حياكم الله تعالى وبياكم، وكل من ألقى السلام أقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيّا أقول له: حياك الله وبياك. هذا مجلسنا الرابع عشر من مجالسنا في شرح مقدمة المرزوقي الأدبية على شرحه لديوان الحماسة.
انتهينا أيها الإخوة من الكلام على قضية جزالة اللفظ وما يراد به، وتتبعناها في اللغة، وتسللنا من اللغة إلى كلام العلماء، وذلك أوفى طريق. ونأتي الآن إلى شرح العياري من نص المرزوقي رحمه الله. قال: وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال مال، فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم. قال: وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال، فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم.
وهذا كلام شديد الاختصار، والاختصار كما عرفنا هو الصفة التي تصبغ هذه المقدمة النفيسة. الاختصار هو الصفة التي تصبغ هذه المقدمة النفيسة، والحق أن المرزوقي هنا قد أجمل صفتين من صفات ما اسميه بمثلث الشاعر. والحق أن المرزوقي رحمه الله تعالى هنا قد أجمل صفتين من صفات ما اسميه بمثلث الشاعر، الذي يقوم على الموهبة والرواية والدربة. ذلك أن الطبع الذي ذكره هنا في المتن هو القريحة (بين قوسين القريحة)، وهو الموهبة. ولكن يزاد فيها هنا ما يكتسبه الانسان عليها من دربته وخبرته، ما يكتسبه الإنسان على أصل القريحه والموهبة من الدربة مما يغذي الموهبة ويرفعها. وهذه القريحة أو الطبيعة هي التي بها يكون إحساس الشاعر بأن هذا اللفظ ظل لائق بالشعر، لا هو بالعامي السفساف، ولا هو بالوحشي الشارد.
أما الرواية فهي دوران الألفاظ والتراكيب في كلام العرب الفصحاء، وتحصيل الشاعر لذلك، وتحصيل الشاعر لذلك. وفي هذا يقول الأصمعي، كما في كتاب العمدة بالجزء الأول صفحة 318، يقول الأصمعي: لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلا حتى يروي أشعار العرب، ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني وتدور في مسامعه الألفاظ. يقول الأصمعي: لا يصير الشاعر فحلا، لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلا، حتى يروي أشعار العرب ويسمع الأخبار ويعرف المعاني وتدور في مسامعه الألفاظ.
ولو أننا تأملنا بعضا من كلام أهل العلم لتكشفت لنا قضية الطبع والرواية في تمييز الألفاظ، لتكشفت لنا قضية الطبع والرواية في تمييز الألفاظ، ووقفنا على دقيق من البيان في ثنايا كلامهم. تعالوا نطلع على زمره من النصوص لابي بكر الصولي، ذلك الناقد الفرد، المتوفى عام 336، يقول في كتاب اخبار أبي تمام في الموضع الأول صفحة 101: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: جاءني فضل اليزيدي بشعر أبي تمام فجعل يقرأه علي ويعجبني ممن جهل مقداره فقلت له: الذين جهلوه كما قال ليذهمنك من دهمائهم عدد، فإن أكثرهم أو كلهم بقر. فقال لي: قد عابه جماعة من رواة الشعر، والرواة إنما في الأصل يرغون لأجل الأخبار واللغة والعربية أي النحو والصرف؛ الأخبار واللغة أي المعاجم والعربية أو النحو أي النحو والصرف، فهؤلاء يقال فيهم رواة الشعر، الأصل أنهم يروون لأجل العلوم ثم يتكلمون في الشعر أحيانا، فمن كان منهم محسنا في الشعر أصاب أو كثرت فيه الإصابة، وأما من كان متمحضا في العربية واللغة والرواية لأجل ذلك فإنهم يخطئون كثيرا ويأتون بما يستهجنه منهم نقاد الشعر. فقال لي: قد عابه جماعة من رواة الشعر. فقلت: الرواة يعلمون تفسير الشعر ولا يعلمون ألفاظه، وإنما يميز هذا منهم القليل. فقال: هذه العلة في أمرهم. فالشاهد هنا في قوله: ولا يعلمون ألفاظه، فالفاظ الشعر هي الألفاظ التي تكون على شرط الشعر، والرواية انما تروون لأجل مطلق اللغة ومطلق العربية، أما معرفة ألفاظ الشعر من حيث كونه شعرا فذلك كثيرا ما يكون بعيدا عنهم.
وفي صفحة 126 و127 كان يتحدث عن نقل بعض أهل اللغة والعربية لأبي تمام وقد جهلوا طرائق نقد الشعر وطرائق الشعراء، فكان مما انتهى إليه أن قال: ولما يعرض من يذهب هذا عليه لعلم الشعر والكلام في معانيه وتمييز ألفاظه به. ولما يعرض من يذهب هذا عليه لعلم الشعر والكلام في معانيه وتمييز ألفاظه. فابو بكر الصولي هنا يؤاخذ الذين يذهب عليهم مثل هذا العلم أنهم يتعرضون لعلم الشعر والكلام في معانيه وتمييز ألفاظه، وهذا ليس من عملهم. ثم قال: ولعله ظن أن هذا العلم مما يقع لأفطن الناس وأذكاهم من غير تعليم وتعب شديد ولزوم لأهله طويل، فكيف لأبلدهم واغباهم؟ يقول: الفطنة الشديدة والذكاء الشديد لا يكفيان لتكون شاعرا، هناك فطنة أخص وذكاء أخص، فكيف إذا كان الانسان أصلا بليدا وغبيا؟
ثم قال: وليس من أجابه طبعه إلى فن من العلوم أو فنين أجابه إلى غير ذلك. قد كان الخليل بن أحمد أذكى العرب والعجم في وقته بإجماع أكثر الناس، فنفذ طبعه في كل شيء تعاطاه، ثم شرع في الكلام فتخلفت قريحته ووقع منه بعيدا، فأصحابه يحتجون عن شيء لفظ به إلى الآن، أي أصحابه المحبون إلى الآن يدافعون عنه في كلمات نطق بها فيما لا يحسنه ولم يفتح له فيه حتى يدفعوا عنه الهجن فيما قيل وكذا. وهذا في حق الخليل بن أحمد، فكيف الآن ببعض معلم الصبيان ومعلم المبتدئين يدرسونهم العربية أو الآجرومية ثم يغضبون إذا قلت لهم أو نبهتهم إلى كونهم لا شأن لهم بالشعر، وأنهم لا نفاذ لهم فيه، وأنهم يحفظون أقوالا يقولونها وأن الشواهد قائمة على عدم تحقيقهم بل على عدم تجاوزهم حفظ الظواهر فيه؟ فإذا كان هذا يقال في الخليل بن أحمد، فان يقال في غباره فاتها نعله، أولا لا أقول في غباره لنعله في غباره فاتها نعله لكن جاورته أولا.
ثم يقول: وليت شعري متى جالس هؤلاء القوم من يحسن هذا أو اخذوا عنه؟ يتحدث عن أهل العربية واللغة، وأبو بكر الصولي ناقد كبير ناقد للشعر يقول: وليت شعري متى جالس هؤلاء القوم من يحسن هذا أو اخذوا عنه وسمعوا قوله؟ أتراهم يظنون أن من فسر غريب قصيدة أو أقام إعرابها أحسن أن يختار جيدها، ويعرف الوسط والدون منها، ويميز ألفاظها؟ وأي أئمتهم كان يحسنه؟ فهو هنا يقول أئمة، فيقول: ومن هؤلاء الأئمة كان يحسن هذا؟ وهذا يذكرنا بقول أبي عمرو بن العلاء: العلماء بالشعر اندر من الكبريت الأحمر. وبكلمة تلميذه الأصمعي: فرسان الشعر اقل من فرسان الحرب. نعم، فهذه نصوص انفصلت وتوالت لأبي بكر الصولي رحمه الله.
فنلاحظ هنا من هذه النصوص خصوص أمرين: الأول أنه استعمل كلمة الألفاظ وعبارة تمييز الألفاظ، مع أن الألفاظ الواقعة في الشعر تقع في غيره كذلك ولا تختص به، فدل ذلك على أنها طبقة في الاستعمال، وأن اللفظ الجزل الذي هو من عمود الشعر هو مما يراد بهذه الألفاظ ويدخل فيها. فالحديث إنما هو عن تمييز ألفاظ الشعر الذي يعرفه أهل الشعر فيفرقون بين السفساف والجزل، ولاجل هذا سترون السفساف يقع كثيرا في أشعار كثير من الفقهاء الذين يحاولون الشعر ويتلطفون ويتندرون فيه، ويذكرون فيه ألغازا، فهؤلاء ربما يتسلون بذلك ويتروحون به لكنهم لا يتكلمون في الشعر، وإنما يتكلم في الشعر أهله العالمون به، ولا يؤخذ إلا عنهم وإلا فسدت أذواق الناس وأفكارهم.
الامر الثاني الذي نقف عليه من كلام أبي بكر الصولي أنه خص بهذه المعرفة أهل العلم بالشعر، فدل ذلك على أن مجرد العلم باللغة وأن روايتها لا يخول الكلام في الفاظ الشعر. وهذا أمر متقرر في كلام اهل العلم، لا ينكره إلا ضعاف العقول الذين يظنون أن اشتغالهم بأي فرع من فروع علوم العربية يخول لهم الحديث في نقد الشعر وتمييزه. فهذا عنصر الطبع، أو هذه صفة الطبع، أو عيار الطبع؛ هذا عيار الطبع طبع وعيار الرواية.
أما الثالث وهو الاستعمال، فقد ذكر فيه الشيخ الطاهر رحمه الله تعالى ما لا يتضح به المقصود، بل ما قد يؤول إلى غير الصواب. يقول الشيخ رحمه الله صفحة 134 من شرحه بعد أن قال: الاستعمال ليظهر ما هو حق وما هو مجاز، ويظهر العام والخاص مثلا، قال: ليظهر ما هو حقيقة وما هو مجاز، ويظهر العام والخاص. فكان الشيخ هنا فسر الاستعمال بوجوه الاستعمال. فكان الشيخ هنا رحمه الله فسر الاستعمال بوجوه الاستعمال، وهذا لا يجوز أن يكون مقصودا هنا لأنه داخل في الطبع والرواية جميعا، لأن الذي يهتدي بطبعه وقريحته المسبوكة إلى الألفاظ الجزلة يهتدي إلى طرائق استعمالها ضمنا، ولا يتصور اهتداؤه إليها دون اهتدائه إلى طرائق الاستعمال، والذي يرويها هو يرويها كذلك على وجوه استعمالها، لا يمكن أن تفصل رواية الألفاظ عن الطرائق، لأنك تروي اللفظ على هيئة الاستعمال.
كما راينا في كلام الأصمعي قبل قليل أنك حتى تصير فحلا لابد وأن تدور في الألفاظ، كيف تدور في الألفاظ؟ تدور في وجوه استعمالها، والا فالالفاظ في ذاتها معروفة من المعاجم، وانما المقصود من الاستعمال هنا أن يكون اللفظ مما تعارفه القدماء واستعملوه فألفوه في سياقات عامة أو خاصة واستعملوه في مواضع بعينها لا يخالفون ذلك إلى مواضع أخرى، فهذا الاستعمال ينبغي أن يراعى، لأن هناك من الألفاظ ما هو فصيح فخم وصحيح في القياس، ولكنه موضوع في غير موضع استعماله القويم.
ومما يؤكد ما أحرره هنا أن أبا هلال العسكري لما ذكر الجزالة ذكر ما عرفناه من نفي الركاكة والوحشية جميعا، ثم ذكر في ذات الكلام عدم مخالفه وجه الاستعمال. فقال في كتاب الصناعتين صفحة 149: والمختار من الكلام ما كان سهلا جزلا، لا يشوبه شيء من كلام العامه والفاظ الحشويه. هاتان الصفتان اللتان عرفناهما. ثم قال: وما لم يخالف فيه وجه الاستعمال مال. هذه اكتبوها اقتنسوها؛ وما لم يخالف فيه وجه الاستعمال، لأنه ذكر وجه الاستعمال هنا وقد ذكره المرزوقي كذلك في عيار اللفظ الجزل، وهو هنا يذكره يذكر وجه الاستعمال أو يذكر الاستعمال في تعريف الجزل. فكلام أبي العسكري هنا أولى أن يفسر به الأمر مما فسره به الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله ورضي عنه وجزاه خيرا.
يقول أبو هلال العسكري: والمختار من الكلام ما كان سهلا جزلا لا يشوبه شيء من كلام العامة وألفاظ الحشوية، وما لم يخالف فيه وجه الاستعمال. فذكر ذلك في الجملة في سياق الجزالة كذلك، أو في السياق الذي ذكر فيه الجزالة. ولكن الثمينة هنا في كلام أبي هلال هو ما يأتي بعده، وهو تمثيله لهذه القضية، قال: ألا ترى إلى قول المتنبي: أين البطاريق والحلف الذي حلفوا بمفرق الملك والزعم الذي زعموا. أين البطاريق والحلف الذي حلفوا بمفرق الملك والزعم الذي زعموا. قال أبو هلال: هذا قبيح جدا، هذا قبيح جدا، وإنما سمع قول العامه حلف برأسه فأراد أن يقول مثله فلم يستو له فقال بمفرق الملك. ولو جاز هذا لجاز أن يقول حلف بيافوخ أبيه وبقمح وبقمحضوه سيدته سيدته آه وبقمح وبقمحضوه سيدته أو سيده خلاص.
فيقول إنه جعل المفرق مكان الرأس. قال: وقبح هذا (طبعا القمحوه القمحوه، قال الجزء الناشز فوق القفا وأعلى القذال خلف الأذنين الحتة دي حلف بالحته دي خلاص). يقول: وقبح هذا (يقول أبو هلال وقبح هذا يدل على أن أمثاله غير جائز في جميع المواضع). وهذا النوع في شعر المتنبي كبعد الاستعارة في شعر أبي تمام. ومن الألفاظ ما يستعمل رباعيا وخماسيا دون ثلاثي، ومنها ما هو بخلاف ذلك، فينبغي ألا تعدل عن جهة الاستعمال فيها، ولا يغرك أن أصولها مستعملة، فالخروج عن الطريقة المشهورة والنهج المسلوك رديء على كل حال. هذا معنى الاستعمال يا إخوة، هذا معنى الاستعمال.
نعم، شيخ خالد يقول: هو لا يحب المتنبي، لا أعرف هذا يهاجمه كثيرا ولا يحب القدماء أيضا، يعني يهاجمهم كثيرا ويغلط في الفهم عليهم كثيرا. والشاهد هنا من كلام أبي هلال هو أنه قد جعل المفرق وهو لفظ فصيح مكان الرأس، فلم يأت بلفظ عامي ولا بلفظ وحشي، ولكنه استعمله في غير مكانه، فهذا هو المقصود من صفة الاستعمال في عيار اللفظ.
ومدح البحتري كلاما بهذه الصفه حين قال: حزن مستعمل الكلام اختيارا، وتجنبن ظلمة التعقيد، وركبنا اللفظ القريب فأدركنا به غاية المراد البعيد. من يعرف هذا البحر؟ أصحاب الاذن الموسيقيه، من يعرف هذا البحر؟ ها، من يعرف هذا البحر؟ يحب ابن الروحي (ضحك). تابع الشيخ خالد: الخفيف، أحسنت يا محمد، الخفيف. نقطعه استفادة وترويحا: حزن مستع، حزن مستع (فاعلات)، مل الكلا (متفعلن)، متفعلن مخبونة، مستفعلن مخبونة. حزن مستع، حزن مستع، مل الكلا مختيارا، مختيارا (فاعلات). يبقى فاعلات متفعلن فاعلات. يا خفيفا خفت به الحركات، فاعلات مستفعلن فاعلات. نعم. يا خفيفا (فاعلات) خفت بهل خفت به (مستفعلن) حركات (فعلات). تخبأ كثيرا فعلات، أصلها فاعلات يحذف الثاني الساكن وتكون فاعلات. نعم.
حزن مستعمل الكلا مختيارا، وتجنب، وتجنب (فاعلات) وتجنب (ن ظلمة) نظلمة (متفعلن) تعقيدي (فاعلات). من يعرف ماذا حصل؟ ها. حزن مستعلى الكلا اختيارا.
خلاص، ادرسه يا سيّدي! ادرس العروض، يلا توكل على.
قالت: لن أخبركم ماذا حصل، اكتبوا في التعليقات. أحسنت أختنا أمل طاهر: التشعيث. وما هو التشعيث؟ ما هو التشعيث؟ حذف العين من فاعلاتن، أحسنت؛ فاعلاتُ، أحسنت ما شاء الله! أنت لاحظت من إجاباتك أنك جيدة في العروض، ما شاء الله، ممتاز.
طيب، يقول مستعمل الكلام اختياراً: وتجنبن ظلمة التعقيد وركبنا اللفظ القريب فأدركن به غاية المراد البعيد. فقال: مستعمل الكلام، مستعمل الكلام، نعم، فهذا يدخل فيه ضمناً مقصودنا. ثم يقول المرزوقي رحمه الله: وهذا في مفرداته وجملته مراعىً؛ لأن اللفظة تستكرم بانفرادها، فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت الجملة هجيناً. وهذا في مفرداته وجملته مراعىً، هذا يريد به شرط الجزالة، يراعى في المفرد والتركيب. يقول: لأن اللفظة تستكرم بانفرادها، فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت الجملة هجيناً. وهذا واضح جداً فيما ذكرناه، بل إن أكثر ما يكون ذلك في الانتظام والانضمام، نعم.
أكثر ما يكون ذلك في الانتظام والانضمام بين الألفاظ؛ لأن أكثر الألفاظ لا تحمل صفة وحدها، لأن أكثر الألفاظ لا تحمل صفة وحدها، وإنما تكتسب الصفة من موقعها. وهاكم مثالاً على اللفظة التي وقعت سوقيةً عاميةً في موقع من الكلام، فلما وقعت في نظام جزل، وجرت في مجرى من المعاني المركبة شريف، وجرت في مجرى من المعاني المركبة شريف، شرفت وجزلت، شرفت وجزلت.
انتقدت مرّةً قول أبي العلاء المعري، انتقدت مرّةً قبل سنين، قول أبي العلاء المعري: وأعجب مني كيف أخطئ دائماً، على أنني من أعرف الناس بالناس. وأعجب مني كيف أخطئ دائماً، على أنني من أعرف الناس بالناس. فقلت: ما يعني أن لفظ دائماً ليس من ألفاظ الشعر، فهو عامي ركيك سفساف. فطار بعضهم فرحاً بذلك، ورأى أنه قد أصاب القول والقائل في مقتل، رأى أنه قد أصاب القول والقائل في مقتل، وقال: كيف يقول إن لفظ دائماً ليس من ألفاظ الشعر؟ أو ليس شعرياً؟ وهو في بيت لبيد من المعلقة الجاهلية: باتت وأسبل واكفٌ من ديمةٍ يروي الخمائل دائماً تسجامها. باتت وأسبل واكفٌ من ديمةٍ يروي الخمائل دائماً تسجامها.
فقلت رداً على ذلك أو مجيباً لذلك: كان ينبغي للمشتغل بالشعر، إذا كان مشتغلاً حقاً بالشعر، أن يدرك أن مرادنا من قولنا إن لفظ دائماً ليس شعرياً، أنه ليس كذلك في هذا الموضع، أنه ليس شعرياً في هذا الموضع. وشتان شتان بين اللفظين في موقعهما من البيتين، وشتان شتان بين اللفظين في موقعهما من البيتين.
لو نظرت في بيت أبي العلاء المعري، ترى العبارة فقط: أخطئ دائماً، أخطئ دائماً. على هذه الهيئة من الحال، فهو حال لكن له هيئة خاصة، وهذه العبارة من المواضع أو من العبارات العامية المبتذلة، فأقل العامة شأناً في اللسان والكلام يقول: أخطئ دائماً. وهذا معنى كونها ليست شعريةً في هذه العبارة، أي ليست على مبدأ لغة الشعر، كما أورد عبد القاهر لفظة شيء في مواضع مختلفة، فأثبت أنها في بعض المواضع لم تكن على قانون الفن، وأنها في موضع آخر أو في مواضع أخرى كانت مكينة في مكانها. فأي ذوق وأي إدراك لا يعقل الفرق بين اللفظتين في أخطئ دائماً ودائماً تسجامها؟
انظر إلى موقعها في بيت البيت، كيف دخلت على الإرواء الذي تليق معه الديمومة بل تلاصقه، كما قال امرؤ القيس: ديمة هطلاء فيها وطف، طبق الأرض تحرى وتدر. ثم انظر كيف وقعت لفظة دائماً في الشطر الثاني الذي كان كالشرح بالفعل المضارع لما أجمل في الشطر الأول، لما أجمل بصيغة الماضي في الشطر الأول الذي أسند فيه إلى لفظة ديمة: باتت وأسبل، باتت وأسبل واكفاً، واكف من ديمة، ثم قال: يروي الخمائل دائماً تسجامها. فانظر إلى موقعها، ثم انظر كيف قدمت على الفاعل الذي أخر مما أسبغها بمزيد من الخطر، هي نفس اللفظة دائماً جاءت في بيت: وأعجب مني كيف أخطئ دائماً، وجاءت في موضع آخر: يروي الخمائل دائماً تسجامها. انظر تقـ، إلى تقديمها، وقبل ذلك انظر إلى وقوعها في موضع الشطر الثاني، وانظر إلى كونه تفسيراً لذلك ذلك، وكيف دخلت على الإرواء الذي تليق معه الديمومة بل تلاصقه كما قلنا، وليس دخلت على وقوع الخطأ المحض في عبارة أخطئ دائماً.
وهنا أسفت شديداً على أناس يتحدثون في الشعر والأدب؛ لأن هذا الذي اعترض على ذلك كان أكاديمياً في كلية عربية مصرية. عجبت منه أولاً كيف فهم أن قولي: ليست لفظاً شعرياً، أنه لا يكون في الشعر إطلاقاً، حتى يعد اقتناصاً أن يأتي بلفظة دائماً في المعلقات أو في إحدى المعلقات. وحزنت ثانياً أنه لم يشعر بالفرق بين: وأعجب مني كيف أخطئ دائماً على أنني من أعرف الناس بالناس، وبين: باتت وأسبل واكفٌ من ديمةٍ يروي الخمائل دائماً تسجامها. يروي الخمائل دائماً، أي حال كونه دائماً التسجام، وليس يروي الخمائل تسجامها دائماً بالإرواء من الديمة، لا، يروي الخمائل حال كونه دائماً التسجام. كيف لم يدرك هذا الفرق وهو أستاذ أكاديمي في الشعر؟ يعني فحزنت من هاتين جداً، حزنت من هاتين جداً.
وهناك ألفاظ، هناك ألفاظ تقع غالباً عامية رديئة، مثل لفظة جداً، جداً، كلمة جداً. أقول من قديم: لفظ جداً عامي، وغالباً سيأتي رديئاً. لماذا؟ لأن الشعر كله مبني على جِدا. الشعر يأخذ المعنى الأصلي، المفضّ، المجرّد، إلى أصل المعنى، إلى الخصائص والدقائق، إلى الهزة الشعورية العنيفة، إلى الأنس بالمعنى، إلى الطرب، إلى الانتشار، إلى أم، نمط من السكر، إلى ضرب من السكر. فالشعر، الشعر مبني في الشعور على جِدا. ولهذا مر معنا أن الشعر إما أن يقبح الحسن، أو يححسن القبيح، أو يزيد القبيح قبحاً ليس فيه، أو يزيد الحسن حسناً ليس فيه. فلفظة جداً على هذا غالباً ستقع في الشعر ضعيفة، غالباً؛ ليس لأن هناك ألفاظاً لابد أن تكون كذلك على جهة الثبوت، لا، ولكن لأن أحوالها في معناها تلاقت مع وظيفة الشعر، فصار استعمالها يغلب عليه أن يؤدي وظيفة الشعر بطريق غير الشعر، أن يؤدي دي، وظيفة الشعر بطريق غير الشعر.
فبدلاً من وصف المحبوبة بأوصاف الجمال وترتيب الوصف وتنسيقه ليعلو بالوصف إلى مرتبة من شرف المعنى، ستقول: جميلة جداً، وبيضاء ومشربة بالحمرة في بهاء جداً، وشعرها طويل جداً وأسود جداً، هي رائعة جداً، خلاص. وحسبك قول أبي فراس الحمداني من قصيدة اخترتها في المستصفى من ديوان أبي فراس: وأنا لتثني عواطف حلمنا عليهم، وإن ساءت طرائقهم جداً. فلفظة جداً هنا نزلت بالبيت في آخره: وأنا لتثني عواطف حلمنا عليهم، وإن ساءت طرائقهم جداً. شعرتم الآن بالضعف والركاكة والنزول وعدم الجزالة في لفظ جداً في بيت أبي فراس، شعرتم؟ أحسنتم يا شيخ خالد الدبيخي، أحسنتم، ما شاء الله! الإخوة شعروا بذلك، ما شاء الله! الإخوة والأخوات ما شاء الله شعروا بذلك. وأنا لتثنـ، البيت كان شريفاّ إلى هذه اللفظة، نزل، نزل: وأنا لتثنينا عواطف حلمنا عليهم، وإن ساءت طرائقهم. فهذه اللفظة هنا تخالف جزالة اللفظ التي هي ركن الشعر. لا إشكال يا سيدي.
أما الباب الثالث من عمود الشعر فهو الإصابة في الوصف. انتهينا من جزالة الألفاظ، ركزوا معنا الآن. أما الباب الثالث من عمود الشعر فهو الإصابة في الوصف، وهذا الباب هو من أكثر ما يقع الاختزال فيه والغلط، من أكثر ما يقع الاختزال فيه والغلط؛ ذلك أن القدر الذي يشرح به لا يستقيم الاكتفاء به على قانون الوصف في الشعر. مرة أخرى: ذلك أن القدر الذي يشرح به لا يستقيم الاكتفاء به على قانون الوصف في الشعر. فيقول الشيخ الطاهر بن عاشور صفحة 117: طيب، هذا الذي أقوله الآن تعليق أخير على قضية جزالة الألفاظ، رأيتم الآن أن جزالة اللفظ تدرك، تدرك بالطبع والرواية وموافقة الاستعمال، وهذا المعيار، هذا المعيار في معرفة جزالة اللفظ يدلكم على، يدلكم على أن إخواننا من المعاصرين الذين يتلفنون ويجلسون في التكييف ويدهنون الفازلين على القلوب، وتتزحلق حبيباتهم في الفازلين، ويمشون على الحوائط، ثم يعيشون غربة الأديب، أن هؤلاء ليس عندهم الطبع الذي يعرفون به، ولا الروا، ليس عندهم الطبع ولا الرواية، خلاص، الذي يعرفون به جزالة الألفاظ.
فمثلاً شخص يسفه في كلامه سفهاً يتنزه عنه الصغار، فيقول: أهواك سلكياً ولا سلكياً، وأحب فيك رنينك الأصلي. سالوه عن جزالة الألفاظ، أو يقول: احتاج نصاً إضافياً ليشرحني، هو كلام موزون، احتاج نصاً إضافياً ليشرحني. يا دار مية بالعلياء السند، فيقول: احتاج نصاً إضافياً ليشرحني. أخبرونا عن جزالة الألفاظ، أخبرونا عن الطبع والرواية الذي، ها، أخبرونا عن الطبع والرواية اللتين تعرف بهما جزالة الألفاظ في مثل هذه العبارة السفيهة؟ عبارة سفيهة، وللأسف هناك جماهير أو عندنا جماهير مسكينة، للأسف عندنا جماهير مسكينة تعتبر ذلك شعراً وتصفق، وبالمناسبه بالآلاف، بالآلاف! وإذا لم يكن هذا هو استخفاف أو الاستخفاف بالعامة والاستسفاه للجماهير، فليس هناك استخفاف، وليس هناك إيه، استسفاح.
نرجع إلى سياقنا، يقول الشيخ الطاهر بن عاشور صفحة 117: إصابة الوصف هي أن يصور المتكلم ما أراد التعبير عنه من المعنى تصويراُ مطابقاً لما عليه الشيء الموصوف في الخارج والواقع من غير انعكاس ولا انتقاض. قال إصابة الوصف، قال الشيخ الطاهر بن عاشور: إصابة الوصف هي أن يصور المتكلم ما أراد التعبير عنه من المعنى تصويراً مطابقاً لما عليه الشيء الموصوف في الخارج والواقع من غير انعكاس ولا انتقاض. قلت: وأبلغ منه، أبلغ منه قول بعضهم، كما في كتاب العمدة المجلد الثاني صفحة 197: أبلغ الوصف، أغلب الوصف، أبلغ الوصف ما قلب السمع بصراً. ولكن يظل ذلك كلاماً صحيحاً لا يتعدى إلى خصوص الشعر، يظل ذلك كلاماً صحيحاً لا يتعدى إلى خصوص الشعر. والحق أن معالجة وصف في الشعر هي من أَعثَر ما يكون في هذا الفن العالي، والحق أن معالجة الوصف في الشعر هي من أَعثَر ما يكون في هذا الفن العالي؛ لأن الوصف في الشعر ليس وصفاً للشيء على ما هو عليه لأجل ذاته، إنما يكون وصفاً بما يخدم غرض الشاعر في كل موضع. فالوصف كغيره من أجزاء الشعر يخضع لقاعدة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ولا نجد في أشعار الفحول وصفاً لأجل تدوين حياة البرية مثلاً، أو وصفاً لأجل تدوين بناء الحيوان، جسم الحيوان، وإنما نجد أوصافاً يحقق بها الشاعر أغراضاً سلك إليها هذا المسلك، وإنما نجد أوصافاً يحقق بها الشاعر أغراضاً سلك إليها هذا المسلك.
تعالوا نتأمل وصف أبي ذؤيب للحمار الوحشي في عينيته وننظر: هل كان أبو ذؤيب، هل كان أبو ذؤيب يصف حياة البرية كما تذكر بعض الكتب، أم كان ذا غرض بعينه؟ فإننا نجد القصيدة لها خيط واحد من أولها إلى آخرها لم ينقطع، وهو خيط أقرب إلى حبل غليظ واضح ظاهر. فنراه في أولها يذكر الموت ويرثي أولاده، فيقول: أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع؟ قالت أميمة: ما لجسمك شاحباً منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع؟ أما لجنبك لا يلائم مضجعاً إلا أُقضّ عليك ذاك المضجع؟ فاجبتها: أما لجسمي أنه أودى بنيّ من البلاد وودعوا، أودى بنيّ وأعقبوني حسرةً بعد الرقاد وعبرةً لا تقلع، ولقد أرى أن البكاء سفاهةً ولسوف يولع بالبكى من يفجع، سبقوا هوّيّ وأعنقوا لهواهم فتخرموا، ولكل جنب مصرع، فتخرموا ولكل جنب مصرع.
وينتهي من الفصل الذي يذكر فيه: ولقد حرصت بأن أدافع عنهم فإذا المنية أقبلت لا تدفع، وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع. بعد ذلك مباشرة يقول: والدهر لا يبقي على حدثانه. فمفتاح الفصل أن الدهر لا يبقي على تغيرات أحواله، فكيف نفهم أنه سيصف حياة البادية؟ له غرض واضح من المقدمة ومن مفتاح الشط، مفتاح الفصل، من المقدمة ومن مفتاح الفصل: والدهر لا يبقي على حدثانه. جون السرات له جدائد أربع، صخب الشوارب لا يزال كأنه عبد لآل أبي ربيعة مسبع، أكل الجميم وطاوعته سمحج مثل القناة وأزعلته الأمرع، بقرار قيعان سقاها وابل وهاف، فأثجم برهه لا، فأجم، فأثجم برهه لا يقلع، فلبثن حيناً يعتلجن بروضة، فيجد حيناً في العلاج ويشمع. وهذه الأبيات كلها في وصف استقرار الحياة له ومراحه فيها ومرعاه والسرح والاستمتاع بكل ما في حياته.
فقال: حتى إذا جَزَرت مياه رزونة وبأي حين ملأوه تتقطع، ذكر الورود بها وشاق أمُره شؤم، وأقبل حينه أي هلاكه يتنبع. فكيف نقول هذا وصف لحياه البادية وهو يحكي لك أنه بعد أن رعى في الأرض وسرح فيها ورتع، تذكر شيئاً، ويذكر لك الشاعر أن هناك موتاً يتنبع له، هناك هلاكاً يتنبع له، وذكره في موضع ينبغي ألا يتذكره فيه؛ لأن فيه هلاكه: حتى إذا جزرت مياه رزونة وبأي أي حين ملأوه تتقطع، ذكر الورود بها وشاق أمُره شؤم، وأقبل حينه يتنبع. واستعمل كلمة يتنبع، التي تستعمل في الماء، بعد أن ذكر المياه التي تثجم وتقيم برهه وكذا، صار الحين أي الهلاك يتنبع مكان الماء: وأقبل حينه يتنبع ففتنه من الثواء، وماؤه بثر، وفتنه من السواء وماؤه بثر، وعانده طريق مهيع، فكأنها بالجزع بين نبايع والآت ذي العرجاء نهب مجمع، وكأنه ربابة وكأنه يُسْرٌ يفيض على القداح ويصد صَدْع، وكأنما هو مَدوسٌ متقلب في الكف إلا أنه هو أضلع، فوردن والعيوق مقعد رابئ الضرباء فوق النجم لا يتتلعون.
فشرعن في حجرات في جوانب، فشرعن في حجرات، عذب بارد حصب البطاح تغيب فيه الأكرع، ماء بارد وحياة، فشربنا. وهذه حياة، ثم سمعنا حسا تنبع الموت الهلاك هنا، تنبع من نفس المكان تنبع الحين فشربنا. ثم سمعنا حسا دونه شرف الحجاب، قلنا الشرف مثلنا بهذا البيت في شرف المعنى، الشرف الارتفاع، شرف الحجاب من اسم إضافة الصفة إلى الموصوف يعني الحجاب المرتفع المشرف أو الشريف العالي، كثير من الرمال كبير أو جبيل صغير.
فشربن ثم سمعنا حسا دونه شرف الحجاب وريب قرع يقرع، سمعنا ريب قرع مريب، لكن سرن كأنهن سمعن ريبا، وريب قرع يقرع، ونميمة سمعنا نميمة، ونميمة من قانص متلبب في كفه جشء أجش وأقطع، فنكرنه فنفرن، وامترست به هوجاء عرجاؤها عوجاء هادية وهاد جرشع. فرمى، فرمى فأنفذ من نحوص عائط سهماً، فخر السهم فخر وريشه متصلح، فنكرنه، فنكرنه، فنكرنه ونفرن وامترست به، فنكرنه فنفرن وامترست به، هو عوجاء هادية وهاد جرشع، فرمى فأنفذ من نحوص عائط سهماً، فخر السهم فخر وريشه متصمع، متصمع ملتصق من الدماء إشارة إلى أن السهم نفذ في كبد أو في مكان غزير بالدماء، ما الذي فيه الدماء؟ الكبد والقلب والكلى.
أن يخر السهم وريشه متصمع ملتصق يعني شرب دماً، قد يمر في فخذ، في في عضد، في طرف عنق قفا، يمر في اللحم الجابس اليابس، يخرج الريش منفوشاً أيضاً. لكن أن يخر وريشه متصمع يعني شرب اخترق مقتلا، كبدا كلية، قلبا، طحالا. فرمى فأنفذ من نحوص عائط، أتان حماره أتان لا تنجب وكذا، يعني مذكرة قوية، سهماً فخر وريشه متصمع.
كانت الأتان تلتصق بالحمار تحتمي به، فبدا له أقراب جوانب، فبدا له أقراب هذا رائغاً عجلاً، فعيث في الكنانة يرجع، غمس يده في الكنانة يعيث فيها، فعيث في الكنانة يرجع، فرمى فألحق صاعدياً متحرا بالكشح فاشتملت عليه الأضلع فكبا، فاشتملت عليه الأضلع، أضلع اشتملت على أنضمت على ال.
فأنفذ من نحوص عائط سهماً فخر وريشه متصمع، فبدا له أقراب هذا فبدا له أقراب هذا رائغاً عجلاً، فعيث في الكنانة يرجع، فرمى فألحق صاعدياً مطحرا بالكشح فاشتملت عليه الأضلع، فابدهن حتوفهن فهارب بذمائه، أو بارك متجعجع، يعثرن في علق النجيع كأنما كسيت برود بني تزيد الأذرع.
خطوط حمراء، خطوط حمراء برتبة تزيد يمنية كما قالوا تكون مخططة حمراء هكذا، سوداء بخطوط حمراء خلاص فهي أراها داكنة فعليها خطوط حمراء، يعثرن في علق النجيع كأنما النجيع الدم الثقيلة كأنما كسيت برود بني تزيد الأذرع، كأن أرجلها صارت من التخطيط الكثير كأنها كسيت برود بني تزيد دماء دماء دماء.
هذا وصف لتدوين الحياة البرية أم وصف موجه بغرض؟ أسألكم سؤالاً وأجيبه، هذا وصف لتدوين الحياة البرية أم هو موجه بغرض؟ طبعا موجه بغرض، وكأنه تفسير لقوله: ولكل جنب مصرع، وإذا المنية أنشبت أظفارها أَلْفَيْتَ كلَّ تَمِيمَةٍ لا تنفعُ.
أسألكم سؤالاً: هل يصح هنا في إصابة الوصف أن نكتفي بقولنا أن يطابق الوصف في الشعر الواقع الحقيقة الواقعة من الموصوف، هل هذا هو فقط؟ هل هل يكتفى بهذا التعريف؟ لا يكتفى بهذا التعريف.
تعالوا ننتقل إلى الفصل التالي الذي فيه وصف مطاردة الثور، الذي فيه وصف مطاردة الثور. والدهر لا يبق على حدثانه، أيضاً، أيضاً، والدهر لا يبق على حدثانه، شبب يعني ثور شبب كبير قوي أبيض ناصع له طرتان.
والدهر لا يبق على حدثانه شبب، أفزته الكلاب مروع، شعف الكلاب الضاريات فؤاده، فإذا يرى الصبح المصدق يفزع، ويعوذ بالأرطى إذا ما شفه قطر وراحته بليل زعزع، يرمي بعينيه الغيوب وطرفه مصغ يصدق طرفه ما يسمع.
فغدا يشرق ظهره، فبدا له أولى سوابقها قريبا توزع، فغدا يشرق متنه، فبدا له أولى سوابقها قريباً توزع، فبثهن عليه، فغدا يشرق متنه، فبدا له أولى سوابقها قريباً توزع، فانصاع من فزع، فانصاع من فزع، وسد فروجه غبر ضوار وافيان واجدع، ينهسنه، ينهسنه ويذودهن ويتقي عبل الشوى بالطرتين مولع.
عبل الشوا قوي، الشوا الأطراف مليئة غليظة، مكارعه ممتلئه بالطرتين مولع أي ملون بالخطين على جانبيه جانبي بطنه وأيطليه، وهذا علامة تمام شبابه وقوته فهو شبب، فهو يحاربهم ويتقي ويذبهم، وينهسنه وهو سبب قوي، وتذكروا هاتين الطرتين سيذكرهما بعد ذلك في عكس الموضع الآتي الآن في عكس الموضع الحاضر الآن.
ينهسنه ويذودهن ويتقي عبل الشوى بالطرتين مولع، حتى إذا ارتدت وأقصد عصبة منها وقام شريدها يتوع، فكان سفودين لما يقترا عجلاً له بشواء شرب ينزع، يريك قرنيه تلطخ بالدماء الساخنة كأنهما سفودان اخرجا من لحم لم يكتمل شواه فهما يدخنان وعليهما الدهن والدماء.
حتى إذا ارتدت وأقصد عصبة منها وقام شريدها يتضوع، فكان سفودين لما يقترا عجل له بشواء شرب ينزع، فبدا له رب الكلاب، فبدا له رب الكلاب بكفه بيض الرهاب الريشهن مقزع. معنى تقزيع الريش أن صاحبها قديم الصيد، صاد بهذه الرماح كثيراً فهي مقزعة، وأيضاً يقزعونها حتى لا ترتد شديداً مع الريح، تكون هينة الصد في الريح، فهي تدل على خبرته وعلى استعمال هذا السهم كثيراً.
فبدا له رب الكلاب بكفه بيض رهاب ريشهن مقزع، فرمى لينقذ فرها، فرمى لينقذ فرها فبدا، فرمى لينقذ فرها فهو له سهم، فرمى لينقذ فرها، صح، فهوى لينقذ فرها فهوى له سهم فأنفذ طرتيه المنزع.
الطرتان ذكرا هنا بعد أن اخترقهما السهم، اخترق من اليمين أو من اليسار ونفذ في البطن، واختر وخرج فاخترق الترة الثانية. اخترق اخترق علامة القوة، عبل الشوى بال في الأول عبل الشوى بالطرتين مولع، والآن فرمى لينقذ فرها فهوى له سهم فأنفذ طرتيه المنزع، فكبا، فكبا كما يكبو فنيق تارز جمل ضخم يابس اللحم.
فنيق جمل قوي ضخم يابس اللحم متحجر اللحم، كأنه كبى نزل بركة على حصى، فكبى كما يكبو فنيق تارز بالخبط، إلا أنه هو أبرع الثورة أيضاً، أبرع من الجمل التارس. فكبى كما يكبو فنيق تارز بالخبط إلا أنه هو أبرع.
تريدون التأكد من أن هذا أن الوصف هنا كان موجهاً بغرض وليس تدويناً لما يحصل في البرية والبادية؟ تعالوا ننظر في الذي حصل في وصف الطرد والصيد من معلقة النابيغة الذبيانية.
من معلقة النابغة الذبيانية، فعما ترى إذ ارتجاع له، وإن القطود على عيرانه أجدي مقذوفه بدخيس النقد بازلها، له صريف صريف القوى بالمسدي، كان رحلي، كان رحلي وقد زال النهار بنا يوم الجليل على مستانس الثور، مستانس وحده من وحش وجرة موشي أكارعه طاوي المصير كسيف السيقل الفريد.
أسرت عليه من الجوزاء سارية تزي الشمال عليه جامد البرد، فارتاع من صوت كلاب فبات له خوف، فبات له طوع الشوامت من خوف خوف ومن صرد، فبثهن عليه، فبثهن عليه واستمر به صمع الكعوب بريئات من الحرد، وكان ضمران منه حيث يوزعه طعن المعارك عند المحجر النجدي، شك الفريسه بالمدرا، شك الفريسة بالمدر فأنفذها طعن المبيطر إذ يشفي من العضد، كأنه خارجاً من جنب صفحته سف فود شرب نسوه عند مفتادي، فظل يعجمه، فظل يعجم أعلى الروق الكلب، فظل يعجم أعلى الروق منقبضا.
هذا ضمران الكلب الذي طعن، فظل يعجم أعلى الروق يخرج من جنبه ويعضه، فظل يعجم يعض أعلى الروق منقبضاً في حالك اللون صدق غير ذي أوادي، لما رأى راشق أقعاص صاحبه، لما رأى واشق أقعاص صاحبه ولا سبيل إلى عقل ولا قودي، قالت له النفس إني لا أرى طمعاً، وإن مولاك لم يسلم ولم يصدي، فتلك تبلغنا النعمان أن له فضلاً على الناس في الأدنى وفي البعد. الثور هنا نجى صواب؟ الثور هنا نجاه.
تعالوا لو نطلع إذا أسعفتني الذاكرة بال بال، يا سي في الموضع من كتاب الحيوان، حبيبتي هات لي مجلد ثاني من كتاب الحيوان، كتاب الحيوان تحت أهو، أيوه لا اللي فوق، اللي فوق الأسود السبع مجلدات. أيوه الثاني، أيوه الثاني ده اه، شكرا يا بابا.
إن شاء الله نهتدي إليها في المجلد الثاني، أيوه، استمعوا إلى ما يقول الجاحظ، هذا كتاب الحيوان للجاحظ، هذا كتاب الحيوان للجاحظ يا أخوه كما ترون، ها الجزء الثاني تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، عبد السلام محمد هارون، خلاص، تقديم أحمد فؤاد باشا، عبد الحكيم راضي، الدكاترة طبعا. ها.
استمعوا ما يقول الجاحظ في المجلد الثاني من كتاب الحيوان، طبعا المصرية في سبعة مجلدات، الصفحة في الصفحة الع يقول: ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مرثية أو موعظة أن تكون الكلاب التي تقتل بقر الوحش، وإذا كان الشعر مديحا وقال كان ناقتي بقرة من صفاتها كذا أن تكون الكلاب هي المقتولة، ليس على أن ذلك حكاية عن قصة بعينها، ليس على أن ذلك حكاية عن قصة بعينها، ولكن الثيران ربما جرحت الكلاب وربما قتلتها، وأما في أكثر ذلك فإنها تكون هي المصابة والكلاب هي السالمة والظافرة وصاحبها الغانم.
كلام الجاحظ نص صريح في أن الأوصاف التي يذكرها الشعراء تكون موجهة بأغراض. إذاً، لا يمكن أن نكتفي في كلمة الإصابة بالوصف بما قاله الشيخ الطاهر بن عاشور، حين قال: إصابة الوصف هي أن يصور المتكلم ما أراد التعبير عنه من المعنى تصويراً مطابقاً لما عليه الشيء الموصوف في الخارج والواقع من غير انعكاس ولا انتقاد، بل يكاد أن يكون ذلك مناقضاً لقول الجاحظ أو لعبارة الجاحظ: ليس على أن ذلك حكاية عن قصة بعينها، ليس على أن ذلك حكاية عن قصة بعينها.
فنرجع من هذا كله لنقول، نرجع من هذا كله لنقول: العسر في الوصف ليس في أن تطابق به الشيء الذي في هو في الواقع، العسر في الوصف وإنما العسر في الوصف هو أن تحقق به غرضاً، وأن يخضع لقانون مطابقه الكلام لمقتضى الحال، فكيف تأخذ من الأوصاف ما تطابق به مرادك؟
وتأكيداً على ذلك، وزيادة في الإيمان به، انظر إلى شاعر واحد هو امرؤ القيس، انظر إلى أوصافه لمفاتن المحبوبة وأوصافها، وهذا وصف صريح، وذلك في معلقته قفانبك وفي لاميته أعم صباحا، سترونه في معلقته وإن كان ذكر من صفات الأنوثة والفتنة، إلا أنه بنى هذه الصفات على صفة أخرى وهي أنها ابنة لسراة الناس، ثم ذكر في الصفات، ثم ذكر في وصفها صفات تتعلق بكونها امرأة بنت سراة ومرفهة.
فيقول في مطلع كلامه عنها، فيقول في مطلع كلامه عنها: وبيضـةِ خـدرٍ لا يرام خباؤها، خباؤها يعني بيتها بيت أهلها لا يطلب طلبه، يعني حتى في الحلال لا يطلق، حتى في الحلال لا يطلق لا يرام لا يقصد.
ثم يقول في أوصافها بعد أن قال: مهفهفة بيضاء غير مفاضة ترائبها مسقولة كالسجنجل، قال: كبكر، أي هي كاللؤلؤة لم تخرق فسطحها كله متساو، لماذا يقول كبكر؟ لأن اللؤلؤة التي ثقبت انقطع اتصالها في العين، وهو يريد أن يقول أنها كلها غضة ريانة رقيقة الجلد مليئة بالماء وفيها النضارة التي تشد جلدها الرقيق، وأراد أن يقول أنها تتساوى أعضاؤها في ذلك، وحتى يصل إلى هذا يشبهها بحبة اللؤلؤ لأنها فيها ثقل ونعومة لجلدتها، وفيها ما يعرف بالمائية الشفافيه، المائية والشفافية بشرط ألا تثقب لتتساوى كل أجزائها وتتصل.
فقال كبكر، كبكر، والبكر اللؤلؤة بيضاء، فقال مقانأة البياض بسفرة أي بحمرة، يعني البياض الذي في اللؤلؤة كالذي في اللؤلؤه كله مشوب بحمرة كبكر مقانأة البياض بسفرة.
وحتى تتأكد أنه يصفها بصفات الرفاه وال الرفاه والنعمة، انظر إلى الشطر الثاني: سقاها أو غذاها نمير الماء غير المحلل، غذاها نمير الماء صافي الماء الناجع في البدن غير المحلل، كناية عن أنها ابنة سراة لا يشركهم أحدا أحد في ماء، غير المحلل الذي لا يحل، وأن قومهم يشربون أولا. فهذا إذا ربطته بالشطر الأول فهمت ماذا يريد منه وأنه يصفها بأنها ابنة السراه: كبكر مقانأة البياض بسفرة غذاها نمير الماء غير المحلل.
ولما وصف شعرها، ولما وصف شعرها فقال: تصد وتبدي عن أسيل وتقي بناظرة من وحش وجرة مطفل، وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش إذا هي رصته ولا بمعطل، وفرع يغشي المتن أسود فاحم، وفرع يغشي المتن أسود فاحم أثيث كقنو النخلة المتعثكل، غدائره جعل بعضه غدائر مستشزرات إلى الأعلى، تضل العقاص في مثنى ومرسلي، وهذه التي تعمل هذه الهيئة وتعمل ولها هذه الرفاهة في أن تعمل ذلك وترتب نفسها، هذه مخدومة لها وصيفات مخدومة.
ولما قال: وتضحي فتيت المسك فوق فراشها، نامت كثيراً وكانت مدهنة بالمسك الذي هو عند العرب من الثمين يؤتى به من الهند، ليس عند العرب مسك طبيعي، المسك عند العرب يؤتى به من بعيد، خلاص من من تجارتهم من الهند وغيرها، هند والسند كما يقولون، فتدهن به ويكثر نومها، فتضحي تدخل في وقت الضحاء وتضحي، ها وتضحي فتيت المسك فوق فراشها، وكأنك تتساءل عن هذا كيف لماذا نؤوم الضحى؟
لم تنتطق عن تفضلي، لم تنتطق عن تفضلي، يعني لم تجاوز لبس الفضل من الثياب في البيت إلى أن تنتطق، هذا كناية عن أنها تلبس ثياب الخدمة يشددن النطاق على البطون ليحملن الماء والجر والجرار وكذا، لم تنتطق ولا مرة عن تفضله، فهذه كلها أوصاف ماذا؟ أوصاف تدل على الرفاهة والعز والمنع كذا، والنعمة الشديدة، لأنه كان في هذه القصيدة ماذا يفعل؟ لأنه كان في هذه القصيدة إنما يذكر أيامه الصالحات ولهوه وما يفعله، فانطلق في ذلك.
لو انتقلنا إلى الوصف وهو نفس الشاعر في أعم صباحا، وجدناه يقول: ومثلك بيضاء العوارض طفلة لعوب تنسيني إذا قمت سربالي، كحقف نقى يمشي الوليدان فوقه بما احتسب من لين مس وتسهال.
لطيفة طي الكشح غير مفاضة، إذا انفتلت مرتجة غير متفال. وقبلها: إذا ما استحمت كان فضل حميمها على متنيها كالجمان لدى الجال. لطيفة طي الكشح غير مفاضة، إذا انفتلت مرتجة غير متفال. إذا ما عتت ابتزها من ثيابها تميل عليه هوناً غير مجبال. وقبلها: ألا رب يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثال.
يضيء الفراش وقدم الفراش يضيء الفراش وجهها لضجيعها كمصباح زيت في قناديل ذبال. كأن على لباتها جمر مسطل أصاب غداً جزلاً وكف باجذالي. وهبت له ريح بمختلف الصور صباء وشمالاً في منازل قفاله. ثم قال: ومثلك بيضاء العوارض، فالأوصاف كلها هنا أوصاف حسية تميل ميل إلى الشهوة والمتعة بالأجساد.
لماذا؟ ولا يظهر هنا لا يظهر في العم صباحاً هنا في أوصاف المتغزل بها لا يظهر ما يظهر في المعلقة، مما يدل على أنها ابنة سراة القوم والمرفهة وكذا. لم يظهر لماذا الغرض؟ لأنه كان يرد على البسباسة: ألا زعمت بسباسه اليوم أنني كبرت وأنا يحسن اللهو أمثالي، كذبت لقد أصبي على المرء عرسه وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي.
ويا رب يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثال، يضيء الفراش وجهها لضجيعها، هي تضيء الفراش، لكن الفراش أولاً تضيء، يضيء الفراش وجهها، وجهها سيضيء لكن الفراش أولاً. اختلاف المقام أدى إلى اختلاف الوصف، فالوصف ليس فقط أن تطابق الشيء كما حصل وإنما أن توظفه وأن تكيفه وأن تصوغه صياغة جديدة وأن تصوره شعرياً تصوراً جديداً ليطابق الغرض في الشعر الذي أنت فيه.
هذا ما ينبغي أن تغتنمه في قضية الوصف، وهو لب الوصف وعلة عسر الوصف وعلة إحسانه إذا أحسنت فيه. ونكتفي بهذا القدر، شكراً لكم وجزاكم خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد