الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فهذا هو الدرس الثالث من شرح مقدمة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث. قال المؤلف رحمه الله عليه: النوع الثاني معرفة الحسن من الحديث. تقدم وتكلم هو عن النوع الأول وهو معرفة الصحيح، وهذا هو النوع الثاني وهو معرفة الحسن من الحديث.
قال: روينا عن أبي سليمان الخطابي. أبو سليمان الخطابي شارح سنن أبي داود (معالم السنن)، واسمه حمد بن محمد الخطابي رحمه الله عليه البستي، توفي سنة 388، يعني في القرن الرابع الهجري، وهو أظنه إما شيخ للحاكم، أو الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك، أو أنه قرين له؛ لأن الحاكم توفي سنة 405، يعني بعد وفاة أبي سليمان بكم؟ هو 88، يعني 12 و5 17 سنة بعد وفاة الخطابي بسنة.
وقد ترجم له في تاريخ نيسابور، تاريخ نيسابور ليس مطبوعاً وربما ليس موجوداً، لكن موجود مختصره، يعني أثنى عليه. وكذلك نقل ثناءه عليه أبو سعد السمعاني في الأنساب؛ ذكر عن الحاكم أنه ترجم له وذكر أنه يعني عالم وأديب، ولكن كلام الحاكم عنه لم يكن يعني كلاماً حديثياً عنه، وإن كان هو من أهل الحديث، لكن ميوله أكثر إلى اللغة وإلى الفقه والمعاني.
أبو سليمان الخطابي شرح سنن أبي داود، وقال كما نقله هنا الإامم روينا عن أبي سليمان الخطابي رحمه الله أنه قال بعد حكايته أن هنا لا ينبغي أن يكتب أن قول أبي سليمان هو الذي يأتي بعد كلمة بعد القوسين هذه: الحسن روي عن أبي سليمان الخطابي أنه قال: الحسن، هذا هو بداية قوله وهذا كله جملة معترضة، إنه قال بعد حكايته أن الحديث عند أهله ينقسم إلى الأقسام الثلاثة التي قدمنا ذكرها.
تعلمون أنه في بداية كلامه ابن الصلاح ذكر عن أبي سليمان الخطابي أن الحديث عند أهل الحديث ينقسم إلى ثلاثة اقسام: الصحيح والحسن والضعيف. فهو يقول بعد أن حكى تلك الحكاية: قال الحسن ما عرف مخرجه. وهنا يعني إيرادها بأن يدل يعني هذا خطأ، ينبغي أن تكون بهمزة مفتوحة، ولا أدري ماذا صنع نور الدين العتر رحمه الله عليه هل جعلها مفتوحة أو مكسورة؟
ينبغي أن تكون مفتوحة؛ لأن قول أبي سليمان الخطابي يبدأ من هنا: قال أبو سليمان الخطابي: الحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، قال: وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.
طبعا هذا التعريف يعني تعريف ليس على نمط أهل التعريف أو التعريفات من حيث احترازه من دخول أشياء، أو يعني عليه ملاحظات، وتكلم عليه العلماء كثيراً. فقوله: الحسن ما عرف مخرجه، معناه أنه ليس منقطع؛ لأن المنقطع مخرجه غير معروف، ما ندري من رواه، هناك سقط فيه. فما عرف مخرجه احترز به عن الانقطاع.
واشتهر رجاله، اشتهر رجاله أيضاً احترز به عن الضعف، أن لا يكون فيهم ضعيف أو مجهول، أو احترز عن الجهاله. قال: وعليه مدار أكثر الحديث، قوله وعليه مدار أكثر الحديث، يعني هذا يحتاج إلى وقفة: هل فعلا الحسن إذا أراد هو منزلة وسطى بين الضعيف والصحيح، هل هو الذي عليه مدار أكثر الحديث؟ قال: وهو الذي يقبله أكثر العلماء، وقد علق على هذا كله يعني جماعة من أهل العلم. قال: وهو الذي يقبله أكثر العلماء، يعني هناك من لا يقبله، أما الصحيح فيقبله كل العلماء.
قال: ويستعمله عامة الفقهاء، يعني يحتجون به. هذه الكلمات: وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، ليست يعني من التعاريف المنضبطة، ربما أنه أراد وصفاً حتى يقرب معنى الحسن، لكنه سينتقده المؤلف بعد قليل.
قال: وروينا عن أبي عيسى الترمذي رضي الله عنه أنه يريد بالحسن ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، فيدخل في إسناده الضعيف والثقة إذا لم يتهموا بالكذب. المتهم بالكذب هو الذي يخرج منه، واما من عداه فيدخل في تعريف الحسن عند الترمذي، ولا يكون حديثاً شاذاً، الشاذ هو الذي ينفرد وليس له أصل متابع، يعني مردود عند أهل العلم؛ لأنه يخالف اصول الشرع، ويروى من غير وجه، يعني أن يكون متعدد الأوجه.
فبهذه الشروط الثلاثة: ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذاً، ويروى من غير وجه، هذا هو الحسن عند الترمذي. والحقيقة هناك كلمة يعني كان ينبغي أن توجد هنا، وهي أن الترمذي قال: إنما نريد بالحسن أو نحو هذا حسن إسناده عندنا، فهو يتكلم عن الإسناد، حسن إسناده عندنا.
طبعا حسن إسناده عندنا يشتمل على هذه الأشياء الثلاثة التي ذكرها، يعني يتقيد حسن إسناده بهذه الأمور الثلاثة. مراد الترمذي الذي بالحسن سابينه أنا بعد قراءة كلام ابن الصلاح حول الحديث الحسن؛ لأن عندي في ظني أن الترمذي لا يريد بكلمة الحسن درجة، يعني هناك درجة الصحيح هذه الدرجة الأولى أو الأعلى، وهناك الضعيف وهي الدرجة الدنيا، فهل الترمذي يريد درجة وسطى بين الصحيح والضعيف؟ أنا ازعم أن الترمذي لا يريد بكلمة الحسن ذلك، وإنما يريد بالحسن معنى آخر لا علاقة له بالدرجة، وإنما يتعلق بماذا نسميها؟ أي ايش اللي يسمونها في الأسانيد طرائف الأسانيد أو أحد يساعدني في هذا؟ المهم يعني شيئاً في الأسانيد جميل يستحسن، وسابينه أنا إن شاء الله بعد ما أنتهي من كلام الحافظ ابن الصلاح.
نقلب الصفحة، قال: وقال بعض المتأخرين: الحديث، يعني الحديث الحسن هو الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل، هو الحديث الحسن ويصلح للعمل به. بعض المتأخرين يقصد به ابن الجوزي رحمه الله عليه، ذكر ذلك في كتاب الموضوعات، كتاب الموضوعات لابن الجوزي ذكر فيه أقسام الحديث، فقسمها إلى ستة أقسام: قسم الصحيح إلى ثلاثة أقسام وهي المتفق عليه، وما انفرد به مسلم أو البخاري، وما صح في غير مسلم والبخاري، ثلاثة أقسام ذكرها.
ثم ذكر الحسن وهو ما فيه ضعف قريب محتمل، ثم ذكر الضعيف شديد الضعف، وقال بعضهم يقربه من الحسن، ثم ذكر الموضوع. قلت، يقول ابن الصلاح: كل هذا مستبهم.
هنا قال: مستبهم، وعلقت هنا مستبهم مستبهم باسم الفاعل للمفعول؛ فانه لازم، يقال استبهم عليه الامر إذا اشتبه عليه، فالاصح أن يضبط باسم الفاعل فيقال: كل هذا مستبهم، كما يقال مشتبه وملتبس؛ لأنه مستبهم مبني للمفعول، وهذا لازم يبنى منه للمفعول. فيقول: كل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن من الصحيح، ليس في قولهما ما يفصل الحسن من الصحيح.
كان أحدا يحكي شيئاً لطائف الإسناد. أحسنت، انا كنت أسال عن محسنات الإسناد، وهي يسمونها اهل العلم لطائف إسنادية أو لطائف الإسناد. فكلمة الحسن هو من لطائف الإسناد التي سابينها إن شاء الله.
قال: وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن من الصحيح. نعم، يعني الحسن الصحيح يدخل في تعريف الخطابي كما يدخل في تعريف الترمذي؛ لانهم لم يحترزا من دخول الصحيح، لو رجعنا الى تعريف الخطابي: الحسن ما عرف مخرجه، أيضاً الصحيح عرف مخرجه. واشتهر رجاله، أيضاً الصحيح اشتهر رجاله. وعليه مدار أكثر الحديث، أيضاً الصحيح عليه مدار كثير، كل العلماء ربما هذا يفصل الحسن من الصحيح، إلا إذا قلنا بأنها مسألة الاختلاف في التصحيح، يعني أن بعضهم لا يقبل بعض الصحيح لأنه ليس بصحيح عنده، أو لأنه معارض بغيره وإن صح سنده.
ويستعمله عامة الفقهاء، وهذا أيضاً يستعمله الصحيح، يستعمله عامة الفقهاء. والترمذي لما يقول: ليس في إسناده من يتهم بالكذب، أيضاً الصحيح يدخل في ذلك. ولا يكون شاذاً، أيضاً الصحيح يدخل. ومن غير وجه، كثيراً ما يروى من غير وجه، الصحيح. نعم، على كل حال ابن الصلاح أراد أن هذا الكلام الذي ذكره الخطابي والترمذي ليس يعني دقيقاً ولا يشفي الغليل كما ذكر.
قال: وقد أمعنت النظر، هنا علق على أمعنت لعلها أنعمت النظر. أين رقم اثنين؟ قال هنا: قال الزركشي رحمه الله: أنعمت، نعم بتقديم النون بمعنى بالغت. لكن هناك من يستخدم أمعنت النظر.
وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث، جامعاً بين أطراف كلاميهما، ملاحظاً مواقع استعمالهم، فتنقح له واتضح أن الحديث الحسن قسمان: أحدهما الحديث الذي لا يخلو رجال إناثه من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطا فيما يرويه؛ يعني هو مستور ستره الله سبحانه وتعالى، لكن أهليته ليست يعني في الذروة العليا، ومع ذلك ليس مغفلاً، ليس كثير الخطا، أو ضعيف الحفظ، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد للكذب في الحديث، ولا سبب آخر مفسق؛ فهو ليس مخروم العدالة، ولا هو يعني في الضبط ضعيف الضبط أو ضعيف الحفظ، فهو وسط في حفظه، ليس مغفلاً، لكنه مستور، لكن لم تتحقق أهليته.
ويبقى هذا الكلام أيضاً يصعب ميزانه؛ لأنه أمر نسبي، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر حتى اعتضد بمتابعه من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد وهو ورود حديث آخر بنحوه.
يقول: هذا مستور لم تتحقق أهليته، يعني ليس في الذروة العليا من الضبط، فعنده في ضبطه شيء، لكنه لا ينزل إلى درجة التغفيل أو كثير الخطا، عنده ضعف ما، لكنه ليس كثيراً، ولا هو متهم، فاذا هو عدل من حيث العدالة ليس بمتهم ولا فاسق، ومن حيث الضبط ليس هو شديد الضبط ولا هو مغفل كثير الخطا، فهو وسط أو إلى الضعف أقرب.
قال: والمتن أيضاً نراعيه أن يكون قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر حتى اعتضد، إما بمتابعة وإما بشاهد، وسنبين ما معنى المتابعة وما معنى الشاهد بما ياتي إن شاء الله، وهو آخر بمعناه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذاً ومنكراً، وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل، يعني أن الحسن قسمين: قسم يتنزل عليه كلام الترمذي، وقسم يتنزل عليه كلام الخطابي كما سياتي.
قال: القسم الثاني أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، يعني هو أعلى من ذلك، ذاك مستور لكنه ليس كثير الضعف أو شديد الضعف، هذا مشهور بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجه رجال الصحيح. طيب، هذا مما أيضاً أخذ عليه: لم يبلغ درجة الصحيح؟ ليس هناك ميزان أن هذا من درجة الصحيح وهذا أقل؛ لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو أمر نسبي.
وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا، يعني الشخص الذي إذا انفرد قلنا في حديثه منكر أو ضعيف، هذا يرتفع عنه، يعني مقبول الحديث. ويعتبر في كل هذا مع سلامة الحديث من أن يكون شاذاً منكراً، سلامته من أن يكون معللاً.
وعلى هذا القسم يتنزل، وعلى القسم الثاني يتنزل كلام الخطابي. وهذا سماه الحافظ في نخبته وفي غير النخبة: أن هذا حسن لذاته، وذاك الأول حسن لغيره. كلام الترمذي على الحسن لغيره، وهذا القسم الاول الذي ذكره أحدهما ذكره ابن الصلاح، هذا هو الحسن يسمى الحسن لغيره، يعني هو في ذاته ليس حسناً، ضعيف، لكن لمجيء غيره مما يساعده، اما متابعاً أو شاهداً، ترقى من درجة الضعف إلى درجة الحسن، لكن يقال: حسن لغيره، هكذا سماه الحافظ.
والقسم الثاني الذي ذكره الخطابي سماه حسناً لذاته، أو حسناً لذاته. وهذا الحسن لذاته إذا اعتضد بغيره ترقى فاصبح صحيحاً لغيره، فاصبحت الأقسام عند الحافظ ابن حجر وعند المتأخرين أربعة أقسام: للصحيح قسمين أو قسمان، وللحسن قسمان: صحيح لذاته، صحيح لغيره، حسن لذاته، حسن لغيره.
فالصحيح لذاته هو الذي رجاله يعني في أعلى مرتبة الصحة، والصحيح لغيره هو في أصله حسن لذاته، لكنه اعتضد فانتقل من الحسن إلى الصحة. والحسن لذاته الذي لم يعتضد بغيره يبقى حسناً. والحسن لغيره هو الذي كان ضعيفاً ثم اعتضد بغيره فارتقى إلى مرتبة الحسن لغيره، فإن لم يعتضد بقي ضعيفاً، والضعف مراتب كما سياتي.
قال: فهذا الذي ذكرناه جامع لما تفرق في كلام من بلغنا كلامه في ذلك، وكان الترمذي ذكر أحد نوعي الحسن، وذكر الخطابي النوع الآخر، مقتصراً كل واحد منهما على ما رأى أنه يشكل، معرضاً عما رأى أنه لا يشكل، أو أنه غفل عن البعض وذهل والله أعلم.
ويقول هنا بان بناء على فهمه هو من كلامهما أن كل واحد منهما شرح نوعاً من الحسن. طبعا هذا بناء على وجود اسمه الحسن، والحقيقة حقيقة كما سياتينا إن شاء الله، وهذا مما قد يشكل على بعض الطلبة أنه ليس هناك شيء اسمه حسن الحديث، إما صحيح وإما ضعيف، فإن ارتقى من الضعف انتقل إلى الصحة، وإلا بقي ضعيفاً. فكلمة الحسن التي عند الترمذي ليس المراد بها الدرجة، وأما الخطابي فقسم الحديث إلى صحيح وضعيف وحسن أو صحيح وحسن وضعيف بناء على فهمه أن الترمذي أراد بكلمة الحسن درجة، نعم. والخطابي وإن كان محدثاً لكن ليس من أهل الاصطلاح المشهورين في الحديث.
نرجع إلى كلام الحافظ هنا قال: والله أعلم، هذا تأصيل ذلك ونوضحه بتنبيهات وتفريعات. الآن ننتقل إلى التنبيهات والتعريبات، وسيتضح في التنبيهات إشكال هذا التقسيم الثلاثي: الصحيح والحسن والضعيف، بناء على فهمهم لكلام الترمذي.
قال أحدها: الحسن يتقاصر عن الصحيح. إذاً هناك شيء أحد ما فهمه، أما يدونه وإما يسأل في الشات أو يرفع يده. وإما شرحناها الآن أو أخرناها، لكن إذا كان الكلام مفهوم فالحمد لله. قال أحدها:
الحسن يتقاصر عن الصحيح؛ بناءً على أن الحسن درجةً لا بُدَّ أن يتقاصر عن الصحيح. يتقاصر عن الصحيح في ماذا؟ قال: في أن الصحيح من شرطه أن يكون جميع رواته قد ثبتت عدالتهم وضبطهم وإتقانهم.
كيف ثبتت عدالتهم وضبطهم وإتقانهم؟ قال: بأحد وجهين؛ إما بالنقل الصريح، يعني أن ينقل عن أئمة بأن هذا ضابط وهذا عدل، أو بطريق الاستفاضة على ما سنبينه.
طريق الاستفاضة سيأتي يبين ما معنى الاستفاضة؛ أنه اشتهر عن الرجل أنه من أهل الاتقان والضبط دون نص صريح، ولكن يروى عنه الناس يعتمدون روايته، وهكذا، أو بطريق الاستفاضة على ما سبيينه (كذا) إن شاء الله تعالى، وذلك غير مشترك فيه بما سبق ذكره من مجيء الحديث من وجوه.
يقول: الحسن نفس الحسن حسن؛ لأنه قسمان، لا نشترط فيه ثبوت العدالة والضبط، لأن من أنواع الحسن الحسن لغيره الذي نكتفي فيه بوجود وجوه أخرى تعضده، وبالتالي قد يكون في رجال الحسن من لم تثبت عدالتهم أو لم يثبت ضبطهم؛ هو مستور لكنه غير مغفل كثير الخطأ، يعني حاله لو انفرد بالحديث ربما لم نقبله. قال: فهذا لا يشترط في الحسن؛ لأنه يكتفي فيه بما سبق ذكره من مجيء الحديث من وجوه، لكن هذا الذي يكتفى فيه من مجيء الحديث من وجوه هو الحسن لغيره، كما قال الحافظ ابن حجر.
أما الحسن لذاته فلا بُدَّ أن يكون قد ثبتت عدالة رواته وضبطهم وإتقانهم، وإن كان أقل من إتقان الصحيح، قال: وغير ذلك مما تقدم شرحه. ثم قال: وإذا استبعد ذلك من الفقهاء -الآن هو يجيب عن سؤال افتراضي- قال: إذا استبعد هذا الكلام الذي ذكرته أنا سابقاً يا ابن الصلاح، إذا استبعد ذلك من الفقهاء الشافعية، مستبعد ذكرنا له نص الشافعي، يعني إذا جاءنا فقيه شافعي وقال: هذا الكلام لا نعلمه، من أين جئت بهذا التقسيم؟ وهذا قال: ذكرنا له نص الشافعي رضي الله عنه في مراسيل التابعين أنه يقبل منها المرسل الذي جاء نحوه مسنداً.
إذاً؛ الشافعي جاء بالاعتضاد، يعني أقر مسألة الاعتضاد، المرسل ضعيف، فإذا جاء نحوه من طريق مسند ارتقى فأصبح محتجاً به، وكذلك لو وافقه مرسل آخر، الشافعي أيضاً ذكر المرسل أنه يعتضد بالمرسل، والمرسل نوع من الضعيف يعتضد بمرسل آخر، لكن اشترط شرطاً في المعتضد أو العاضد، قال: لو وافقه مرسل آخر أرسله من أخذ العلم عن غير رجال التابي (التابعي) الأول.
يعني عندنا مرسلان؛ فإذا أرسل الحديث رجل من أهل المدينة كَسعيد بن المسيب مثلاً أو أبو سلمة بن عبد الرحمن الزهري، وأرسل الحديث أيضاً حديثاً شبيهاً به أرسله شخص من أهل البصرة أو من أهل الكوفة كَعلقمة بن وقاص النخعي، أو من أهل البصرة كابن سيرين مثلاً، فهنا مخارج المرسلين مختلفة؛ هناك تابعي شيوخه وتلاميذه من أهل البصرة، وهناك تابعي شيوخه وتلاميذه من أهل المدينة، فرجال هذا التابعي غير رجال هذا التابعي، فهذا المرسل يقوي هذا المرسل؛ لأنه لو كان رجال التابعي الأول هم نفس رجال التابعي الثاني ربما يكون المخرج واحداً فلا يكون هذا عاضداً لهذا، ولذلك قال: وكذلك لو وافقه مرسل -هذا كلام الشافعي ينقله بالمعنى- لو وافقه مرسل آخر أرسله من أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول.
في كلام له ذكر فيه وجوهاً يقول: نذكر لهذا الشافعي المستبعد لما ذكرنا، كلام الشافعي في الاعتضاد من الاستدلال على صحة مخرج المرسل بمجيئه من وجه آخر، وذكرنا له أيضاً ما حكاه -ثم غير الشافعي- هناك ما حكاه أبو المظفر السمعاني عن أصحاب الشافعي، ما حkاه الإام أبو المظفر السمعاني وغيره عن بعض أصحاب الشافعي من أنه تقبل رواية المستور وإن لم تقبل شهادة المستور، ولذلك وجه متجه، يعني هناك من الشافعية من قبلوا رجال المستور، ماذا قال هنا؟ قال الزركشي: لم أجده بالقواطع. نعم، هناك من الشافعية من قبل رواية المستور، رواية المستور المشتهر عنها أنها ضعيفة، قال: وهو لذلك وجه متجه؛ يعني يشرح كلام بعض أصحاب الشافعي: كيف وأنَّا لم نكتفي في الحديث الحسن بمجرد رواية المستور على ما سبق آنفاً؟
نعم، فيقول هذا المعترض من الشافعي: نذكر له كلام الشافعي في المرسل، ونذكر له ما نقله أبو المظفر السمعاني عن بعض أصحاب الشافعي من قبول رواية المستور.
يعني إذا اعتقد الثاني -الفرع الثاني، لعل الباحث الفهم يقول-: أنا نجد، تجد أحاديث محكوماً بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل حديث: الأذنان من الرأس، يعني مما يعترض على ابن الصلاح في مسألة الاعتضاد؛ لأنه قال: إن الحسن قسمان؛ أحد القسمين وهو الحسن لغيره سماه الحافظ، وهو الذي ظاهره الضعف لكن ارتقى بسبب وروده من جهة أخرى، قال: ربما يقول الباحث من الباحثين: هناك أحاديث كثيرة مروية بأسانيد مختلفة ووجوه كثيرة، لكن مع ذلك حكم النقاد بضعفها، مثل ماذا؟ مثل حديث: الأذنان من الرأس، ومثل حديث: من حفظ على أمتي أربعين حديثاً، ومثل حديث: البسملة في الوضوء، يعني من ترك البسملة أن وضوءه لا يصح، فهذه وردت من أوجه ومع ذلك حكم النقاد بضعفها، فجوابه هنا ونحوه: فهلا جعلتَ وأمثاله من نوع الحسن؟
يعني هذه الأحاديث التي حكم بضعفها هل لا جعلتموها من من نوع الحسن، وبذلك تخالفون النقاد؟ لأن بعض ذلك عارض بعضاً، كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفاً.
قال: وجواب ذلك أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه أخرى، بل ذلك يتفاوت، فمنه ضعف يزيله ذلك؛ يزيله المجيء بوجه آخر؛ بأن يكون ضعفه ناشئاً عن ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر -فيه راوي آخر تابعه- عرفنا أنه قد حفظه، ومما قد حفظه؛ لأننا أصلاً في ضعف الحديث عندنا بسبب ضعف حفظ ذلك الرجل الراوي، فلما تابعه غيره دل على أنه هنا ضبط الحديث؛ لأننا لما نضعف شخصاً بسبب سوء حفظه ليس معنى هذا أن كل ما يرويه ضعيف، لكننا احتياطاً للسنة نقول: ما رواه ضعيف إلا أن يعتضد، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه له.
وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الارسال زال بنحو ذلك، بمجيئه كما ذكرنا، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر.
ومن ذلك ضعف لا يزول -الضعف نوعان: ضعف يزول يزيله المجيء بوجه آخر، وضعف لا يزيله شيء- ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوه الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذاً؛ كان الحديث شاذاً يعني معناه أنه خطأ، فلا يعتضد بوجه آخر. وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فانه من النفائس العزيزة.
من حيث العموم؛ هذا التنظير تنظير لا كلام فيه، لكن في التطبيق نجد أنه يختلف تطبيق النقاد مع تطبيق المتأخرين الذين أخذوا كلام ابن الصلاح هنا؛ فتطبيق المتأخرين الذين أخذوا كلام ابن الصلاح يصبح عندهم الأذنان من الرأس من الحسن لغيره، وهكذا حديث: من حفظ على أمتي أربعين مع اتفاق النقاد على ضعفه، يعني حديث مثلاً: من حفظ على أمتي أربعين حديثاً ورد ربما من أربعين طريقاً، والسيوطي يقول في بعض الأماكن: إن الحديث إذا ورد من طرق كثيرة أصبح متواتراً، وبعضهم يذكر هذا في التواتر، وإن كان له كلام آخر، أقصد أن تطبيق المتأخرين أحياناً يكون مخالفاً أو ليس دقيقاً كتطبيق النقاد رحمه الله على الجميع.
الثالث: إذا كان راوي الحديث متأخراً عن درجة أهل الحفظ والإتقان، غير أنه من المشهورين بالصدق والستر، وروي مع ذلك حديثه من غير وجه؛ فهو ليس في الدرجة العليا من الحفظ والإتقان، ليس من رواة الصحيح، أنزل منهم درجة، وروي مع ذلك حديثه من غير وجه، فقد اجتمعت له القوة من الجهتين؛ أنه في مرتبة قوية نوعاً ما وجاء حديثه من وجه آخر. قال: وذلك يرقي حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح، يعني هذا الحسن لذاته الشخص الذي هو في درجه الحفظ والإتقان جيد أقل من ارباب (أرباب) الصحيح أو رجال الصحيح، فإذا اعتضد من وجه آخر ارتفع إلى درجه الصحيح.
ثم مثل على ذلك؛ مثاله: حديث محمد بن عمرو، محمد بن عمرو مشهور من العلماء علماء المدينة الكبار، لكن في حفظه شيء، محمد بن عمرو بن علقمة الليثي بن وقاص، عن أبي سلمة، أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أبوه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو أحد علماء المدينة السبعة على رواية، هو من الذين اختلف فيهم؛ اختلفوا فيه وفي سالم وفي أبو بكر بن عبد الرحمن عبد الرحمن بن هشام، نعم ثلاثة اختلفوا فيهم هل هو أحدهم السابع والسبعة.
المهم أن هذا ذكر في السبعة الفقهاء وهو من الأئمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». ومحمد بن عمرو هذا ابن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة والديانة ربما، شوف ماذا قال هنا؟
نعم، لكنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه، وثقه بعضهم لصدقه وجلالته، فحديثه من هذه الجهة حسن؛ لذاته، فلما انضم إلى ذلك كونه روي من... يعني الحسن لذاته هو شخص ثقه في غالب أمره لكن يوجد من يضعفه؛ لأنه عنده أخطاء متعدده، فلما انضم إلى ذلك كونه روي من أوجه اخر زال بذلك ما كنا نخشاه عليه من سوء حفظه، وانجبر به ذلك النقص اليسير، فصح هذا الإسناد والتحق بدرجة الصحيح والله أعلم. ومحمد بن عمرو أخرج له البخاري مقروناً بغيره في حديث واحد، وأخرج له مسلم عدة أحاديث، لكن بتتبعها نجد أن لها أنها متابعات، يعني ليس هو وحده، لكن هناك ألفاظ في مسلم انفرد بها محمد بن عمر، يعني الحديث ككل مروي وقد ذكره مسلم بطرق، لكن نجد في بعض الألفاظ أنها من الألفاظ التي ذكرها محمد بن عمر وحده، فمن هذه الجهة قد يقول قائل بأن مسلما احتج به.
نعم. الرابع: كتاب أبي عيسى الترمذي؛ قال: هذا الكتاب أصل في معرفة الحديث الحسن، اي نعم، هم من أين أخذوا كلمة الحسن؟ من كلام الترمذي، فالترمذي الذي غالباً ما يقول في كتابه: هذا حديث حسن، أو حسن صحيح، يعني ذكره لكلمه حسن كثير جداً، يعني يضارع كلمة الصحيح تقريباً وربما أكثر، وهو الذي نوه باسمه وأكثر من ذكره في جامعه -يعني في السنن تسمى الجامع وتسمى السنن- ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه، يعني أن كلمة حسن يوجد في بعض كلام الأئمة قبل الترمذي كأحمد بن حنبل وغيره، وعلي بن المديني، والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما.
وتختلف النسخ من كتاب الترمذي في قوله: هذا حديث حسن، أو هذا حديث حسن صحيح. نعم، هناك بعض المواضع في سنن الترمذي تختلف فيها النسخ؛ فنجد بعض الأئمة يقول: إن الترمذي قال: هذا حديث حسن، ونجد بعضهم يقول إنه قال: حسن صحيح، ونجد في بعض الطبعات هذا، ونجد في بعضها هذا، ونحو ذلك، فينبغي أن تصحح أصلك به بجماعة أصول، يعني هو يتكلم في عصره أنهم ذاك الوقت تعرفون ليس هناك يعني الطباعة فكانوا الناس ينسخون أصولاً أو كتباً أو نسخاً من أصول، فلا بد أن تصحح أصلك الذي عندك باصول مقروءة على جماعة من الحفاظ، وتعتمد على ما اتفقت عليه تلك الأصول، يعني إذا اختلفت فما اتفقت عليه تعتمد، وما اختلفت ترى الأكثر مثلاً.
طبعاً وفي هذا العصر يعني كفينا المؤونه، هناك من حقق الترمذي: أحمد شاكر وبشار أيضاً عواد، ولكن لو أراد مريد أن يتحقق من هذه العبارات فعليه بتحفة الأشراف للمزي رحمه الله عليه؛ فانه أشد الناس معرفة لذلك، وقبله أيضاً ابن عساكر في كتابه الأشراف وهو في الأطراف الأربعة، وهو الذي عليه اعتمد المزي رحمه الله عليه، لكن هذا الكتاب مخطوط ما زال مخطوطاً، وعندي نسخ من تلك المخطوطة، بعضها بخط الضياء المقدسي حافظ، وبعضها بخط حفيد ابن رحمه الله عليه.
المهم قال: ونص الدارقطني في سننه على كثير من ذلك، يعني على كثير من كلمة حسن، الدارقطني ينص في سننه فيقول: حديث حسن أو حديث صحيح.
ومن مظان؛ مظان الحديث الحسن أيضاً سنن أبي داوود؛ السجستاني رحمه الله روينا عنه أنه قال -ذكرت فيه، يعني في كتابه طبعاً- روينا عنه أنه قال هذا في رسالته لأهل مكة، وهذه الرسالة سندها واحد لكن يغلب عليها الصحة. قال: ذكرت فيه، يعني في سننه؛ الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ما هو الذي يشبهه ويقاربه؟ الحسن. وروينا عنه أيضاً ما معناه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه في ذلك الباب، فكلمة أصح ما عرفه في ذلك الباب تحتمل الصحة وتحتمل.
الحسن وتحتمل الضعف أيضاً. قال: وما كان في كتابه من حديث فيه وهْن أو وهن كلاهما صحيح شديد فقد بينته، هذا في رسالة لأهل مكة، يقول: ما كان في كتابي من حديث فيه وهْن شديد أو وهْن شديد فقد بينته في كتابي.
طبعاً وفي ذلك تختلف سنن أو نسخ أبي داود، ففي نسخ ابن داسة، في رواية ابن داسة كثير من التعليقات لأبي داود ليست في رواية اللؤلؤية التي هي بين أيدينا. رواية اللؤلؤ هي التي بين أيدينا، ورواية ابن داسة هي التي يروي عن طريقها البيهقي رحمه الله عليه، ويذكر ما فيها أيضاً صاحب تحفة الأشراف رحمه الله على الجميع.
قال: ما كان في كتابي من حديث فيه وهْن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض. بعدما نقل كلام، يريد أن يبين أن هذا الكلام يدلنا على أن في سنن أبي داود الحسن، يعني هناك أحاديث حسنة في سنن أبي داود، فسنن أبي داود من مظنة الحديث الحسن.
قلت يقول ابن الصلاح: فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مذكوراً مطلقاً، وليس في واحد من الصحيحين؛ إذا كان في واحد من الصحيحين معناه حديث صحيح لأنه صحيح ولا نص على صحته أحد من المميزين بين الصحيح والحسن. إذا نص على صحته أحد من النقاد الذين يميزون بين الصحيح والحسن فهذا صحيح أيضاً.
عرفناه بأنه من الحديث الحسن عند أبي داود، يعني الحديث الذي سكت عليه أبو داود ليس في الصحيحين ولا أحد صححه، فيصبح عند أبي داود حسن لأن ماذا قال أبو داود؟ فهو صالح؛ ما سكتت عنه، ما لم أذكر فيه شيء فهو صالح.
طيب صالح ما معنى صالح؟ قال: يدخل فيها وبعضها أصح من بعض، يدخل فيها الصحيح ويدخل فيها الحسن. هل يدخل فيها الضعيف؟ ابن الصلاح كأنه يقول لا في كلامه هذا أن الضعيف لا يدخل، لكن اعترض عليه أن أبا داود يقصد بالصلاحية صلاحيته للاحتجاج أو للاعتبار.
وأبو داود على مذهب الإمام أحمد من احتجاجه بالحديث الضعيف احتياطاً، وطبعاً هذا الاحتجاج ليس مطلقاً في بعض الأحاديث الضعيفة التي يرون أن هذا الضعف ليس مانعاً من الاحتجاج به احتياطاً بسبب الباب الذي هو فيه يعني يتساهل فيه. فقوله فهو صالح؛ يعني صالح إما للحجة أو العمل، أو صالح للاعتبار. بعضهم يقول صالح للاعتبار، ولكن كلام أبي داود لا يدل على كلمة الاعتبار.
فهذا عند أبي داود. فإذا قلنا صالح للحجة؛ ربما يعني يتوافق هذا مع قول ابن الصلاح أنه حسن عند أبي داود، حسن يعني مقبول. وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره، هذا حتى لا يعترض أحد عليه على ابن الصلاح أن هناك أحاديث في أبي داود ليست بحسنة هي ضعفها غير أبي داود.
فهو يقول: لا أنا أقول إنه عند أبي داود حسن، أو عند أبي داود صالح. ما الذي يمكن الاعتراض به على هذا الكلام؟ لو وجدنا هناك أحاديث في سنن أبي داود سكت عنها وضعفها في مواضع أخرى، فنقول إنه سكت عنه وهو صالح عنده للاحتجاج مع ضعفه، فليس هو حسناً، فليس داخلاً في مصطلح الحسن الذي شهرناه هنا أو الذي عرفناه هنا.
ما يمكن أن يعترض به على ابن الصلاح، إن شاء الله يكون كلامي مفهوم، قال: وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره، يعني عند غير ابن الصلاح، ولا مندرج فيما حققنا ربط الحسن به على ما سبق، يعني قد يكون هذا جميل.
يقول الذي حققنا أنه يضبط به الحسن سواء قلنا الحسن لغيره أو الحسن لذاته؛ قد يوجد فيما سكت عنه أبو داود ما ليس مندرجاً تحت ذلك، لكن أبو داود يرى أنه حسن، وهذا رأيه لأنه سكت عنه ولو كان فيه شيء من الضعف على ما ذهبنا إليه أو على ما بيناه في الحسن أنه ليس بحسن.
طيب فأبو داوود يرى أنه حسن، هذا كلام ابن الصلاح، لكن إذا وجدنا أن أبا داود يضعف بعض تلك الأحاديث خارج السنن، معناه أن قوله صالح ليس مقصوده الحسن الذي عرفه ابن الصلاح أو الذي اصطلح أهل الاصطلاح على أنه درجة، وإنما المقصود بالصلاحية صلاحية الاحتجاج به وإن كان ضعيفاً. نعم، أتمنى يكون كلامي مفهوم.
قال: إذ حكى أبو عبد الله بن منده الحافظ أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن كل من لم يُجمع على تركه، معناه يخرج للضعيف. قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال.
إذا هو كأنه يعني احتاط لئلا يُنتقد، فكانه يقول: قولي بأنه حسن عند أبي داود لا يُعترض عليه بأن أبو داود يخرج الحديث الضعيف هو ضعيف الإسناد لكنه حسن لأنه سكت عنه، ويصبح هذا الحسن كأنه اصطلاح خاص بأبي داود، ولذلك قلت إنما يعترض عليه لو وجدنا لأبي داود أحاديث ضعفها خارج السنن وسكت عليها في السنن، وأظن أن هناك أمثلة ذكرها الحافظ ابن حجر رحمه الله عليه، وبالتالي يصبح كلمة صالح عند أبي داود المراد بها صالح للحجية وإن كان ضعيفاً، وليس المراد بها الحسن الذي ذهب إليه ابن الصلاح.
يعني أبو داود أصلاً لا يرى كلمة حسن، لا يرى مصطلحاً اسمه حسن عندهم، إما صحيح وإما ضعيف، وبعض الضعيف يصلح للاحتجاج كما أن الصحيح صالح للاحتجاج، فيقول ما سكتت عنه يوجد فيه صحيح صالح للاحتجاج ويوجد فيه ضعيف صالح للاحتجاج، هذا ما أفهماه من مراد أبي داوود. وأما ما ذكره الحافظ ابن الصلاح فكانه أراد أن يحمل أبا داود ما اصطلح عليه هو من فهمه لكلام الترمذي وغيره.
نعم الخامس ما صار إليه صاحب المصابيح مصابيح السنة. البغوي عنده كتاب اسمه مصابيح السنة قسمه قسمين، فسمى الصحاح وسمى الحسان. قال من تقسييمه أحاديثه من تقسيم أحاديثه إلى نوعين الصحاح والحسان، مريداً بالصحاح ما ورد في أحد الصحيحين أو فيهما، وبالحسان ما أورده أبو داود والترمذي وأشباههما في تصانيفهم.
هذا اصطلاح لا يعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك. هذا اصطلاح خاص بصاحب المصابيح. صاحب المصابيح يقول ما في الصحيحين أو أحد الصحيحين، وما خرج عن الصحيحين هو حسن، كأنه أراد بدل أن يقول أخرجه فلان أو فلان خلاص افهموا من قول حسن أنه في هذه الكتب.
قال: وهذه الكتب تشتمل على حسن وغير حسن كما سبق بيانه والله أعلم، يقصد السنن.
السادس كتب المساند غير ملتحقة، كتب المساند أو المسانيد مثل مسند أحمد ومسند أبو داود الطيالسي ومسند أبي يعلى نعم الموصلي ومسند البزار ومسند أبي اسحاق إسحاق بن راهويه ومسند مسدد وغيره من المسانيد الكثيرة، يقال عنها مسانيد ويقال عنها مساند.
قال: كتب المساند المسانيد هذه هي كتب مصنفة حسب أحاديث الصحابة، سميت مسانيد يقولون مسند أبي هريرة ويوردون أحاديث أبي هريرة كاملة في نفس المكان، ومسند أبي بكر ومسند عمر ومسند ابن عمر ومسند علي ومسند خالد، يسمون الكتاب أقسام. وأما كتب السنن والصحاح فهي مرتبة على الأبواب، باب الطهارة باب كتاب الطهارة، كتاب الصلاة كتاب الحج، هذا الفرق بين هذه وهذه. ولذلك فموضوع كتب الجوامع الصحاح وكتب السنن موضوعها هو الأحكام والفقه، ولذلك بوبوها على الفقه فيختارون في كل الأبواب أصح ما ورد في ذلك الباب، أما موضوع المسانيد فهو جمع أحاديث الصحابي سواء كانت أصح أو غير أصح، وبالتالي نزلت رتبتها بسبب موضوع التأليف لا بسبب أن المصنف مثلاً أقل رتبه من أصحاب الصحاح والسنن.
قال: كتب المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخَمْسة. ما هي الكتب الخَمْسة التي هي الصحيحان وسنن أبي داود وسنن النسائي وجامع الترمذي وما جرى مجراها في الاحتجاج بها؟ طبعاً الحق بها ابن ماجه رحمه الله عليه فصارت السنن أو الكتب ستة.
قال: وما جرى مجراها في الاحتجاج بها والركون إلى ما يورد فيها مطلقاً، كمسند أبي داود الطيالسي. يعني كتب المساند غير ملتحقة بهذه في الركون إليها، مثل ماذا المساند؟ كمسند أبي داود الطيالسي ومسند عبيد الله بن موسى ومسند الإمام أحمد بن حنبل ومسند إسحاق بن راهويه ومسند عبد بن حميد ومسند الدارمي. حقيقة أن مسند الدارمي سنن وسمي مسند الدارمي لكنه من قبيل السنن، وهو يرتقي إلى مرتبة السنن الخَمْسة السنن الأربعة بل يتفوق على ابن ماجه، فلا أدري كيف عده هنا رحمه الله عليه، شوف هل علق هنا؟
قال الزركشي: وينتقد على المصنف في ذكره هنا من وجهين، أحدهما أن مسند الدارمي مرتب على الأبواب لا على المسانيد إلا أن يقصد الاسم المشهور به، يعني اسمه الثاني جعله من الكتب الخَمْسة وقد أطلق جماعة عليه اسم الصحيح. نعم هو يعني من أنظف الكتب إسناداً، وهو في مرتبة البخاري من حيث المعرفة بالعلل والصحة. الدارمي كان الترمذي يقول عنه إنه لم يجد في بلده مثل البخاري والدارمي، ثم رجح البخاري على الدارمي.
قال ومسند أبي يعلى الموصلي ومسند الحسن بن سفيان ومسند البزار أبي بكر وأشباهها، فهذه عادتهم فيها أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثاً محتَجّاً به، فلهذا تأخرت مرتبتها وإن جلت لجلالة مؤلفيها عن مرتبة الكتب الخَمْسة، يعني مؤلفوها منهم من هو أعلى منزلة من أصحاب الكتب الخَمْسة وما التحق بها من الكتب المصنفة على الأبواب والله أعلم.
نعم السابع قولهم هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد دون قولهم هذا حديث صحيح أو حديث حسن، لأنه قد يقال هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصح لكونه شاذاً أو معللاً، غير أن المعتمد ها المصنف المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله إنه حديث صحيح الإسناد ولم يذكر له علة ولم يقدح فيه، فالظاهر منه الحكم له بأنه صحيح في نفسه، لأن عدم العلة والقدح هو الأصل والظاهر والله أعلم.
ما معنى كلامه هنا؟ في الحقيقه كلامه هنا لا أدري هل علق عليه المعلق؟ قال تاج التبرزي قال: لا نسلم أن قوله حديث صحيح الإسناد يحتمل كونه شاذاً أو مردوداً ليكون دون قولهم هذا حديث صحيح، فإن صحة الإسناد مستلزمة لصحة المتن دون العكس. والحكم هذا كلام جيد جداً.
أقول: إن قول الحافظ ابن الصلاح هنا التفريق بين حديث صحيح الإسناد وحديث صحيح أن هذا أعلى مرتبة من هذا، من صحيح الإسناد؛ هذا قول أظنه استنبطه هو بنفسه دون أن يكون هناك نص من الأئمة عليهم. الحقيقة أن قولهم هذا حديث صحيح الإسناد من معرفتي ومن تتبعي لصنيعهم هم يقصدون أنه صحيح، فإذا قالوا حديث صحيح وحديث صحيح الإسناد هما بمعنى واحد، لكن كلام الحافظ ابن الصلاح اعتمد عند المتأخرين فأصبحوا ماذا يفعلون؟ أصبحوا ينظرون إلى الإسناد، فإذا وجدوا الإسناد ظاهره الصحة قالوا صحيح الإسناد حتى يعني يتعب في البحث عن هل له علة أو لا، فيقولون ما دام أنه صحيح الإسناد لا يقتضي صحة الحديث كصحة متنه، فيسهل عليهم أن يقولوا هذا حديث صحيح الإسناد.
فصار المتأخرون والمعاصرون بالذات يكثرون من ذلك فيرون صحة الإسناد فيقولون هذا صحيح الإسناد وقد يكون الحديث معللاً، فإذا كان معلولاً لم يكن صحيح الإسناد في الحقيقة. فقولهم صحيح أو صحيح الإسناد هما بمعنى واحد عند المتقدمين، أما الآن عند المتأخرين وبالذات المعاصرين أصبحوا يميزون بينهما بسبب كلام ابن الصلاح هذا، فكأنهم تبنوه وساروا ينظرون إلى الحديث وبدلاً من أن يبحثوا عن علة له أو عن طرق له أو عن ما يشكل عليه إذا رأوا إسناده صحيحاً قالوا هذا حديث صحيح الإسناد.
وهناك أعجب من ذلك وهو المباينة بين الإسناد والمتن، فأحياناً يقولون هذا حديث ضعيف الإسناد وهو صحيح الحديث، يكون في الصحيحين أحياناً بسبب أن فيه راوياً ضعيفاً في ذلك الكتاب وضعفه محتمل وقد تابعه عليه ناس في الصحيحين، يقولون هذا حديث ضعيف الإسناد وهو صحيح في الصحيحين. وهذا ليس له معنى، التفريق بين صحة الإسناد وصحة المتن في الحقيقة لا معنى له ولم أره في كلام المتقدمين، لكن هذا ما ذكره ابن الصلاح وهذا ما مشى عليه المتأخرون فينبغي التنبه لذلك.
الثامن أنا أراد أن أرى كم بقي على الصحيح أو الحسن، خلاص الحمد لله بقي هذا فقط موضعين آخرين.
الثامن في قول الترمذي وغيره هذا حديث حسن صحيح. إشكال لأن الحسن قاصر عن الصحيح كما سبق إيضاحه، ففي الجمع بينهما في حديث واحد جمع بين نفي ذلك القصور وإثباته. هذا الافتراض على ما بينه هو ابن الصلاح وغيره من أن الحسن معناه كيت معناه درجة والصحيح درجة. لكن ما ذكرته لكم أن الحسن عند الترمذي ليس المقصود به درجة، يؤيده قول الترمذي في كثير من الأحاديث هذا حديث حسن صحيح، فكلمة حسن قطعا أو يظهر منها أنها ليست درجة وإلا لما اجتمعت مع الصحة.
فهم استشكلوا هذا، كيف يجمع بين درجتين في قول واحد؟ فأخذوا يجيبون على ذلك قال: وجوابه أن ذلك راجع إلى الإسناد، فإذا روي الحديث الواحد بإسنادين أحدهما إسناد حسن والآخر إسناد صحيح استقام أن يقال فيه إنه حديث حسن صحيح، أي أن هناك إسنادين واحد حسن وواحد صحيح.
حسن؛ بالنسبة إلى إسناد صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر، على أنه غير مستنكر أن يكون بعض من قال ذلك أراد بالحسن معناه اللغوي، يعني هل يمكن أن يكون أراد المعنى اللغوي، أو بعض من قال ذلك ممن هم غير الترمذي يقصد وهو ما تميل إليه النفس يعني عند غيره ولا يأباه القلب دون المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصدده؟
فاعلم ذلك والله أعلم. طبعا هذا الكلام انتقد عليه، لأن هناك أحاديث كثيرة يقول فيها الترمذي هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه، يعني أو لا نعرفه إلا من رواية فلان فليس له إسنادان، ومع ذلك يقول فيه حسن وصحيح. وخاض من بعد ابن الصلاح في ذلك، وأوردوا فيها أقوالاً كثيرة جداً.
وآخرهم السيوطي في منظومته في الألفية، وأورد يعني معنيين من عنده وقال في ذلك: وقد بدا لي فيه معنيان لم يوجدا لأهل هذا الشأن، أي حسن لذاته صحيح لغيره لما بدا ترجيحه، أو حسن عن الذي به يحد وهو أصح ما هناك قد ورد. يعني وهذه من الغرائب، كوننا نجعل المصطلح الواحد له عدة معانٍ، هذا ليس من صنيع أهل العلم.
يعني إذا كان الترمذي يعرف الحسن بتعريف في آخر كتاب العلل، ثم نقول لا، هذا التعريف ينطبق على بعض المواضع، وبعض المواضع ينطبق عليها شيء آخر، أصبحنا نقول إن هذا الإمام الذي عرف الحسن عنده يعني كأنه عمي علينا أو لم يفهمنا أو لم يأت بتعريف الحسن عنده كله.
لكن الخلل فيما أقدم هو في فهمنا لكلمه الحسن عند الترمذي، والذي أراه والله أعلم أن كلمة الحسن على ما ذكره الترمذي يريد حسن إسناده، ولما يقولون حسن إسناده معناه أن هناك لطيفة في ذلك الإسناد، وعادة يقال الحسن في الأحاديث التي فيها نوع غرابة.
فإذا والغرابة لها صور كثيرة، إما غرابة في أول السند أو في آخره، أو في زيادة فيه، أو في رواية معينة رواية فلان عن فلان، فإذا كان الحديث غريباً وجاء من وجه آخر يعزز تلك الغرابة أنها صحيحة، قال عنه حسن، وقد يجتمع مع ذلك الصحة في السند، وقد يجتمع مع ذلك غرابة في موضع آخر، فكلمة حسن هي رفع لغرابة ما في نظري والله سبحانه وتعالى.
وقد يكون هذا الرفع بوروده من صحابي آخر، سواء مرفوعاً أو موقوفاً، فيستحسن هذا الإسناد الغريب الذي يحتمل التصحيح، فيستحسنه لوجوده من جهة أخرى تبعد هذه الغرابة نوعاً ما. يعني هذا المعنى ربما لا يكون مفهوماً للبعض، وإذا قدر الله سبحانه وتعالى لنا وقتاً لشرحه باستفاضة إن شاء الله أبينه، لأن الترمذي يطلق الحسن على أحاديث ضعاف فيقول هذا حديث حسن ليس إسناده بالقائم في بعض الأماكن، وما يذكره الأئمة الآخرون كأحمد والبخاري يريدون بالحسن ما أراده الترمذي نفسه، وهو إزالة غرابة ما في حديث معين، والله سبحانه وتعالى أعلم.
التاسع: من أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن ويجعله مندرجاً في أنواع الصحيح، وهذا الذي عليه كافة النقاد لاندراجه بأنواع ما يحتج به، وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله، بل هو الظاهر من صنيع الصحيحين في تصرفاته، واليه يومئ في تسميته كتاب الترمذي بالجامع الصحيح، وأيضاً الصحيحين أطلق عليها الصحيحان وفيهما أحاديث من رسم الحسن الذي ذكروه، بل ومن رسم الضعيف المعتضد بغيره المترقي إلى الحسن لغيره كما يقولون.
وأطلق الخطيب أبو بكر أيضاً عليه اسم صحيح وعلى كتاب النسائي، وذكر الحافظ أبو طاهر السلفي الكتب الخسة وقال: اتفق على صحتها علماء الشرق والغرب، وهذا تساهل قد يراد بالصحة ليست الصحة المصطلحية، وإنما أنه ليس فيها أخطاء من رواتها من مصنفيها، يعني أن تلك الأسانيد صحيحة صحيحة الرواية ليست أخطاء.
يعني لما يأتينا البزار ويذكر في مسنده أحاديث ويكون هو أخطأ فيها، فيعرف خطأه من جهة أحاديث أو كتب أخرى، لكن هذه الكتب الخمسة لا نجد فيها حديثاً نقول فيه أخطأ فيه الترمذي، أو أخطأ فيه النسائي، أو أخطأ فيه أبو داود، أو أخطأ فيه البخاري، أو بانفرادهم به ومخالفة غيرهم له، وهذا معنى الصحيح الذي أرادوه فيما أقدم والله أعلم، وبالتالي لا يكون هناك انتقاد عليهم، لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفاً أو منكراً.
طيب، هل هؤلاء، هل أبو طاهر السلفي وابن منده والخطيب لما يقولون صحيحه يغيب عنهم الضعيف والمنكر الذي فيها والذي نصوا على أنها ضعيفه أو أو حديث ضعيف أو منكر؟ لا يغيب ذلك عنهم، وإنما أرادوا صحة ما رووه هؤلاء العلماء فيها، يعني أن الأحاديث ثبتت إلى مشايخهم أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف.
وصرح أبو داود فيما قدمنا روايته عنه بانقسام ما في كتابه إلى صحيح وغيره، والترمذي المصرحون فيما في كتابه بالتمييز بين الصحيح والحسن بل والضعيف. ثم إن من سمى الحسن صحيحاً لا ينكر أنه دون الصحيح المقدم المبين أولاً، يعني هو ليس هناك مصطلح عندهم اسمه الحسن، عندهم صحيح، والصحيح مراتب، كما أن عند ابن الصلاح الصحيح نفسه المرتفع عن الحسن مراتب، فيمكن أن يدرج في هذا، لأنه معنى الصحيح معناه أن هذا الحديث رواه عدل رواه مضبوطاً أو ضبطه.
فإذا كان المعول على ضبط الحديث نفسه، فهذا يدخل فيه الراوي الذي في حفظه شيء، يدخل فيه مالك، يدخل فيه ابن عمر، يدخل فيه يزيد بن أبي زياد، يدخل فيه ناس ضعفاء وصدوقون، يدخل فيه ابن إسحاق إذا تأكدنا أنه ضبط الحديث فصار حديثاً مضبوطاً أي صحيحاً.
ولذلك ما عندهم شيء اسمه الحسن، لأنهم لا ينظرون إلى الرجل، وإنما ينظرون إلى هل الحديث ضبط، هل الحديث محفوظ أم لا؟ ولذلك نجد في رواة الصحيحين، يعني رجال الصحيحين كمالك وغيره لهم أخطاء في أحاديث معناه لم يضبطها فسميت ضعيفة، هذا حديث ضعيف أخطأ فيه فلان أو أخطأ فيه مالك أو لم يضبطه ابن عيينة، مع أنه يعني درجته في أعلى مرتبة الصحيح الرجل، لكن هناك حديث أخطأوا فيها فترد إلى مرتبة الضعيف.
فهكذا الضعيف الذي فيه نوع ضعف ما إذا ضبط الحديث يرتقي إلى درجة الصحة، فالشأن هو المعول على الضبط في الحديث، وهذا الكلام يومئ تعريفات لأئمة للصحيح كالحميدي، وأيضاً الذهلي رحمه الله عليهم، وقد نقل كلامهم الخطيب البغدادي في الكفاية.
لكن ابن الصلاح جعل الصحيح معتمداً على يعني الراوي نفسه درجة الراوي، وبالتالي صارت هناك درجة للحسن، وبالتالي صارت هناك درجة للضعيف. والمعول في حقيقة الأمر عند النقاد هو على ضبط الحديث وعدم ضبطه إذا كان الراوي عدلاً، وأما إذا كان الراوي غير عدل فهذا خارج عن الصحيح مطلقاً.
قال: لا ينكر أنه دون الصحيح، فهذا إذن اختلاف في العبارة دون المعنى، يعني هذا يقول هو أنه اختلاف في اللفظ، يعني لا ثمرة تحته.
النوع الثالث: وهو معرفة الضعيف، هذا نرجعه إلى الدرس القادم إن شاء الله، وبهذا نكون انتهينا من درس الليلة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري