الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فهذا هو الدرس السابع من دروس مقدمة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث. كنا توقفنا عند كلام شعبة بن الحجاج، الذي وصفه ابن الصلاح بقوله: وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير.
قال: ثم اختلفوا في قبول رواية من عرف بهذا التدليس، الذي هو تدليس الإسناد أو كلاهماربا، فجعل فريق من أهل الحديثوالفقهاء مجروحا بذلك، يعني من دلس تدليس الإسناد هو مجروح بذلك، يقوله بعض أهل الحديث والفقهاء، وقالوا: لا تقبل روايته بحال، بين السماع أو لم يبين. وهذا القول، يعني قول شاذ جدا؛ لأن هناك جماعة من المدلسين الكبار وأحاديثهم متفق على الاحتجاج بها إذا صرحوا بالسماع.
أما هذا الفريق الذي نسب إليه القول ابن الصلاح، أظنه يعني فريق نسب إليه القول الخطيب قبله، لكن يبدو أنهم يعني قلة قليلة متشددون في هذا الصدد.
قال: والصحيح التفصيل، وأن ما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال، يعني لم يقل حدثنا ولم يقل سمعت، وإنما قال قال أو عن أو أن ونحوها من الألفاظ التي ليست صريحة في السماع، قال: حكمه حكم المرسل وأنواعه. يعني أنه غير مقبول، أنه ضعيف؛ لأن المرسل وأنواع الانقطاع كلها غير مقبول عند عامة أهل الحديث إلا بعض المراسيل بقرائن.
وما رواه بلفظ مبين للاتصال، يعني لفظ صريح نحو سمعت وحدثنا وأخبرنا وأشباهها، فهو مقبول محتج به إذا كان الرجل ثقة.
إذا قال: الصحيح التفصيل، إن صرح بالسماع قبلنا حديثه، وإن لم يصرح لم نقبل حديثه. طبعا هذا ليس في كل مدلس، لاحظوا أن هذا الحكم فيه تعميم نوعا ما، صحيح أن الحكم الأول أعم منه وأنه يمنع قبول رواية المدلس ولو صرح بالسماع، وهذا فيه شيء من التعميم وهو أن المدلسين مختلفين في المراتب، فمنهم من يقبل عنعنته لقله تدليسه.
وأما ما ذكره ابن الصلاح وكذا أهل المصطلح فهم يعني مقتفون في ذلك لكلام الشافعي رحمه الله عليه في الرسالة، وتبعه ابن حبان نظريا، فإنه قال: من دلس مرة فقد بين لنا عورتها، فلا يقبل منه إلا أن يصرح. والحقيقة أن التدليس قد يقع من أناس كثيرين ولم يوصفوا بالتدليس، لكن يكتشف منهم ذلك مع الوقت.
قال: وفي الصحيحين وغيرهما الذي عليه مذهب أهل الحديث أن المدلس إذا شهر بالتدليس، إذا كان مشهورا بالتدليس أكثر الناس يعرفون هذا عنه، فهنا لا نقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالسماع. يبقى معرفة من المشهور بالتدليس ومن غير المشهور بالتدليس، أو المقل من التدليس، أو المكثر من التدليس، وهذا تختلف فيه الأنظار، فقد يوجد راو يرى البخاري أن روايته مقبولة ولو عنعن كالأعمش مثلا، وإن كان يحتاج إلى دراسة، ويراه آخر لا يقبل من رواية الأعمش إلا ما صرح فيه بالسماع.
التاصيل عند المحدثين أن المشهور أو المكثر من التدليس هذا لابد فيه من تصريحه بالسمع، واما الذي تدريسه قليل أو نادر فهذا لا نلتفت إلى عنعنته، يعني لا نرد عنعنته بل نقبلها، إلا أن يكون هناك دليل آخر يدل على أنه دلس، هنا يعني الأصل في رواية المدلس المكثر المشهور من التدليس الرد؛ رد العنعنة إلا أن يصرح، والأصل في رواية المقل من التدليس أو غير المشهور بالتدليس القبول؛ قبول العنعنة إلا أن يأتي ما يدل على تدليسه، والأول الأصل الرد إلا أن يأتي ما يدل على أنه لم يدلس.
ويبقى التنزيل، هذا هو التاصيل، يبقى التنزيل على كل راون؛ هل هذا من المكثرين أو هذا من المقلين؟ وتختلف الأنظار في بعض الرواة.
وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من هذا الضرب كثير جدا، يعني من المدلسين الكثير كقتادة والأعمش والسفيانين؛ سفيان الثوري وسفيان بن عيينه مع أنهما مما احتمل تدليسهما، وهشيم وهشيم مكثر مشهور بالتدليس هشيم بن بشير ويقبل أحيانا عنعنته وغيرهم.
ثم قال: وهذا لأن التدليس ليس كذبا، هذا التفصيل الذي مضى أننا نقبل تصريحه بالسماع ولا نقبل عنعنته مع أننا عرفنا أنه مدلس، لماذا؟ قال: لأن التدليس ليس كذبا، وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل، يعني هو أوهم أنك أنه سمع أو أنه لقي بلفظ لفظ محتمل، فقال عنك أنه لم يكذب، وإذاك ولذلك ولذلك إذا أوقف المدلس عند ذكره للفظ المهم وسئل: هل سمعته؟ فإن كان سمعه قال: سمعته، وإن كان لم يسمعه قال: لا حدثني به فلان، فهو ليس من الكذب.
والحكم بأنه لا يقبل من المدلس حتى يبين قد أجراه الشافعي في من عرفناه دلس، نعم، شايفين هذا كلام الشافعي والله أعلم، لكن المحدثين وقد بين ذلك الإمام مسلم والإمام البخاري الذي هم عليه لابد أن يكون مشهورا بالتدليس معروفا به، وأما الذي تدليسه قليل فهذا يحتمل، تحتمل عنعنته.
وأما القسم الثاني فامره أخف وفيه تضييع للمروي عنه. القسم الثاني ما هو؟ الذي هو تجدليس الشيوخ، امره يعني من حيث النكارة أو الكراهية امره أخف، لكن ما مشكلته؟ مشكلته فيه تضييع للمروي عنه، الشخص الذي دلسوه بغير اسمه يعني غيروا اسمه لا نعرفه، يصبح مجهولا مع أنه معروف، ففيه تضييع للمروي عنه، هذا الشخص الذي روى عنه ضيعه، قد يكون ثقه، وقد يكون وفيه توعير لطريق معرفته على من يطلب الوقوف على حاله وأهليته، يعني هذا هو الأمر الذي فيه يعني يتعبنا حتى نعرف أن هذا فلان أو غير فلان. والأمثلة على هذا كثيرة، ويختلف الحال بكراهة ذلك بحسب الغرض الحامل عليه، نعم، أحيانا يكون الغرض يعني محتمل أو محتمل، وأحيانا يكون الغرض غير محتمل.
فقد يحمله على ذلك كون شيخه الذي غير سمته غير ثقة، إذا كان غير وصف شيخه لأنه غير ثقة هذا ليس جيدا، يعني هذا يكون فيه من الذم أكثر، أو كونه متأخر الوفاة قد شارك في السماع منه جماعه دونه، أو كونه أصغر سنا من الراوي عنه، أو كونه كثير الرواية عنه فلا يحب الإكثار من ذكره من ذكر شخص واحد على صورة واحدة.
يقول: قد يكون الغرض منه كونه متأخر الوفاة، يعني هو يروي عن شيخ والشيخ هذا تاخر في الوفاة، ما مات بدري بحيث شارك الراوي اناس أصغر منه سنا في الشيخ، قد شاركه في السماع منه جماعة دونه، فالثوري لما يروي عن راو، الراوي قد ادركه ناس متأخرون كابن المبارك ويعني صغار السن كقبيصة وهؤلا تلاميذه شاركوه في الرواية عنه، يكره ذكر اسمه أو يغير اسمه حتى لا يعلمون أنه هذا الراوي المتأخر.
نحن اي سهل أن نجده عند من هو دون، وبالتالي يكون المتأخرون الذين لم يدركوا الثوري سيدركونه بواسطة واحدة، وأما من طريق الثوري يدركونه بواسطتين. فمن ضمن الأسباب كونه متأخر الوفاة أدركه الصغار، أو كونه أصغر سنا من الراوي، قد يكون تلميذه، مرة الثوري روى عن ابن المبارك، ابن المبارك حدثه، وابن المبارك تلميذه فلما حدثه وجاء في مجلس آخر حدث الثوري عن ابن المبارك بدون أن يسميه، حدث بالحديث تدليسا يعني ذكر شيخ ابن المبارك الذي هو شيخ الثوري فجاء ابن المبارك، قال ابن مبارك: فجئت وهو يدلس الحديث عني، فقال لما راني: عنك أخذناه، عنك أخذناه، كان الثوري يعني يصعب عليه أن يحدث عن تلميذ أمام تلاميذه، فبالتالي يسهل عليهم أن يأخذوا من الواسطة مباشرة.
هل نقول: إن تدريس الشيوخ امره سهل؛ لأن مقصود المدلس غالبا؟ نعم، هذا الذي ذكرناه الان هو هذه الأسباب في الغالب أن تكون الأسباب هي هذه، يكون متأخر الوفاة أو كونه أصغر سنا، أو كونه كثير الرواية عنه فيريد أن يشكل. يعني بعض الناس ما عنده إلا شيخين أو شيخ واحد، فاذا كان كل مره حدثنا فلان حدثنا فلان يعني يصبح كأنه لم يرحل وأنه لم يسمع من كثير من المشايخ، فلا يحب الإكثار من ذكر الشيخ على صورة واحدة فيغير الاسم.
قال: وتسمح بذلك جماعة من الرواة المصنفين، منهم الخطيب البغدادي أبو بكر الخطيب المصنف في علوم الحديث والمتكلم عن التدليس، قال: فقد كان لهجا به في تصانيفه، لهجا بتدليس الشيوخ. وهذا قوله كان لهجا به يحتاج، والله أنا استكبر أن يكون الخطيب لهجا به بهذه الطريقة، نعم قد يكون في بعض المرات يذكر اسما غير معروف عند الناس، فهذا يكون نعم تعمد تدليس الشيوخ، لكن في كثير من الأمرار هو وغيره كالبخاري وأحمد بن حنبل وغيرهم من المشايخ يغيرون اسم المشايخ لا قصدا للتدليس، وإنما تعريفا، فمره يقول: حدثنا عبد الملك، ومره يقول: أبو عامر العقدي، ومره يقول: فلان؛ لأنه هذا اسمه حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا أبو نعيم، هو مشهور باللفظ وبالكنية ومشهور بالاسم. إذا كان الشيخ الذي غير اسمه مشهورا بذلك الاسم فلا فهذا ليس بتدليس، متى يكون تدليس الشيوخ تدليسا؟ إذا كان أتى باسم لا يعرف به، هنا نقول: نعم أرادت تدريس الشيوخ.
وكون الخطيب لهجن بذلك يحتاج إلى تتبع، الحافظ ابن الصلاح من الحفاظ، ولا بد ما قال هذا إلا عن دراية، لكني بعد استكبر هذا والله سبحانه وتعالى أعلم.
ماذا قال؟ النوع الثالث عشر معرفة الشاذ.
قال المصنف رحمه الله: روينا عن يونس بن عبد الأعلى قال: لي الشافعي رحمه الله: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف فيه الناس.
الحقيقة هذه العبارة من الشافعي أحدثت إشكالا عند المتاخرين، فقوله: ليس الثقة ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، يعني ما لا يروي الناس، يعني اعتقدوا أن الشافعي ينوي ينفي أن يكون الشاذ هو الحديث الفرد، يعني فالفرة هنا خرج بقول الشافعي: أن يروي ليس هو أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، بل أن يروي الثقة حديثا يخالف فيه الناس، يعني يعني اثبت قيد المخالفة. فظن كثير من أهل الاصطلاح منهم ابن الصلاح كما سياتي أن الشافعي يشترط قيد المخالفة، والحقيقة أنه يشترط قيد المخالفة العامة لا المخالفة الخاصة في الحديث بعينه.
والذي فهمه الخليلي والحاكم النيسابوري من كلام الشافعي يوضح لنا هذه المسالة، سنقرا كلامهم. قال: وحكى الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني نحو هذا عن الشافعي، وهكذا الحاكم وجماعة من أهل الحجاز.
ثم قال: الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ، هو لا يخالف الشافعي في الحقيقة هو يؤيد كلام الشافعي: أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك، أو يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، ومن كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به. الخليلي لما جاء بكلام الشافعي وأنه قول هو قول الحجاز لم ياتي بهذا الكلام يرد على الشافعي. إذا إذا اردتم أن ننظر إلى كلام الخليل حتى نكون على بينة أكبر، أنا كلا انا فهمي لهذا قديم، دعني أنظر كتاب الخليلي، ماذا قال الخليلي؟ الخليلي عندنا الارشاد، الإرشاد إلى سبل الهدى والرشاد إلى سبيل الهدى والرشاد هذا هو، لا الإرشاد في معرفة علماء الحديث الخليلي هذاك حنبلي فقه، طيب ونحذف هذه الكتب ونقول: الذي عليه حفاظ أن الشاذ، الشاذ ما ليس له، يلا خذ نشوف.
هذا كلام الخليل، نشوف كلام أولا قال: معرفة الشاذ، واما الشواذ يعني من الأحاديث، فقد قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: الشاذ عندنا ما يرويه الثقات على لفظ واحد، ويرويه ثقة خلافه زائدا أو ناقصا. يعني هذا كانه فهم ابن الصلاح الذي ذكره والذي عليه حفاظ الحديث.
يعني هنا الخليلي فهم من الشافعي أن الشاذ ما فيه مخالفة على ظاهر كلام الشافعي. قال: والذي عليه حفاظ الحديث الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به لذلك شيخ ثقة أو وثقة، فما كان عن ثقة عن غير ثقة متروك لا يقبل، وما كان عن ثقة فيتوقف فيه ولا يحتج به. إذا كلام الخليلي كأنه فهم من الحافظ الشافعي رحمه الله عليه الإام الشافعي فهم منه يعني يشترط قيد المخالفة.
أما الحاكم فله كلام آخر ويحتج بكلام الشافعي، دعني أرى الحاكم معرفة علوم، لا أدري هل سياتي بكلامه أو لا، معرفة علوم الحديث، ونقول: الشاذ، فأما الشاذ فانه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة، يعني يشترط التفرد للمخالفة. وأتى بكلام الشافعي، شايفين: ليس الشاد من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا كلام الحاكم، هذا ليس بشاد، انما الشاد أن يروي الثقة حديثا يخالف فيه الناس، يعني فهم الحاكم النيسابوري من كلام الشافعي أن مقصوده التفرد العام لا التفرد الخاص الذي ذكره الخليلي قبل قليل.
نرجع إلى كلام الحافظ بن الصلاح، قال: فمعناها الخليلي فهم الشافعي على غير الوجه الذي ذكرته لكم، يعني الشافعي لا يريد المخالفة الخاصة في حديث معين، وإنما يريد المخالفة العامة لأحاديث أو لأصول في الشريعة. وكلام الخليلي هو بنفس الكلام الذي ذكره الشافعي على خلاف فهمه عن الشافعي، فالخليلي يقول: الذي عليه الحفاظ أن الشاذ ما ليس له إلا سند واحد يشذ به شيخ ثقة أو.
وذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ أن الشاذ هو الحديث الذي ينفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة. يعني كلامه وكلام الخليلي واحد، وكذلك كلام الشافعي إذا حملناه على المخالفة العامة للخاصة في حديث معين. وذكر أنه يغاير المعلل من حيث إن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم، هذا كلام الحاكم؛ الحاكم يقول: الشاذ غير المعلول، وأما الشاذ فلم يوقف على علته كذلك يعني بنفس الطريقة.
الحاكم النيسابوري يقول: الشاذ يحتج بكلام الشافعي، ويقول: إن الشاذ ليس له إسناد متابع، ليس له أصل متابع، وهو حديث فيه تفرد. وهكذا الخليلي، وكلام الشافعي يحتمل كلامهما، ويحتمل الكلام الذي فهمه الخليلي وفهمه عنه ابن الصلاح ومن بعده من أهل الاصطلاح.
ننظر ماذا قال ابن الصلاح: قلت أما ما حكم الشافعي عليه بالشذود فلا إشكال في أنه شاذ غير مقبول. هو الآن ماذا يفهم من كلام الشافعي؟ أنه المخالفة؛ الحديث الذي يخالف فيه الثقة غيره من الثقات، قال: هذا لا إشكال في تسميته شاذا. واما ما حكيناه عن غيره فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط كحديث: ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾ هذا في الحقيقة تعقبه لهؤلاء الأئمة بهذا الحديث وأمثاله. قال: فانه حديث فرد تفرد به عمر عن رسول الله، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، ثم عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي، ثم عنه يحيى بن سعيد الأنصاري على ما هو الصحيح عند أهل الحديث.
هذا لو كانوا يقصدون بالتفرد الشاذ مطلق التفرد؛ هم لا يقصدون مطلق التفرد، لأنهم يصححون حديث: ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾، ويصححون حديث نهى عن بيع الولاء وعن هبته، ويصححون أحاديث أفراد كثيرة، لكنهم يقصدون بالشذوذ حديثاً في معناه يخالف الأحاديث الأخرى، في معناه يخالف اصول الشرع، لكنه تفرد به راو. فهذا إن كان الراوي ثقة يتوقف فيه، وإلا رد على صاحبه؛ يتوقف فيه فلا يعمل به، وقد يردونه على المتفرد به وإن كان إماماً. فكلامهم وكلام الشافعي إذا فسرناه بهذا لا اختلاف بينهم في ذلك.
فدعني أرى ماذا يقولون الشباب هنا؛ شيخنا ما الفرق بين المخالفة العامة والخاصة؟ على هذا الفهم يكون كل حديث غريب حديثاً؟ لا، ليس كل حديث غريب حديثاً شاذاً. والمخالفة العامة ذكرتها لكم؛ المخالفة الخاصة مثلاً أطيكم أمثلة: لو قلنا الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، واتانا جماعة يروون عن الزهري بهذا السند أو يروون عن الزهري بسند آخر؛ الزهري عن فلان عن ابن فلان، وجاء واحد يخالف هؤلاء عن الزهري فيرويه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، هذا مخالفة خاصة في نفس الحديث. واما المخالفة العامة: أن يأتي بحكم؛ حكم لا يوجد إلا في ذلك الحديث، وهذا الحكم الحديث في أصل فيه ولا يوجد في قواعد الشريعه ما يثبت هذا الأصل أو يقبله، وربما في قواعد الشريعه ما يستنكر هذا الأصل، فيكون هناك استغراب في ذلك التفرد.
وأما الغريب الذي سياتينا؛ الغريب هو تفرد في السند، تفرد غريب في السند. كيف وأين تلاميذ الزهري لم يرووا هذا الحديث؟ أين تلاميذ مالك؟ ففيه استغراب في السند، وأما المتن فقد يكون مشهوراً وقد يكون مقبولاً. فالغريب غرابة في السند في الغالب، وقد يكون لها ارتباط بالمتن. وأما الشذوذ فيكون الاستغراب بالإضافة إلى التفرد؛ استغراب للمتن، استغراب كبير للمتن، هذا هو الشذوذ يعني الفرق بينهما. اتمنى أن يكون هذا الفرق واضحاً بالنسبة للسؤال الآخر، أه خلاص أجبت عنه، اللي هو الغريب والفرق بين الغريب والشاذ.
نعم، هناك فرق؛ الغريب أغلب الغرائب تكون أخطاء، وعادة لا يسمون شيئاً غريباً إلا إذا لم يكتشفوا خطأ، فإذا اكتشفوا خطأ خلاص لم يعد غريباً، صار معلوم أنه أخطأ فلان وصار معلولا. لكن الغريب لما يأتينا حديث فرد إلى طبقات متاخرة ولا نكتشف أين الخلل؛ الاستغراب لذلك السند الذي استمر فيه التفرد إلى طبقات متاخرة، أننا نقول: أين الناس؟ أين تلاميذ عفان؟ أين تلاميذ فلان؟ أين تلاميذ... يعني أين هم من هذا مع شهرة الأحاديث في أزمان المتأخرة؟ يعني أصبح التفرد في المتاخرين -طبقة شيوخ الشيخين أو تلاميذ مالك وتلاميذ تلاميذهم- أصبح يعني هذا نادراً جداً لا يمكن أن ينفردوا خصوصاً إذا كان الحديث قوي الإسناد أو كان مهمًّا، فيقولون غريب.
وما قالوا غريب إلا أنهم مستعجبين منه، قد يكون صحيحاً أحياناً يعني يقولونه من باب الفرحة: غريب غريب، يعني فلان عنده حديث غريب متفرد به وهو صحيح. ففي الغرائب الصحيحة فيها... ماذا أقول؟ الناس يحبون ويشتهون الأحاديث الغريبة الصحيحة. وأما الغريب الذي يتوقفون فيه، فقد يروونه استئناساً وانبساطاً لغرابته، وقد يكتشفون علته فيقولون: لا، هذا أصبح ليس غريباً، أصبح معلولا. نعم، أما الشاذ فهو يدرك بأنه خطأ لأنه مخالف للأصول مع غرابة الإسناد، هذا الفرق بينهما، الله سبحانه وتعالى أعلم.
نستمر قال: يشكل على قولهم... أما ما حكيناه عن غيره عن غير الشافعي؛ هذا على أساس أن الشافعي يعني يقيد الشاذ بالمخالفة، وهو لا يقيدها بالمخالفة الخاصة، وإنما يقيدها بالمخالفة العامة كما ذكرت. قال: يشكل على ذلك حديث: ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾ وهذا لا يشكل لأنهم يصححونها، بل إنهم جاؤوا في كتبهم -هؤلاء الخليلي والحاكم- بالأفراد الغريبه الصحيحة، ومثلوا به ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾ مما يدل على أن كلامهم ليس على اطلاقه. كلامهم في الشاذ أنه ما تفرد به الراوي ليس على إطلاقه، وإنما يقصدون التفرد المستغرب المستنكر.
قال وأوضح من ذلك في ذلك حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن هبته -بعض الروايات الألفاظ تفرد به عبد الله بن دينار- وحديث مالك عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى راسه المغفر، تفرد به مالك. كل هذه من الصحيح الغرائب التي خرجت في الصحيحين ومثل بها الحاكم وغيره على صحتها؛ على صحة الغرائب. تفرد به مالك عن الزهري، فكل هذه مخرجه في الصحيحين مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد تفرد به ثقة. هذه الأحاديث لا يستنكرها لا الخليلي ولا الحاكم، فالرد عليهم بمثلها يعني فيه ما فيه.
حقيقة هؤلاء أئمة كبار، يعني هم لا يتكلمون عن مثل هذا، يعني في تسطيح للمعلومة عندهم، وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة. وقد قال مسلم بن الحجاج: للزهري نحو تسعين حرفاً يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد. والله أعلم، فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، نعم، هو ليس على الإطلاق بل هم يقصدون الأفراد المستغربة، ولذلك قال الحاكم: ليس له أصل بمتابع، ليست الأصول توافقه، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول:
طيب، ما هو التفصيل؟ إذا تفرد الراوي بشيء نظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو اولى منه بالحفظ وأضبط، كان ما انفرد به شاذاً مردوداً. الحقيقة هذا ليس هو رسم الشاذ عند هؤلاء الأئمة، هذا رسم المعلول؛ الحديث المعلول هو الذي يختلف فيه رواة على راو، أو على شيخ، أو على شيخ شيخ، فيكون بينهم خلاف في الرواية عن ذلك الشيخ أو عن شيخ شيخه ونحو ذلك، يعني في حديث معين، فهذا يسمى محفوظ وهذا يسمى معلول، المردود يسمى معلولا ولا يسمى شاذاً. الشاذ عند أهل الحديث شرطه الآنفراد؛ الانفراد العام أو الانفراد الخاص، يعني الانفراد بسند دون مخالفة في ذلك السند؛ بسند ومتن وإن لم يكن فيه مخالفة، يعني تفرد فقط لما رواه غيره. هو يقصد بالمخالفه هنا المخالفة في الإسناد، وإنما هو أمر رواه ولم يروه غيره.
فينظر في هذا الراوي المنفرد، هذا إذا كان لم يكن فيه مخالفة. هذا الذي لم يكن فيه مخالفة هو الذي يسمى شاذاً؛ كان يخالف الأصول، لا يخالف رواة آخرين في حديث قال: فان كان عدلا حافظا موثوقا باتقانه وضبطه، قبل من انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه، هذا إذا لم يكن هذا الانفراد مستنكرا كما مثل هنا بحديث: ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾ وغيره كما فيما سبق من الأمثله. نعم، وإن لم يكن يعني هو علق الموضوع على الراوي لا على الرواية قال: وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه واتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفراده خارماً له مزحزحاً له عن حيز الصحيح. يقول: إذا كان هذا الرجل ليس من الثقات المتقنين، فهذا مردود عليه لأنه ضعيف.
الحقيقة هو ابن الصلاح هنا علق مسألة الشذوذ، لكنه أكمل هنا ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول، ترد استحسنا حديثه لذلك؛ يعني عندنا إما ضابط فيقول صحيح، أو غير ضابط أو أقل منه درجه فنقول حسن، ولم نحطه إلى درجة إلى قبيل الحديث الضعيف. وإن كان بعيداً من ذلك -يعني ضعيفاً- من فرد ورددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر، فجعل الشاذ المنكر ما انفرد به الراوي الضعيف، مع أن الحاكم يقول إن الحديث الشاذ يخص الثقات، وقوله يخص الثقات له مقصد ليس هذا وقت بيانه.
فلاحظوا أن ابن الصلاح أدار الموضوع وعلقه على حال المنفرد، فجعله إن كان المنفرد ضابطاً فحديثه صحيح، وإن كان أقل درجة فحديثه حسن، وإن كان من قبيل الضعفاء فحديثه مردود شاذ منكر، فسماه شاذاً ومنكراً في نفس الوقت. والحقيقة أن كلام الأئمة ليس فقط متوقفاً على درجة الراوي، بل نظرهم أبعد من ذلك إلى نفس المتن المتفرد به والإسناد المتفرد به.
فاذا كان هذا الإسناد غريباً جداً أن يتفرد به، ربما يصفونه بالشذوذ ولو لم يكن متنه مستنكراً، لأن الإسناد نفسه مستنكر مع شدة غرابته، مستنكر أن ينفرد به فلان مع ضبطه، ويظنون ويصفونه بالخطأ، أو ربما أخطأت، أو ربما كذا، وهناك أمثلة كثيرة. وأحياناً إذا كان نفس المتن المتفرد به مما يخالف الأصول أو يخالف أحاديث أخرى أصح منه، هنا يسمى الشاذ؛ فنظرهم إلى المتن والإسناد في نفس الوقت، فقد يكون الإسناد كافياً في رده، وقد يكون مع المتن أيضاً، سواء كان المنفرد ثقة، أو كان أقل من الثقة، أو كان حتى ضعيفاً.
إذاً فنظر الحافظ ابن الصلاح إلى درجة المتفرد فقط، ونظر الأئمة ليست إلى الدرجة، بل إلى الحديث نفسه. نعم، فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان. طيب، ما هما القسمان؟ أحدهما: الحديث الفرد المخالف، يعني الذي فيه خلاف على راو، وهذا ليس من الشاذ بسبيل، وليس هو المراد عند الشافعي وإن كان كلامه يوهمه، بل فسر كلامه الحاكم النيسابوري.
ثم لو كان الحديث الفرد المخالف -الحديث الشاذ- لو كان هو الذي فيه مخالفة، لما احتجنا إليه في تعريف الصحيح. وأورده قال في تعريف الصحيح: هو الحديث الذي يرويه عدل ضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا عله؛ المخالفة عله والشذوذ... وإذا كان الشذوذ عنده أحدهما مخالفة، أحدهما الفرد الذي ليس في راويه من الضبط ما يوقع جابراً لما يوجبه التفرد؛ يقول: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يوقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، يعني إما رواية شخص تفرد شخص ضعيف، أو تفرد أو مخالفة، وهذان إذا كان معنى الشاذ هو هذين عند الحاكم؛ عند الحافظ ابن الصلاح، فينبغي أن لا يوضع في تعريف الصحيح، لأنه قال في الصحيح: هو الحديث العدل... هو الحديث الذي اتصل اسناده برواية عدل ضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.
فالمخالفة هي الشذوذ، والمخالفة هي العلة، وتفرد الضعيف خرج بقولنا العدل الضابط، فيصبح قوله: من غير شذوذ لا معنى له، لكنه قلد الحاكم في أن نفي الشذوذ من شروط الصحيح، وثم خالف هنا لما أراد أن يشرح الشذوذ. والله سبحانه وتعالى أعلم، يعني هذا ما فهمته أنا من كلام الحافظ ابن الصلاح ومن كلام هؤلاء الأئمة وربما يكون الخطأ في فهمي.
يقول: على هذا الفهم يكون كل حديث غريب شيئاً لله، كيف نعرف أنه ممن يقبل تفرده أو لا يقبل؟ هل كل مخالف من الراوي تعتبره قادحاً؟ الذي يقبل تفرده والذي لا يقبل هو بكلام الأئمة في الجرح والتعديل.
والقبول التفرد له... يعني أنا ذكرت في كتاب إعلال الحديث الغريب الحديث المشهور أن هناك خمس أمور ينبغي ملاحظتها في معرفة قبول التفرد من عدمه، وربما يحتاج إلى درس مستقل، وأن هناك التفرد لابد أن ننظر إلى طبقة المتفرد، وإلى درجة المتفرد، وإلى الشيخ المتفرد، وإلى السند المتفرد به، وإلى المتن المتفرد به. كل هذه الأمور الخمسة كلها لها أثر في ذلك التفرد، ولذلك الحديث ليس سهلاً؛ الحكم على الحديث ليس من الأمور السهلة التي يظنها طلاب العلم أنها سهلة، بمجرد ما يرجع إلى كتب الجرح والتعديل وتقريب التهذيب لابن حجر ويرى أنه ثقة وفلان ثقة وفلان، فيقول حديث صحيح! لا، لا، هناك نظر أوسع من مجرد النظر إلى درجة الراوي، هناك النظر إلى القرائن وإلى معنى الحديث الذي ورد فيه، ولذلك الأئمة...
قال النوع الرابع عشر: إذا انتهينا من كلام الحافظ ابن الصلاح والذي عليه من الملاحظات، أنه جعل الشاذ إما مخالف، وإما تفرد شخص لا يقبل تفرده لضعفه أو لقله ضبطه. وهذان الامران ليس هما ما ذكره الشافعي ولا ما ذكره الخليلي ولا ما ذكره الحاكم النيسابوري، بل ذكروا أن الشاذ هو الحديث المتفرد الذي يتفرد به راو يخالف فيه الناس. كما قال الشافعي قوله: يخالف فيه الناس. ما قال: يخالف فيه الثقات أو رواة آخرين، يخالف فيه الناس، يعني يخالف ما عند أهل العلم من العلم. ولذلك يقولون: لا يأتيك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ، شاذ العلم ما أتاك من هاهنا ومن ها هنا، لا ما أتي به الشاذ أو نحو هذا الكلام. يعني الشاذ هو الشيء المستغرب جدا الذي لا يعرف في الشرع. هذا إذا كان النظر إلى المتن، وقد يصفون الإسناد لشدة غرابته بالشذوذ مع أن متنه معروف، فيكون من الغريب الشاذ.
قال النوع الرابع عشر: معرفة المنكر من الحديث. قال بلغنا من أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه روايته، يعني تفرد بالمتن لا من الوجه الذي رواه منه ولا من وجه آخر. فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصل، يعني البرديجي جعله تفردا ولم يذكر ثقة الرجل وضعفه، كأنما ولا بد أن يكون البرديجي يريد قيدا معينا وهو النكارة، أنه مستنكر واستنكاره لا يمكن حصره في عبارة، ولذلك لا تجد عباراتهم توفي بالمعنى المطلوب. وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث، لأن العبارة تقصر عن وصف تلك الحالات. والصواب فيه التفصيل الذي بيناه، طبعا الحافظ ابن الصلاح من الفقهاء الذين اهتموا بالأصول ويريدون أن يدققوا في كل معنى بحيث ياتون به لا يشاركه فيه غيره، وهذا من الصعوبة بمكان في علم الحديث.
قال: والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفاً في شرح الشاذ، وعند هذا نقول المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه، يعني المنكر عند الحافظ ابن الصلاح والشاذ نفس المعنى. فمنه ما تفرد به راو مخالف لثقات آخرين، ومنهم ما تفرد به ضعيف فيسمى شادا ومنكرا. قال المثال الأول وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات، رواية مالك عن الزهري عن علي بن الحسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». فخالف مالك غيره من الثقات، والله هذا غريب صراحة، جدا غريب أن الحافظ ابن الصلاح يمثل بهذا المثال.
هنا خطأ مالك هو في عمر، وما زال متمسكا بالخطأ، عمر بن عثمان وهم غير مالك يقول: عمرو بن عثمان. ومالك يقول: عمر بن عثمان. وغير مالك يقول: ليس له إلا ولد واحد أو أهل الأساب أو كذا. فخالف مالك غيره من الثقات في عمر، في قوله عمر بن عثمان بضم العين. وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب التمييز أن كل ما رواه من أصحاب الزهري قال فيه عمرو بن عثمان، يعني بفتح العين، وذكر أن مالكا كان يشير بيده إلى دار عمر، يعني مالك لما جاؤوا يستثبتونه يقولون: غيرك يقول عمرو. قال: هذه دار عمر، فهو متأكد. فقد يكون الحديث عند شخص يقال له عمر وشخص يقال له عمرو.
فلنفرض أن مالكا أخطأ في التسمية، هل يسمى هذا منكرا؟ والله أنا استكبر أن يسمى منكرا أو حتى شادا، لأن شاذ يعني لا باس لو وصف به رواية شخص من الثقات الكبار، وأما منكر أن يوصف حديث لمالك بكونه منكرا هذا أنا أراه من العظائم، استغفر الله، كأنما علم أنهم يخالفونه، وعمر وعمر جميعا ولد عثمان. يعني هناك عمرو وعمر ولد عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمر بفتح العين، وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه، الحكم عليه بالوهم لا يشكل، هذا يسمى معلولا، وهم مالك في التسمية. وأما أن يققال بانه منكر، المنكر هو ما كان فيه نكارة سواء في سنده أو في متنه.
ومثال الثاني وأنا متاكد أن هذا الحديث حديث مالك مخرج في كتب صحيحه ولم يذكروا أنه منكر، لا أدري لو أحد منكم يبحث ونحن في الشرح من أخرج هذا الحديث يكون قد أفادنا. شوف ماذا، لكن في هذه المسألة سيدي ايش يقول: هذا الوهم يقدح في الحديث؟ هو لا يقدح إن كان كلاهما ثقة، هو لا يقدح، لكن ما الذي قاله الزهري؟ هل قال عمرو ولا قال عمر؟ هذا هو المسألة. فهم أهل الحديث يدققون في أمثال هذا.
ومثال الثاني، يعني التفرد المستنكر الذي يرويه الضعيف، هو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والاتقان ما يحتمل معه تفرده، يعني ليس فيه من الثقة والاتقان ما يحتمله في أن ينفرد بحديث، يعني فيه شيء من الضعف الرجل. ما رويناه من حديث أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس، هذا من رجال مسلم لكنه فيه شيء من الضعف، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل البلح بالتمر». يعني هنا واضح النكارة، يعني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة هذا سند مثل الشمس في رابعة النهار وسند مشهور. هشام بن عروة أكثر ما يروي هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير، وعروة بن الزبير أكثر ما يرويه عن خالته عائشة، هذا سند مشهور جدا، وتلاميذه هشام بن عروة أكثر من عدد الحصى.
فكيف يأتينا شخص وإن كان فيه نوع ثقة أبو زكير وينفرد عن هشام بن عروة وينفرد بماذا؟ بكل البلح بالتمر، حديث غريب في متنه، فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاضه، ايش هذا؟ ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق. هذا دخل عليه داخل أبو زكير، ثقة في نفسه لكنه ليس في الضبط ذاك، ليس بذاك، فربما سمعه من مجهول أو من شخص ضعيف ولم ينتبه ورواه على الإرسال. ايش هنا؟ أخرجه ابن ماجه؟ تفرد به ابن ماجه، وقد استنكره أبو حاتم، شايفين هنا تحت: وقد استنكره أبو حاتم والنسائي والعقيلي، نعم هذا يستنكر واضح، وهذا كلام لا أصل له في كلام، بل ساقها ابن الجوزي في الموضوعات.
وأما أن يأتيني بحديث مالك ويقول إن هذا مستنكر، تفرد به أبو الزكير وهو شيخ صالح أخرج عنه مسلم في كتابه، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده بمثل هذا. ممكن يتفرد بأشياء أخرى نقبلها إذا كان شيخه ليس مثل هشام بن عروة. فقلت لكم التفرد له اعتبارات متعدده.
السلام عليكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
شيخ أنا لو وضحت لنا كلام الحاكم بأنه الشاذ مختص بالثقات؟
هو قال إنه الثقات يقصد عموم الثقات، ليس الثقة الدرجة المشهورة عندنا، الثقة يصلح على أبي زكير مثلا، أبو زكير ثقة قد يطلق عليه ثقة وقد يطلق عليه بعضهم ضعيف، فيقصد بالثقات الذي هو ثقة في نفسه صالح ويقبل حديثه أحيانا، فهؤلاء يحصل منهم أحاديث شواذ. وأما الضعيف المشهور ضعفه والمتروك فهؤلاء يكتفى بضعفهم وتركهم عن أن نقول عنه إن حديثه شاذ، خلاص هو أصلا مردود الرجل. لكن مقصوده بالثقات وعاده يقع الحديث الشاذ في أحاديث الثقات، لأن الشذوذ أصلا هو نوع من الخطأ الدقيق، بخلاف المنكر.
ولذلك لما قيل ليحيى بن معين رحمه الله عليه: أرايت الرجل يروي الحديث المنكر فإذا كلموه فيه تراجع وقال: أنا رجعت عنه وقد كنت رويته. قال: يخرج لنا أصوله، فإن كان رواه في أصول عتيقة، يعني كان في أيام الطلب أخطأ، لأن المنكر واضح الخطأ، قال: قبلنا كلامه، وإلا فهو كذاب. وإنما يلتبس على الراوي أو الرجل الحديث الشاذ، فدل هذا عند ابن معين على أن الشاذ فيه دقة، يعني يكون هناك خطأ دقيق حقيق لم ينتبه له الحافظ أو الثقة لسبب من الأسباب، فيوصف بالشذوذ، يصف حديثه بأنه شاذ لأنه خالف الناس أو خالف.
ومثال ذلك يعني حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة، الذي فيه: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا». هذا الحديث أولا العلاء بن عبد الرحمن من الثقات، ويروي عن أبيه وروايته عن أبيه مشهوره عن أبي هريرة، فكيف تفرد بهذا الحديث وهناك من أصول الشرع ما يخالفه؟ كيف يخالفه؟ يخالفه، قد يأتي شخص ويقول: لا، هناك وجه للجمع والقبول، مثلا حديث أبي هريرة في الصحيحين، آخر حديث آخر من رواية الزهري وغيره قال: «لا يتقدمن أحدكم صوم رمضان بيوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه». يعني إذا اقترب رمضان لا أحد منكم يصوم قبله بيوم أو يومين، إلا شخص عنده صوم فليصوم ذلك الصوم، يعني شخص عنده عاده فوافق عادته أن يكون أحد الأيام آخر يوم من شعبان، ما في إشكالية. وأما شخص ليس له عادة فإذا اقترب رمضان صام قبله يوم بيوم أو يومين، هذا منهي عنه.
مفهوم حديث أبي هريرة أن ما قبل اليوم أو اليومين، الثلاث أيام والأربع أيام يجوز صومها ولو لم يكن لك عادة. بينما حديث العلاء مولى الحرقة عن أبيه عبد عن أبي هريرة قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا». هذا يعني يجعل المنع من نصف شعبان، فجاءت المخالفة بينه وبين حديث أبي هريرة مع أن السند مختلف هنا والسند مختلف هنا. وأضا أحاديث أخرى لعائشة وأنها رأت النبي يصوم شعبان كله، وما رايته أكثر صياما في شهر من شعبان، معناه أنه يصوم بعد المنتصف. وحديث صيام داوود: يصوم يوما ويترك يوما، سيقع منها ما يكون بعد المنتصف. كل هذه المعاني من الضوابط من القواعد الشرعية تخالف حديث مولى الحرقة العلاء بن عبد الرحمن، ولذلك وجدنا أكثر الأئمة ينكرون هذا الحديث، فيقولون هو حديث منكر، وبعضهم يصفه بالشذوذ ممن وصف بالشذوذ ابن رجب الحنبلي رحمه الله عليه.
ومع ذلك هناك من الأئمة من حاول أن يقول معناه في من ليس عنده عادة، الذي ليس عنده عادة لا يصوم بعد المنتصف. طيب هذا يخالف حديث أبي هريرة، لأنه قال: «إلا أحد عنده صوم يوم فليصم ذلك اليوم»، يعني أحد عنده عادة، فقصر العاده على اليومين قبل على جوازها في اليومين قبل صوم رمضان. وحديث العلاء يجعل العادة غير العادة مستمر النهي إلى بعد المنتصف، فهناك مخالفة ولذلك استنكره كثير من الأئمة، بينما صححه بعض الأئمة حتى الكبار، أظن صححه الترمذي وأخرجه أبو داود في سننه، لكن النقاد الكبار استنكروه.
فالشاهد أن التفرد الذي يستنكره العلماء ليس كل تفرد، بل هو تفرد يكون مخالفا لقواعد الشرع، أو يكون تفردا بإسناد تفردا شديدا لا يمكن أن يقبل مثله حتى من الحفاظ. ولذلك نجد أن بعض الحفاظ يتركوا أحاديث استغربت عليهم، كالدارمي عبد الله بن عبد الرحمن الإمام الذي يقول فيه الترمذي: لم أرى في نيسابور ولا في كذا أعلم من الرجلين، وسمى الدارمي والبخاري وقال إن البخاري أعلمهما. لما استنكروا عليه في بغداد رواية حديث قالوا إنه لا يرويه إلا أنت، ترك هذا الحديث، فمع أنه هو رواه بعد حديث معين وكانه مستثبت منه، فلما راى أنه لا يرويه إلا هو تركه ولم يرده في مسنده.
وهكذا الأمثله، يعني جائز للخطا على الكبار، فبعض الأسانيد قد يكون التفرد بها من الغرابة بمكان. ولذلك يقول الذهبي: فتجد الإمام الحافظ الذي يحفظ مئات الألوف كإسحاق أبو الرهاوي وأمثاله، لا تجد الواحد منهم ينفرد بحديث أو حديثين، لا يكاد ينفرد بحديث أو حديثين، يعني لا يكاد يصح عنه هذا التفرد. فإذا انفرد في حديث يمكن أن يقبل من الحافظ المكثر الذي عنده مئات الألوف، وأما الناس العاديين الذين أحاديثهم في الآلاف وينفرد وهو من المتاخرين، هذا صعب جدا.
فعلى كل حال التفرد له أحكام تحتاج إلى أكثر إلى بسط أكثر من هذا. وهذه الأمثله التي ذكرها الحافظ بن الصلاح تفيدنا في هذا المعنى. من الأشياء التي ينبغي التنبه لها أن الشذوذ أشد يعني أشد دقة من النكاره، والنكاره أكثر وضوحا، ولذلك حديث العلاء بن عبد الرحمن بعضهم وصفه بالنكارة لأنه واضح الخطأ، واضح أن هناك خطأ فيه. والعلاء بن عبد الرحمن ثقة لكنه ليس من الثقات الكبار، ولذلك أورد حديثه مسلم ولم يرده البخاري رحمه الله عليه، وأظن البخاري استشهد به استشهادا.
نعم، إلى هنا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذا الدرس المبارك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع به وبصاحبه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري