا خالد الشيباني أنت بالذات، نسميها مفاصل القصيدة: «فاقطع لبانه من تعرض وصله...»، «كأنها صهباء خف مع الجنوب جهامها...»، «أو ملمع وسقت...»، «فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى...»، «أقضي اللبانه لا أن أفرط ريبة أو أن يلوم...»، «أولم تكن تدري نوار بأنني...».
كل هذا يثبت ويشرح ما فات، كيف هو هكذا؟ أنت لا تدرين، أنت لأنك جهلت هذا، جهلت الذي حكيته أيضاً. رأيتم كيف انتقل للوصول للفخر في القصيدة؟ رأيتم ليس انتقل، كيف انتقل للوصول إلى الفخر في القصيدة؟ أخونا يقول: لمَ لا تجعل «تلك» فـ«فتلك»؟ «فبتلك إذ رقص اللوامع...» على الوحشية فقط؟ لا طبعاً، لماذا؟ لأن الحاكم في هذا هو المشبه وليس المشبه به، هو شبه مرات، فلما قال «فبتلك»، «تلك» أسألكم سؤالاً، تلك الناقة أم ماذا؟ لو كانت الناقة فالمراد الموصوفة في الفصلين بالضبط، لا، لا يستقيم المعنى أن يعود على الوحشية فقط، وهذا كقول النابغة الذبياني: «فتلك تبلغني النعمان».
رأيتم الآن مفاصل القصيدة، هذه الأبيات راجعوا هذه الأبيات التي ذكرتها لكم الآن، هي مفاصل القصيدة، لكم أن تكتبوها وأن تقرأوا القصيدة من خلالها.
مفككة، قول له أبو قيسي بيسلم عليك بيقول لك تعالى. اللي يقول لك القصيدة قصيدة العرب مفككة، قول له ده دماغك هي اللي مفككة، دماغك هي اللي مفككة. القصيدة العرب مفككة؟ والله لا تبلغ، لا، قل: لا تشق غبار، لا تدرك غبار العرب في البيان وفي بناء القصيدة المتينة.
أنا جبت حاجة من عندي، الله يرضى عليك يا سليمان رضي الله عنك، أنا أتيت بشيء من عندي. عندك القصيدة؟ أطفي مع أبو قيسي، اقفل البث واذهب عيش مع القصيدة عندك وانظر، فقط نبهتك. اذهب وانظر، مش عندك عقل جوه؟ هنا في عقل ولا دي إشاعة؟ في مقولة تنتشر غير صحيحة أن هنا يوجد عقل، عندك عقل انظر فيه؛ هذه المفاصل الحارة والباقي نظم.
أنت بتنرفزني يا عم البلوي، ليه؟ أنت الموضوع لسه ما بردش بالنسبة لي، بتنرفزني ليه؟ ماشي، نتوقف هنا، شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عمتم صباحاً ومساءً، جزاكم الله خيراً.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد