دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد. هذا أيها الإخوة هو مجلسنا السادس عشر من مجالسنا في شرح مقدمة المرزوقي الأدبية على شرحه لديوان الحماسة.

الباب الرابع من عمود الشعر، المقاربة في التشبيه. التشبيه نوع خاص من الوصف، ولذلك نرى مصنفات تحمل اسم الوصف والتشبيه. أقول: هناك مصنفات تحمل اسم الوصف والتشبيه، والتشبيه من الوصف، ولكنه اختص بأمور وبهيئات وبنوع خاص أو بحيثية خاصة من العسر، وعني به الشعراء ونقدة الكلام عناية خاصة، فكان يذكر بعد الوصف فيقال: الوصف والتشبيه؛ من باب ذكر الخاص بعد العام لمزيد العناية به، وهو كذلك ما جعله يتفرد بباب في علوم البيان. وأصل ذلك أن أفرده عبد القاهر بالبحث في كتابه أسرار البلاغة؛ في كتابه أسرار البلاغة الذي هو أصل أصول البلاغة التي نعرفها.

وهو كما ترون في عمود الشعر، فقال في عمود الشعر في التشبيه: والمقصود من المقاربة هو المبالغة في التقريب؛ المبالغة في التقريب، بحيث لا يكتفى بمطلق التشبيه الذي يقع في كلام العامة. وهنا يجب الانتباه إلى غلط يقع فيه من لا يدقق الكلام، ومن يأخذ ما يفهمه على الظاهر للوهلة الأولى؛ إذ يفهم من قوله المقاربة في التشبيه أنه القرب الشديد بين المشبه والمشبه به، وهذا يخالف حتى نص المتن نفسه. كما أن المشبه والمشبه به قد يكونان على تباعد شديد. وقد تكلم نقاد الكلام أيها الإخوة، تكلم نقاد الكلام على إتقان الشاعر الذي يخلص في التشبيه حتى يجعل العلاقة وجه الشبه بين المشبه والمشبه به واضحين؛ أي أنه يجلي وجه الشبه بين أمرين متباعدين أو مختلفي الجنس.

أما كون هذا الظن يخالف نص المتن، فإن المرزوقي يقول: المقاربة في التشبيه. ولفظ المقاربة جاء على صيغة المفاعلة التي تفيد فيما تفيد التكثير والمبالغة في معالجة المعنى ومزاولته، كما في قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: 11]، وككما في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40]. ولو كان كذلك، وكان المقصود هو أن تكون المقاربة في التشبيه في خصوص التشبيه؛ أي في عمل التشبيه، فهمنا أن الشاعر مطلوب منه أن يبذل عملًا بقريحته في إحداث القرب بين المشبه والمشبه به، وليس أن يأتي بشيئين يقترب أحدهما من الآخر في الخلقة أو نحو ذلك، كأن يشبه الذئب بالكلب -هذا ليس التشبيه الذي يقع في الشعر، يقول لك: الذئب يشبه الكلب. في ماذا؟ في كذا وكذا وكذا وكذا، هو بالفعل يحمل أكثر صفات الكلب- أو أن يشبه الحصان بالبغل أو العكس، أو أن يشبه حمار الوحش بالحمار الأهلي. فهذا يخرج بالكلام عن شرف المعنى، وعن غاية التشبيه في عمود الشعر.

وإنما المقصود هو الخلوص إلى وجه الشبه، حتى إذا خلص إليه ظهر القرب بين الطرفين. وتدل على ذلك عبارة المرزوقي نفسه لما قال في عيار التشبيه: وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفة أو في الصفات أكثر من انفرادهما؛ ليبين وجه التشبيه بلا كلفة، إلا أن يكون المطلوب من التشبيه أشهر صفات المشبه به وأملكها له. فهذا الكلام يدل على مسلك يسلكه الشاعر في بلوغ وجه الشبه، فليست الصفات المشتركة هي كلها وجه الشبه، وإنما هو يسلك مسالك ينتهي من خلالها إلى تعيين وجه الشبه؛ فإذا كانت الصفات المشتركة كثيرة، سهل ذلك الخلوص إلى وجه الشبه. فهذا أمر دقيق ينبغي أن تنتبهوا إليه، لأن الكثير من الناس يظن أن المقاربة في التشبيه هو أن يتقارب المشبه والمشبه به في ذاتهما، وهذا خلاف ما يعرفه الحذاق من نقاد الكلام.

ويدلك على ذلك في كلام المرزوقي نفسه أنه استغنى بالصفة الظاهرة المشهورة بين شيئين لا يشتركان في أكثر الصفات، لما قال: إلا أن يكون المطلوب من التشبيه أشهر صفات المشبه به وأملكها له. فإذاً القضية تتعلق بوجه الشبه، وكل ما يكون بعد ذلك هو إعانة عليه، أما عين المشبه والمشبه به فكلام العلماء يؤول إلى الإبعاد بينهما وإلى اختلاف أجناسهما. وللإمام عبد القاهر الجرجاني كلام طويل في التأليف في الشبه بين المختلفين في الجنس والمتباعدين، بحيث يحتاج الوصول إلى سر التشبيه وإلى آخر المراد إلى حس رهيف وقريحة كاشفة.

ويحسن في هذا المقام أن نعرض لبعض كلام الإمام عبد القاهر رحمه الله تعالى ورضي عنه وجزاه عن هذه الأمة خيراً، في كتاب أسرار البلاغة. أنتقي لكم مواضع صريحة في صفحة 129، يقول: وهاهنا إذا تأملنا مذهب آخر في بيان السبب الموجب لذلك، هو ألطف مأخذاً، وأمكن في التحقيق، وأولى بأن يحيط بأطراف الباب -فانظر كيف جعله أطرافاً للباب، أن يحيط بالباب- قال: وهو أن لتصوير الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير محلته، واجتلابه إليه من الشق البعيد، باباً آخر في الظرف واللطف، ومذهباً من مذاهب الإحسان لا يخفى موضعه من العقل.

وهذا نص صريح في تلك القضية. في صفحة 130 يقول: وهكذا إذا استقريت التشبيهات، وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد، كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب. وذلك أن موضع الاستحسان، ومكان الاستظراف، والمثيرة للدفين من الارتياح، والمتألفة للنافر من المسرة، والمؤلفة لأطراف البهجة: أنك ترى فيها الشيئين مثلين متباينين ومؤتلفين مختلفين، وترى الصورة الواحدة في السماء والأرض، وفي خلقة الإنسان وخلال الروض. وهكذا طرائف تمثال عليك إذا فصلت هذه الجملة وتتبعت هذه اللمحة.

ويقول في صفحة 131: ومبنى الطباع وموضوع الجبلة على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان بالشغف منها أجدر. فسواء في إثارة التعجب وإخراجك إلى روعة المستغرب: وجودك الشيء في مكان ليس من أمكنته، ووجود شيء لم يوجد ولم يعرف من أصله في ذاته وصفته. يقول: ولو أنه شبه البنفسج ببعض النبات أو صادف له شبهاً في شيء من المتلونات، لم تجد له هذه الغرابة ولم ينل من الحسن هذا الحظ. أراد بيتين ذكرهما قبل ذلك، يمكنك مراجعة ذلك في الأسرار. وهذا كلام قاطع صريح في فهم الباب في التشبيه، وأن التقاء المقاربة في التشبيه لا تعني اتفاق المشبه والمشبه به في الجنس أو قربهما على الجملة.

فرق بين أن تقارب بين المشبه والمشبه به في وجه الشبه، وبين أن يكونا بذاتيهما قريبين. يتضح ذلك بالمثال، وأبدأ بالأسهل غير المركب. قال عمرو بن كلثوم في معلقته المشهورة يصف الدروع التي صنعت من حلقات الحديد وغزلت منها بدقة فصارت لينة تتثنى ولها غضون -أي ثنيات-: كأن متونهن متون غدر تصفقها الرياح إذا جرينا. تعلمون هذا معيب، ذكروه عيباً له وأنا عندي ظن أنه قالها جرينا على لهجة أو نحو ذلك، لكن لا يعنينا هذا الأمر. كأن غضونهن متون غدر تصفقها الرياح إذا جرينا.

يقول: إن الدروع لها غضون -أي ثنيات- تتثنى وهم يتحركون بها، فيقول: كأن هذه الغضون ظواهر الغدر، التي هي جمع غدير الماء، ويسمى بغدير لأن السيل غادر فيه الماء فبقي فيه وقيل غير ذلك. فيقول: هذه المتون -أي سطح الغدر- تصفقها الرياح إذا جرت. ومعنى تصفقها يعني تضربها الرياح، فالغدر مغلقة؛ هي عبارة عن ماء اجتمع في حفر كبيرة فصار غديراً، بخلاف الأنهار، بخلاف البحار إذا ضربتها الرياح صنعت منها الموج الذي يستمر في المسير، أما الغدر فإنها محصورة في جوانبها، فإذا صفقتها الرياح -أي صفعتها وضربتها- ظلت تتردد موجاتها وتتداخل فصنعت ما يشبه الغزل، أو الأمواج الصغيرة المتداخلة، فصار يشبه بذلك نسيج الدروع المغزولة بدقة، فهو يرمي بذلك إلى دقتها.

فالمشبه والمشبه به متباعدان جداً ومن جنسين مختلفين، ولا يطرأ التفكير بالربط بينهما أو لا يبادر التفكير بالربط بينهما في الحديث المتداول، وإنما طاقة الشاعر وشعوره بما لا يشعر به غيره هو الذي يبعثه على إدراك وجه الشبه بين الدروع على الأجساد والحركة بها، والغدر وقد صفقتها الريح وجرت عليها. فالذي فعله عمرو بن كلثوم هنا هو المقاربة في التشبيه، أي قارب -وليس أتى بقريبين- قارب بين الدروع المغزولة الناعمة والغدر التي تضربها الرياح -متون الغدر التي تضربها الرياح- عن طريق الهيئة الحاصلة في كل. إذاً هو قارب بين الدروع وبين متون الغدر حالة تضربها الرياح، تصفقها الرياح وقد جرت عليها، عن طريق وجه الشبه الذي هو هيئة الحركة والتموج المتداخل.

وقال طرفة بن العبد في وصفه ناقته: لها فخذان أكمل النحض فيهما كأنهما بابا منيف ممرّد. وقف خلف ناقته فوجد أن فخذيها قد امتلأ وصار لهما تسطيح وعرض كصفحة الباب العريض، ووصف ذلك بالتشبيه وبالغ فيه فقال: لها فخذان أكمل النحض -أي اللحم- فيهما كأنهما بابا منيف -أي قصر منيف مرتفع- ممرّد -يعني ملمع مصقول-. أراد أن لحمها مصقول مشدود لا غضون فيه، فما الذي فعله الشاعر؟ قارب بين فخذي الناقة وبابي قصر منيف ممرّد، وهما جنسان متباعدان جداً.

وقال امرؤ القيس يصف الفرس في سرعته: كتيس الظباء الأعفر درجت له عقاب تدلت من شماريخ ثهلان. فشبه فرسه بتيس الظباء الذي لونه العفرة -فهو يقصد تيسًا أو ظباءً معينة تعيش في أماكن موحشة، فهي سريعة الفزع، سريعة- حال درجت لها عقاب هبطت إليها من أعالي جبال أو جبل ثهلان. ففرسه في هذا العدو يشبه هذا التيس في هذه الحال، أي في سرعته. وهذا تيس وهذا فرس.

وهذا تركيب الذي تناولناه الآن فوق المفرد؛ أما التركيب الأعسر الذي يحتاج إلى إطالة وشرح لما فيه من تركيب واختزال وحاجة إلى إرهاف الحس والخيال، فهو قوله يصف فوج النساء -أي الظعائن- وقد تميز الفوج عن القوم وارتفعت هوادجه، وذلك في رائيته المشهورة: سما لك شوق، فقال: فشبهتهم في الآل حين زهاهم حدائق دوم أو سفين مقير، أو المكرعات من نخيل ابن يامن دوين الصفا اللائي يلين المشقر، سوامق جبار أثيث فروعه وعالين قنوانا من البسر أحمرا. حبته بنو الربداء من آل يامن بأسيافهم حتى أقر وأوقر، وأرضى بني الربداء واعتما زهوه وأكمامه حتى إذا ما تهصرا، أطافت به جيلان عند قطاعه ترددوا فيه العين حتى تحيرا.

والشاهد هو من قوله: أو المكرعات. وهذا تشبيه ليس فقط بين جنسين متباعدين ومادتين مختلفتين، فقارب بينهما في التشبيه، وإنما هو تشبيه مركب كثير الأجزاء، رهيف البناء، دقيق الأجزاء، رقيق البناء، لا يتأتى لكل أحد فهمه، وإنما يحتاج إلى تيسير لمن لم يعتد الأدب العربي وأشعار الجاهلية. وذلك أن العرب كانت إذا أرادت الرحيل فصلت النساء في فوج، ووضعتهم في الهوادج، لا سيما بنات سادات الناس، وعلى حسب مقام من هي في الهودج تكون هيئة الهودج، وتكون العناية به اتساعاً وتزييناً ورعاية لأستاره.

والشاعر الجاهلي حين يصف الظعائن إنما يصف اللحظات الأخيرة والنظرات التي لا بعدها نظرات، فهو يملأ عينه من الراحلين قبل اختفائهم، ولأجل هذا ترونه يذكر السراب، لأن السراب هو الذي يظهر على مد البصر، فإذا تجاوزوا السراب الذي هو الآل اختفوا إلى الأبد. ولا بد أن نفهم هذه المقدمة.

الأمر الحاصل عند العرب حتى نفهم التشبيه الذي يبنى على هذه المعارف، فامرؤ القيس هنا رأى فوج النساء وقد فصل، وعليه الهوادج الخضر المزينة بالعهن الأحمر الذي صنعت منه العناقيد التي تحلي أركان الهوادج، ورأى جماعة الفرسان أو الشباب المقاتلين الذين أحاطوا بفوج النساء حال رحيله لحمايته.

ولاحظ خوض الفوج في الآل، الذي هو السراب الذي يكون من النهار إلى وقت الزوال، وهو وقت سفر القوم، ولاحظ كذلك الشباب وهم أو تخيل الشباب وهم يتأملون في الفوج وفيهم شغف به، فقال أو المقرعات أي شبهتهم بالمقرعات، بمَ ماذا؟ المقرعات يعني المسقيات بالمقرعات الذي سقي ووقف فيه الماء.

فقال أو المقرعات أي النخيل الذي سقي وعني به ولم يترك لحاله يشرب من الأرض، كثير من النخيل بل هذا له عناية به من نخيل ابن يامن من نخيل ابن يامن من أهل هجر أرض التمر منذ قرون ومنذ الجاهلية، هجر قصبة البحرين القديمة أو المكرعات من نخيل ابن يامن دوين الصفا، الصفا قصر والمشقر قصر، دوين الصفا اللائي يلين المشقرة، فبالغ في تعيين نخل بعينه لما رأى الآل وقد عكس صورة الفوج ورفع خضرتهم وحمرتهم في السماء، فشبهتهم في الآل حين زهاهمو أي رفعه حدائق دوم أو سفين مقيرة أو المكرعات من نخيل ابن يامن دوين الصفا اللائي يلين المشقرة.

سوامق جبار أي شبهتهم بسوامق نخل جبار، معنى جبار يعني تجاوز الحد، ومنه جاء التجبر الذي نعرفه ووصف الإنسان بأنه جبار وتجبر في الأرض يعني جاوز حده وطغى، فأراد النخيل الجبار المتجاوز الحد في الطول، سوامق جبار أثيث فروعه، الفروع هنا السعف ويطلق عليها فروع، سعف النخيل، أثيث يعني كثيف فروعه، أراد كثرة الهوادج وكثرة الأستار الخضراء عليها، وعالين قنوانًا، القنوان هو ما نسميه الآن السباطة، في مصر نسميها السباطة، وعالين قنوانًا من البسر.

البسر هو الذي عندنا في مصر لونه أحمر وننضغه، نكسره في الفم، نسميه في مصر البلح، البلح يا إخوة، عارفين البلح؟ البلح، أيوة، في مصر نقول البلح، البلح هو البسر عند العرب، البسر لأن الأصل في التمر عند العرب الجاف والرطب، هذا التمر، يعني الأصل في إطلاق التمر الجاف والرطب، أليس كذلك حبيبنا الشيخ خالد الدبيخ؟ لأنه من أهل التمر من السعودية رضي الله عنه، أليس كذلك مولانا؟ أن الأصل في التمر عندكم كالسكري وغيره هو المجفف أو العجوة، الرطب يعني، يا مرحبًا يا مولانا.

قال: وعالين قنوانًا من البسر أحمر، وهو يكون أحمر أو يكون أصفر، تعرفون الأنواع؟ إما أحمر وإما أصفر، وعندنا القاسي، نعم، الجاف جدًا، نعم، كذلك، الجاف جدًا، ولذلك لما يكون أحمر هذا الذي نأكله في مصر ونسميه بلح، هذا المقصود من البسر هنا، هذا هو المقصود من البسر، هذه المرحلة مرحلة الحمرة أو الصفرة لكن هنا أحمر، لأنه يذكر عناقيد العهن الأحمر، زهير بن أبي سلمى يقول: كأن فتات العهن في كل منزل نزلنا به حب الفنا لم يحطمي، صح؟ كأن فتات العهن في كل منزل نزلنا به حب الفنا لم يحطمي، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا، مرحبًا بالأستاذ الجليل، حب الفنا لم يحطمي، أيوة، التمر آخر مراحل النمو، نعم صحيح، وعلينا قنوانًا من البسر أحمرًا.

ثم يصف العنب البري نعم، هذا في بيت زهير، ثم يصف الشباب الذين يحيطون بالفوج فيقول حمته، أي النخيل، حمته بنو الربداء من آل يامن بأسيافهم حتى أقر وأوقر، أي حتى ثقل وتدلى، فربط بين الشباب المحيطين بالفوج وبين كثرة الزينة في الفوج، ثم وصف نظرهم إلى خلاص يا إخوان، موضوع التمر، ثم وصف نظرهم إلى فتيات الفوج، خلاص؟ نظر وصف نظرهم إلى فتيات الفوج أو إلى الظعائن على طريقة زهير بن أبي سلمى حين قال.

وفيهن ملهى للصديق ومنظر أنيق لعين الناظر المتوسم، وفيهن منظر أنيق، وفيهن ملهى للصديق ومنظر أنيق، يعني جميل لعين الناظر المتوسم، فهذا شبيه به، فهم ينظرون إلى الفوج من الظعائن ويملأون أعينهم من جماله فيقول وأرضى بني الربداء واعتام زهوه وأكمامه حتى إذا ما تهصر أطافت به جيلان عند قطاعه، ثم وصف السراب فقال تردد فيه العين حتى تحير، تردد العين أي تتردد بحذف التاء تخفيفًا، تتردد العين أي عين الماء حتى تحير، يعني ظلت العين تسقيه تسقيه تسقيه تتردد فيه حتى تحير الماء فصار هكذا، فشبه ارتعاش السراب من تحت الفوج بتحير الماء واضطرابه من تحت النخيل.

وأقول هنا، هذا المشبه والمشبه به ليس جنسا متباينا أو ليس جنسين متباينين، بل هما أجناس متباينة، ليس جنسين متباينين، بل أجناس متباينة، ومع ذلك كان من قدرة الشاعر أن ربط بين أجناس بعيدة على طريقة التركيب وكثرة الأجزاء، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكثرة الأجزاء، نعم.

وهنا يبادر سؤال لعقل المشتغل بالشعر إذا كان محصلاً يقظاً فيقول: لو كان التشبيه البعيد وتقريبه بعد البعد بين الجنسين هو ذلك البارع، فما قولنا في قول امرئ القيس: له أيطلا ظبي، وساقا نعامة، وإرخاء سرحان، وتقريب تدفلي، وهذا بيت بهر الفرزدق وعده أجود ما قالت العرب في التشبيه، ومع ذلك نحن نرى في هذا البيت شبه الأيطل بالأيطل، والساق بالساق والإرخاء بالإرخاء والتقريب بالتقريب، فشبه الجنس بالجنس.

والجواب في ذلك هو أن البراعة في هذا البيت ليس في أن شبه، ليس في خصوص تشبيه الأيطل بالأيطل، وبأن فقط ألحق الأيطل بالأيطل في صفة هي ظاهرة رفيعة في المشبه به الذي هو الظبي، وليس في أن ألحق الساق بالساق في صفة هي في المشبه به أظهر، وليست في أن ألحق الإرخاء بالإرخاء وجعل المشبه به أبرز في هذه الصفة، ولا أن ألحق التقريب بالتقريب وكان أبرز في المشبه به، هذا ليس سبب البراعة، وإنما تبدأ البراعة هنا في أن كان هذا التشبيه على طريقة أن أوهم أن هذا المشبه به هو المشبه، فبالغ في التشبيه، هذه أول طبقة فقال: له أيطل ظبية، فأرأيت لم تقف على أن أيطله يشبه أيطل الظبي، بل وقفت على أن أيطله هو أيطل الظبي، وكأنه يملك أيطل الظبي، فله أيطل ظبي، وله ساق نعامة، وكأنك تقدر في النفس لا أيطل فرس، ولا ساق فرس، وإرخاء سرحان، فكأنه وهو حصان أو فرس اختص من بين الخيل بأن إرخاءه إرخاء سرحان، وليس يشبه إرخاء السرحان، وتقريب التدفل، فهو له تقريب تدفل، كأنه استثني بصفة هي للثعالب أو لصغار الثعالب من الخيل، استثني من الخيل بصفة هي لصغار الثعالب ولم يتفق فيها مع الخيل بل اتفق مع الثعالب، هذا أول شيء.

وليس في أنه ألحق شيئًا بشيء كما رأينا في الأمثلة، كما رأينا في إلحاق متون غضون الدروع بمتون الغدر، أو كما رأينا في إلحاق فخذي الناقة ببابي القصر، خلاص؟ أو كما حتى رأينا في إلحاق الفرس بتاس الظباء الأعفر في حالة معينة، خلاص؟ طيب، هذا أول شيء.

الشيء الثاني وهو الأخطر هو العلاقة بين أجزاء التشبيه الأربعة الواقعة في البيت، وهو الذي بني عليه البيت أصلاً، لأنه قال: له أيطل ظبي، وأيطل الظبي شديد الضمور، يكاد يلحق بمتن الظهر فيقال لاحق، وهذا هو أول آلة له وأول معين في شدة العدو، وأن يقدم برجليه وأن يؤخر، وأول علامة على كثرة عدوه وعلى رشاقته، ثم تراه تجاوز الفخذ فقال: وساق نعامة، وساق النعامة نحيف خشبي وفيه طول، ويكاد ينعدم فيه اللحم وإنما هو الجلد اليابس على العظم والأوتار، الجلد اليابس على العظم والأوتار، فهنا تسأل: لماذا تجاوز الفخذ مع أنه أقرب إلى الأيطل وانتقل إلى الساقين؟ ولو رجعت إلى كتب وصف الخيل عند العرب وهي كثيرة قديمة وجدتها تتفق على مدح الفرس بلحوق إيطاليه وطول ساقيه تحت فخذيه ويبسهما، ويمدحونه بامتلاء الفخذين واستدارتهما، ولذلك تجاوز الفخذين إلى الأوصاف الأكثر دلالة.

ثم ترى الصفتين أو التشبيهين الثالثة والرابعة هما نوعان من الجري، نوعان من العدو، نوعان من العدو الذي آل إليه التشبيه الأول والثاني، لأنه لما قال أيطل ظبي وساق نعامة، لما قال أيطل ظبي وساق نعامة، أشار ذلك إلى طول عهد الحصان بالعدو، صح؟ دل ذلك على طول عهد الحصان بالعدو، طول عهده بالعدو، فعدد نوعين من العدو، فبنى الصفة الثالثة والرابعة، بنى التشبيه الثالث والرابع على التشبيه الأول والثاني، الآن استجلي البيت: له أيطل ظبي وساق نعامة، إذاً هو متفنن في العدو طويل العهد به، فعلى ذلك له أيضاً إرخاء سرحان وتقريب تدفلي، وهذا تفهم منه أن الحكم على البيت بالجودة ليس شرطاً دائماً أن يكون من خلال عين التشبيه أو أنه في التشبيه الخاص الواحد ربما يتراكم البيت من تشبيهات تظهر البراعة في تجاوزها.

يأتي المعاصرون الذين لا يفهمون الشعر القديم يقولون وقد وصف الفرس أوصافاً ارتجالية لا علاقة لها ببعضها وإنما ذكرها ترسلاً كيفما اتفق، فقال: لها أيطل ظبي وساق نعامة وإرخاء سرحان وتقريب تدفلي، فهمتم؟ كما يقولون هذا في وصفه لبيضة الخدر وهكذا، نعم.

فالمقاربة في التشبيه لا تساوي الاشتراك في الجنس، لا تساوي الاشتراك في الجنس، ويحسن الآن أن نعرض كلام الشيخ الطاهر ابن عاشور رحمه الله، يقول الشيخ والمقاربة في التشبيه عطف على قوله والإصابة في الوصف، المقاربة القرب الشديد، لأن صيغة المفاعلة فيه للمبالغة، إذ ليس المراد قرب كل من طرفي التشبيه من الآخر في الوصف، فإن التشبيه إلحاق ناقص بكامل في وصف، وأما ما يسمى بالتشابه كالذي في قول أبي إسحاق الصابئ: تشابه دمعي إذ جرى وما دمتي، فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب، فذلك غلو في التشبيه، يقرب من التشبيه المقلوب كما في قول محمد بن وهيب: وبدا الصباح كأن غرته وجه الخليفة حين يمتدح، قال قدامة في نقد الشعر: فأحسن التشبيه ما أوقع بين شيئين حتى يدني بهما إلى حال الاتحاد، يعني ليس قريبين من الأصل، وبدا الصباح كأن غرته وجه الخليفة حين يمتدح، قال: وشدة القرب هي قوة وجه الشبه، يقول الشيخ الطاهر: وشدة القرب هي قوة وجه الشبه في المشبه بحيث يستغني المشبه عن ذكر وجه الشبه، قال: وشدة القرب هي قوة وجه الشبه في المشبه بحيث يستغني المشبه عن ذكر وجه الشبه، وليس المراد بالمقاربة تمام المماثلة بين المشبه والمشبه به في جميع الصفات، بل قوة المشابهة في وجه الشبه.

ولذلك كان من محاسن التشبيه الاستدراك فيه باستثناء ما لا مشابهة فيه من صفات المشبه به، لكون المشبه أعلى من ذلك، كما قال المعري: تنازع فيك الشبه بحر وديمة ولست إلى ما يزعمون بمائلي، إذا قيل بحر فهو ملح مكدر وأنت نمير الجود حلو الشمائل، ولست بغيث فوك للدر معدن ولم يلف در في الغيوث الهواطل، والمراد بالتشبيه في كلام المؤلف ما كان بأداة شبه أو كان تشبيها بليغا، لأنه عند المحققين من نوع التشبيه لا من الاستعارة، وأما الاستعارة فيخصها بالذكر، نعم، هذا كلام الشيخ الطاهر وهو مفيد إن شاء الله.

وننتقل إلى الحديث عن العيار، الحديث عن العيار، يقول المرزوقي رحمه الله: وعيار المقاربة في التشبيه الفطنة وحسن التقدير، فأصدقه ما لا ينتقد عند العكس، وأحسنه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليبين وجه التشبيه بلا كلفة، إلا أن يكون المطلوب من التشبيه أشهر صفات المشبه به وأملكها له، لأنه حينئذ يدل على نفسه ويحميه من الغموض والالتباس.

نلاحظ أنه قال: المقاربة في التشبيه، أو قال معذرة، نلاحظ أنه قال: الفطنة وحسن التقدير، ونلاحظ أنه قال في الوصف في عيار الوصف الذكاء وحسن التمييز، قال في التشبيه، في المقاربة، في عيار المقاربة في التشبيه: الفطنة وحسن التقدير، وقال هناك في الوصف: الذكاء وحسن التمييز، وهذا من المرزوقي رحمه الله تفريق دقيق ورهيف في الاستعمال، يدل على مدقق يفهم ما يقول، ولا يعنى فقط بمباينة الألفاظ مع اعتقاد الترادف، لأنكم تذكرون حديثنا في الوصف، كنا نتحدث عن تخليص الأوصاف التي تصلح في مقام، وتخليص الصفات التي يتحقق بها أو تتحقق بها الغاية من الوصف، فاحتاج ذلك إلى ذكاء، والذكاء قريب من الفطنة، ولكن الذكاء فيه ملاحظة عمل الذهن، واحتاج إلى حسن التمييز، لأنه يميز بين الصفات، واحتاج إلى حسن التمييز لأنه يميز بين هذه الصفات.

أما في التشبيه فهو لا يميز بين أشياء، وإنما يتفطن إلى وجه الشبه ويحسن التقدير لا التمييز، يتفطن إلى وجه الشبه ويحسن تقديره، وأنه يصح للربط بين الشيئين، ويصح لخدمة المشبه بالمشبه به، أما في الوصف فيحتاج إلى حسن التمييز ليميز بين الصفات التي يصح إيرادها أو يستقيم إيرادها والصفات التي لا يستقيم إيرادها، نعم.

أما قوله فأصدقه ما لا ينتقد عند العكس، فأصدقه ما لا ينتقد عند العكس، فهذا أبدأ به الحصة القادمة إن شاء الله لأن فيه وقفة مع الشيخ الطاهر بن عاشور ولابد من تفصيل وشرح.

صافي المزاج له الآن. شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رضي الله عنه.