السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالأخوة الكرام والأخوات الكريمات. هذا هو مجلسنا الثاني عشر من مجالسنا في شرح مقدمة المرزوقي على شرحه على ديوان الحماسة.
في المحاضرة الماضية أيها الإخوة تحدثنا عن شرف المعنى، عرفنا ما هو وما موضعه، بأي شيء يكون، ما موضوعه، واستفضنا في ذلك بالشواهد وبالنقل عن أهل العلم كثيراً، وذكرنا ما يتفرع على عمود الشعر كذلك من القضايا، أو ذكرنا بعض القضايا المتفرعة على عمود الشعر وهي قضايا كثيرة.
وقلت إن كل القضايا الأدبية تتفرع على قضية شرف المعنى عند العرب، لكن بقيت أمور هي نواقص أو متممات نقصت من المحاضرة الماضية، أردت أن أبدأ بها قبل أن أخوض في موضوع الليلة إن شاء الله، وهو موضوع خطير، لكن نبدأ الآن متممات.
قلت في موضوع شرف المعنى، قضية الميل إلى النفعية، وقضية الصدق والكذب، أضيف هنا وأقول وكذلك قضية الاختراع هي مما يتفرع على قضية شرف المعنى، لأن الحديث في المعنى المخترع على الذي نعهده في كلام كثير من الناس إنما يريدون به أصل المعنى وليس الإبداع الشعري، لأن الأصل في الشعر هو الإبداع، لكن حينما يتحدثون عن المعنى المخترع فإنما يريدون بذلك أصل المعنى.
فاختراع المعاني كذلك فرعه العلماء المدققون وتحدثوا عنه بالنظر إلى عيار شرف المعنى، ومن هنا صرحوا بأن الاختراع في ذاته ليس إبداعا في الشعر، وليس الذي يحصل به التخييل وشرف المعنى. تعالوا نقرا نصا صريحا لابن سنان الخفاجي من كتابه سر الفصاحة. يقول ابن سنان الخفاجي في كتابه سر الفصاحة صفحة 284، وابن سنان توفي عام 466: وليس للاختراع في المعنى نفسه تأثير إلا كما للمتداول. يقول قبلها: وليس لكون المعنى في نفسه فاحشا أو جميلا تأثير في الصناعة. تأمل قوله المعنى في نفسه، يعني هناك المعنى في نفسه وهناك المعنى في الصناعة الشعرية، الذي في الصناعة الشعرية هو الذي ينظر فيه إلى شرف المعنى.
يقول: وليس لكون المعنى في نفسه فاحشا أو جميلا تأثير في الصناعة، ولهذا ذهب قوم إلى استحسان المعنى الغريب، وليس للاختراع في المعنى نفسه تأثير إلا كما للمتداول.
وكذلك نرى حازم القرطاجني في منهاج البلغاء الصفحة الخامسة بعد المائة من الطبعة التي نبهت إليها، يقول حازم القرطاجني: وأما المعنى في نفسه فحقيقة واحدة، ولا فرق بالنظر إلى حقيقته بين أن يكون جديدا مخترعا وبين أن يكون قديما متداولا، وإنما الفضل في المعنى المخترع راجع إلى المخترع له وعائد عليه ومبين عن ذكاء ذهنه وحدة خاطره.
إنما يعني لما تخترع معنى قد يدل كل ذلك على انك ذكي، لكن المعنى المخترع الجديد في نفسه لا يؤثر في الشعر من حيث كونه شعرا، ومن هنا تعلم انك مهما اجتهدت في اختراع المعاني الفلسفية والإنسانية، أن المعاني في نفسها لن تؤول إلى شعر، لأن المعيار في الشعر هو شرف المعنى، ويستوي في ذلك أن يكون أصل المعنى معروفا متداولا شائعا وبين أن يكون أصل المعنى جديدا.
ولا أدل على ذلك من صنيع العرب بالأطلال، فالأطلال معان مشتركة بكل ما حوته، يغلب فيها أنها معان مشتركة، ومع ذلك كل قصيدة إبداع مستقل، لماذا؟ بشرف المعنى الذي هو صادر عن الصياغة الخاصة والكيفيات والخصائص واللطائف والدقائق الزائدة على أصول المعاني المشتركة.
نعم، فينضاف ذلك إلى ما يتفرع على شرف المعنى من القضايا مما ذكرته في المحاضرة الحادية عشرة أمس. ينضاف كذلك نصان لمن يهتم بالكتابة والاضافه وكتابة هذا لنفسه أثناء المذاكرة، اليوم عثرت على بعض نصوص ما استحضرتها في محاضرة أمس وهي مهمة، قلت أضيفها في مطلع هذه المحاضره ان شاء الله.
أولا، حول قضية الكذب، أضيف نصين إلى قضية الكذب المتفرعة على شرف المعنى، وأن الصدق والكذب لا عيار لهما في الشعر، الصدق والكذب الدينيان والأخلاقان لا علاقه لهما بالشعر. هناك نصان لحازم القرطاجني، النص الأول في الصفحة الخامسة بعد الخمسين، يقول: الاقاويل الشعرية، هذا كتاب حازم القرطاجني منهاج البلغاء، يقول: الأقاويل الشعرية اقتصاصية كانت أو استدلالية غير واقعة أبدا في طرف واحد من النقيضين اللذين هما الصدق والكذب، ولكن تقع تارة صادقة وتارة كاذبة، يعني الشعر إما يوافق الحقيقة أو يخالفها عادي، ولكن تقع تارة صادقة وتارة كاذبة، إذ ما تتقوم به الصناعة الشعرية وهو التخييل غير مناقض لواحد من الطرفين.
لما تخيل بالشعر هذا غير مناقض لصدق أو لكذب، قد تخيل بصدق قد تخيل بكذب، فلذلك كان الرأي الصحيح في الشعر، ولذا، فلذلك شوف هذا كلام العلماء، مش كل من هب ودب يتكلم ويقول لك والله الشاعر الصادق هو تشعر شعره يخرج من القلب إلى القلب إذا كان صادقاً وحتى لو كان لطيفا بعيداً عن البلاغة.
إذ ما تتقوم به الصناعة الشعرية وهو التخييل غير مناقض لواحد من الطرفين، فلذلك كان الرأي الصحيح في الشعر أن مقدماته تكون صادقة وتكون كاذبة، وليس، اسمع واحفر في عظامك، وليس يعد شعرا من حيث هو صدق ولا من حيث هو كذب، بل من حيث هو كلام مخيل. هناك أصرح من هذا: وليس يعد شعرا من حيث هو صدق ولا من حيث هو كذب، بل من حيث هو كلام مخيل.
وأيضا صفحة 69 يتكلم عن الكذب الاختلاقي، يقول: فالكذب الاختلاقي، يقصد هنا الكذب غير الممتناع، يعني أن تكذب في أشياء يمكن أن تقع، يقول: فالكذب الاختلاقي في أغراض الشعر لا يعاب من جهة الصناعة لأن النفس قابله له.
يقول القرطاجني: ولم ندخل بعد في موضوعها يعني، فالكذب الاختلاقي في أغراض الشعر لا يعاب من جهة الصناعة لأن النفس قابلة له، إذ لا استدلال على كونه كذبا من جهة القول ولا العقل، فلم يبق إلا أن يعاب من جهة الدين، وقد رفع الحرج عن مثل هذا الكذب أيضا في الدين، يقول القرطاجني وكان عالما: وقد رفع الحرج عن مثل هذا الكذب أيضا في نعم.
الله يرضى عليكم يا رب، يقول: فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينشد النسيب أمام المدح فيصغي اليه ويثيب عليه، لأن النسيب في الأول ليس صدقا أصلا كله تقريبا، ليس كذلك، كل النسيب بين يدي القصائد في مطلع القصائد هذا كله ليس حقيقة، الذين يقول لك فهو نظرت إليه فقال ومر على الأطلال ممكن لم يمر أصلا، ووقف على أطلال حقيقة وفعل كذا حقيقة وبكى شبابا لا، هو يخيل بالجوده يجيد ويخيل، خلاص، لكن قضية قد يكون حصل أو لم يحصل،ها، لكن أكثر مقدمات القصائد يعني هي معتمدات فنية يفعلونها.
هو لن ينتظر أن تحصل حتى يقول القصيدة يا إخوة، هو شاعر وظيفته شاعر، لن ينتظر، المتنبي كان يعيش بين يدي سيف الدولة، وقال: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسم بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجم، ويعيش في حلب معه، ويأخذ على القصيدة ألف دينار، وعنده ضيعة وعنده حشم وخدم وعنده إبل وعنده خيل وعنده مال، ويقول لك: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسم بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجم. مطلع قصيدة المتنبي في حلب في القرن الرابع، خلاص، فأين الربع والطاسم والدمع والساجم؟
فانظروا إلى قوله: لأن النفس قابلة له، الكذب يقول: الكذب في أغراض الشعر لا يعاب من جهة الصناعة لأن النفس قابلة له. يعني لما قال الشريف الرضي: بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى، يلفنا الشوق من فرع إلى قدم. بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى، يلفنا الشوق من فرع إلى قدم. هل نفوسنا رفضت المعنى؟ لا، قبلته وأنا أقطع بأنه كذب، نعم، نقطع بأنه كذب.
كذلك هناك نص لابن سنان الخفاجي وهو نفس الموضع الذي قراناه يقول: آه، هذا في الإفحاش، في الإفحاش، نعم، لا، هذا في الإفحاش، هذا أضيفوه إلى الإفحاش يا الإخوة، أضيفوه إلى الإفحاش، يقول: وليس لكون المعنى في نفسه فاحشا أو جميلا تأثير في الصناعة، وليس لكون المعنى في نفسه فاحشا أو جميلا تأثير في الصناعة، هذا كلام ابن سينا الخفاجي المتوفى سنة 466.
كذلك لما تحدثت عن وصف الكلام بالنظم إذا خلى من صفة الشعرية، ذكرت لكم نص أبي العلاء المعري عن تلميذه الذي رواه عنه تلميذه أبو زكريا، وذكره المظفر في نظرة الأغريض في نصرة القريض، صح؟ وكذلك نقلت لكم كلام محمد بن سلام الجمحي، ونقلت لكم كلام الأصمعي، كلام الأصمعي الذي رواه صاحب نظرة الأغريض.
كذلك هناك نص بل نصان آخران للقرطاجني أيضا أثناء مذاكرتي اليوم عثرت عليهما وانتبهت إليهما في القرطاجني، اسمعوا يا إخوة، صفحة 25، هذه كلها نصوص تنضاف لمن يعني يعنى بالتدوين بهذه النصوص، وهي موثقة بالصفحة كما ترون، فهي مفيدة جدا لو دونتوها. حازم القرطاجني يقول: وكذلك ظن هذا، يقول: وكذلك ظن هذا أن الشعرية في الشعر إنما هي نظم، أي لفظ اتفق، وكذلك ظن هذا ها، أو له عبارة قبلها يقول: من حيث ظن ها، وأنت تجد الآن الحريص على أن يكون من أهل الأدب المتصرفين في صوغ قافية أو فقرة من أهل زماننا يرى وصمة على نفسه أن يحتاج مع طبعه إلى تعليم معلم أو تبصير مبصر.
فإذا تاتى له تأليف كلام مقفى موزون وله القليل الغث منه بالكثير من الصعوبة با وشمخ، وظن أنه قد سام الفحول وشاركهم، والله كانه يصف اهل زماننا سبحان الله العظيم. سبحان الله، يقول: وأنت تجد الآن الحريص على أن يكون من أهل الأدب المتصرفين في صوغ قافية أو فقرة من أهل زماننا يرى وصمة على نفسه أن يحتاج مع طبعه إلى تعليم معلم أو تبصير مبصر، فإذا تاتى له تأليف كلام مقفى موزون وله القليل الغث منه بالكثير من الصعوبة با وشمخ وظن انه قد سام الفحول وشاركهم، رعونة منه وجهلا، رعونة منه وجهلا، من حيث ظن أن كل كلام مقفى موزون شعر، وكذلك ظن هذا أن الشعرية في الشعر إنما هي نظم، أي لفظ اتفق، ما اتفق نظمه وتضمينه، أي غرض اتفق على أي صفه اتفق، لا يعتبر عنده في ذلك قانون ولا رسم موضوع، وإنما المعتبر عنده إجراء الكلام على الوزن والنفاذ به إلى قافية، وإنما المعتبر عنده إجراء الكلام على الوزن والنفاذ به إلى قافية.
فنراه هنا أثبت وجود النظم الوزن والقافية، ونفى الشعر، وكلامه أصرح كلامه أصرح في صفحة 63، صفحة 63 اسمعوا، بعد أن ذكر الشعر الخالي من الشعر قال: وما أجدر ما كان بهذه الصفه ألا يسمى شعرا، وإن كان موزونا مقفى. وما أجدر ما كان بهذه الصفة ألا يسمى شعرا، وإن كان موزونا مقفى، يعني يكون موزونا مقفى ولا يسمى شعرا، ولا يسمى شعرا.
بقي لنا نص أخير أيضا في قضية المعاني ينضاف في قضية المعاني صفحة 17، وهذا في قضية عدم اعتبار مقياس الدين والأخلاق والاجتماع ونحو ذلك في المعاني الشعرية، يقول القرطاجني في الصفحة 70: المعتبر في حقيقة الشعر إنما هو التخييل والمحاكاة في أي معنى اتفق. فوق ذلك هذه تكتبونها صريحة، تحفرونها على خشبة وتدقونها في الحائط: المعتبر في حقيقة الشعر إنما هو التخييل والمحاكاة، يعني التخيل والمحاكاة باللغة في أي معنى اتفق ذلك، تخيل ومحاكاة يعني انهاض كما عرفنا أمس في أي معنى اتفق ذلك هذا هو.
وانتهت تتميمات أو انتهت تتميمات محاضرة أمس، ناتي الآن إلى البيان عن عيار الشعر، أو عن عيار شرف المعنى في الشعر وحده. آه ناتي الان إلى موضوع ناتي الان إلى البيان عن عيار شرف المعنى في الشعر وحده، ولا شك أيها الإخوة أنه في الجمله وفي الأول والأخير راجع إلى الطباع السليمة وتوافقها على هذا الحد، راجع إلى الطباع السليمة وتوافقها في إدراك وتوافقها.
والتقائها في إدراك هذا الحد. فمثلاً أصحاب الطباع السليمة يرفضون من يدعي لذة في اللحم المنتتن، أو يدعي طيبة الرائحة في العذرة -في الفضلات- أو يدعي حسن نهيق الحمار. فكذلك الشعر وشرف المعنى فيه، وقد أجمله المرزوقي كما رأيتم في العبارة؛ أجمل المرزوقي حديث العيار فيه فقال في ذلك: فعيار المعنى أن يعرض على العقل الصحيح والفهم الثاقب، فاذا انعطف عليه جنبه القبول والاصطفاء، مستانساً بقرائنه خرج وافياً، وإلا انتقص بمقدار شوبه ووحشه، ولم يزد على ذلك. فاجمل شدداً قضية شرف المعنى بالمر.
وعلى الرغم مما قلت من أنه في الجملة وفي الأول والاخير يرجع إلى الطباع السليمة وأنها تتوافق على إدراكه، بقي أنه يتأتى لنا تقريب حده. وهذا الآن هو الجهد الذي بذلته لأجل ترسيخ المسألة في نفوسكم؛ ما أقوله الآن ليس موجوداً في مكان يا إخوة، هذا التوفيق في القضية والنظر فيها وجمع أطرافها، انتبهوا إليه واظفروا به فليس موجوداً في مكان. أقول بقي أنه يتأتى لنا تقريب حده وحقيقته للأذهان بتعريف وعلامات، بتعريف وعلامات. وهذا التعريف نظفر به عند النقاد على طريقة حازم القرطاجني؛ فقد عرف الشعر في الصفحة التاسعة بعد المئة من منهاج البلغاء فقال: الشعر كلام مخيل موزون مختص في لسان العرب بزيادة التقفية. يقول الشعر كلام مخيل موزون مختص في لسان العرب بزيادة التقفية.
وهذا التعريف نلاحظ فيه أن الشعر انفصل عن غيره بأمرين: الأمر الأول التخييل، والامر الثاني الوزن والقافية. كل ما أقوله انتبهوا إليه، والله هذه مفاتيح تحل لكم مشكلة الشعر للأبد، وحينها ستكون عنيفاً لأنك فهمت القضية فسترفض كل الخرافة التي تراها، وعدم الضبط والضبابية والفضفضة التي تراها في كلام هذه الأمور، ستضبط لك هذا العلم إن شاء الله، وستكون حينها عنيفاً كأبي قيس لأن الأمور صارت عندك محددة، ليست هلامية كما عند كثيرين.
أقول هذا التعريف نلاحظ فيه أن الشعر انفصل عن غيره بأمرين: التخييل، والوزن والقافية. ثم عرف حازم القرطاجني التخييل الذي هو فصل في الشعر رئيس وهو أساس الشعر، عرف التخييل فقال في نفس الموضع: والتخييل أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر المخيل أو معانيه أو اسلوبه ونظامه، وتقوم في خياله صورة أو صور ينفعل لتخيلها وتصورها أو تصور شيء آخر بها انفعالاً من غير روية إلى جهة من الانبساط والقباض. وهنا انتبهوا لأن حازم القرطاجني عبارته صعبة وهو أشد من المرزوقي في الإطالة والمداخلة بين أجزاء الكلام: والتخييل أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر المخيل أو معانيه أو أسلوبه ونظامه، وتقوم في خياله صورة -يعني تتمثل وتقوم من الألفاظ من اللفظ المخيل أو المعاني أو الأسلوب والنظام- صورة أو صور ينفعل لتخيلها؛ اسمع لتخيلها وتصورها أو تصور شيء آخر بها -تداعي المعاني- انفعالاً من غير روية إلى جهة من الانبساط أو الانقباض.
فالمقصود هنا -انتبهوا- المقصود من المعاني هنا في قوله من لفظ الشاعر المخيل أو معانيه هو ما يحصل من جهة الألفاظ؛ انتبهوا لأن بعضكم قد يقول طيب ما قال الألفاظ وقال المعاني يعني ممكن أنفعل بالمعاني المجردة! فأنبهك إلى أن المقصود من المعاني هو ما يحصل من جهة الألفاظ، وهو تصريحه في أقسام التخييل في نفس الموضع؛ يقول في نفس الصفحة: وينقسم -اسمع- وينقسم التخييل بالنسبة إلى الشعر قسمين. أنا لا آخذ هذا الكلام الآن لأنني الآن أريده بذاته، هذا مستوى القرطاجني عالي، لكن فقط لأنبهك إلى قوله من لفظ الشاعر أو معانيه لأنه قد يشكل عليك. يقول وينقسم التخ- في نفس الموضع بين الكلامين يقول: وينقسم التخييل بالنسبة إلى الشعر قسمين؛ تخييل ضروري وتخييل ليس بضروري ولكنه أكيد أو مستحب، لكونه تكميلا للضروري وعونا له على ما يراد من انهاض النفس إلى طلب الشيء أو الهرب منه.
قال: والتخاييل الضرورية هي تخاييل المعاني من جهة الألفاظ. والتخاييل الضرورية هي تخاييل المعاني من جهة الألفاظ، إذاً لما قال لك أو معانيه أراد معاني الألفاظ يعني التراكيب في النص بعينه. قال: والتخاييل الضرورية هي تخاييل معاني من جهة الألفاظ، والأكيدة والمستحبه تخايل اللفظ في نفسه وتخايل الأسلوب وتخايل الاوزان والنظم، وأكد ذلك تخييل الأسلوب. انتهى كلام القرطاجني، وهذا كلام دقيق جداً لأنه يتناول التأثير بكل المكونات الشعرية، منها ما هو ركن ضروري، ومنها ما هو مؤكد ومستحب.
أما الضروري فأن يكون من خلال المعاني الثابتة عن طريق الهيئة الخاصة بالألفاظ، هذا ضروري؛ إذا انتفى انتفى الشعر، انتفى الأصل وانتفى الكمال، لا كمال ولا أصل. والتخاييل الأكيدة أو المستحبة هي ما يحصل بالتاثير أو ما يحصل بها التأثير والإنهاض بمشاركة من اثر أصوات الألفاظ ومن أثر الأوزان والقوافي ومن صور الأساليب. هناك شعر تجده جيداً، حقق فيه صاحبه الضرورية من التخييل، تركيب قوي جيد. وهناك شعر ترى صاحبه استعمل الأكيد والأصل وأضاف إليه أصوات الألفاظ التي أحدثت أصواتاً في داخل البيت، أوهمت بوجود الحدث وساعدت على تخيله، فهذا أكيد مستحب. وهناك شعر يظهر فيه اثر اختيار الوزن وصوت الروي في القافية، فهذا الكمال. وهناك شعر يخف فيه الضروري وتكثر فيه الاكيد والمستحب، يعتمد على أصوات البحور أكثر وأصوات القوافي، ويعتمد على هيئة الأساليب من خشونة ورقة أكثر من الركن. وهنا ترى الشعر -وأقول وهنا ترى- هذا النوع يكثر في المتأخرين الذين يضعفون نوعاً عن إتقان الأصل في النظم فيذهبون إلى التكميليات، وهذا باب عميق ليس هذا موضوعنا هذا إذا يعني هذا يطرح في شرح كتاب القرطاجني نفسه، وهذا خاص بطلب، لكن لأن الأمر فيه أبعد يعني ليس للطرح للنقاش العام أو للشرح العام.
ولكن الذي يعنينا في هذا المقام هو قوله تخاييل المعاني من جهة الألفاظ، تخاييل المعاني من جهة الألفاظ، فهذا يزيل ما قد يحصل عندك من اشتباه في قوله أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر المخيل أو معانيه، فتعلم أن المعاني هنا هي الحاصله من جهة الألفاظ. نعم، ولهذا شواهد أخرى في كتاب القرطاجني؛ منها قوله في الصفحة الثالثة بعد السبعين: هذه المقدمات كلها إذا وقع فيها التخييل والمحاكاة كان الكلام قولا شعرياً، لأن الشعر لا تعتبر فيه المادة، بل بما يقع في المادة من التخييل. ها أيضا ذكر التخييل مرة أخرى، قال: هذه المقدمات كلها إذا وقع فيها التخييل والمحاكاة كان الكلام قولا شعرياً، لأن الشعر لا تعتبر فيه المادة، بل ما يقع في المادة من التخييل. وفي صفحة اثنين وسبعين يقول: الاعتبار في الشعر إنما هو التخييل في أي مادة اتفق، لا يشترط في ذلك صدق ولا كذب. ويقول صنعة الشاعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة وموضوعها الألفاظ وما تدل عليه؛ صنعة الشاعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة وموضوعها الألفاظ وما تدل عليه، انظر المحاكاة التي تؤول إلى التخييل. وفي صفحة خمسة يقول: وأما المعنى في نفسه فحقيقة واحدة، لا فرق بالنظر إلى حقيقته بين أن يكون جديداً مخترعاً، وبين أن يكون قديماً متداولاً، وإنما الفضل في المعنى المخترع راجع إلى المخترع له وعائد عليه ومبين عن ذكاء ذهنه وحدة خاطره. فهذا كله يؤكد لك على أن المعاني المخيلة هي معاني الألفاظ لا أصول المعاني، لأن البعض ربما ينصر مذهبه الباطل فيقتص هذه العبارة للقرطاجني ويستعملها، ولكنه يفضح بمن تتبع كلام القرطاجني في كل كتابه وعرف ماذا يقصد.
نعم، فهذا يا إخوه هو التخييل، فهذا هو التخييل الذي يعرف به الشعر مضموماً إلى الوزن والقافية: الكلام المخيل الموزون المقفى. ولما عني القرطاجني بتعيين المقصود من الشعر -أي الغرض المراد بالشعر- وفصل ما وراء ذلك قال في الصفحة الثالثة والتسعين: المقصود بالشعر -اسمع- المقصود بالشعر انهاض النفوس إلى فعل شيء أو طلبه أو اعتقاده أو التخلي عن فعله أو طلبه أو اعتقاده، بما يخيل لها فيه من حسن أو قبح وجلالة أو خسة. وجب أن تكون موضوعات الشعر -لما كان المقصود نبدا من الأول لأن هناك جواب- لما كان المقصود بالشعر انهاض النفوس إلى فعل شيء أو طلبه أو اعتقاده أو التخلي عن فعله أو طلبه أو اعتقاده بما يخيل لها فيه من حسن أو قبح وجلالة أو خسة، وجب أن تكون موضوعات صناعة الشعر الأشياء التي لها انتساب إلى ما يفعله الإنسان. والذي يعنينا هنا في هذا الغرض أو في هذا الكلام هو الكشف عن المقصود بالشعر؛ يقول المقصود بالشعر أنهاض النفوس إلى فعل شيء أو طلبه أو اعتقاده أو التخلي عن فعله أو طلبه أو اعتقاده بما يخيل لها فيه من حسن أو قبح وجلالة أو خسة.
نعم، وهذا الكلام صريح صريح في صفة الأثر الذي يحصل بالتخييل الشعري، وهو انهاض النفوس، فاحفظوا أولاً هذه الكلمة: انهاض النفوس. ثم وقد نقل أيضاً القرطاجني نصاً عن ابن سينا في موضع آخر، وهو قوله في الصفحة الخامسة بعد السبعين؛ هذا ابن سينا -ينقل عن ابن سينا- يعرف المخيل من الكلام، ما الكلام المخيل يا ابن سينا؟ يقول ابن سينا: والمخيل هو الكلام الذي تذعن له النفس؛ والمخيل هو الكلام الذي تذعن له النفس. فاحفظوا هذه الكلمة الثانية كذلك: الإذعان.
إذا صار المقصود بالشعر أنهاض النفوس أو أنهاض النفوس وإذعانها، فتبين لنا الآن أن شرف المعنى الذي هو علوه وارتفاعه عن معهود الكلام إنما يحصل بالتخييل الذي يؤول إلى أنهاض النفوس وإذعانها بواسطة الألفاظ والتراكيب التي تعيد صناعة صورة الكلام في الذهن على رتبه يحصل بها نهوض النفوس وإذعانها للمعنى. وفي ذلك يقول القرطاجني في الصفحة الخامسة بعد الخمسين -اعتماد الصناعة الشعرية، لمن كان يسال عن حجم هذا الكتاب؛ القرطاجني يتجاوز أربعمائة صفحة، هو كتاب مزدحم كثيف متداخل، يعني أنا جمعت لكم هذه المعارف منه وربطتها ببعضها وهي منثورة في الكتاب، لكن أنا أعالجه منذ سنين بعيدة وهو كتاب صعب لكنه عظيم النفع- يقول القرطاجني: اعتماد الصناعة الشعرية على تخييل الأشياء التي يعبر عنها بالاقاويل وبإقامة صورها في الذهن بححسن المحاكاة. اعتماد الصناعة الشعرية على تخييل الأشياء التي يعبر عنها بالأقاويل وبإقامة صورها في الذهن بحسن المحاكاة.
وقد دار حازم القرطاجني كثيراً حول الأثر النفسي الذي هو الإنهاض والإذعان الحاصل بواسطة التخييل باللغة، يدرك ذلك من مارس الكتاب. إذاً يخلص لنا الآن، ونحن في سبيل محاولة إيجاد معيار نحدد به شرف المعنى الشعري من تعريف الشعر والتخييل ووظيفه ذلك وكيفية حصول هذه الوظيفة، أن الحد العام لشرف المعنى هو أن يحصل به أنهاض للنفوس وإذعان. أن الحد العام لشرف المعنى هو أن يحصل به أنهاض للنفوس وإذعان. وهذه خطوة قطعناها في التحديد؛ كنا نقول شرف المعنى يعني المعنى المشرف العالي، الآن عن طريق تتبع تعريف الشعر وشرح التخييل ووظيفة هذا التخييل، استطعنا أن نضع حدا أكثر وضوحاً وقرباً، وهو أن يحصل بهذا الشرف في المعنى أنهاض للنفوس وإذعان.
وهذا ضبط وحد مجمل في عيار شرف المعنى، ولكن دعونا نتخذ خطوة أخرى نزيد بها الأمر ضبطاً وتصوراً لحد شرف المعنى، وذلك بواسطة علامات أذكر منها الآن ما يناسب المقام، وهي علامات لشرف المعنى ورسم له بعد أن قطعنا بتعريفه خطوة في تعيينه وتحديده، وهو حصول الإنهاض للنفوس والإذعان؛ فهذه علامات تزيد الأمر قرباً ووضوحاً وتحديداً.
العلامة الأولى: حصول هذا التخييل بخصوص عناصر الشعر، هذا هو أول ضابط في تصور الحد الشعري لشرف المعنى، لأنه ما من شك في احتواء النصوص النثرية البليغه من الخطب والرسائل على نوع من البلاغة وشرف المعنى، ولكن للشعر رسوم مختلفة تجعل من شرف معناه طبقة مختلفة. فمن ذلك الوزن والقافية المختصان بالشعر، وربما تعجبون من قبل لو قلت لكم: لو لم نفقه قضية الوزن والقافية ولو أننا تساهلنا في قضية الوزن والقافية، لم نفهم حقيقة الشعر أصلاً. فها نحن الآن جئنا إلى قطب في المسألة ووقفنا عند المحك فيها، لأن الوزن والقافية مما يحصل بهما شرف في المعنى لا يحصل في غير الشعر. أما الوزن فهو يشمل التفعيلة المختارة ويشمل هيئة البحر، لأن عدد التفعيلات في كل بحر مما اجتمع عليه العرب.
الذي اجتمعت عليه العرب في كل بحر ينشد إنشاداً وثيقاً إلى قضية شرف المعنى؛ لأنه ينتهي بالشاعر إلى مساحة محدودة مسموحة له لأجل أن يبلغ بالمعنى الكثافة المطلوبة والفنية العالية دون أن يستفيض في السطر. وجعلوا له هذه المساحة على نصفين زيادة في الفنية والتضييق، وذلك أطرد في لغة العرب أو في شعر العرب لما اتسعت لغتهم.
وذلك حتى تتحقق القاعدة المنطقية في الفن، وهو أن نطاق الفن أضيق على الفنان من غيره. إن النطاق في الفن أضيق على الفنان المبدع من غير الفنان، فنطاق القول في العامة واسع، ونطاق القول في الشاعر ضيق، لن نسمح لك بأن تتكلم على رسلك كيفما اتفق لأن هذا فن. وإذا اتسع لغير الفنان المبدع فانه يضيق على المبدع.
ومن هنا لما اتسعت لغة العرب في وجوهها التي كادت أن تكون بحراً يتناهى، واتسع معجمها واتسع اشتقاقها ووضعت فيه القواعد التي تمد اللغة دائماً، وما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، وصار للشيء أربعون وخمسون اسماً وهي صفات؛ لما حصل هذا الاتساع وتحددت وجوه النحو في الحذف والإثبات والتقديم والتأخير، وأصبح يمكن التعبير عن الشيء الواحد بعشرين وجهاً، لما اتسعت اللغة هذا الاتساع ضاق نطاق الشعر على الشاعر العربي حتى يستعمل ما تمنحه اللغة من الوجوه الواسعة في أضيق مساحة. ولو فتحت له المساحة فما الذي يثبت براعتك؟
إذا كنت لا تكثف المعاني، كثف المعنى وابلغ الشرف العالي والتأثير والإنهاض في ست تفعيلات فقط، مساحة ست تفعيلات. رأيتم؟ ومن هذه الناحية رفض أبو قيس ما يعرف بقصيدة التفعيلة، وعد أبو قيس من المتعسفين المتزمتين. ولكن لم يُدرَ إلى أن قيل فيه هذا، لم يُدرَ، لماذا قال أبو قيس هذا؟ عندي في ذلك علم أناظر عنه وبه، وهو أن عدد التفعيلات متعلق بكثافة الدلالة، ولو انفتحت التفعيلات ولم تحد وسمي وجاء ما يسمى بشعر السطر -وكما سمته نازك الملائكة رحمها الله شعره الشعر الحر وهي تريد شعر التفعيل الذي ابتكرته في العراق، وطاوعها عليه أو اتبعها عليه عبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب ما عرف بقصيدة التفعيلة- لو فعلنا هذا انفرط المعنى وضاعت الكثافة.
وإنما على الشاعر أن يحقق وحدة كثيفة من المعاني وصورة تامة ثقيلة بعيدة المرامي في مساحة قليلة جداً يوظف فيها ما تمده به مساحات اللغة. من هنا نرى شرف المعنى يتحدد بخصوص عناصر الشعر، فما يحصل من شرف المعنى في الكلام الموزون المقفى مع مراعاة الوزن والقافية وأن يكثف في حدودهما، لن تراه في الكلام المنثور. هذه الحقيقة التي أحاول أن أكشفها لكم وأفسرها لكم حتى تظهر للعيان صريحة.
ومن خصائص الشعر الاشارة والتكثيف واللمح، وفي هذا يقول البحتري: «والشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر طولت خطبته»
وذلك أن الشعر لا يقبل سوى تكثيف الدلالة وقرع الشعور المنهض الخاص بأهل القريحة الذين يشعرون بما لا يشعر به غيرهم، ولا يقبل الشعر مادة التوضيح والشرح.
ولأجل هذا عدل عنه الرافعي؛ فمصطفى صادق الرافعي بدا حياته شاعراً ولكن وجد نفسه يميل إلى الإسهاب والإطالة في المعاني فقال: هذا لا يناسب الشعر، الشعر كثيف وطرقات شعورية مكثفة لا تليق به، فترك الشعر إلى النثر، وهذا منه إنصاف وذكاء وفطنة رحمه الله.
وبسبب هذه العلامة يذم الشعر إذا وصف بأنه خطابة، كما راينا في بيت البحتري: «والشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر طولت خطبته»
فلو انتقلت صفة الخطب -وإن كانت بليغة- إلى الشعر سمي هذراً؛ لأن الشعر يطلب ما هو فوق البيان بالخطب، ما هو هذا القرع بالشعور فقط، مفاجأة النفوس بما ينهضها دون أن يعطي للعقل عملا وأن يتروى، وهذا ما سماه بعض المعاصرين الدهشه؛ أن الشعر يفجأك ويؤثر في قلبك تأثيراً نفسياً وينهضك وتذعن له دون أن تفكر.
فأول علامة أن يكون هذا التخييل أو حصول هذا التخييل بخصوص العناصر الشعرية بدأت الآن تقترب ها. العلامة الثانية -وهذه خطيرة- استقلال أثر التخييل والاكتفاء به عن أثر المعنى المحض والقناعة به، هذا أفضل لمن يكتب. استقلال أثر التخييل والقناعة به عن أثر المعنى المحض، المقصود بذلك هو أن الشعر علة بنفسه في مشروعية وجوده، فهو موجود لأجل ذاته، أي أنه قد بلغ التخييل وأثره وشرف معناه حداً أن كان هذا الأثر مطلوباً لذاته وقيمة مقدرة يستغنى بها عن كونه حقيقة وعن كونه خبراً من الأصل، فلا ينظر فيه إلى تحقق المعنى والخبر به ولا إلى تقويم الدين والأخلاق أو غير ذلك مما مر، يكتفى به وذلك أنه قيمة مستقله بذاتها.
وهذا هو ما عناه ابن خفاجة الأندلسي الشاعر المشهور المتوفى عام 533 في مقدمته لديوانه؛ لأنه جمع ديوانه في سن متقدمة وكتب له، يعني جمع قصائده في السن، فخشى عليها الضياع فكتب قصائده في سن متقدمة وكتب مقدمة لديوانه يقول فيها مما قال، وهذا في الصفحة العاشرة والحادية عشرة من ديوانه الطبعة المصرية تحقيق الدكتور السيد غازي يقول: واني استرسلت في اثبات ما صدر عني من ذلك في صدر عمري ومبتدأ أمري استرسال ثقة بإغضاء أهل الفضل -يعني جمع الشعر الذي قاله في المجون وكذا- استرسال ثقة بإغضاء أهل الفضل وحملة السيادة والنبه، ولم احتفل بنقد أقوام في مساليخ أنعام يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا -اعوذ بالله في كل زمن موجود يا ستير يا رب يا رب يا رب إيه ده، هؤلاء البغيضون موجودون في كل زمان يا أخي حتى في القرن الخامس موجودون، آه في القرن السادس موجودون، أعوذ بالله، ابتلاء، ولكن اعرف كيف أتعامل معهم، خليه حد منهم يقرب كده والله بالكروبات، والله خلدوا في التاريخ-:
ولم احتفل بنقد أقوام في مساليخ أنعام يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا، اسمع ولا يعلمون -ركز الله على الكلام- ولا يعلمون مع ذلك أنه يستجاز في صناعة الشعر لا في صناعة النثر أن يقول القائل فيه: إني فعلته وإني صنعته من غير أن يكون وراء ذلك حقيقة؛ فإن الشعر مأخذ وطريقة، وإذا كان القصد فيه التخييل فليس القصد فيه الصدق ولا يعاب فيه الكذب، ولكل مقام مقال.
هذا كلام الشاعر ابن خفاجه الأندلسي في مقدمة ديوانه، وهذا كلام شخص دارس، دارس للعلوم ودارس للشعر، هذه اللغة لغة عالم، هذا ابن خفاجه الأندلسي لغة عالم، هذه لغته لغة عالم نعم توفي عام 533، قال: يستجاز في صناعة الشعر لا في صناعة النثر أن يقول القائل فيه: إني صنعت، إني فعلت، وإني صنعته من غير أن يكون وراء ذلك حقيقة؛ فإن الشعر مأخذ وطريقة، وإذا كان القصد فيه التخييل فليس القصد فيه الصدق ولا يعاب فيه الكذب، ولكل مقام مقال.
وهذا الكلام يدل على العلامة التي دونتها ووضعتها لتعيين شرف المعنى الشعري، وهو أن يستقل أثر التخييل ويقنع به عن أثر المعنى المحض. حين تجد المعنى في الشعر قنعت به، قد قنعت به عن الأخبار بما وراءه وعن التخييل وعن أي شيء في الخارج، وإنما قنعت نفسك أن تتاثر بهذا الشيء وأن تنهض، فهذه علامة شرف المعنى الشعري، علامة ثانية لشرف المعنى الشعري، علامة ثانية لشرف المعنى الشعري أن يبلغ حداً تكتفي به عن حقائق المعاني أو عن تحقيق المعاني، أن يبلغ حداً تكتفي به عن تحقيق المعاني وعن سوء المعاني المجردة. إذا بلغت هذا الحد من الاستغناء والقناعة فهذه علامة على شرف المعنى الشعري.
العلامة الثالثة هي -يعني- مما دونته لكم ودققته الأخيرة الآن في هذا المقام: التمحض في وظيفة الإنهاض النفسي دون الإقناع. عرفنا التخييل، وعرفنا أنه ينهض النفس ويقودها إلى الإذعان، وهذا يكون بتخيلات حسية في الذهن تثير النفوس من حيث نفسها ومن حيث كونها مخلوقاً منفعلاً من حيث كونها مخلوقاً منفعلاً. ولهذا قال بعض المتقدمين -كما نقل عنه ابن رشيق في العمدة-: الشاعر المجيد هو الذي يقصرك على هجو ذويك ومدح أعاديك. ولأجله أيضاً قال أحمد بن يوسف الكاتب: لقد وصف أبو نواس الخمر وصفاً لو سمعه الحسنان لهاجر إليها ولعتكف عليها. فالأول اقتنع بأنه غلط هو وقومه -خلاص، ولا الحسنان الحسن البصري وابن سيرين- اقتنع بأن الخمر لها جمال وفائدة وأنها في نفسها حسنة، ولكن الشاعر استنفر نفوسهم وانهضها وجعلها تذعن لمراده، ولكن الشاعر استنفر نفوسهم وانهضها وجعلها تذعن لمراده.
فالنص المخيل الشعري الذي يسمى بالأقاويل الشعرية أو الأقاويل المخيلة ليس من وظيفته أن يخاطب الفكرة نوع خطاب بحيث يمنح العقل مدة أو زمناً يقوم به المعاني، ويقلب العقل فيها على أصول صحت أو لم تصح وصحت فيها ثمار تفكير أو لم تصح، وإنما هو ينهض النفوس ويستحدث ولائها، ينهض النفوس ويستحدث ولائها.
ولأجل هذا نص العلماء المدققون -هذه قضية أخرى مما نبه له القرتجني وابن سيد- نص العلماء لأجل هذا نص العلماء المدققون على أن التخييل الشعري لا يكون إلا بالحس، وهذه فائدة دقيقه وطريفة، أي أن تكون المعاني في الأخير مهما تشعبت تؤول إلى الحسيات. وفي هذا يقول حازم القرطاجني في الصفحة السابعة بعد الثمانين: التخييل تابع للحس، وكل ما أدركته بغير الحس فإنما يرام تخييله بما يكون دليلاً على حالة من هيئات الأحوال المطفيفة واللازمة له، حيث تكون تلك الأحوال مما يحس ومشاهد.
التخييل تابع للحس، وكل ما أدركته بغير الحس فإنما يراد تخييله بما يكون دليلاً على حالة من هيئات الأحوال المطفيفة به واللازمة له، حيث تكون تلك الأحوال مما يحس ومشاهد. كل شيء في الشعر حتى ينهضك في الأخير، حتى ينهضك في الأخير لابد وأنهاضاً نفسياً، وحتى تذعن له وحتى يتملك شعورك لابد وأن يرجع إلى الحس، حتى وإن دار في أمور أخرى من المدركات ستؤول في الأخير إلى الحس الذي ينهض في الأخير.
فالشعر في الأخير يتمحض في الإنهاض عن طريق التخييل الذي يتعلق بالحسيات. أما الإقناع فهو مذهب مختلف من الكلام، الإقناع مذهب مختلف من الكلام يظهر في الخطب والرسائل وما مادته النثر، يظهر في الخطب والرسائل وما مادته النثر، ويقوم على صبغة وطريقه من الإقناع بالشيء فكانه يحتج له بقطع النظر عن صحة هذا الاحتجاج، فهو يمرر المدركات أو المقدمات على الفكر المحتج على كل حال، حتى لو كان تزويقاً ومخادعة للعقل، فهي الطريقة الإقناعية، وحتى لو لم يكن بمقدمات منطقية، أي كان ساقطاً من جهة عمل المنطق، ولكن كلامنا على طريقة صحت ما حوته هذه الطريقة أو لم تصح، صح أو لم يصح.
وبسبب هذه الفكرة كان الشعر التعليمي ساقطاً لم يكن شعراً؛ لأن الشعر التعليمي من حيث كونه تعليماً لابد وأن يخاطب العقول وأن يحتج لها بما يقنعها، وهذا يخالف الأقاويل الشعرية، يخالف الأقاويل الشعرية.
وشرطوا في التخييل الشعري في ذلك أن يكون من غير روية، أي لا يتفكر في المعنى ولا يوصف بغير ميزان التخييل بالبيان، وهذا هو صريح كلام القرطاجني في تعريفه للتخييل الذي كان معنا في صفحة تسع وسبعين، انظروا ماذا قال لما عرف التخييل، هناك كلمة تركت التعليق عليها في الأول لأنني سأعود إليها، لما قال والتخييل: أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر المخيل أو معانيه أو أسلوبه ونظامه، وتقوم في خياله صورة أو صور ينفعل لتخيلها وتصورها أو تصور شيء آخر بها انفعالاً من غير روية إلى جهة من الانبساط والإنقباض. والعبارة التي أريدها هنا هي قوله من غير روية، أي أن الشعر لا يترك لك مساحة لدراسة المعنى والاستدلال عليه، بل وظيفته العمل في النفس مباشرة دون المرور على روية العقل، بخلاف الأقاويل الإقناعية سترى أنها تخاطب العقول ولو بالباطل لكن طريقتها الطريقة الإقناعية.
نعم، لكن بقي أمر دقيق لا يتصل مباشرة بموضوعنا لكن يعني الفائدة أو الحديث المفيد ذو شجون، وهو تناوله، وهو أمر تناوله حازم القرطاجني وهو أن الإقناع يدخل في التخييل الشعري على صفة يتحول بها إلى تخييل، وذلك حين يطعم الشعر بالأقاويل الأقناعية فتؤدي وظيفة في موضع معين، وهذه الوظيفة الإقناعية التي تؤديها تحت سلطان التخييل يقلبها إلى التخييل، وذلك في أشطار الحكمة التي تأتي في أعقاب أشطار التخييل؛ لأن الحكمة أقاويل إقناعية والتخييل أقاويل شعرية خلاص بالاصالة.
والأقاويل الإقناعية ليست شعرية بالاصالة، ولكنها إذا وظفت في سياق الأقاويل الشعرية التخيلية صارت تخيلية أيضاً، وهذا ما سموه قديماً بالتحجيل. وصفوا هذا الشطر الذي يأتي على الحكمة وصفوه أو شبهوه بالتحجيل، أي البياض الذي يكون في قدم الفرس الكميت، ترى دكناً ثم بياضاً، فراوا البيت المخيل الذي استعمل فيه الإقناع بما يخدم التخييل كالتحجيل في يد الفرس، فيسمى ذلك بالابيض المحجلة.
ولكنه إذا كثر الإقناع قل توظيفه في التخييل وقل أو وضعف، وضعف سلطان التخييل عليه، ضعف سلطان التخييل عليه فصار إقناعاً، صار إقناعاً. ومن هنا قالوا: إذا كثرت الحكمه في الشعر فسد، أو في القصيدة فسدت القصيدة، هذه قالها الجاحظ.
الجاحظ من أقدم النقاد، ما تفسيرها؟ هذا هو تفسيرها: أن الحكمة أقاويل إقناعية، والشعر أقاويل تخييلية. فإذا استعملت الأقاويل الإقناعية بما تخدم التخييلية حسُن ذلك، فإذا كثرت الإقناعية طغت صفة الإقناعية في القصيدة، والإقناعية تخالف الشعرية؛ لأن الشعرية تطلب التخييلية ففسدت القصيدة إذا كثرت الحكمة فيها. هذا تأويل ذلك وتفسيره، فما قاله الجاحظ الذي توفي في القرن الثالث وولد في منتصف القرن الثاني -لأنه ولد عام 150 وتوفي عام 255- فسره القرطاجني في القرن السابع. ولذلك قلت لكم مراراً وتكراراً: لا يوجد شيء اسمه جرد كتب النقد، أنت تربط المسائل ببعضها وتأتي بكتاب قديم وكلام قديم من الجاحظ في القرن الثاني وتشده إلى القرن السابع وتفسر وطرائق مختلفة.
والناس لا تربط بين ما عند القرطاجني وما عند القدماء؛ لأن المنهج مختلف تماماً. قرطاجني أقرب إلى منهج الفلاسفة، فهو مترجم عن أرسطو، لكن المادة واحدة والله، وها قد فسرت لكم في الأبيات المحجلة والإقناع بعد التخييل كما يسميه القرطاجني. فسرت لكم كلام الجاحظ في القرون الأولى، فالامر يتوقف على الدراسة والربط والتحقيق، وذلك يأخذ قطعة من العمر، وليس أن تقرأ الكتب النقدية القراءة التي أسميها قراءة الخوارج الذين يمرون من الكتب كما يمرق السهم من الرمية. يعقدون مجالس: سنقرأ كتب النقد كلها في عام، في عامين هيا، ويجردون كتاب وراء كتاب، يخرجون من الكتب كما يخرج السهم أو يمرقون من الكتب كما يمرق السهم من الرمية.
فهذه علامات تتصورون بها ما يكون عليه شرف المعنى الشعري، ويبقى بعد ذلك إدراكه راجعاً إلى الغريزة والملكة؛ لأن الذين لم يوهبوا غريزة الشعور بالبيان العالي لن يدركوا شرف المعنى في النصوص، ولو كثفته لهم فصار له جرم فوضعته بين أيديهم لن يشعروا به. ولله در البحتري: اهز بالشعر أقواماً ذوي وسن، في الجهل لو ضربوا بالسيف ما شعروا. علي نحت القوافي من مقاطعها، وما علي لهم أن تفهم البقرة. فذلك هو شرف المعنى، وقد تبين لك معناه، وقد تبين لك معناه وأنه أصل الأصول في قضية الشعر، وأنه تتفرع عنه كل القضايا وتعرض عليه النزاعات كافة فيقضي فيها بحكمه البات. وعرفت أنه ميزان الشعر الذي إذا انتفى صار النص نظماً لا شعر فيه، وتبين لك أنه المقصود من التخييل في اصطلاح القرطاجني، وتبين لك أن وظيفه ذلك هو انهاض النفوس واذعانها للكلام، وأن ذلك الأثر هو غاية الشعر والشعراء من صناعة الشعر وإنشاده. فيكشف ذلك عن قوة القريحة وكمال البيان في الإنسان، ووقفت كذلك على بيان مجمل للحد الذي يكون به شرف المعنى الشعري، وحصلت علامات تقربك من تصور هذه الرتبه ومن تعيينها، وهذا شوط في العلم والادراك للباب حسن. وهذا شوط في العلم والادراك للباب حسن، فلا يفوتنك إحكامه.
وهذا أوان شرح كلمة المرزوقي تفصيلا، وقد أجمل وأحال على مطلق الادراك والحس. رضي الله عنكم.
الإخوة الذين كلموا: نوضح بأمثلة يعني في ما هو، كل ما انتم عندكم تصور لكل الشعر العالي الذي ذكرته، هذا كله أمثله أنا أصف الآن أمثلة على ماذا؟ لا يوجد كلام جديد، أنا أصف الآن شرف المعنى وتصوره، تصور شرف المعنى الذي تعرفونه أنتم يعني تشعرون به. ليس هناك تمثيل، كل ما تعرفونه من الشعر العالي تمثيل، فهمتم يا إخوة؟ هذا ليس مجال أمثل لك بماذا، ما أنا كل يوم بمثل ليك، خلاص ممثل على شرف المعنى. نحن الآن نتكلم عن صفة شرف المعنى وليس عن تحقق شرف المعنى، أتكلم عن صفة شرف معنى أنت تعرفه موجود، أتكلم الآن عن صفة شرف معنى أنت تعرفه موجود، فهمتم؟ طيب.
قال: فعيار المعنى. قال: فعيار المعنى المراد بالعيار يا إخوة الميزان والمرجع الذي يكون به شرف المعنى ويرجع في تقويمه إليه، قال: العقل الصحيح والفهم الثاقب. صحة العقل شرط لتقويم صحة المعاني، وقد عرفت أن أول باب شرف المعنى وصحته، والفهم الثاقب شرط لإدراك شرف المعاني. إذاً فالباب الأول الذي هو شرف المعنى وصحته، قال: العقل الصحيح هذا لصحة المعنى، والفهم الثاقب هذا لإدراك شرف المعنى. وذلك لأن ثقوب الفهم هو قدر فوق صحة العقل. وقوله العقل الثاقب أو الفهم الثاقب تشبيه للفهم القوي بآلة الثقب التي تنفذ في الأجسام، فكذلك صاحب الفهم الثاقب ينفذ في المعاني ليصل إلى الدقيق البعيد. وهذا المعنى هو عين تعريفهم الشاعر بأنه الذي يشعر بما لا تشعر به الناس.
قال: فاذا انعطف عليه جنبه القبول، أي إذا مال إليه وحدب عليه. وجنبه القبول كجنببتي الوادي، ناحيتاه وجانباه، هذا مثنى جنبه أو جنبه. وهذا مجاز، وهذا مجاز والمقصود هو أن لوعي الإنسان جانبان أو ناحيتان، جانب يعنى بالقبول الأصلي وهو صحة المعنى، خلاص، وجانب يعنى بالزيادة وهو ما فوق الصحة وهو جود الاختيار. فقوله القبول يريد به تحقيق صحة المعنى، وقوله الاصطفاء -لأنه قال ها قال: فاذا انعطف عليه جنبه القبول والاصطفاء- خلاص قوله الاصطفاء يريد به تحقيق حقيقة شرف المعنى. فالعقل الصحيح يقبل المعنى الصحيح، والفهم الثاقب ينفذ إلى المعنى الشريف. وأنبه هنا إلى فكرة اللغة والتسمية فأقول: لا بأس من تسمية القريحة هنا فهماً باعتبار أن الفهوم أنماط كذلك ومواهب، فالرسام يفهم في الرسم، والموسيقي يفهم في الموسيقى، والنحات يفهم في النحت. لا ضير في هذا التعبير ولا يعارض حقيقة كون الشعر موهبة في أصله.
قوله مستانساً بقرائنه أو مستانساً بقرائنه، لك أن تقوله لك أن تقول بصيغة الفاعل، أي انعطف على المعنى جنبه القبول حال كونه أي المعنى مستانساً بقرائنه، ولك أن تقول بصيغة المفعول، أي حال كون المعنى قد آستانسه قائله بقرائنه. والقرائن هنا القرائن هنا ما اقترن به. وأراد أن المعاني التي تقع مع المعنى الشريف هي كذلك تناسبه وتليق به؛ لأن المعنى الشريف الرفيع في ذاته ربما وقع مع غير قرائنه فذهب بهاؤه وقل بيانه أو انعدم، وهذا ما اخذوه على المتنبي، قالوا إنه تقول أو يأتي بالجوهرة مع البعرة، يأتي ببيت وبكلام رفيع عال ثم يأتي بكلام رديء نازل، فأبياته متفاوته جداً. وكذلك يحصل أحياناً مع أبي تمام، وهذا كان من الوجوه التي رجح بها الآمدي شعر البحتري على أبي تمام؛ أن الشعر المستوي أجود من الشعر غير المستوي الذي يتفاوت شديداً. نعم.
قال: فعيار المعنى أن يعرض على العقل الصحيح والفهم الثاقب، فاذا انعطف عليه جناب القبول والاصطفاء مستانساً بقرائنه خرج وافياً، وإلا انتقص بمقدار شوبه ووحشته. خرج وافياً، يعني خرج تاما كاملا، وإلا حصل فيه من النقص بحسب ما يشوبه من عدم القبول أو الاصطفاء وبحسب وحشته مع قرائنه، هل يستانس بالقرائن أم يستوحشها لشده التفاوت بحسب الإخلال بهذين ينقص هذا المعنى.
هل معنى وقت؟ لا ليس معنى وقت. فنكتفي يا إخوة، ونلتقي إن شاء الله يوم الخميس. شكرا لكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد