دخولتسجيل الدخول

أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم أيها الإخوة الكرام. وكل من ألقى إلي السلام، أقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. كل من حيانا أقول له حياك الله وبياك، وعمت صباحاً ومساءً. هذا أيها الإخوة هو المجلس الثالث عشر من مجالسنا في شرح مقدمة المرزوقي الأدبية على شرحه على ديوان الحماسة.

انتهينا أيها الإخوة من الحديث في شرف المعنى وما يتعلق به. شرحنا قضاياه، شرحنا تعريفه وأنه وبينا أنه ركن الأركان، وقلت إنه تتعلق به كل القضايا الأدبية والنقدية بعد ذلك دون استثناء. وشرحت النص الذي ذكره المرزوقي رحمه الله إذ قال: خرج وافية وإلا انتقص بمقدار شوبه ووحشته.

وقبل الانتقال عن باب شرف المعنى إلى الباب الذي يليه وهو باب جزالة اللفظ واستقامته، يجب أن نقف وقفة عند كلام للشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله في قضية شرف المعنى، وأن ننبه إلى بعض ما فيه. فالشيخ رحمه الله كلام في هذا الباب فيه حيد عما عرفه أهل العلم بالشعر ونصبوا عليه، ويخالف قضية شرف المعنى، وينتقل بها من الشرف الذاتي إلى أحوال هي خارجة عن شرف المعنى في ذاته، وتجعل الأمر متعلقا بعلم المتلقي وعدم علمه. وقد وقفنا على معيار شرف المعنى وما يؤسس عليه، ونقلنا فيه نصوص أهل الفن.

فالشيخ رحمه الله تعالى يقول صفحة مئة وستة: ومن أكبر أسباب شرف المعنى أن يكون مبتكرا غير مسبوق، ثم أن يكون بعضه مبتكرا وبعضه مسبوقا، وبمقدار زيادة الابتكار فيه على المسبوقية يدنو من الشرف. قال: ومن أكبر أسباب شرف المعنى أن يكون مبتكرا غير مسبوق، ثم أن يكون بعضه مبتكرا وبعضه مسبوقا، وبمقدار زيادة الابتكار فيه على المسبوقية يكون من يدنو من الشرف.

لا شك هنا أن الشيخ إنما يتحدث عن أصول المعاني، لأنه لا معنى للحديث عن الابتكار في المعنى الشريف الذي هو المعنى الخاص بالشاعر الحاصل من خلال النظم، لأن الأصل فيه الابتكار، ولا يكون المعنى هو المعنى في هذا النمط إلا إذا كان النظم هو النظم، وكانت الصفة النحوية هي الصفة النحوية، فيكون البيت هو البيت، فالابتكار ملازم للنظم إذا كان الحديث في المعنى الخاص بالصياغة. فالشيخ لا شك أنه إنما يريد الابتكار في أصول المعاني، وهذا شيء مقطوع به، وإنما نبهت حتى لا يتطرق شك إلى ذلك أو أدنى شك إلى ذلك.

فأولاً هذا كلام يخالف قضية شرف المعنى، وأنه الزيادات على أصول المعاني المجردة كما عرفنا ذلك ونقلنا فيه نصوص أهل العلم، وهي زيادات حاصلة باللغة لتكوين أغراض فوق أصول المعاني، فلا ينظر في هذا إلى أصول المعاني المخترعة كما عرفنا، وإنما ينظر إلى إبداع المعنى الشعري الحاصل بالصياغة. ومن هنا قالوا إن الذي يأخذ المعنى ويعيده في عمل شعري جديد يكون أولى بالمعنى من صاحبه لو أن الآخذ أحسن صناعته، ولم يكتفوا بجعله شريكا في المعنى الأصلي بل رفعوه عليه وجعلوه أولى بأصل المعنى من صاحبه، وهذا يدل على أن المعتبر عندهم هو المعنى الشعري الحاصل بالنظم.

وثانيًا كلام الشيخ الطاهر رحمه الله نص علماء الشعر على خلافه، من هؤلاء القرطاجني في منهاج البلغاء إذ يقول في صفحة خمس وثمانين: وأما المعنى في نفسه فحقيقة واحدة، ولا فرق بالنظر إلى حقيقته بين أن يكون جديدا مخترعا، وأن يكون قديمامتدأولا. يقول: ولا فرق بالنظر إلى حقيقته بين أن يكون جديدا مخترعا، وأن يكون قديما متداولا، وإنما الفضل في المعنى المخترع راجع إلى المخترع له وعائد عليه ومبين عن ذكاء ذهنه وحدة خاطره.

إذًا لا يكون المعنى شريفاممن حيث كونه مخترعا أو غير مخترع، الاختراع وعدم الاختراع قد يدل على ذكاء المخترع وعلى قدرته على تصور المعاني، وأن له قدرة ذهنية ونظرة بعيدة يتغلغل من خلالها في المعاني والمفاهيم، لكن يبقى بعد ذلك أن تحويل هذا المعنى إلى شعر له قضية أخرى. نعم.

وقال ابن سنان الخفاجي في كتابه سر الفصاحة، هذا كتاب ابن سنان الخفاجي صفحة مئتين وأربع وثمانين يقول: وليس للاختراع في المعنى نفسه تأثير إلا كما للمتداول. ابن سنان الخفاجي في كتابه سر الفصاحة، وابن سنان توفي عام ست وستين وأربع مئة. يقول في سر الفصاحة صفحة مئتين وأربع وثمانين: وليس للاختراع في المعنى نفسه تأثير إلا كما للمتداول. فهذا كذلك كلام صريح من ابن سنان في أن اختراع المعنى في ذاته لا يدل على شيء في الشعر وإنما الشعر الصنعة، وهو مطابق أو كلامه هذا يطابقه كلام القرطاجني لأنه أتى بعده. وهذا يفهم من قضية كلام العلماء في شرف المعنى الشعري، وفيما يعد به الشاعر شاعرا.

ولهذا لما احتج البعض لأبي تمام باختراع المعاني هنا قال الآمدي: لا ينكر ذلك، ولكن النظر إلى المعاني في ذاتها ليس الذي يتقوم به الشاعر ويوزن به، فإن شئت سميناك فيلسوفا أو سميناك شاعرا، إلى آخر ما ورد وتعرفون عن الآمدي.

وإنما نظر الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله ورضي عنه وجزاه خيرا إلى جملة ما يحصل من إعجاب الناس في سماع الشعر دون تمييز بين طبقات هذا الإعجاب، وأن من الناس من يقف عند اختراع المعنى فقط ويعجب به، ومنهم من يدرك طبقة من الإجادة النظمية الفنية في الشعر، ومنهم من يدرك طبقة أبعد وهكذا على حسب ما أولاهم الله تعالى وأنعم عليهم من القرائح. فالشيخ نظر إلى جملة ما يحصل، فعد مما لا يعد إعجابا بالشعر إعجابا بالشعر، في حين أن الشعر الجيد ربما يعجب أناسا من غير الجهة التي يكون بها الإعجاب بالشعر من حيث كونه شعرا.

فالبعض ربما ينظر إلى قول عنترة: لقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم

فإنما تعجبه ألفاظ ثغرك ولمعت وذكرتك، الألفاظ التي تعد بذاتها عاطفية تدغدغ عواطفه وليس إلى لحمة المعنى، فهذا إعجاب غير الإعجاب بالشعر، والبيتان جيدان رفيعان في الدلالة الشعرية، ولكن إعجاب الناس بذلك لا يكون من ذات الباب. والعامة ربما تعجب بأبيات امرئ القيس لما فيها من جملة المعنى أو لما فيها من اختراع المعاني، ولكن إعجابهم بشعر عال لا يعني أن إعجابهم كان من الجهة التي يعجب من خلالها بالشعر العالي.

فالشيخ رحمه الله نظر إلى جملة القضية والانفعال ولم يميز، فسحب هذا الإعجاب كله على الكلام في شرف المعنى، وهو باب خاص لا تسحب عليه هذه الجملة، والله تعالى الموفق والمعين.

ونأتي الآن إلى حديث اللفظ، فقال فيما أجمله في عمود الشعر: وجزالة اللفظ واستقامته. فأقول وبالله تعالى التوفيق: اعلم أولًا أن قولهم جزالة اللفظ واستقامته هو كقولهم شرف المعنى وصحته، من حيث تقديم الزائد على الأصل، لأنه كما كان شرف المعنى يحصل زائدا على صحته فإن جزالة اللفظ تحصل زائدة على استقامته، لأن استقامة اللفظ هي كونه على القدر الأصلي الصالح من الدلالة، وأما الجزالة فهي صفة زائدة على ذلك.

فكما قلنا في الباب الأول أنه على تقدير شرف المعنى بعد صحته، نقول هنا في الباب الثاني أنه على تقدير جزالة اللفظ بعد استقامته. أما الاستقامة فلا حاجة إلى البيان فيها، لأنها لا تعدو أن يكون اللفظ صادقا على المعنى دالا عليه.

فقول العاشق: لقد عشقتها حتى صرت إذا صليت توجهت إلى جهة وجودها حتى لو كانت القبلة في الجهة الأخرى المعاكسة، هذه ألفاظ مستقيمة في الدلالة على المعنى، لكن قول قيس بن الملوح: أراني إذا صليت يممت نحوها بوجهي وإن كان المصلى ورائيا

هذا قول جزل وألفاظه جزلة. تأمل الفرق بين لفظ توجهت في النص الأول ويممت في البيت الأول، فالأول يوصف بالاستقامة والثاني يوصف بالجزالة، لأنه لا يمكن أن يقال إن قوله توجهت إلى جهة وجودها إنه فاسد ليس مستقيم الدلالة، بل نقول هو مستقيم الدلالة صالح في تحقيقها ولكنه ليس بجزل. وتأمل الفرق بين العبارة إلى جهة وجودها واللفظ نحوها، فقوله إلى جهة وجودها تلخص في نحوها، وتأمل الفرق بين القبلة والمصلى، فالأول من هذه الألفاظ مستقيم، والثاني يزيد على ذلك بالجزالة. وهذا التمثيل كان تمهيداً للحس وإعداداً لإدراك معنى الجزالة، والآن إلى تفصيل القول فيها.

واخترت في معنى الجزالة أن أسير على منهج أؤمن به وأعتقد فيه الصواب والصحة التامة، وهو أن نتتبع اللفظة في أصول اللغة ونرى القدر المشترك الذي يدور به في المعاني جميعاً، ونبدأ في النظر إلى تفسير موضع الـموضع المطلوب بحثه على أنه أحد تمثلات هذا المعنى.

ولذلك فإنني في هذا الموضع سأنتهي بكم إلى تفسير لمعنى الجزالة يوقر في قلوبكم ويستقر في نفوسكم فلا يقبل التشكيك ولا يقبل الخلخلة إن شاء الله تعالى، لأن الدارس الآن هو الذي يستنبط المعنى شيئاً فشيئاً، فننطلق فيه من اللغة، وأدعوكم في ذلك إلى قراءة مادة الجيم والزاي واللام من لسان العرب كاملة إن شاء الله تعالى، وسترون كيف سننسل من الذي حصلناه من المعنى اللغوي لنقف على كلام العلماء ليحصل لنا يقين بمعنى الجزالة المقصود في باب عمود الشعر إن شاء الله تعالى.

طبعاً شيء على الهامش أنبه إليه: تلاحظون في المجالس صرت أكثر انضباطاً وتعييناً للعبارات وتركيزاً في الدرس وليس التفاعل، لأن هناك إخوة كثر لنا من غير العرب يتابعون ويكتبون، فلا بد من مراعاتهم، ولا بد من ضبط العبارة لهم واختصارها بقدر الإمكان، وأن أعطي السبك الأقرب لتكوينهم واستفادتهم إن شاء الله، فضلاً عن أن ذلك يصنع في عمل هو أرفع وأعلى إن شاء الله. نعم.

اعلم أن لفظ الجزل في كلام العرب يدور حول القوة والامتلاء والتمام، وئإنك لو ذهبت قرأت مادة الجزالة أو الجزل في المعاجم وقفت على هذه المعاني المشتركة الدائرة في استعمال لفظ الجزل. فيوصف الجذع من الشجرة بأنه جزل إذا كان ممتلئاً سميكاً قوياً مصمتاً ليس فيه فراغ، ويوصف الحطب السميك بأنه جزل، كما قال امرؤ القيس: كأن على لباتها جمر مصطل أصاب غداً جزلا وكف

فالحطب الجزل هو الغليظ القوي كما نصوا عليه. وشاع استعمال هذه المعاني حتى استعملت مجازاً في صفات الرأي والحكمة، فيقال رجل جزل الرأي، وامرأة جزلة جيدة الرأي، ويستعمل كذلك في الأجسام فيقال امرأة جزلة، يعني تامة الخلق. واستعمل في الكلام فنصوا على أن الكلام الجزل هو الكلام القوي الشديد، كما أن جذع الشجرة أو الحطب يكون جزلا إذا كان غليظاً ممتلئاً قوياً، ونصوا على أن اللفظ الجزل هو خلاف الركيك، وهذا هو المقصود هنا.

فإذا كان اللفظ قوياً محكماً مليئاً في نفسه، ليس ضئيلاً عن حسن الدلالة وليس زائداً بحيث يكون قدر منه في غير حاجة، وذلك هو المعنى الدائر في الجزالة في كافة مواضعها. استطعنا تصور معنى الجزالة في عمود الشعر مرة أخرى، فإذا كان اللفظ قوياً، وأعدوا هذه الألفاظ معي لو سمحتم بين أقواس هكذا: قوياً، محكماً، مليئاً في نفسه، ليس ضئيلاً عن حسن الدلالة، وليس زائداً لأجل إحكامه بحيث يكون قدر منه في غير حاجة، وكان ذلك هو المعنى الدائر في الجزالة في كل مواضعها، استطعنا تصور معنى الجزالة في عمود الشعر، وهو كون اللفظ ممتلئ الدلالة، محكماً، وافياً بنفسه، وهذه الألفاظ يحسن أن تضعوها بين أقواس، هذه الألفاظ الثلاثة: ممتلئ الدلالة، محكماً، وافياً بنفسه، كالجذع الجزل امتلاء وإحكاماً، ويكون ملموماً على نفسه.

فيصبح اللفظ الذي بهذه الصفة في القوة بحيث لا يحتاج إليها -خلاص؟- فيصبح اللفظ الذي بهذه الصفة لا يزيد في القوة التي لا يحتاج إليها، ولا يضعف عن تلك الصفة أو الصفات فيصبح ركيكاً لا يفي، فيلتقي مع كلام العامة في الدلالة العادية. وبهذا التتبع نقترب من تعريف الجزالة في عمود الشعر.

تسللنا إليه من تتبع المعنى اللغوي المتمثل في مواضع كثيرة على وجوه الحقيقة والمجاز. فإننا إذا تأملنا معنى الجزالة، حصول الامتلاء والإحكام والوفاء بنفسه، استطعنا أن نعين صفتين، تخريجا على هذه الصفات، يمكن بهما أن نعرف اللفظ الجزل في عمود الشعر.

أما الصفة الأولى فهي ألا يكون اللفظ ضعيفا، وذلك بالاقتصار على أصل الدلالة العادية في كلام العامة. وأما الصفة الثانية فهي ألا يكون اللفظ قد بلغ من الزيادة على الركيك السفساف ما يدخل به في حد الوحشي الذي لا يؤلف ولا يستعمل من قبل الفصحاء؛ لأن الزيادة التي لا حاجة لها تخالف معنى الإحكام الذي هو حاصل في الجزالة. كما أن الركاكة وقرب اللفظ من المحكي العامي يخالف الامتلاء والوفاء بالنفس، وكل هذه معان حاصلة في الجزالة.

فإذا انتهينا إلى هذا التصور من خلال المعنى اللغوي للجزالة، وهو أن يحمل الكلام صفتين؛ ألا ينزل إلى استعمال العامة، وألا يعلو على الفصحاء إلى الوحشي، فانتقلنا إلى حديث العلماء في معنى الجزالة نتتبعه. ألفينا كلاما لأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، المتوفى عام 291 من الهجرة، إذ يقول في كتابه قواعد الشعر، صفحة 63: فأما جزالة اللفظ فما لم يكن بالمغرب المستغلق البدوي، ولا السفساف العامي، ولكن ما اشتد أسره، وسهل لفظه، ونأى واستصعب على غير المطبوعين مرامه وتوهم إمكانه.

فهذا كلام أبي العباس ثعلب في تعريف جزالة اللفظ، ينتهي إلى ما أوحى إليه تتبع المعنى اللغوي للجزالة، بما فيه من إجلاء الدلالة، والإحكام الذي يحكم الدلالة عن الزيادة والنقصان، والوفاء بالنفس. وألفينا كلاما لأبي هلال العسكري، المتوفى عام 395، وذلك في كتابه الصناعتين، صفحة 149، يقول: والمختار من الكلام ما كان سهلا جزلا، لا يشوبه شيء من كلام العامة وألفاظ الحشوية، وما لم يخالف فيه وجه الاستعمال. فإذن أتى كذلك باللفظ الذي يجري على استعمال الفصحاء، ولا يذهب إلى كلام العامة الذي يهبط إلى اللغة المحكية.

ووجدنا ابن رشيق يقول في العمدة، صفحة 141 و142، يقول: وليس التوليد والرقة أن يكون الكلام ركيكًا سفسافًا ولا باردًا غثًا، كما ليست الجزالة أن يكون حوشيًا خشنًا ولا غريبًا جافيًا، ولكن حالا بين الحالين. فجعل الجزالة بين أن يكون حوشيا خشنا جافيا، وبين أن يكون سفسافا ركيكا. وهذا كلام صريح في هذه القضية. ويقول كذلك ابن رشيق في صفحة 319، يقول في نصيحة الشاعر: وليجعل طلبه أولا للسلامة، فإذا صحت له طلب التجويد حينئذ، وليرغب في الحلاوة والطلاوة كرغبته في الجزالة والفخامة، وليجتنب السوقي القريب والحوشي الغريب. إذا أثبت الجزالة والفخامة مع اجتناب السوقي القريب والحوشي الغريب قال: حتى يكون شعره حالا بين حالين. وهذا قريب جدا من نص صاحب الصناعتين كما رأينا.

وفي العمدة كذلك في الصفحة الثالثة بعد المئتين، وروى ابن عائشة يرفعه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الشعر كلام من كلام العرب جزل تتكلم به في نواديها وتسل به الضغائن بينها». وأنا لا أقصد هنا تصحيح الحديث أو بيان درجته، وإنما أريد قدرا معينا صحيحا، وهو الاستشهاد بمعناه، أي بما فيه من المعرفة؛ فهذا في الصنعة التصنيفية صحيح، ربما لا يصح الحديث لكن أوردوه استشهادا واستانسا على معنى يريدونه، فالشعر كل الشعر كلام للعرب جزل. فهذا يدل على أنه صفة للقوة في الكلام.

وفي العمدة كذلك يا إخوة صفحة 313 قال: وعن علي بن الجهم، وهو القائل وقد صلب عريانا: لم ينصبوا بالشاذياخ عشية الاثنين مغلولا ولا مجهولا نصبوا بحمد الله ملء عيونهم حسنا وملء قلوبهم تبجيلا ما ضره أن بز عنه غطاؤه فالسيف أهول ما يرى مسلولا

قال ابن رشيق: وهذا من جزل الكلام، لا سيما في مثل ذلك المقام. وكان علي من الفضلاء علما بالشعر وصناعة له. شوف الإنصاف؛ علي بن الجهم. يا أخي انظر إنصاف أهل العلم؛ علي بن الجهم صلب عريانا، قال: وكان علي من الفضلاء علما بالشعر وصناعة له. إنما يحفظ أقدار الرجال الرجال.

فهذه صفة ذكرها ابن رشيق، صفة لقوة الكلام وقيامه بنفسه وترفعه عن السفساف وعن الزيادة غير المفيدة في التفاصح، فكل ذلك يخالف الجزالة. فالحاصل هو أن الجزالة في الكلام هي صفة تكون في الألفاظ بحيث يرتفع بها عن الألفاظ المحكية العامية، ولا يتجاوز إلى الوحشي الذي لا يجري في استعمال فصحاء العرب.

وأنا أعبر عن ذلك بتعبير مختصر طريف فأقول: لا ينزل اللفظ إلى استعمال العرب أو إلى كلامهم المحكي، ولا يعلو على أفهامهم؛ لا ينزل إلى لسانهم ولا يعلو على أفهامهم، يعني يظل هنا، لا ينزل إلى اللسان فيستعملونه في كلامهم العامي، ولا يعلو على الأفهام فيكون وحشيا. فأنا استعملت مع طلابي هذا التعبير وراقهم، قلت لهم: لا ينزل إلى اللسان ولا يعلو على الجنان أو الأفهام. هذا هو.

ونحن لا نرى مدحًا كثيرًا من العلماء ونقدة الكلام لمن لا يسفسف ولا يأتي بالعامي الركيك؛ لأن الذي يروم الشعر ليس الأصل في حقه أن يقع في ذلك، وإنما يخشى عليه أن يقصد إلى التفخيم ورفع الكلام فيأتي بالوحشي. ولأجل ذلك مدحوا من لا يأتي بالوحشي، كما نرى في طبقات فحول الشعراء، صفحة 63، قال ابن سلام الجمحي: أخبرني عيسى بن يزيد بن دأب بإسناد له عن ابن عباس قال: قال لي عمر: أنشدني لأشعر شعرائكم. قلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير. قلت: وكان كذلك؟ قال: كان لا يعاضل بين الكلام، ولا يتبع وحشيه، ولا يمدح الرجل الرجل إلا بما فيه. مدحه بأنه لا يتبع وحشيه وهذا كثير، هذا كثير.

ومن هذا المعنى للجزالة تعلم أنها صفة للشعر كله من حيث كونه شعرًا، وأن الشعر الذي يفقدها يفقد الشعرية نفسها؛ لأن صفة الجزالة هي من مسالك شرف المعنى الذي هو ركن الأركان. فلا يشتبه لفظ الجزالة عليك هنا بلفظ الجزالة الذي سيأتي معنا في موضع آخر وباب آخر من عمود الشعر، هو باب مشاكلة الألفاظ للمعاني؛ لأن هناك استعمالًا آخر للجزالة في هذا الباب. أما في هذا الباب الثاني، فلفظ الجزالة ومعناه، أو فمعنى الجزالة هو صفة للشعر كله، وما خرج عنه سقط. وأما الجزالة في باب مشاكلة الألفاظ للمعاني، فهي صفة لنمط من الشعر، ويقبح أن تأتي بالجزالة في نمط من المعنى لا تليق به. فهذا باب وهذا باب.

ومن هذه الصفة، صفة الجزالة، تعلم سقوط مذهب النزاريين، أي الذين تأثروا بنزار قباني، وقصدوا قصداً إلى تقريب ألفاظهم من العامية، ويحتجون في ذلك بأن الإتيان بالألفاظ العامية هو من باب تقريب الشعر إلى الناس، وهو التطوير الشعري الصحيح الذي يجعل الشعر مادة بين الناس. والصواب هو أن يعلو بالناس إلى لغة الشعر التي تعلو على ألسنتهم ولا تعلو على عقولهم. وهذا متأت بدليل أن الناس من المثقفين يفهمون شعر أبي الطيب المتنبي، ويفهمون شعر أبي تمام، ويفهمون الشعر في الجملة، وإنما يستشكل عليهم بعض الجاهلي الذي لا يعرفون ألفاظه وتراكيبه، ومع ذلك هم المقصرون في ذلك؛ لأن هذه ألفاظ ليست وحشية، وإنما هي ألفاظ فصيحة عالية غابت عن طبقات كثيرة من أهل زماننا المثقفين، فيتعلموها، يجب أن يتعلموها، فإذا تعلموها كانت مما يعلو على ألسنتهم ولا تعلو على عقولهم وأفهامهم. فهمتم؟

فهذه الصفة تسقط مذهب النزاريين الذين استمرأوا أن ينشدوا الشعر أو يصنعوا ما يسمونه شعرًا بألفاظ العامة ولغتهم القريبة، حتى قال بعض مجرميهم ولا أتورع عن وصفهم بالإجرام: إنني أنصح طلابي بعدم حفظ الشعر الجاهلي لأنه سيفسد ترسلهم الشعرية بلغة الناس. وحتى قال مجرم آخر من ذات البؤرة الفاسدة: إن هذه الأشعار التي يأتي بها طلاب أبي قيس فيها ألفاظ أكل الدهر عليها وشرب؛ لأنها أصبحت لا تستعمل الآن. فقلنا له: طحاها لا تستعمل الآن، دحاها لا تستعمل الآن، ضيزى لا تستعمل الآن.

أبى لا تستعمل الآن، وكلها ألفاظ، وكلها ألفاظ قرآني. فهل تصف القرآن بأنه يختزن ألفاظًا أكل الدهر عليها وشرب؟

فإذا كانت هذه ألفاظ القرآن التي يجب على كل الناس أن تقرأها في كل زمان ومكان، علمت أن الإشكال ليس الألفاظ التي لا تعرفها، وإنما في أنك أنت لا تعرفها وأنت المقصر. ولو أنه كلما هبط مستوى الناس هبطت ثقافة الناس ومعرفتهم بالشعر هبطنا بالشعر واللغة معهم، سيأتي علينا زمان قريب جدا سيختفي فيه اللغة والشعر. ستختفي فيه الشغى واللغة والشعر، لن يبقى لا لغة ولا شعر لأننا تتبعنا الناس.

وإنما الصواب أن ننهض بالناس إلى لغتهم وقد قصروا وقد ضعفوا، من جنى منهم ومن كان ضحية. هذا ما يجب أن نفعل، وهذا ما أدعو إليه صريحا: أن ننهض بهذه الأمة إلى لسانها، أن ننهض بها إلى أن تفهم جزالة اللفظ، وأن تصنع الشعر بجزيل اللفظ الذي يعلو عن اللسان المحكي العامي ولا يعلو عن فهم المثقف؛ لأنها طبقة شعرية في الأخير، والشعر ليس من الكلام المحكي.

وأقول أخيرا: هذا التتبع للمعنى من أصل اللغة، ثم الخلوص إليه والتماسه في كلام أهل العلم، هو أقرب في إحكامه والنفوذ إليه من الطريق، أقرب في إحكامه والنفوذ إليه من الطريق الذي سلكه الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله. لأنه ذكر أولًا أن أهل العلم لم يبينوا معنى جزالة اللفظ، وهذا محل نظر. ثم أخذ ينقل كلامًا كثيرًا عن بعض أهل العلم يحاول به فهم المقصود من جزالة اللفظ، وفي الأخير انتهى إلى ما يقرب من الصواب، لكن ليس بهذا الإحكام الذي ننتهي إليه من تتبع اللغة ثم الخلوص إليها إلى كلام العلماء الذي يوافق ما تتبعناه في اللغة.

يقول الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله: كثر في كلام أئمة النقد وصناعة الإنشاء والشعر ذكر وصف الجزالة في محاسن الألفاظ، وقد عدها المؤلف في محاسن المعاني أيضًا إذ قال: فطلبوا المعاني المعجبة من خواص أماكنها وانتزعوها جزلةً عذبة. ولم أر منهم من أفصح عن مقومات هذا الوصف وشرائط حصولها.

وأعلق هنا أن تتبع كلامهم هو بمقام النص عليه؛ لأننا رأيناهم في كل مرة كما رأينا الآن، رأيناهم في كل مرة يذكرون الجزالة، يذكرون عدم الوحشية وعدم السفسفة والركاكة إلى العامية. يقول الشيخ رحمه الله: ولم أر منهم من أفصح عن مقومات هذا الوصف وشرائط حصولها. وأنا أبذل مبلغ جهد الفكر في الكشف عن مفاد هذا الوصف، وأقدم ما هو منه وصف للفظ، ثم أتبعه بما هو منه وصف للمعنى على سبيل الاستطراد وإكمالًا للفائدة.

فأما الجزالة فهي وصف للفظ مأخوذ من صفات الناس، إذ الجزالة في الإنسان هي جودة رأيه وكمال عقله. أقول هنا معلقًا: هذا تفريع على التفريع، هذا تفريع على التفريع؛ لأن وصف الإنسان بجزالة الرأي أي بجودته وبكمال العقل هذا نفسه مجاز عن معنى الجزالة، كالذي يستعمل في الجذوع والخشب ونحو ذلك، فلا دليل هنا. ركزوا في الكلام، لا دليل هنا على أن وصف الكلام بالجزالة بمعنى القوة والشدة كما قال صاحب لسان العرب وكما قال في اللسان أنه مأخوذ من وصف الرجل بجودة الرأي. هذا تفريع عن فرع، والتفريع على الأصل أقرب، وكلامهم يدل عليه، أن الكلام الجزل هو القوي الشديد كما قال صاحب اللسان، وأن اللفظ الجزل خلاف الرقيق كما قال صاحب اللسان أيضًا. فلماذا أفرعها على جودة الرأي ولا أفرعها على الأصل الحقيقي؟ فهمتم؟

قال: فبها يكون الإنسان كامل الإنسانية وهي في اللفظ. عرفها ابن مكرم في لسان العرب فقال: الكلام الجزل القوي الشديد، واللفظ الجزل خلاف الرقيق، والرقيق هو الضعيف. أقول: هنا كان أدعى أن يرجعها إلى الأصل وليس إلى فرع. قال: وظاهر أن مرجع هذا إلى معنى اللفظ المركب أو المفرد، لا إلى مبناه وصورته، فليست الجزالة تنافر الحروف ولا تنافر الكلمات، ولا غرابة الكلمة.

فلنتطلب حقيقة الجزالة عند أئمة النقد ونتقصاها من آثار كلماتهم، ونتعرفها من تعرف ضدها الذي يقابلونها به. فابن رشيق في العمدة ذكر الجزالة وعطفها على الفخامة عطفًا يظهر منه أنه أراد به التفسير. قال: منهم قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته على مذهب العرب من غير تصنع، كقول بشار: إذا ما غضبنا غضبة مضرية، هتكنا حجاب الشمس أو قطر الدم. وقال: وشبه قوم أبا نواس بالنابغة لما اجتمع له من الجزالة مع الرشاقة.

ووصف عبد القاهر الجزالة فقال: من البراعة والجزالة وشبههما مما ينبئ عن شرف النظم. وقال عند ذكر النظم: أن تقتفي في نظم الكلام آثار المعاني وترتبها على حسب ترتيب المعاني في النفس. وذكر ابن شرف القيرواني في رسالة الانتقاد الجزالة فقال عند ذكر لبيد: شعره ينطق بلسان الجزالة عن جنان الأصالة، فلا تسمع إلا كلامًا فصيحًا ومعنى مبينًا صريحًا. وقال في ابن هانئ الأندلسي: إلا أنه إذا ظهرت معانيه في جزالة مبانيه رمى عن منجنيق يؤثر في النيق. فجعل الجزالة وصفًا للمباني أي الألفاظ.

وقال ابن الأثير في المثل السائر في المقالة الأولى في الصناعة اللفظية: قد جاءت لفظة واحدة في آية وفي بيت، فجاءت في القرآن جزلة متينة وفي الشعر رقيقة ضعيفة، فأثر التركيب في هذين الوصفين الضدين. أما الآية فقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: 53]. وأما البيت فقول أبي الطيب: تلذ له المروءة وهي تؤذي، ومن يعشق يلذ له الغرام.

وقال أبو البقاء الكفوي في كلياته: الجزالة إذا أطلقت على اللفظ يراد بها نقيد الرقة. وقلت: قد رأيتهم يقابلون الجزالة مرة بالرقة ومرة بالركاكة ومرة بالضعف ومرة بالكراهة، فتحصل لنا من معنى الجزالة أنها كون الألفاظ التي يأتي بها البليغ الكاتب أو الشاعر ألفاظًا متعارفة في استعمال الأدباء، سالمة من ضعف المعنى ومن أثر ضعف التفكير ومن التكلف ومما هو مستكره في السمْع عند النطق بالكلمة أو الكلام. فهذه الجزالة صفة مدح، وقد مثلوا للركاكة بقول بعضهم إلى آخر ما قال. انتهى هنا كلامه.

ونلاحظ أنه أصاب الصحة في الجملة، لكن ضبط الجزالة بألا يكون وحشيا وألا يكون سفسافا في كلام الناس وهذا يشمل التراكيب ويشمل الألفاظ المفردة. أقول: ضبط ذلك كان أقرب من خلال تتبع معنى الجزالة في اللغة، وبعد ذلك أن نتتبع ما اشترك فيه كلام العلماء. فنقلنا كلاما عن ثعلب صريحا في الجزالة ونفى عنها الوحشية البدوية والسفسفة العامية، ونقلنا كلاما عن أبي هلال العسكري بنفس المعنى وبنفس المعنى كذلك عن ابن رشيق في أكثر من نص. فهذا التتبع عندهم يدل أكثر على التحديد الذي يوافق الأصل اللغوي الذي تتبعناه.

ولكن المشكلة التي وقعت في كلام الشيخ في التأصيل اللغوي من الأول، وكان قريبا أن يفرع معنى أو المعنى الذي نصوا عليه عن الأصل اللغوي، أنه فرع على فرع، وجعل الجزالة في الألفاظ مأخوذة من جزالة رأي الرجل. والحقيقة أن جزالة رأي الرجل مجاز مأخوذ من حقيقة، وأن جزالة الألفاظ هي كذلك مجاز مأخوذ من حقيقة. فتفريع المجاز على المجاز ربما كان ذلك ما عطل استنباط صفة الجزالة بما فيها من القوة والشدة والامتلاء والاكتفاء الذي وافق كلام العلماء في نفي الوحشي ونفي السفساف.

فهذا تحقيقي في هذه المسألة، وهو ما بذلت فيه الوسع وأخلصت فيه. فما كان من صواب فهو من الله، وما كان من خلافه فهو من الضعف الذي لا يعرى عنه الإنسان. شكرا لكم، نكتفي اليوم.

شاء الله لنبدأ غدا في تفصيل في نصه في معيار الجزالة إن شاء الله، وأردت ألا يكون المجلس هذه المرة طويلا. شكرا لكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.