السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام والأخوات الكريمات. الحمد لله ثم الحمد لله. الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد أيها الإخوة، هذا مجلسنا الخامس عشر الذي أحمد الله جل في علاه أن وفقنا إلى بلوغه. انتهينا في المجلس الرابع عشر من الحديث بالقدر المطلوب حول الإصابة في الوصف، ونأتي الآن إلى عيار الإصابة في الوصف. قال: وعيار الإصابة في الوصف الذكاء وحسن التمييز. فما وجداه صادقاً في العلوق، ممازجاً في اللصوق، يتعسر الخروج عنه والتبرؤ منه، فذاك سيماء الإصابة في الوصف أو سيماؤه.
ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال في زهير: كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال، فتأمل هذا الكلام فإن تفسيره ما ذكرناه. سنرى هنا كذلك، أي في عيار الإصابة في الوصف، إحالة على الطبع الشعري كما كان في عيار اللفظ أو جزالة اللفظ، ولكن بما يليق وصفه في مقام حديث الوصف. فالذكاء وحسن التمييز هما تمثل للقريحة في قضية الوصف، كما كان الطبع وإدراك اللفظ به هما تمثل للقريحة في قضية اللفظ.
وأما في قضية الوصف، فيحتاج الواصف إلى تخليص الأوصاف التي يتحقق بها غرضه، وإلى عرضها، أي عرض هذه الأوصاف، العرض الذي يوافق خاصة مراده. وأما قوله صادقاً في العلوق، أي في تعلق الأوصاف بالموصوف في سياقه. وقوله ممازجاً في اللصوق، أي لو نظرنا إلى الموصوف وجدناه متماهياً مع الأوصاف ولم نجدها متكلفة عليه فتظهر مباينة له.
هناك أوصاف تجدها مقحمة على الوصف، ولا ترى أنها تلائمه، فيظهر التنافر والتباين في الكلام بين الوصف والموصوف، فلا تمازجه عند اللصوق، وإنما تلتصق على ظاهره لأن المتكلم لصقها به. أما الوصف الصحيح، فأنت ترى الأوصاف عند إلحاقها بالموصوف تتمازج معه، فلا ترى أنها مركبة عليه غريبة فيه. والسيما هي العلامة، كما قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29]، أي علامتهم.
أما قوله ويروى عن عمر رضي الله عنه، والمراد هنا عمر بن الخطاب، أنه قال في زهير: كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال، ففيه بيان مهم من جهتين. أما الجهة الأولى فهي في تفسير كلمة عمر بن الخطاب وفي تفسير كلمته، لأن هذه الكلمة وردت بصيغتين أو بأكثر، والذي يحينا هنا صيغتان. نقرأ الصيغة الأولى في كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام في حديثه عن زهير بن أبي سلمة في الجزء الأول صفحة 63، قال محمد بن سلام الجمحي: أخبرني عيسى بن يزيد بن دأب بإسناد له عن ابن عباس قال: قال لي عمر: أنشدني لأشعر شعرائكم. قلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير. قلت: وكان كذلك؟ قال: كان لا يعاضل بين الكلام، ولا يتبع وحشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه.
والذي يحينا هنا هو قوله ولا يمدح الرجل إلا بما فيه. وأما قوله كان لا يعاضل بين الكلام ولا يتبع وحشيه، فالثاني وهو اتباع الوحشي داخل في جزالة الألفاظ. وأما المعاضلة فموزعة بين جزالة الألفاظ والتحام أجزاء النظم، وهو يأتي في عمود الشعر، أما شاهدنا فهو قوله ولا يمدح الرجل إلا بما فيه. ففهم البعض من هذا، لا سيما من بعض المعاصرين غير المحققين، أن المقصود هو الصدق الأخلاقي.
وقد مر معنا تحقيق أن الصدق والكذب بهذا المعنى ليس مما يرد في الشعر، بل نص العلماء على ذلك صريحاً، بل نص على أن أكثر شعر العرب إنما يريدون به الفن لا أن يحققوا الخبر والقول. أما قول عمر بن الخطاب ولا يمدح الرجل إلا بما فيه، فإنه يراد به أنه لا يمدحه إلا بما يمدح به الرجل من حيث كونه رجلاً، أي من جنس الرجال، وهذا ما فهمه العلماء كما نص عليه المرزوقي فقال: كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال. وسيأتي تنبيه الطاهر بن عاشور رحمه الله إلى هذا.
وإنما أنبه إلى هذا الأمر لأن بعض الذين يقرؤون الكتب مفرقة من غير أهل التحقيق والنقد وتمييز الكلام، يقرؤون هذه العبارة عند ابن سلام في الطبقات فيطيرون بها، ويقولون ها هو عمر بن الخطاب يمدح الرجل في شعره فيجعله سبب شاعريته وسبب فحولته أنه صادق في الشعر، ولا يربطون بين هذا وبين ما عند المرزوقي لما رواها: كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال، ولا بما عند قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر. وقدامة بن جعفر من عصر المرزوقي، يقول قدامة بن جعفر في كتاب نقد الشعر تحت فصل نقد نعت المديح: ما أحسن ما قال عمر بن الخطاب في وصف زهير حيث قال: إنه لم يكن يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال. وهذه عبارة المرزوقي كذلك، وهذا ما فهموه من قول ابن سلام: لا يمدح الرجل إلا بما فيه، أي في الرجل من حيث كونه رجلاً، أي في جنس الرجل، والقدماء يختصرون الكلام جداً.
وابن سلام توفي قبل المرزوقي وقدامة بن جعفر بما يقرب من القرن. فيقول بعدها قدامة بن جعفر: فإنه في هذا القول إذا فهم وعمل به منفعة عامة، وهي العلم بأنه إذا كان الواجب ألا يمدح الرجال إلا بما يكون لهم وفيهم، فكذا يجب ألا يمدح شيء غيره إلا بما يكون له وفيه وبما يليق به أو لا ينافره. ومنفعة أخرى ثانية وهي توكيد ما قلنا في أول كلامنا في المعاني من أن الواجب فيها قصد الغرض المطلوب على حقه وترك العدول عنه إلى ما لا يشبهه، فالحديث إنما هو في المعاني اللائقة، هكذا فهمه قدامة بن جعفر وهكذا فهمه المرزوقي.
ثم نرى بعد ذلك من أسميهم بخوارج القراء، الذين يقرؤون بعض الكتب دون بعض أو يقرؤونها مفرقة ولا يحققون ولا يصلون ولا يدققون، هذا فضلاً عن أنه لا يتأتى لهم أن يجعلوا الصدق عياراً لفحولة الشاعر، والحال أنه قد نص العلماء على أن أكثر شعر العرب إنما هو اختلاق إمكاني، أي أنهم يختلقون ما يمكن أن يختلق وأن يتصور فعله، لأن الشعر كما عرفنا إنما يراد به التخييل لا التحقيق. فالشاعر ليس من وظيفته في الأساس أن تخبر به عن حقائق، وإنما الشعر جنس من القول من رسمه أن تخبر به عن انفعالات، وهذه الانفعالات ربما تكون حقائق وربما تكون اختلاقات، وكثيراً ما تكون اختلاقات.
أما الجهة الثانية في نظرنا في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو أن هذا الأثر المنقول عن عمر إنما هو في مسألة من مسائل الوصف، وليس في كل باب الوصف، وإنما هو اقتصار على أن تكون الأوصاف مما تنطبق على الموصوف وتليق به. وهذا في حقيقته يعود إلى الباب الأول من الشعر، من عمود الشعر، وهو صحة المعنى، وباب صحة المعنى باب واسع جداً، وتطبيقاته أكثر مما يتصور الدارس لأول وهلة.
فحديث بعض علماء النقد على الغلو ورفضهم للغلو الشديد إنما هو لأن الغلو سيؤول إلى غلط في المعنى وفساد تصور. ولهذا كان قول أبي الطيب المتنبي: كفى بجسمي نحولاً أنني رجل لولا مخاطبتي إياك لم ترني معيباً، لأنه اشتد في المبالغة وفي الاستدلال عليها حتى أفسد وغالى في المبالغة وفي الاستدلال عليها حتى أفسد. ولم يكن هذا واقعاً عند أبي فراس مثلاً، حينما قال: أو عند عمر بن أبي ربيعة حينما قال: قليل على ظهر المطية ظله سوى ما نفى عنه الرداء المحبر. أو عند أبي فراس الحمداني حين قال: إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى وأذللت دمعاً من خلائقه الكبر.
لأن الشاعر في هذين البيتين أطلق الصورة وترك العقل يأخذ منها أقصى الممكن. وهذه قاعدة في الشعر، أنك إذا، وخذوا هذه فائدة هذا التقييد، أن الشاعر إذا دخل في الإحالة فإنما يريد أقصى المعنى. وهذا جار في كلامنا، كما تقول إنني سأهد الدنيا وأنت لن تهد غرفة، أو تقول سأطير في السماء وأنت تريد ما سينتابك من الفرح والخفة ولن تطير حقيقة، أو تقول لحبيبتك أحضر لك النجوم وأنت لن تستطيع إحضار سيارة، لكنه أقصى الممكن. تقول مهدداً سأخرب الدنيا ولن تخرب شيئاً ولن يسمح لك القانون، لكن المقصود أنك ستحدث ما تقدر عليه، وهذا الكلام معروف مدون في كلام العلماء.
أما الشيء الذي أضيفه هنا فائدة لكم، فهو أنه إذا كان كذلك وصلح هذا في شعر عمر بن أبي ربيعة وشعر أبي فراس الحمداني، فلماذا لم يصلح في شعر المتنبي في البيت المذكور؟ والجواب: أن أبا الطيب يشتد في المبالغة حتى يقيم عليها دليلاً فيقطع الطريق على تصور أقصى الممكن، وهذه فائدة لا بد من تقييدها، أن أبا الطيب يقيم الدليل على المبالغة أو على الغلو حتى يجعله معهوداً عادياً فيفسد.
لو قال: اختفيت لكان صواباً ولتخيلنا أنه نحف جداً، ولكنه قال: كفى بجسمي نحولاً أنني رجل لولا مخاطبتي إياك لم ترني، فأراد أن يجعل المبالغة حقيقة أو معهوداً، فأدى ذلك إلى قطع الطريق على تصور أقصى الممكن، فجعلك تتخيل عين الغلو حقيقة ممكنة اعتيادية، وهذا يقع في خلل أو يدخل في الخلل أو الإخلال بصحة المعنى، هذا يدخل بالإخلال في صحة المعنى.
وكذلك حين قال: رماني الدهر بالأرزاق حتى فؤادي في غشاء من نبالي، كان ينبغي أن يتوقف، ولكنه قال: فصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال، فهذا فيه هذا الباب الأول، فيه الكلام المشروح في البيت الأول ولكن أخف. وممن تأثر بالمتنبي في هذا في عصرنا وأفسد تميم البرغوثي في قصيدته التي أولها: كم أظهر العشق من سر وكم كتم، وكم أمات وأحيا قبلنا أمما، إذ قال واصفاً خصر المتغزل بها: الخصر وهم تكاد العين تخطئه، وجوده باب شك بعد ما حسم.
فأفسد شديداً وصور المرأة كالساعة الرملية التي تكاد تنقطع، وأين هذا من قول الأعشى: إذا تأتى يكاد الخصر ينخزل، فبالغ وقال يكاد، وحتى لو قال إذا تأتى ينخزل الخصر هذا كذلك فيه مبالغة سنتصور بها أقصى الممكن، لكن لما قال تكاد حقق صحة المعنى وأصاب المبالغة إصابة صحيحة. أما بيت تميم فإنه من تأثراته بالمتنبي في معايبه المزمنة.
فهذا الباب الغلو هو مما يلحق أيضاً بقضية أصل المعنى، صحة المعنى من عمود الشعر، الذي هو تحت باب شرف المعنى وصحته. ومما يدخل في قضية صحة المعنى كذلك، أو في باب صحة المعنى، مسألة الاختلاط الامتناعي. وهذه لا يفهمها كل من يدرس معنا في هذا المستوى من النقد وهو مقدمة المرزوقي، لأن الذي استفاض في ذلك وحرره على أصوله هو حازم القرطاجني في سفره منهاج البلغاء، فتكلم عن رتبة من المعاني لا تتأتى في الشعر وترفض رفضاً تاماً، وهي رتبة الاستحالة، وهي التي لا يتصور فيها المعنى ولا يركب المعنى على المعنى ولا يلتئم، كتصوير الحركة والسكون في وقت واحد، هذا لا يتحقق في الذهن أصلاً.
هذا لا يتحقق في الذهن أصلا، فقال: هذا مرفوض في الشعر والكلام؛ لأنه لا يثبت به معنى. ويلي الاستحالة طبقة الاختلاق الامتناعي، وهو أن تأتي بأشياء تختلقها، لكن يمكنك أن تصورها؛ كتخيل كائنات تطير، وأن تركب أجنحة على فرس، وأن تضع له قرنًا في جبهته، وأن تكون كائنًا غير حقيقي له جسم من ياقوت وذيل من ذهب وحوافر من زبرجد.
فهذا كله يمكنك اختلاقه، وهذا الاختلاق هو ما ينفصل به عن أو يختلف به عن الاستحالة؛ فالاستحالة لا يمكن تصورها في الذهن وليس لها وجود، والاختلاق يمكن تصوره في الذهن ولكن ليس له وجود، ويمكن تصوره في الذهن ولكن ليس له وجود.
وهذا مكروه عند العرب القدماء، بل الشيء الذي نبه إليه ابن سينا ونقله عنه القرطاجني أن ذلك عند العرب مكروه لأنه يدل على العجز؛ لأنه من طبائع اليونان والعجائز التي تخترع أشياء وصورًا غير حقيقية تسلي بها الأبناء، ويتخيلون صورًا، وهذا كله مجرد تخيل بالذهن.
أما الشاعر الفحل فهو الذي يستطيع أن يصنع من المعاني المألوفة شيئًا غير مألوف. ولم يغب عن إدراك العلماء الكبار أن الذي يكثر من الاختلاق الامتناعي إنما يتوكأ عليه ويحشو به بشرته الشعرية؛ لأنه لا يستطيع أن يملأها بقوة القريحة، فيخدع الناس بأن يملأها بمزيج بين الاختلاق والشعر.
والعلماء يعلمون أن نفس الاختلاق لا يمكن أن يكون شعرًا، لأن هذا تفعله النساء ويفعله العجائز، ويأتي به أهل الأسواق والعوام وتخيلات، وكذلك يأتي به الفلاسفة والعباقرة والمتخيلين والمتصورين من غير الشعراء، فالشاعر لا يخدعنا بهذا. ولذلك فحازم القرطاجني لما أراد أن يبين موقف القدماء من الاختلاق الامتناعي أو من هذا الباب جملة، جعل لذلك طبقات.
الطبقة الأولى هي الاستحالة التي عرفناها، والطبقة الثانية هي الاختلاق الامتناعي، والطبقة الثالثة هي الإفراط الامتناعي. قال: وهذا الإفراط الامتناعي هو الواقع عند القدماء، ومثاله المشهور في ذلك قول المهلهل بن ربيعة في آخر رائيته المشهورة: فلولا الريح أسمع أهل حجر صليل البيض تقرع بالذكور.
فعلق ذلك بالريح، علق امتناع السماع بالريح، والحق أن المسافة بعيدة جدا، فحتى دون الريح لن تسمع قرع الحديد على الحديد. ولكن هذه مبالغة مقبولة، إفراط مقبول؛ لأن له أصلا صحيحا، وهو أن الصوت يكون عاليا جدا. أما تخيل حصان من ياقوت له أجنحة من ذهب إلى آخر ذلك ليس له أصل.
فهذا الفرق بين الاختلاق الامتناعي مكروه عند العرب وبين الإفراط الامتناعي مقبول بحدود ألا يكثر، ومقبول بحدود. وكثر الإفراط في المتأخرين، وكلما تأخر اعتلى طبقة طبقة في ذلك وكثر الاختلاق الامتناعي، حتى إذا جئنا حيث انعدم الفن ووقع الجهل به على التتمام، ذهبوا إلى الاستحالة التي سموها بالحداثة الغربية وصاروا يتكلمون بما لا يفهم.
فهذا أيضا داخل في مبدأ صحة المعنى أو في باب صحة المعنى من عمود الشعر، استفضت فيها فقط لبيان الفائدة خشية ألا يقع لها مقام أو ألا يصل إليها الدارس لهذه المقدمة ولهذا الشرح، فإننا سنتحدث عنها إن شاء الله في قضية أصدق الشعر أكذبه أو أعذب الشعر أصدقه. نعم، لكن لا بأس أحيانا بتعجيل الفائدة.
فكذلك المسألة التي نحن بصددها، وهي قضية أن تذكر أوصافا لا تصح في الموصوف، تدخل في الإخلال بصحة المعنى من عمود الشعر. تخيل أن تمدح الغفير بأوصاف الأمير! أنت الذي خضعت لك يا عم، ده غفير، تقول له: أنت الذي خضعت لك الرقاب ودانت لك الدنيا يا باشا!
أنا يا باشا والله يا إخوة على الهامش هكذا، أنا لا أنسى كان لي صديق من خارج مصر، وكان يسكن بجواري في عمارة مقابلة لي هنا في القاهرة، وكان يزورني، حنفي المذهب وأنا حنفي، ونتدارس، وكان يريد أن يعلم طلابه العربية وكذا وبدأوا يهتمون بالأدب.
فقال لي: أنا العمارة عندي عمو فلان البواب، رجل كبير في السن، وهو يكلمه، لا يقدم أو لا يخاطبه باسمه إلا قدم حضرتك، حضرتك كذا، حضرتك كذا، حضرتك كذا. يقول لي هذا الصديق غير المصري: ففي مرة نادى علي وناداني وقال: أنا زعلتك في شيء؟ قال له: لا يا عمو فلان، زعلتني في إيه؟ قال له: طب ليه كل شوية يقول لي حضرتك حضرتك حضرتك؟
الرجل فهم حضرتك أنها تقريع! يقول للبواب حضرتك أنه تقريع. شوف بقى حضرتك، يا سعادتك، حضرتك! فهو قال له: أنا بحترمك، أنت في سن والدي. قال له: لكن حضرتك حضرتك على طول! قال له: أيوه، حضرتك، أنت في سن أبوه، هو في سن أبوه فعلا البواب للأسف؛ لأن من هم في أعمار أبنائه ينادونه باسمه، بدلا من أن يرفقوا به وأن يشعروه ببعض التقدير الذي يهون عليه شدة الدنيا.
وهو في الأخير غفير أو بواب، مهما أعطيته يعاني نفس الغلاء الذي تعاني منه، يشتري نفس ما تشتري بنفس الأسعار، ماذا يدخل له يعني؟ فأرفق به، وطبق فيه مبادئ الإسلام في التعامل، حاول أن تطعمه مما تطعم. لكن ينادونه: قلت لك يا عم، بس يا عم فؤاد، قلت لك ما تكنسش قبل ما نعمل لك كذا، هو خلاص الكلام ما بيتسمعش، ما فيش تمييز؟ هكذا يتكلمون أحيانا، والله.
قلت لك: ما تعملش، قلت لك: اعمل. الرجل كبير، حتى لما قال له صديقي: حضرتك. قال له: أنا عملت لك إيه عشان تقول لي حضرتك؟ إنك بتكررني يعني، أنه بيبكتوا يعني بالمصري بيبكتوا. طبعا التبكيت أيضا لغة فصحى، لكن في مصر يقولك: بيبكتوا، أنت بتبكتني ليه؟ بت- بتقطع في جلدي ليه؟ حضرتك حضرتك! الرجل لم يفهم الاحترام، لم يعتد عليه.
فتخيل أن تمدح الغفير بما تمدح به الأمير! تخيل أن تذهب إلى قائد الجيش الذي يأخذ الأمر بالقتال فقط ويقاتل، فتمدحه بحسن المشورة والرأي وكذا. وابن رشيق في العمدة فصل في ذلك لمن أراد أن يرجع إليه، نعم.
ويحسن بنا هنا أن ننقل كلام الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله في الحديث عن عيار الإصابة في الوصف، ففيه فوائد صفحة 136 إلى 138، و135 إلى 138. يقول: وعيار الإصابة في الوصف الذكاء وحسن التمييز، فما وجده صادقًا فإلى آخر ما قال المرزوقي.
قال: أي أن الذكاء وحسن التمييز يدرك بهما الوصف المصيب في العلوق، أي في تعلقه بالغرض الموصوف المشخص، منطبقًا عليه، ممازجًا له، لا تقصيرًا فيه، والسيما بالقصر العلامة، قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: 29]. ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في زهير: كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال.
قال الشيخ الطاهر: أراد الاحتجاج بكلمة صدرت من أحد أهل الذوق العربي بالسليقة، وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فإنه قدم زهير بن أبي سلمى على غيره من الشعراء بثلاثة أمور، سيجيء ذكر الأول والثاني منهما في كلام المؤلف، وثالثهما ما هنا، وهو أنه لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال، وفي رواية: إلا بما فيه، بين قوسين، وهي رواية ابن سلام في الطبقات.
وما اقتصر عليه المؤلف، الشيخ الطاهر بن عاشور يقول: وما اقتصر عليه المؤلف أظهر في الغرض. ابن سلام الجمحي، وما اقتصر عليه المؤلف أظهر في الغرض، يعني أنه يصيب المحزة من وصف المعنى، فإذا مدح مدحه بصفات الكمال في الرجال، كقوله في معلقته يخاطب هرم بن سنان والحارث بن عوف: تداركتما عبساً وذبياناً بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم، عظيمين في عليا معد هديتما، طبعاً رواية أخرى، هديتما وميزت بحكنزاً من المجد يعظم.
فهذا مدح بصفات الكمال والفتوة، وهو أفضل من قول النابغة: رقاق النعال، طيب حجزاتهم، يحيون بالريحان يوم السباسب. ولكنني أختلف مع الشيخ الطاهر بن عاشور في ترجيحه هنا على بيت النابغة؛ لأنه حمل ذلك على أنه مدح الرجال من حيث كونهم رجالاً، وأنا أرى أن المقام مختلف، ولم يصب الشيخ هنا رحمه الله؛ لأن النابغة لم يرد المدح بهذه الأمور لذاتها ومن حيث كونهم رجالاً.
تأملوا الأبيات التي قبل ذلك، يقول: محلتهم دار الإله أو بيت الإله، هذا في القصيدة التي أولها: كليني لهمٍّ يا أميمة ناصبِ، وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكبِ، تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ وليس الذي يرعى النجوم بآيبِ، نعم. قال بعد ذلك في آخر القصيدة في مدحهم: لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم من الجود والأحلام غير عوازبِ، محلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقبِ، رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسبِ.
يصفهم بالتدين، وهذه مجازات؛ رقاق النعال طيب حجزاتهم، هذه إشارات، هذه استعارات؛ يحيون بالريحان يوم السباسبِ، هذه أعياد عندهم، فلا يمدح الرجل هنا من حيث كونه رجلًا، فالسياق مختلف، ولهذا أتيت لكم بالأبيات من أولها حتى تفهم، فلا يصح هنا كلام الشيخ رحمه الله في أن النابغة يمدح الرجال فبالتالي يرجح عليه كلام زهير، وإنما يمدحهم بتدين؛ لأنهم كانوا من النصارى، والعرب تغلب فيهم الوثنية، فكان العرب إذا ذهبوا إلى الشام ورأوا النصارى أو غيرهم أو أهل الكتاب في الأصقاع المختلفة، فكانوا يرون ذلك غريبًا عليهم وعلى ما يعرفون، وكانوا ربما يرون ما يعجبهم من قضية التحرز والتدين وكذا، نعم.
ثم يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: ولما مدح عبيد الله بن قيس الرقيات عبد الملك بن مروان بقوله: يأتلق التاج فوق مفرقه على جبين كأنه الذهب، عاتب عليه عبد الملك وقال: إنك قلت في مصعب بن الزبير: إنما مصعب شهاب من الله تجلت عن وجهه الظلماء، وإنما أنكر عليه من أجل أنه عدل به عن بعض الفضائل النفسية إلى ما هو من صفات الجسم في البهاء والزينة، فكان كالذي ينسب بمحاسن الحسناء.
ثم يقول الشيخ: واعلم أن هذا الأصل يختلف باختلاف العوائد، أي عادات الناس، واختلاف أغراض الناس من عناية بالفضائل النفسية أو المحاسن الجسمية أو كليهما، قال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247]. وكذلك اختلاف أحوال الحضارة والبداوة.
وانظر قول جعفر بن علبة: إذا هم ألقى بين عينيه عزمه، ونكب عن ذكر العواقب جانبا، ولم يستشر في أمره غير نفسه، ولم يرضى إلا قائم السيف صاحبا. تجد ما افتخر به جاريا على خلق الأبطال وأحوال أهل الشطارة، ولو سمعه الحكيم لعده تهورا وغرورا.
ومما يدخل في عكس ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه ننقل قول أبي الطيب في شدة تعلقه بسيف الدولة: أغار من السلافة وهي تجري على شفة الأمير أبي الحسين. يعني أنا لأنه أتى بمعني لا يليق بمثله مع مثل الأمير، وإنما هو من المعاني التي تناسب أحوال المقيمين.
أكاد أجزم بخطأ المعنى هنا: يغار من السلافة وهي تجري على شفة الأمير أبي الحسين. يعني حسبنا الله. يعني أنا أقول هنا أكاد أجزم -هذا جد الآن- أكاد أجزم بخطأ هذا المعنى؛ لأن شفة الرجل ليست موضعا للغيرة عليه من رجل آخر، أو عند أو في نفس رجل آخر، ليست موضعا للغيرة عليه في نفس رجل آخر.
الواحد بيعرف من كل حاجة ذكر، ده احنا في مصر يقولك حظ ذكر! يعني حتى الحظ خلينا ذكر، مش حظ سيء جعلناه ذكر، ذكر، لكن حظ ذكر. هذا أبو الطيب المتنبي، حظ ذكر، ماذا نعمل بالذكور عشان نشوف الشفة بتاعته؟ لم نخلق للذكور، القرف ده! الذكر نبيع له ونشتري، نستعين به، يشد الأزر، نشد أزره، أفعال الرجال، بعد ذلك ماذا نفعل بالذكور؟ لا حاجة لنا بهم، ولا حاجة لكم بهم، ولا شيء. وهذا: يغار من السلافة خمر وهي تجري على شفتي الأمير! والله قرفت.
ثم أقول: فتأمل هذا الكلام فإن تفسيره ما ذكرنا، يعني يقول: تأمل كلام عمر بن الخطاب؛ لأن تفسيره أي تعليله هو ما ذكرناه في قضية الإصابة في الوصف، وهو أن يطابق أن يكون الوصف ملائما للموصوف، صادقا معه، صادق العلوق معه، ممتزجا به.
ثم يقول المرزوقي ومن والى يقول: ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال وشوارد الأبيات، ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال وشوارد الأبيات. يريد أن شرف المعنى -نعم هذا المرزوقي، لو قلت غير المرزوقي هذا المرزوقي نعم- يريد أن شرف المعنى وجزالة اللفظ والإصابة في الوصف إذا اجتمعت في بيت
كان ذلك سببا في أن يكون مثلا سائرا، أو أن يكون بيتا شاردا، أي منتشرا سائرا في الناس لو كان في غير الحكمة. وهو لا يريد يا إخوة، هو لا يريد أن ما ضاف إليه ما يلي من الأبواب لا يكون سائرا شاردا، هو لا يريد أن ما ضاف إليه ما يلي من الأبواب في عمود الشعر لا يكون سائرا شاردا أو لا يكون شرطا في الشعر، وإنما يريد أن هذه الأبواب الثلاثة هي سبب السيرورة.
يريد أن هذه الأبواب الثلاثة هي سبب السيرورة؛ لأن الناس إذا تحقق في النص شرف معناه، وكان لفظه قويا، ثم أحسن الشاعر الوصف، كان ذلك عندهم كافيا لسيرورة البيت. وإنما ذكر الوصف دون التشبيه لأنه أعم منه.
والأمثلة في هذا النوع تجدها كثيرة جدا في أشعار الشعراء في كل الطبقات. فإذا نظرت في أشعار الجاهليين، وجدت قول طرفة بن العبد: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند. تحقق فيه شرف المعنى، وتحققت فيه جزالة الألفاظ، وتحققت فيه الإصابة في الوصف. فهنا يكون البيت قد حقق أسباب السيرورة، ثم قد يكون فيه بعد ذلك تشبيها أو استعارة أو نحو ذلك. هذا ليس الذي يجعل البيت يسير، لأنه أعم من ذلك، وإنما الذي تكتفي به الناس لأجل السيرورة أن يكون المعنى شريفا، وأن يكون اللفظ جزلا، وأن يكون الوصف مصيبا. نعم.
انظر إلى الأبيات الأخيرة من معلقة زهير: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأمي. رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرمي. وأعلم علم اليوم والأمس قبله، ولكنني عن علم ما في غد عمي. ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم. إلى آخر الأبيات، هي من هذا النوع.
وانظروا إلى قول النابغة الذبياني: ولست بمستبق أخا لا تلومه على شعث، أي الرجال المهذب؟ فهذا تحقق فيه شرف المعنى، وتحقق فيه جزالة الألفاظ، وحسن وصف الكلام أو وصف المعنى فيه. والوصف كما قلنا أعم، فبعض الحكمة يكون وصفا، كقول طرفة بن العبد: أرى قبر نحام بخيل بماله كقبر غوي في البطالة مفسد، ترى جذوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفيح منضد. فهذا لا يخلو من الوصف، وهو جزل اللفظ شريف المعنى. نعم.
وتأمل الأبيات السائرة في كل العرب والمسلمين لأبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب. فهو شريف المعنى جزل الألفاظ مصيب في الوصف؛ لأنه وصف السيف بأنه أصدق أنباء من الكتب، وأن في حده الحد بين الجد واللعب. وفي أشعار من تأخر عنه انظر إلى المتنبي، جل شعره من هذه العلامة، جل شعره السائر الجيد من هذه العلامة. ولذلك المتنبي له الأبيات الشوارد والأمثال السوائر أكثر من القصائد، وللشيخ السقاف نص في هذا إذ يقول: أقرأ البيت لأبي الطيب يعجبني، فأرجع في القصيدة فيسؤني مكانه، ولا أرى القصيدة تعجبني كما أعجب البيت. والسبب في ذلك هو أنه يضع جهده في الأمثال السوائر والأبيات الشوارد، فيصيب ويخطئ، ومن عيوب أبي الطيب المتنبي المزمنة الإخلال ببناء القصيد. وهذ ليس كلامي وحدي، هذا كلام ناقد علامة آخر من نقاد الشعر هو الشيخ والمتذوقة الشيخ السقاف في كتابه العود الهندي. نعم.
وانظر إلى قول أبي فراس الحمداني: يقولون جنب عادة ما عرفتها، شديد على الإنسان ما لم يعودي. فأنت ترى سبب الإجادة في كل ذلك: المعنى شريف، الألفاظ جزلة، وفي الأخير أصاب في الوصف. فيكون قد حقق أسباب السيرورة فيسير البيت. فإذا جاء في ذلك استعارة بعد ذلك، أو جاء تشبيه، أو جاءت مشاكلة؛ هذه ما بين شروط وزيادات، فالوزن شرط، والالتحام والالتئام شرط. وهناك أشياء غير مشروطة، لكن إذا جاءت لها شروطها، وهي الاستعارة والتشبيه ومشاكلة الألفاظ للمعاني شرط، هذه الأبواب السبعة، فمنها شروط بعد الثلاثة الأولى، منها ما يأتي بعدها شروط ومنه أركان، لكن سبب السيرورة هو هذا الأول، يعني هذا الكافي في سيرورة الأبيات. نعم.
ولكن أحيانا تسير الأبيات لأن الناس إنما تقف فقط عند أصل المعنى. فكلام المرزوقي هنا لا شك أنه مؤسس على اعتبار أن في الناس أهل ذوق وفهم، لكن العامة يغلب فيها الميل إلى أصول المعاني. وهذا ما أفسر به ما جعله الأخطل علة غير مفهومة، أو ما جعله الأخطل شيئا غير مفهوم، وأنه شيء من الحظ.
قال الأخطل للفرزدق، وهذه القصة لمن أراد أن يراجعها في أول كتاب أو باب السيرورة من كتاب العمدة؛ باب سيرورة الشعر والحظوة فيه، خلاص؟ في أول الباب. كنت أنقلها لكم بنصها إن شاء الله يعني. نعم، أن الأخطل قال للفرزدق: أنا والله أشعر من جرير، غير أنه رزق من سيرورة الشعر ما لم أرزقه. وقد قلت بيتا لا أحسب أن أحدا قال أهجى منه، وهو: قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم بولي على النار. وقال هو -أي جرير-: والتغلبي إذا تنحنح للقرى حكسته وتمثل الأمثال. فلم يبق سقاء ولا أمة حتى روته.
أقول: ما أرجعه الأخطل إلى الحظ والرزق فقط دون تعليل، عندي علته أو ظهرت لي علته، وهو شأن العامة. فإنك لو نظرت في بيت جرير وجدت فيه شيئا ظريفا يضحك الناس ويستخف نفوسهم، وجدت فيه شيئا ظريفا لطيفا، فيه طرافة يضحك الناس ويستخف نفوسهم، وهو التنحنح وحك الاست. فأنت ترى أمام ناظريك شخص يتنحنح لينبه للقرى -الأكل يعني طعام- ويهرش في قاعي الأصدقاء التغلبيين، أصدقاء التغلبيون كثر. فحكسته وإذا تنحنح للقرا حكسته وتمثل الأمثال.
أما بيت الأخطل الذي لا يبلغ جرير كعبه، فمكدس الدلالة ثقيل، حتى أن العلماء أخذوا يحللونه كلمة كلمة، وقالوا كل كلمة فيه هجاء. قوم: ونكرهم، لم يقل بنو فلان لا يستحقون. إذا استنبح الأضياف كلبهم: الاستنباح كانت العرب تأتي وتصنع صوت الذئب، فإذا ردت عليه الكلاب -الكلاب تكون مع الأقوام مع القبائل والعشائر وكذا والأحياء- فإذا نبحت الكلاب علموا بالجهة التي فيها القوم فذهبوا نحوهم. فيقول: إذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم: قالوا أول شيء أهانوا الأم ووظفوهم وكلفوها بخلهم، وهذا يدل على استعلانهم به وأنهم لا يستحون من بعضهم. وأن أعلم امرأة فيهم التي هي الأم، قالوا لأمهم: الأم تستدعى للبول. قالوا: ثم هذه البولة قليلة جدا، فالبخل حتى في البول، أو بولة المرأة الكبيرة، قالوا بولها قليل. فالبول الذي يطفئ النار، أية نار هذه التي يطفئها بولة؟ ناركم تطفئها بولة؟ قالوا وبخلوا شبعة وبخلوا بأن يطفئوها بالماء، فنادوا أمهم تبول. بدل البول ما يروح على الفاضي أطفئ النار بالبول، احنا هنجيب مية؟ لا. قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم بولي على النار -طبعا يجوز أمهمي وأمهمو-. مش قدح من الماء أو يعني، لا بولي على النار، كاسة مي؟ لا. وأية نار هذه التي تطفئها بولة وتستدعون أمكم لبولتها؟ فربما لم يخالف الأخطل الصدق حينما قال: لا أحسب أن أحدا قال أهجى منه. فحقيق هذا، أين من هذا قول جرير: والتغلبي إذا تنحنح للقراء حككته وتمثل الأمثال؟ بيت خفيف لطيف وجيد. لكن أين هو من بيت الأخطل؟ وبيت جرير انتشر فيقول: لم يبق سقاء ولا أمة إلا روته.
لكن تفسير ذلك ليس الحظ والرزق المحض الذي لا يفسر كما قال جرير، وإنما ذلك أن الناس يروقها الطريف. وقد نص العلماء على أن الطرافة في ذاتها ليست بشيء. نعم.
وأختم لكم هنا بكلمة لقدامة بن جعفر، أسأل الله أن أهتدي إليها بسرعة من كتاب نقد الشعر؛ ارتجى ذهني أتي إليها الآن ارتجالا يعني. يقول قدامة بن جعفر صفحة 152 من كتاب نقد الشعر: وغريب وطريف هما شيء آخر غير حسن أو جيد. هذا هو. يقول كذلك: والذي عندي في هذا الباب أن الوصف فيه لاحق بالشاعر المبتدئ بالمعنى الذي لم يسبق إليه المبتدئ بالمعنى الذي لم يسبق إليه، لا إلى الشعر؛ إذ كانت المعاني مما لا يجعل القبيح منها حسنا لسبق السابق إلى استخراجها، كما لا يجعل الحسن قبيحا للغفلة عن الابتداء.
يعني الثناء على المعنى الطريف الجديد ثناء على الرجل أنه ذكي، لكن ليس معناه أن نصك جيد. وأن تقول فلان لم يأت بمعنى جديد، ليس معناه أنه لم يبدع في الشعر في المعنى القديم. نص صريح على أن الطرافة غير الحسن، وهذا مما يؤكد ما قلناه من قبل من عدم صحة قول الشيخ الطاهر بن عاشور -يعني أرجو إلحاق هذا بما قلناه غفلت عن هذا النص إلحاق هذا بما قلناه هناك- مما يرد به على الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله حين قال: إن من شرف المعنى أن يكون جديدا. قدامة بن جعفر يرد عليه في ذلك. نعم.
نكتفي اليوم يا إخوة، لا أريد أن أطيل اليوم، شكرا لكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد