الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذا هو الدرس الحادي عشر في شرح مقدمة ابن الصلاح رحمه الله عليه، وقد وقفنا عند النوع الحادي والعشرين.
هنا مكتوب: «النوع الحادي والعشرون» نعم أنا قلت عند ففاضطررت للكسر.
طيب، معرفة الموضوع؛ هذا هو النوع الحادي والعشرون: معرفة الموضوع. قال المؤلف رحمه الله عليه: وهو المختلق المصنوع. المختلق يعني الذي ابتدع وليس له أساس. اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة؛ هنا جعل الحديث الموضوع قسماً من الأحاديث الضعيفة، فالضعيف ينقسم أقساماً ودرجات، شرها الحديث الموضوع، ومن أهل العلم من يجعله قسماً مستقلاً، ومنهم ابن الجوزي رحمه الله عليه وغير ابن الجوزي فجعله رابعاً.
قال: ولا تحل روايته لأحد علم حاله؛ يعني الشخص أو العالم أو الراوي الذي يعلم أن هذا الحديث موضوع لا يجوز له روايته بحال، إلا من باب البيان. قال: لأحد ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقرونا ببيان وضعه. طبعا هذا المعنى «لا تحل روايته لأحد... إلخ» هذا إذا كان الراوي يعلم أو تيقن أو ترجح لديه أن هذا حديث موضوع.
لكن من العلماء من يروي أحاديث ويستشهد بها وهو لا يراها موضوعة، وقد يكون فيها وضاعين، رجل وضاع روى عنه مثلاً الخطيب أو روى حديثاً فيه وضع. فهل نقول الخطيب الآن خالف؟ مخالفة الخطيب مبنية على أنه يعني مع القول بأن هذا الرجل وضاع، لكن قد يكون الخطيب مخالفا، وبالتالي تنزيل هذه القاعدة على بعض المواضع التي يفعلها العلماء ونقول إنهم خالفوا، يحتاج إلى نظر إلى التأكد من أن هذا العالم يرى أن هذا الرجل وضاع، وإلى أنه يعني علم حاله.
نعم، قال: «إلا مقرونا ببيان وضعه» بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن، حيث جاز روايتها في الترغيب والترهيب على ما نبينه قريبا إن شاء الله تعالى. يقول: الأحاديث الضعيفة تجوز روايتها لأنها تحتمل الصدق في الباطن. وهذا ليس في كل ضعيف؛ بعض الأحاديث الضعيفة تكون أخطاء أو منكرة، وكأنها الموضوع -يعني كأنها لا وجود لها-، لكن الذي يقصده هنا الحديث الذي نقول بأنه ضعيف لضعف راويه، ضعف حفظه؛ لأنه يترجح عندنا أن حفظ هذا الرجل من الضعفاء وإن كان ثقة في دينه، فمثل هذا إذا لم يكن حديثه خطأ أو منكرا نعم مثل هذا يروى، يمكن روايته في الترغيب والترهيب، وسياتي بيان هذا عند المؤلف إن شاء الله.
قال: وإنما يعرف كون الحديث الموضوع -يعني كيف نعرفه موضوعا؟- قال: باقرار واضحه، وهذا لا إشكال فيه. وإن كان بعضهم يقول: كيف نصدقه؟ إذا كان كذابا كيف نصدقه أنه وضع؟ هو ما دام أنه كذاب خلاص يعني صدقناه وما دام لن نصدقه في إقراره فلن نقبل حديثه أصلاً. قال: أو ما يتنزل منزلة إقراره. كيف يتنزل منزلة إقراره؟ لا أدري هل شرح ذلك أو لا؟ يعني مثلاً شخص روى حديثاً عن رجل، فسئل مثلاً: متى رأيت هذا الرجل ومتى سمعت منه؟ فيذكر تاريخاً بعد وفاة ذلك الرجل، فهذا يتنزل منزلة الإقرار أنه أقر على نفسه بالوضع، أو يذكر شيئاً يكذب نفسه فيه.
قال: وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة أفاظها ومعانيها. قرينة حال الراوي هنا قال في الحاشية مثل العراقي رحمه الله عليه لما يتنزل منزلة إقرار، قال: «الراوي بالتاريخ الذي ذكرناه قبل قليل» وعقب تلميذه في النكت بأن الأولى أن يمثل بالتاريخ لقول ابن الصلاح «أو من قرينه حال الراوي» يعني هنا من قرينة حال الراوي هذا الذي فيه التاريخ. طيب، ما يتنزل منزلة إقراره؟ يعني يكون له كلام يدل على أنه مقر بوضعه؛ هو لم يقل أنا وضعته، لكن يعني تلمحنا من ذلك أنه أقر بوضعه.
طيب، ايش قال هنا في ثالثاً؟ قال ابن حجر: يمثل لذلك ما رواه البيهقي في المدخل بسنده الصحيح: أنهم اختلفوا في حديث في سماع الحسن من أبي هريرة، فجاء رجل وروى بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سمع الحسن من أبي هريرة». هذا واضح يعني أنه يتنزل منزلة الإقرار، كأنه يقر على نفسه؛ كيف يروي عن النبي أن النبي قال «سمع الحسن من أبي هريرة»؟ يعني يريد أن يفصل بين الناس المختلفين في سماع الحسن من أبي هريرة، فجاء بحديث أنه... هذا يدل على أنه وضعه. نعم، فعلا هذا يتنزل منزلة الإقرار، وقرينه الحال هي التي فيها التاريخ، المروي هو ما يدل -يعني قرينه المروي هو الركاكه- قال هنا: «يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها» يعني يكون في الحديث ما يدل على أن هذا الحديث موضوع.
ممكن نقرا الحاشية ماذا قال فيها؟ اعترض عليه بأن ركاكة اللفظ لا تدل على الوضع، حيث جوزت رواية المعنى؛ هذا كلام صحيح ما شاء الله. نعم، أن صرح الراوي بأن هذا صيغة لفظ الحديث وكانت تخل بالفصاحة أو لا وجه، لا هو قال: «ركاكة ألفاظها أو معانيها» وهذا ركاكة المعاني لا شك أنها دليل واضح على الوضع.
ولقد أكثر الذي جمع في هذا العصر الموضوعات في نحو المجلدين... هل قال شيئاً قبل ذلك؟ ولقد أكثر الذي -هو عم اسمه أو لم يذكر اسمه، وهو ابن الجوزي- قال: ولقد أكثر الذي جمع في هذا العصر الموضوعات في نحو مجلدين، فاودع فيها كثيراً مما لا دليل على وضعه، وتعقبه العلماء وبعض الأحاديث فيه في الصحيح، وإنما حقه أن يذكر في مطلق الأحاديث الضعيفة. يعني كثير من الأحاديث التي ذكرها تكون من باب الضعيف لا من باب الموضوع.
والواضعون للحديث أصناف، وأعظمهم ضرراً قوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث احتساباً فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركوناً إليهم، ثم نهضت جهابذة... هناك أناس صالحون وضعوا أحاديث احتساباً يريدون أن يوجهوا الناس إلى الدين، قال: ثم نهضت جهابذة الحديث بكشف عوارها ومحو عارها والحمد لله. وفيما روينا عن الإمام أبي بكر الصمعاني أن بعض الكرامية ذهب إلى جواز وضع الحديث... هؤلاء الكرامية نسبة إلى محمد بن كرام وهو من أهل البدع. قال: ذهب بعض الكرامية إلى جواز وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب، وهذا أمر شنيع.
ثم إن الواضع ربما صنع كلاماً من عند نفسه ووضع له سَنداً فرواه، وربما أخذ كلاماً لبعض الحكماء أو غيرهم فوضعه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما غلط غالط فوققع في شبه الوضع من غير تعمد. أحياناً يكون الوضع سببه الغلط، يعني هذا الذي هذا الحديث الموضوع جاء عن رجل ليس بوضع لكنه كان غالطاً بسبب من الأسباب.
ثم مثل هنا قال: كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار». هذا قصته -لا أرى هل ذكرها بعد ذلك؟- قصته أنه دخل على شريك القاضي، وكان شريك يحدث الناس، وكان في دخوله على الشريك كان شريك قد ذكر السند، وقبل أن يذكر المتن رأى هذا الرجل داخلاً الذي هو ثابت بن موسى، فقال -ورأى بياض وجهه أو حسن وجهه- «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» يقصد هذا الرجل. فظن هو الداخل أن هذا هو الحديث لذلك السند. أظنه ذكر هذا هنا، قال: رواه ابن ماجه، لم يذكر، قد أشبع الحافظ العراقي الكلام عليه فراجعه. راجع معلق.
فهذا ركب سَنداً على متن ليس حديثاً، فهو شبه الوضع لكن من غير تعمد. قال: مثال روينا عن أبي عصمة وهو نوح بن أبي مريم، أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ هذا أبو عصمة نوح هذا يروي عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل القرآن في كل سورة فضلاً من الفضائل. فالناس تعجبوا: كيف أبو عصمة يروي في كل سورة فضلاً من الفضائل ولا يتابعه فيها أحد عن عكرمة؟ يعني كيف اجتمع له هذا دون أن يرويه أحد إلا هو؟ فقال: إني رايت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبة. وهذا كما ذكر سابقا أنهم ناس أهل ديانة لكنهم وضعوا الأحاديث احتساباً من جهلهم.
وهكذا حال الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل القرآن سورة سورة؛ بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه. هذا حديث آخر، حديث أبي بن كعب، وهو مروي في بعض كتب التفسير للأسف، وهو حديث موضوع بلا شك؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع هذا الفضل كله في كل السور دفعة واحدة ولا يرويه أحد إلا هذا السند. قال: وإن أثر الوضع لبين عليه. ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم، أو تفاسيرهم نعم أخطأوا في أن أودعوا هذه الأحاديث في تفاسيرهم. والله سبحانه وتعالى أعلم.
النوع الثاني والعشرون: معرفة المقلوب. هو نحو حديث مشهور عن سالم جعل عن نافع، ليصير بذلك غريبا مرغوباً فيه. هذا الكلام -يعني نوع من المقلوب، وجيد أذكره لكم بشكل...- مما ذكره المؤلف يقول: هناك حديث مشهور عن سالم عن ابن عمر تمام، فالحديث أكثر الناس يروونه عن سالم، ولا أحد يرويه عن نافع، فيأتي واحد ويجعله عن نافع عن ابن عمر، فنعرف بذلك أن هذا انقلب عليه.
يعني مثلاً الزهري عن سالم عن ابن عمر، وجماعة مع الزهري يرونه عن سالم عن ابن عمر، ومالك يرويها عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، فيأتي واحد ويرويه عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فيكون بذلك قد أخطأ، فانقلب عليه السند بدل سند سالم ذهب إلى سند نافع.
نعم، وأحياناً يكون القلب مقصوداً، أو إما يكون خطأ مثل هذا الذي يخطئ، أو قد يكون قصداً ويكون كأنه الموضوع؛ نجد عالماً مثلاً أو حافظاً متفرداً بحديث -يعني مثلاً يكون عندنا شعبة، يتفرد عنه شبابة، شبابة عن شعبة عن مثلاً قتادة عن أنس، ونعرف أن هذا الحديث تفرد به شبابة، فيأتينا شخص آخر ويرويه...- يعني كل الناس يروونها عن شبابة، فيأتي واحد آخر ويروي نفس الحديث عن آدم بن أبي إياس عن شعبة، فنقول له: لا هذا قلب. فقد يكون قاصداً، فإن كان قاصداً صار هذا يعني رداً لهذا الرجل وتضعيفاً له.
القلب كثير من الناس يظن أن المقصود بالقلب هو أن تقلب الجملة أو تقلب السند فتقدم وتؤخر، وهذا نوع من القلب، لكن ليس هو المقصود عند الأئمة. المقصود الأكثر عند الأئمة هو إبدال إسناد مكان إسناد أو رجل مكان رجل كما سياتي. وكذلك ما روينا ما روينا أن البخاري قدم بغداد رضي الله عنه، فاجتمع قبل مجلسه قوم من أصحاب حديث، وعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر -هذا هو القلب- وإسناده هذا المتن لمتن آخر، هذا نوع من القلب وهو كثير.
ماذا قالوا؟ وأسنادوا هذا المتن لمتن آخر، ثم حضروا مجلسه وألقوها عليه، فلما فرغوا من القاء تلك الأحاديث المقلوبة، التفت إليهم فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، فأذعنوا له بالحفظ.
نعم، ومن أمثلته -ويصلح مثالاً للمعلسل- ما رويناه عن إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني». قال إسحاق بن عيسى: فاتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث، فقال: وهم أبو النضر! أين أبو النضر؟ فهل هو جرير يقال له أبو النضر؟ قال: وهم أبو النضر، إنما كنا جميعاً في مجلس ثابت البناني، وحجاج بن أبي عثمان معنا، فحدثنا حجاج الصواف -اللي هو حجاج بن أبي عثمان- عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني». فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس، أبو النضر هو جرير بن حازم. والله أعلم.
إذاً هذا صورة من صور القلب. وقوله «مثال للمعلسل» يصلح نعم؛ لأن المعلل يدخل فيه كثير من الصور. أو المعلل -ما هي الصورة التي حصلت؟- إسحاق الطباع هذا روى عن جرير بن حازم حديثاً عن ثابت عن أنس «إذا أقيمت الصلاة» وكان يعني جرير كان متفردا به عن ثابت، لم يروه عن ثابت غير جرير، فكانوا يتعجبون، قال: فاتيت إسحاق -إسحاق يقول- فاتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث -يعني هل سمعه من ثابت؟- فقال: وهم أبو النضر، إنما كنا جميعاً في مجلس ثابت البناني، يعني ثابت الذي هو أمامهم وهو شيخهم، يتحدثون وثابت يحدثهم أحياناً، قال: وحجاج بن أبي عثمان الصواف معنا، فحدثنا حجاج الصواف -حجاج في مقام حماد وغيره- فحدثهم لأنهم كانوا يتحدثون، فمرة يحدث الشيخ وأحيانا يحدث التلاميذ ببعض ما سمعوه- حجاج الصواف يحدث عن يحيى بن أبي كثير عن...
عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قامت الصلاة... نفس الحديث يعني أن جرير بن حازم لأنه كان في مجلس ثابت، والحديث كله لثابت أكثره لثابت لأنه شيخهم.
لما سمع حديث حجاج الصواف هذا ظن أنه عن ثابت وبينه حماد بن زيد، وهذا نوع من القلب، لاحظوا قلب إسناداً كاملاً عن ثابت عن أنس، يعني كان الإسناد عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، فجعله بدلاً من ذلك عن ثابت عن أنس.
والدليل على الخطأ واضح جداً: أولاً تفرد جرير بن حازم عن ثابت، الأمر الثاني أن هناك حديثاً مشهوراً عن حجاج الصواف وعن يحيى بن أبي كثير وسنده أطول، يعني ثابت عن أنس، ثابت ليس بينه وبين رسول الله إلا أنس، ويحيى بن أبي كثير بينه وبين النبي اثنان عبد الله بن أبي قتادة وأبوه أبو قتادة، ومع ذلك يعني اشتهر عن يحيى ولم يشتهر عن ثابت مما يدل على خطأ من رواه عن ثابت، لأن السند القصير هذا يرغب أهل الحديث فيه، فلما يكون السند القصير ليس مشتهراً بل في متفرد به شخص، والسند الطويل قد رواه غير واحد عن صاحبه، يدلنا هذا على أن السند الطويل يعني النازل هو الصواب لأنه غير مرغوب فيه وهذا الناس أرغب فيه من الأخير.
إن شاء الله يكون هذا المعنى الذي ذكرته واضحاً لكم، هذا نوع من القلب.
قال فصل: قد وفينا بما سبق الوعد بشرحه من الأنواع الضعيفة والحمد لله، فلننبه الآن على أمور مهمة:
أحدها: إذا رأيت حديثاً بإسناد ضعيف فلك أن تقول: هذا حديث ضعيف، وتعني أنه بذلك الإسناد ضعيف، وليس لك أن تقول: هذا ضعيف وتعني به ضعف متن الحديث بناءً على مجرد ضعف في ذلك الإسناد، فقد يكون مروياً بإسناد آخر صحيح يثبت بمثله الحديث، بل يتوقف جواز ذلك على حكم إمام من أئمة الحديث بأنه لم يرو بإسناد يثبت به أو بأنه حديث ضعيف أو نحو ذلك مفسراً وجه القدح فيه، فإن أطلق ولم يفسر ففيه كلام يأتي إن شاء الله فاعلم ذلك، فإنه مما يغلط فيه والله أعلم.
ما معنى هذا الكلام؟ هو يقول: أحياناً ممكن ترى حديثاً بإسناد ضعيف، فهل لك أنت أيها الباحث مثل ابن الصلاح وأمثاله، هل لك أن تقول: هذا حديث ضعيف وتعمم، أو تقول: هذا إسناد ضعيف؟ يقول: يجوز لك أن تقول: هذا إسناد ضعيف، أو هذا ضعيف وتقصد به الإسناد، ولا يجوز لك أن تقول: هذا ضعيف أو حديث ضعيف وتقصد به المتن، لماذا؟ لأنه قد يكون هذا الحديث الضعيف الذي رأيت إسناده ضعيفاً قد يكون مروياً بإسناد آخر صحيح.
وهذا بناءً على أن الشخص يعني لم يتحرى ولم يعني يبحث، لكن بعد البحث إذا كان عنده آلة البحث ومعرفة بالحديث واستقصى ولم يجد في الكتب المشهورة غير هذا الإسناد، أو وجد دلائل على التفرد به، فهنا يجوز له أن يقول: هذا حديث ضعيف.
نعم وقفنا، قال: بل يتوقف جواز ذلك على حكم إمام -يعني كأنهم قصروا الموضوع على الأئمة الذين يدركون الطرق- بأنه لم يرو بإسناد يثبت به، فيكون نحن مقلدون لهذا الإمام، أو بأن هذا الإمام قال: حديث ضعيف أو نحو هذا، ثم قال: مفسراً وجه القدح فيه، يعني الإمام لما يقول: هذا حديث منكر أو هذا حديث ضعيف، لابد أن يفسر، فإن لم يفسر وأطلق ولم يفسر ففيه كلام يأتي، هو هنا يحترز -للأسف أنا ما أخذت الفأرة التي عندي عشان أظلل فيكون التظليل صعب- هو يحترز هنا من أن بعض الناس قد يرى أقوالاً للأئمة في العلل يضعفون أحاديث ويقصدون بذلك الأسانيد لا المتون، ويكون المتن مروياً بسند آخر، فأحياناً إذا أطلق الأئمة خصوصاً في كتب العلل فهذا يحتاج إلى أن تتحرى هل مقصودهم المتن أو السند؟ لكن إذا أطلقوا ذلك في كتب الأحكام كالترمذي مثلاً أو غيره من كتب الأحكام أو يتكلمون عن الحكم فيقول: هذا حديث ضعيف أو لا يثبت هذا المعنى لأن هذا الحديث الذي فيه كذا وكذا، فهذا حتى لو لم يفسر هو مقبول، أو إذا قال بأن هذا حديث منكر ونحن نعلم أنه لا يروى به إلا بهذا الإسناد، فيكفي قولهم ذلك.
نعم، فقوله: ففيه كلام يأتي، ربما قُصد به ما ذكرته هنا قال إن شاء الله.
رقم أربعة، ماذا قال في رقم أربعة؟ في النوع الثالث سياتينا قريبا.
الثاني: يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام ببيان ضعفها، فيما سوى صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما، وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب، وسائر ما لا تعلق له بالأحكام -يقول: والعقائد ليس في الأحكام ولا في العقائد- يجوز رواية هذه الأحاديث دون بيان حكمها، يعني يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أو روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، لكن فيما لا فيه حكم ولا عقيدة ولا صفات رب العالمين، وممن روينا عنه التنصيص على التساهل في ذلك عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل، نعم كلامهم مشهور، إذا روينا في الأحكام شددنا، وإذا روينا في الترغيب والترهيب تساهلنا بنحو هذا المعنى، طبعا للعلماء تفاصيل أو تفصيل كثير في هذا.
وينبغي على العالم إذا روى حديثاً ضعيفاً في الترغيب والترهيب أو غيره مما له اصل وليس منكراً أن يقول: روي، ولا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثالث: إذا أردت رواية الحديث الضعيف بغير إسناد فلا تقل فيه: قال -ما شاء الله جاء به- فلا تقل فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا وما أشبه هذا من الألفاظ الجازمة بأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك، وإنما تقول فيه: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو بلغنا عنه كذا وكذا، أو ورد عنه كذا وكذا، أو جاء عنه، أو روى بعضهم، وما أشبه ذلك مما يوحي بأنه لا جزم فيه.
نعم، وهكذا الحكم فيما تشك في صحته وضعفه، وإنما تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ظهر لك صحته بالطريقة التي أوضحناها أولاً، يعني بالاستقصاء حيث تعرف أن هذا الحديث صحيح لا إشكال فيه.
النوع الثالث والعشرون: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد روايته. هل هناك سؤال فيما تقدم أيها الأحبه؟ دعني أكبر هذه حتى أراها، أحد منكم عنده سؤال استشكال فيما مضى أو مفهوم؟ يبدو أنه مفهوم إن شاء الله.
طيب نرجع إلى كتاب المصطلح، نكمل قليلًا النوع الثالث هذا والعشرون ثم نتوقف إن شاء الله، الآن جاءت أسئلة خليني أشوف الأسئلة هل هناك سؤال أو مجرد كلام، جزاك الله خير مفهوم الحمد لله.
طيب النوع الثالث والعشرون: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد روايته وما يتعلق بذلك من قدح وجرح وتوثيق وتعديل.
قال اجمع جماهير أئمة الحديث والفقه أنه يشترط في من يحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه، وتفصيله أن يكون مسلما بالغاً عاقلاً، فالمسلم غير المسلم ليس بعدل، وهكذا غير البالغ عند الأداء ليس بعدل، وهكذا غير العاقل ليس بعدل.
قال: سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة أيضاً، الفاسق ليس بعدل، ومخروم المروءة ليس بعدل، مع أن مخروم المروءة لم يرتكب ما يسقط عدالته لكن هذا من باب الاحتياط.
ما معنى خوارم المروءة؟ أن يفعل فعلاً يستنكره الناس، ليس ماشياً على عادة الناس التي جرت بينهم وهم يتحرجون أو يتحرزون من أن تمس أعراضهم بذلك الفعل، مثلاً لو قلنا نحن في الخليج عندنا المجالس الرسمية عادة يأتي لها الناس وهم قد لبسوا ثيابهم الرسمية كالثوب والغترة، فإذا جاء واحد من هؤلاء من أهل البلد أو المعتادين على ذلك العارفين به، وإذا لم يهتم بهذه المجالس وجاء لابساً لبساً قصيراً يبدي الفخذ مثلاً أو الركبة في مجلس كهذا أو صار يفعل أفعالاً يأنف عنها أهل العدالة، فهذا صحيح أنه لم يرتكب مفسقاً، لكنه لما لم يراعي نظر الناس ولم يتحامى على عرضه -لأن المسلم مطلوب منه أن يصون عرضه كما تعلمون في الحديث المشهور حديث نعمان بن بشير الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه- فأحياناً الشبهة تكون ليست شبهة عندك، هي عندك من ضمن الحلال، لكنها في نظر الناس الآخرين شبهة، وإذا فعلت هذا ربما يتكلم الناس فيك أيها البعيد، فعليك أن تصون عرضك وتترك هذا لله سبحانه وتعالى، ولذلك قال: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه».
طبعاً أكثر أهل العلم يقول: اتقى الشبهات عنده لا عند غيره، لكن يستحسن أيضاً ترك ما يشتبه عند غيره وذلك صيانة لعرضه، وصيانة العرض هناك حديث فيه في هذا المعنى وهو من الكليات الخمس المشهورة، فهذا الذي يخرم مروءته أو يرتكب ما يخرم المروءة لا يصون عرضه، فاذا كان نظر الناس اليه وعدم صيانة عرضه ليس مهمأ عنده فهذا يجرؤ على الكذب، هم لماذا ردوا روايته؟ لأن من يفعل ذلك لا يؤمن أن يكذب في حديثه، ولذلك قال: سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
وذاك الصاحب ابن عاصم صاحب الألفية في الأصول يقول: والعدل من يجتنب الكبائر ويتقي في الغالب الصغائر وما يرى وهو في العيان يخدش في مروءة الإنسان أو نحو هذا المعنى نسيت عهدي بها قديم، المهم متيقظاً غير مغفل حافظاً، أيضاً من الشروط أن يكون متيقظاً غير مغفل، لأن المغفل قد يخطئ لأنه ليس بضابط، حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطاً لكتابه إن حدث من كتابه، إذا كان ليس حافظاً لكنه لا يحدث إلا من كتابه ويضبط كتابه فهذا مقبول، واما إن كان يحدث من حفظه فلا بد أن يكون حافظاً متيقظاً غير مغفل، هذا لأن المغفل قد يخدع فيدخل في كتابه ما لا يعرفه أو نحو هذا، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالماً بما يحيل المعاني والله أعلم.
نعم، إذا كان نعرفه أنه يحدث بالمعنى فينبغي أن نتحرز في روايته إذا جاءت بالمعنى.
ونوضح هذه الجملة بمسايل: إحداها: عدالة الراوي تارة تثبت... لما قال عدالة الراوي هنا الآن يريد كيف نثبت عدالة الراوي بأي شيء؟ قال: عدالة الراوي تارة تثبت بتنصيص معدلين على عدالته، يعني أن يأتي من أهل الثقة من أئمة الإامامة من يعدله، يقول هذا ثقة أو هذا عدل، وتارة تثبت بالاستفاضة.
الاستفاضة يعني مشهور عن هذا الرجل أنه من الناس العدول وإن لم ينص أحد على ذلك، فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، استغني فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصاً، يعني ما دام أنه اشتهر بالثناء عليه ولم يقدح فيه فهذا اشتهر بين الناس بعدالته، لكن هذا سبحان الله من اشتهر بين الناس لابد أن تجد من الأئمة من يقول فيه هو ثقة أو عدل، لأن الناس احتاجوا إلى الرواية فاضطروا إلى أن ينصوا على العدالة، فإذا كان مشهوراً بالعدالة فمن باب أولى أن ينص على عدالته ناص، قال: هذا هو الصحيح في مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه الذي هو ما تقدم من عدالة التنصيص على العدالة ومن الاشتهار فيما أظن، وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ، ومثل ذلك بمالك وشعبه والسفيانين والأوزاعي والليث، هؤلاء يعني تعديلهم مشهور جداً، لكنهم أئمة أهل كتب حتى لو لم يذكر أحد عدالتهم الناس متبعون لهم يفخرون بالروايه عنهم وبحضور مجالسهم، ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم، وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره على الطالبين.
وتوسع ابن عبد البر الحافظ في هذا فقال -اسمعوا كلام ابن عبد البر وهو كلام جيد لكن الإمام الحافظ ابن الصلاح كأنه يرى أن هذا التوسع أن هذا من باب التوسع-.
دعني أرى ما هي الأسئلة التي هنا، يقول هنا اللهم صل أحد الشباب -والله ما أدري من هو- لكن يقول: مع بعض الفقهاء تحدثنا عن شرط أن لا يكون مخروماً فقال لي الغريب أن الفقهاء الحنابله أثبتوه تبعا لاشتراطه في الروايه واهل المصطلح يذكرونه والائمه من المتقدمين لا يلتفتون اليه، الحنابله أثبتوه من شروط الشهود، كيف لا يلتفتون إليه؟ لا يلتفتون إليه، لكن ليس هناك تصريح، كما أن العدالة عند الأئمة تعريفها ليس موجوداً، الذي عرفها أهل المصطلح وبعض أهل الأصول، وهناك شواهد من أفعال الأئمة على أن خرم المروءة هذا غير مقبول، ويحتاج منا إلى الرجوع وإثبات هذه الشواهد، على كل حال الذي عندنا الآن كلام.
إمام من الأئمة وغيره، يعني أكثر الناس يثبتون هذا. وأنا ذكرت لكم التعليل أن مخروم المروءة إذا لم يهتم بما يخدش مروءته، فلم يهتم بعرضه، فهو يعني لا يؤمن أن يكذب في الحديث. طيب، توسع ابن عبد البر الحافظ في هذا، فقال: كل حامل علم معروف العناية به.
كل حامل علم معروف العناية به، فهو عدل محمول في أمره أبداً على العدالة حتى يتبين جرحه. وهذا الكلام ممتاز جداً، وليس به توسع، كما قال ابن الصلاح، لقوله صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله». طبعا هذا الحديث فيه خلاف في هل هو الصواب فيه الإرسال أو الاتصال؟ قال: وفيما قاله اتساع غير ماذا، غير ايش، أين، غير مرضي، والله أعلم. أنا والله في الحقيقة أرى أن اتساعه هذا أو قوله له هذا مرضي، لما يقول كل حامل علم معروف العناية به، يعني إذا وجدنا شخصاً معروف العناية بالعلم، ما معنى معروف العناية بالعلم؟ يعني يذهب ويطلبه عند أهله، فروى عن هذا، وروى عن هذا، وأخذ عن هذا، وأخذ عن هذا، فهو مشهور بالطلب، فلا بد أن يماس الناس ويحتك بهم، ويعرفونه بالعلم.
فليس من المعقول أن هذا الرجل الذي عرفه الناس بالعلم وروى عن هذا، وروياته كثيرة، ويروون عنه، ليس من المعقول، أو من المعقول عادةً، أن هذا الرجل يكون غير عدل ويسكت عنه. ولذلك قال: كل حامل علم معروف العناية به، فهو عدل محمول في أمره أبداً على العدالة حتى يتبين جرحه. يعني إذا وجدنا من جرحه، نعم، لكن الأصل أنه عدل مادام أنه معروف العناية بالعلم. نعم، لا أدري لما قال ابن الصلاح: وهو اتساع غير مرضي، لا أدري هنا في تعاليق على هذا الباب أو ماذاك في الأسفل.
لما قال، آه، جاء في الحديث، هذا الحديث مروي من عدة طرق، يبدو أنهم يخرجون هذا الحديث. نعم، نعم، هذا تخريج للحديث، ولكن ليس يهمنا هذا التخريج، وإنما يهمنا كلام ابن الصلاح لما قال: غير مرضي، قال: وافقه عليه ابن المواق في كتابه بغية النقاد، وقال المزي: قال ابن عبد البر: هو في زماننا مرضي بل ربما يتعين. وقال ابن سيد الناس: لست أرى ما قاله أبو عمر إلا مرضياً. وقال ابن الجزري: إنه الصواب. على أن ابن الوزير أفاض في تأييد ابن عبد البر في بحث طويل نفيس في كتابه. جميل، يعني هناك من نصر كلام ابن عبد البر، ولا يمكن، يعني لا يمكن عادةً، يبعد عادةً أن يكون شخص معروف بالطلب، منتشر الرواية ويسكت عنه، وهو غير مرضي أو غير عدل، مستحيل مستحيل عادًة عقلاً معقول، لكن من حيث العادة، وتعرفون الحديث جاري على العادة.
لا أدري، هل أأكمل؟ نشوف ايش اللي بقية الثانية، ثم بعد ذلك ثالثة، ثم يلا نمر عليها بشكل سريع، بعد باقي عندنا ربع ساعة.
الثانية: يعرف كون الراوي ضابطاً بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقةً ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقةً لها في الأغلب والمخالفة نادراً، عرفنا حينئذٍ كونه ضابطاً ثبتاً. وإن وجدناه كثير المخالفة لهم، عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه، والله أعلم. هذا الكلام صحيح، لكن لا بد أن تعرفوا أن الرواة صنفان؛ منهم من يُعرف، بس هذا يُسمى السبر، بسبر الروايات وبالمجالسة، لأن المجالسة يعني يُعرف بها هل الراوي ضابط أو لا، لأنهم يسألونه ويعرفون ما قال غيره، فهم يسبرون رواياته بالمباشرة تماماً.
وقد يسبرون رواياته وهم لا يعرفونه، فيكون راوٍ عنده أحاديث كثيرة، لكنه عند بلد ولا يعرفه يحيى بن معين، فيسبر رواياته التي بلغته، فإذا رَآه موافقاً للأكثر، أو موافقاً في أكثر ما رواه، اعتبر من الضابط. نعم، واما من لا يُعرف إلا بروايات قليلة رواية أو روايتين، فهذا السبر لرواياته إذا وافقت روايات غيره أو لم توافق، إذا وافقت بالذات، هذا سبر ليس مقنعاً، ولذلك نجد هناك بعض الرواة الذين لم يرووا إلا حديثاً واحداً من غير المعروفين، فنجد من الأئمة من يوثقهم، وهذه مسألة دقيقة وتحتاج منا إلى الكلام عن المجهول. ما معنى المجهول؟ لأنه حصل فيه يعني لبس كثير في هذا الزمان أو عند المتأخرين، إذا جاء وقت الكلام عن المجهول إن شاء الله أبينهم.
طيب، الثالثة: التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور، لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها. يعني إذا قال ثقة، أو قال ضابط، أو قال حافظ حفظ، طبعا التعديل بألفاظ معينة، فإن ذلك يحوج المعدل، يعني الأسباب الكثيرة، يحوج المعدل أن يقول: لم يفعل كذا، ولم يرتكب كذا، لأنه وبذلك يكون عدلاً، فعل كذا وكذا، فيعدد جميع ما يفسق به بفعله أو بتركه، وذلك شاق جداً. نعم.
وأما الجرح، أرى هناك اسئله أعود إليها في نهاية الدرس إن شاء الله، دقيقه واحدة معي.
قال: وأما الجرح فإنه لا يُقبل إلا مفسراً مبين السبب، لأن الناس يختلفون فيما يجرح به وما لا يجرح به، فيطلق أحدهم الجرح بناءً على أمر اعتقده جرحاً وليس بجرح في نفس الأمر. طبعا هذا عند الخلاف حقيقًة، أو عند الشك في هذا الجرح، فلا بد من بيان سببه لينظر فيه: أهو جرح أم لا؟ وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله. هذا ليس الذي عليه أهل الحديث، الذي عليه أهل الحديث أن الجرح أيضاً مقبول، وعادة الجرح يكون جرحاً للضبط أو جرحاً للعدالة. فإن كان، يعني، التبس علينا هل هو جرح؟ لما يقول: فلان ضعيف الحديث، هذا جرح واضح أنه يقصد به الضبط مثلاً، أو فلان متروك، أو فلان، إما متروك بسبب عدالته أو متروك بسبب ضبطه، فهذا مقبول عند الأئمة بدون أن يحتاج من الإمام إلى أن يقول: لأجل كذا أو كذا. لكن لو حصل خلاف فوقثقه ناس وجرحه آخرون، هنا يحتاج منا إلى البحث في هذا الجرح: هل هو جرح مقبول أم لا؟ وليس بالضرورة أن يكون مبين السبب.
وذكر الخطيب الحافظ أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده، مثل البخاري ومسلم وغيرهما. ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم، كعكرمة مولى بن عباس، وكإسماعيل بن أبي أويس. لا، هؤلاء تبين أن جرحهم حقيقًة، هؤلاء تبين أن جرحهم ليس جرحاً، يعني، ليس جرحاً دقيقاً. يعني عكرمة لما يقول فيه سعيد بن المسيب أنه كذاب، لم يقصد الكذب أو تحامل عليه أو قال لشخص: لا تكذب عليه كما كذب عكرمة على ابن عباس، لأن الأئمة متفقون على جلالته وعلى ثقته، ويكفي اتفاق الأئمة على ذلك، فيكون ذلك الجارح قد شذ في جرحه. وأما إسماعيل بن أبي أويس فهناك من جرحه، نعم، وبعضهم جرحه بجرح مفسر، ومع ذلك احتج به البخاري، لأن البخاري لم يقنع بذلك الجرح لسبب، أو رأى أنه قديم في أواني شبابه. وأيضاً البخاري كان ينتقي من أحاديثه، وإسماعيل بن أبي أويس، كما تعلمون، يروي عن مالك، وأحاديث مالك منتشره وهي روايته للحديث، مالك عن إسماعيل ليس بدعاً من القول، لأنه قد رواه غير إسماعيل: وعاصم بن علي، وعمر بن مرزوق وغيرهم. كل هؤلاء حصل فيهم كلام، لكن هناك تجاذب.
وأما أن نطلق قاعدة هكذا أنه لا يُقبل جرح إلا مفسر السبب، فهذا ما أظنه يتوافق مع ما جرى عليه عمل النقاد. قال: واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم، وهكذا فعل أبو داود. سويد بن سعيد لم يُجرح، يعني، في دينه، وإنما تُكلم عليه في بعض الأحاديث التي تفرد بها، وسار نزاع بين الأئمة: هل هذه الأحاديث توبع عليها؟ من قال: ليس سعيد بن سويد هو السبب فيها. المهم أن مسلم لما أخرج لسعيد بن سويد لأجل علو الإسناد، هو يرى أنه فيه ضعف، لكن لأجل علو إسناده روى عنه، وإسناده وحديثه موجود مستقر عند الناس.
يعني هذا الكلام كله أقوله لأن هذه القاعدة أنه لا يُقبل جرح إلا مفسر السبب، هذه القاعدة ليست مطردة ولا يمكن قبولها هكذا باطلاق. وهكذا فعل أبو داود السجستاني، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه. هذا في نظر شرح، لأنهم هم علموا أن ذلك الجرح غير قادح، أو اطلعوا على ثقة الرجل، لأن مسلماً رأى سويد بن سعيد، وأبا داود رأى غيره من الناس، ويعلمون ثقته، فترجح عنده ما رآه هو، لا أنه لأجل أن ذلك الجرح ليس مفسر السبب. بل إن البخاري أخرج عن ناس جرحهم مفسر السبب، ومع ذلك لم يقنع بذلك الجرح لا لأنه ليس مفسر السبب.
نعم، ومذاهب النقاد للرجال غامضة مختلفة. هنا يقول: مذاهب النقاد للرجال غامضة مختلفة، يعني عجيب هذا، جزاه الله خيراً ابن الصلاح، حاول أن يشخص مذاهب النقاد بهذا الكلام الذي ذكره. وعقد الخطيب باباً في بعض أخبار من استفسر في جرحه، هنا، هذه، هذا الباب الذي ذكره الخطيب أو الناس الذين جرحوا، هذا في جروح غريبه عجيبة، يعني وهي أفراد. واما أن نلغي جرح النقاد الكبار المعروفين بالنقد بهذه القاعدة، فهذا ما يحتاج إلى نظر. ولذلك قال: عقد الخطيب باباً في بعض أخبار من استفسر في جرحه، فذكر ما لا يصلح جارحاً، منهم شعبة؛ عن شعبة أنه قيل له: لما تركت حديث فلان؟ فقال: رايته يركض على أبذون فتركت حديثه. شو هذا؟ قد يذهب في، يعني، في خرم المروءة، يعني كأن شعبة رأى أن هذا خارم لمروءته. ومنها عن مسلم بن إبراهيم المكي أنه سئل عن حديث لصالح المري، هذا من الجماعة لكن للأسف ضعيف، فقال: ما يصنع بصالح؟ ذكروه يوماً عند حماد بن سلمة فامتخط حماد! والله أعلم، يعني أن هذا امتخاط حماد ليس بجرح، بل إنه معروف الجرح الرجل، فلما امتخط حماد كأن يقول: اتركوه. هذا، يعني، أعزكم الله، وهو والمخاط سيان، استغفر الله العظيم، وإن كان رجلاً صالحاً، لكن عنده غرائب وعجائب.
قلت: ولقائل أن يقول إنما يعتمد الناس في جرح الرواه ورد حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث بالجرح أو في الجرح والتعديل، وقلَّ ما يتعرضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم: فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء ونحو ذلك، أو هذا حديث ضعيف، وهذا حديث غير ثابت ونحو ذلك. فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب، ويفضي إلى سد باب الجرح في الأغلب الأكثر.
وجوابه -الان سيجيب على هذا الاشكال-: أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك بناءً على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف. الثمرة واحدة، يعني يقول: نحن صحيح أن هذا الجرح الذي ورد، وقولنا: لا نقبله إلا مفسر السبب، نحن لا نفعل ذلك، وإنما نتوقف في مثل هذا الجرح. طيب، التوقف ما معناه؟ أنت لا تقبل حديثه إلا إذا زالت الريبة، فكأنك اعتمدته. ثم من انزاحت عنه الريبة منهم ببحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته، قبلنا حديثه ولم نتوقف، كالذين احتج بهم صاحب الصحيحين وغيرهما. طيب، صاحب الصحيحين إخراجهما لحديث رجل توثيق له، فإذا وجدنا من ضعفه، فنوازن بين هذا وهذا، وقد نقدم الصحيحين في إخراجهما لحديث الرجل، وقد نقول بأنها أنتقيا من حديثه، ويبقى هذا الجرح له محله من النظر ولا نلغيه.
وغير صاحب الصحيح وغيرهما ممن مسهم مثل هذا، وغيرهما كالذين احتج بهم صاحب الصحيح وغيرهما، واحتج غير صاحب الصحيح بهم ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم، فافهم ذلك فانه مخلص حسن أو مخرج حسن، والله أعلم. يعني هو رأى أن هناك إشكالاً على القول السابق، أنا أعطيك إشكالاً آخر ينبغي على اعتماد هذه القاعدة التي ذكرها ابن الصلاح عن الخطيب، أننا إذا وجدنا جرحاً غير مفسر وتوثيقاً غير مفسر، نقدم التوثيق مطلقاً، وهذا ليس هو ما جرى عليه العمل. صحيح أنه يفعله كثير من المتأخرين، يقول: الجرح غير مفسر، ولذلك نقدم التوثيق، بينما أحياناً نجد الجرح من جماعة من النقاد كبار، والتوثيق من آخر ربما أقل منهم شأناً، فتجد المتأخر يقدم التوثيق لأجل هذه القاعدة. والحقيقة أن المسألة تحتاج في كل شخص يُذكر فيه ذلك أن يُنظر في الجرح وينظر في التعديل ويوازن بينهما. نعم.
الرابعة: اختلفوا في أنه هل يثبت الجرح والتعديل بقول واحد أو لابد من اثنين؟ فمنهم من قال: لا يثبت ذلك إلا باثنين كما في الجرح والتعديل في الشهادات. ومنهم من قال -وهو الصحيح الذي اختاره أبو بكر الخطيب الحافظ أبو بكر وغيره-: إنه يثبت بواحد، لأن العدد لم يُشترط في قبول الخبر، فلم يُشترط في جرح راويه وتعديله بخلاف الشهادات، والله أعلم. هذا الكلام صحيح، يعني لا يُشترط فيه واحد.
شوف ايش اللي بقي، ما شاء الله كثير، نتوقف عند الخامسة ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم، هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
د. سعيد المري