ولتعرف مواطئ أقدام المختارين فيما اختاروه، أي الذين ذكرهم من قبل في أنماط الاختيار. فمعرفة عمود الشعر تخبرك بما حصل عند أهل كل نمط من هذه الأنماط، مما وقفوا عنده أو زادوا عليه. فلو عرفت عمود الشعر الذي تكون صفته كذا وكذا وكذا، ثم رأيت هؤلاء الذين يختارون أبياتًا أو يختارون قصائد أو يختارون أنواعًا من الشعر، يستمرئونها ويستسيغونها، فإن عمود الشعر يعلمك بأحوال هؤلاء. وإن كان اختيارهم هذا اختيارًا موضوعيًا على أساس هذا العمود، أو كان اختيارًا غير موضوعي لمذاهب ولأهواء وانعطافات نفسية أخرى تباين عمود الشعر ولا تكون من جنسه. ولتعرف مواطئ أقدام المختارين فيما اختاروه ومراسم إقدام المزيفين على ما زيفوه.
المراسم هنا هي الوجوه التي رسموها لأنفسهم واتخذوها هاديًا إلى التزييف. وهذا عكس الاختيار في العبارة قبله. وإنما التزييف هو الحكم على نص بأنه زائف أي رديء، كالدرهم المغشوش يقال فيه زائف ويقال فيه زيف. فإذا زيفوا شعرًا، فأنت تعلم هنا ما هي المراسم التي بها أقدموا على هذا التزييف، سواء كان ذلك حقًا أو كان باطلًا. فعمود الشعر تعلم به: إن كان تزييف المزيف لأجل الإخلال بعمود الشعر الذي هو القطب المتفق عليه في البيان، أو كان لأجل ميله النفسي الخاص أو إلفه المستولي على نفسه. فإن للناس إلفًا وميولًا لا يشعرون بها في كثير من الأحيان، ويقدمون بها على تزييف ما لا يزيف، شعَروا بذلك أو لم يشعروا.
دعونا نقف على أمثلة من ذلك. من هذا أنك ترى الأستاذ الكبير الدكتور محمد أبو موسى حفظه الله تعالى وأطال عمره بالخير، لما جاء إلى أبيات النابغة الذبياني وذلك في كتابه الشعر الجاهلي دراسة في منازع الشعراء، لما جاء إلى أبيات النابغة الذبياني التي هي فيما أعلم أفحش شعر جاهلي قيل من داليته: أمن آل ميّءة رائح أو مغتدي؟ نعم. فجاء الشيخ إلى هذه الأبيات وغضب عندها، ووصفها بأنها لا شعر فيها، وإنما هي بذاء محض. وهذا ميل من الشيخ حفظه الله ورعاه وجزاه خيرًا مع ميوله الدينية والأخلاقية التي أثارت حفيظته تجاه هذه الأبيات، فعطفه ذلك عن أن يرى ما فيها من الفن، ووصفها بأنها بذاء محض. أمن آل ميّءة، أخطأت، أمن آل ميّءة، خلط عندي بعمر بن أبي ربيعة.
أرجع وأقول: وصفها الشيخ بأنها بذاء محض، وأنها لا فن فيها لشدة ما فيها من الإفحاش. والحق أن هذه الأبيات شديدة الإفحاش، ولكنها شعر رفيع. وإذا نفينا الشعرية عن هذه الأبيات، فلا شعر بعدها يثبت له أنه شعر. وإنما مال الشيخ كما قلت معه مع ما ينعطف إليه من أن الشعر يكون مصدرًا للأخلاق، وأنه يكون مصدرًا لعلو الهمة ومعالي الأمور وما يحاول الشيخ دائماً أن يحمل الشعر عليه، وهذه ليست وظيفة الشعر من حيث كونه شعراً. فهذا مثال على ذلك.
ومن هذا المثال كذلك هجوم البعض على شعر أبي تمام وعلى بعض شعر أبي الطيب المتنبي بحجة فساد الاعتقاد أو الديانة. وهذا أجاب عنه المدافعون من النقاد موضوعية عن أبي الطيب وعن أبي تمام، فقال أبو بكر الصولي: وما علمنا أن كفراً ينقص من شعر ولا أن إيماناً يزيد فيه. وقال القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني: ولكن الأمرين متباينان والدين بمعزل عن الشعر. قال الدين بمعزل عن الشعر، أي الأحكام والتقويمات الدينية بمعزل عن الحكم في الشعر من حيث كونه شعراً. فالتزييف الذي أقدم عليه هؤلاء ليس شيئًا يعتد به.
كذلك نرى بعض إخواننا يمتدحون كل شعر يقال في آل البيت عليهم السلام، ويجعلون ذلك بركة بذاته في الشعر، وكل شعر يقال في آل البيت هو بركة وجميل وعالي. ونرى بعضهم يحب الصوفية والمديح النبوي، فكل شعر فيه مديح نبوي جيد، وكل شعر في معاني الصوفية وطرائق الصوفية يعدونه جيدًا. هذا ميل وإقدام على التحسين هذه المرة، التحسين من غير الباب الذي ينبغي أن يققدم منه، ومن غير المراسم التي ينبغي أن تترسم في هذا الإقدام.
ومن أحكام الميل كذلك هنا أن نرى مثلًا من المعاصرين من يحكم لشاعر بأنه أشعر من شاعر آخر؛ لأن الشاعر الذي حكم له مثقف ودرس ثقافة اليونان وتوسع في كذا ووضع الشعر المسرحية وكذا، كما فعل الداعية صالح المغامسي في ترجيح شوقي على المتنبي لما قال إن شوقي أشعر من المتنبي. وكذلك لما تكلم أحد أهل العلم من المعاصرين من بلاد المغرب وهو الشيخ سعيد الكملي، وقال إنه تعجب في مجلسه من تقديم الناس -ولا شك أنه يقصد هنا أهل العلم بالنقد- معلقة امرئ القيس على معلقة عنترة، قال: على ما في معلقة عنترة من كريم الأخلاق والفروسية وكذا، وما في معلقة امرئ القيس من المجون والمعاني التي لا نحمدها. فهذا كذلك إقدام على التزييف بغير المراسم التي ينبغي أن تترسم في التزييف في باب الشعر.
وهذا الكلام كله قديم وحديث، والشواهد عليه كثيرة. وهو المرزوقي يرى أن هناك من يقدم على التزييف من غير هذا الباب وهو في القرن الرابع والخامس. فهو يرى من يقدم على التزييف من غير الباب الذي يحصل به التزييف ويكون معتبرا. فهذا الكلام قديم وحديث، بل قديم جداً أن يحكم في الشعر بالأهواء. ومثاله كذلك تزييف ابن قتيبة لأبيات كثير عزة: ولما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح، إلى آخر الأبيات الثلاثة. فهذا تزييف من غير باب التزييف؛ لأنه نظر إلى النفعية في المعنى وقال: لو نثرنا المعنى ما وجدنا وراءه شيء. والسؤال الذي يطرح هنا أو يقال هنا: ومن قال إن الشعر ينثر؟ الشعر قيمته في أن يبقى منظوماً على الهيئة التي أرادها الشاعر. من قال إننا نعطي المعنى مستقلاً منثوراً قيمة شعرية؟ هذا تناقض. قيمته الشعرية تكون وهو شعر. إذا حللته من الشعر ونثرته خرجت من الحكم في الشعر، خرجت بالضرورة من الحكم في الشعر، وصار حكمك خارجاً عن حكم الشعر. فلماذا تحكم على شعر بمعنىً نثرته؟ وصلت إليه عن طريق النثر. لماذا تحكم على شعر بمعنىً حصلت عليه من منثور لا من الشعر؟ احكم على الشعر أو على الشعر من معنىً في صورة الشعر، هذا هو.
وهنا أظل أذكر بقاعدة عبد القاهر في هذا التي قالها في دلائل الإعجاز صفحة 254. وهذه قاعدة سأظل أذكركم وأعيدكم إليها لشدة أهميتها.
نعم، قال: ومراسم مواطئ أقدام المختارين فيما اختاروه ومراسم أقدام المزيفين على ما زيفوا. ثم قال: ويعلم أيضا فرق ما بين المصنوع والمطبوع. سيكون هناك إن شاء الله تعالى بيان واف لقضية المطبوع والمصنوع في موضعها من هذه المقدمة، في موضعها من التفصيل في هذه المقدمة. ولكن يحسن هنا أن أنبه أن للشيخ الطاهر بن عاشور في هذا الموضوع كلاما ينبغي أن نقف على ما فيه، وأن نبين حظه من الإصابة أو عدمها. لأن في كلام الشيخ الطاهر رحمه الله هنا خطأ مشهور صريح في أصول صناعة الشعر ينبغي الحذر من استقراره في نفوس المتلقين، وذلك حول تفسيره للمصنوع والمطبوع. سنقرأ إن شاء الله تعالى كلام الشيخ، ثم ننظر في حال هذا الكلام وهذا الرأي الذي أبداه الشيخ رحمه الله بعرضه على حقيقة هذا الأمر في كلام نقاد الشعر أنفسهم، وعلى سائر الشواهد الفنية الأصولية في صناعة الشعر.
يقول الشيخ رحمه الله في صفحة 103: قال المصنوع هو الشعر الذي أدخل فيه ما يسمى عند أهل الفن بالصنعة، وهي التهذيب والتنقيح للشعر. قال: وهي التهذيب والتنقيح للشعر وإبداع المحاسن البديعية واللطائف اللفظية. فإذا قارن بين التنقيح للشعر والتهذيب وبين الإبداع بالمحاسن البديعية واللطائف اللفظية، فكان علم أصحابه -انظروا وهذا مهم جداً- مكتسبا بالصنعة، أي أن يعمدوا إلى القواعد والنكت وصور الأمثلة التي تلقوها بالتعلم فيراعونها في منشآتهم بالتروي والتثقيف، فييكون شعرهم كالشيء المصنوع باليد. وقد يقع بعض ذلك عفواً بدون تعمد ولا تكلف، وهو الغالب من شعر المولدين. قال ابن رشيق: أشهر الشعر في المصنوع أو أشهر الشعراء في المصنوع ابن المعتز.
نأخذ من هذا الكلام أن الشيخ يعد في الشعر المصنوع الشعر الذي يهذب وينقح، ويصف أصحاب هذا الشعر أنهم تلقوه بالتعلم، يعني أنهم تعلموا أصول الشعر وأصول الصنعة، فهؤلاء الذين تعلموا الشعر شعرهم مصنوع على رأي الشيخ أو على مذهب الشيخ وعلى تصوره. ثم قال: والمطبوع هو الشعر الذي يصدر عن الشاعر بالسجية والطبيعة الناشئة عن تدربه بسماع أشعار البلغاء واندفاع طبيعته لمحاكاة أشعارهم، حتى يصير الشعر البليغ له كالطبع فلا يصرف فيه تعمق روية ولا معاودة تنقيح وتثقيف.
نأخذ من هذه القطعة أن الشيخ يؤكد على أن التثقيف والتهذيب والتنقيح والروية هي صفة الشعر المصنوع، وأن الشاعر المطبوع لا يراجع شعره ولا ينقحه ولا يهذبه. ونستفيد كذلك من كلامه عن الاندفاع وأنه يتكلم بالسجية والطبيعة أنه يريد الأشعار التي تنشد بسرعة على وجه الارتجال أو على وجه البديهة على أقصى حد، وأن ذلك هو حد هذا الشعر لأنه نفى عنه الروية، قال: فلا يصرف فيه تعمق روية. هذا هو تصور الشيخ رحمه الله في هذه المسألة.
وهذا الكلام خلط كبير وخطأ عظيم وتصور مغلوط شائع. كلام الشيخ هنا مؤسس على تصور شائع عند غير المحققين في علم الشعر، وهو أن الشعر المطبوع هو الشعر المرتجل الذي لا ينقح ولا يراجع، وإنما يخرج أول مرة ويظل على هيئته لا يراجع. مرة أخرى: كلام الشيخ هنا مؤسس على تصور شائع عند غير المحققين في علم الشعر، وهو أن الشعر المطبوع هو الشعر المرتجل الذي لا ينقح ولا يراجع، وإنما يخرج أول مرة ويظل على هيئته، وأن الشعر المصنوع هو الشعر الذي قام صاحبه على تنقيحه، وأن الشعر المصنوع هو الشعر الذي تعلم صاحبه أصول العلم وصار يحاكيها ويصنع على أساسها، وأما المطبوع فهو الذي لم يتعلم صاحبه علم الشعر، وإنما ظل يسمع كلام البلغاء ثم صار يرتجل الكلام الجيد.
وهذا خطأ كبير تضافرت الشواهد على بطلانه. وهاكم بعض الشواهد: الشاهد الأول أن هذا الكلام فيه غفلة عن قاعدة في الشعر، وهي أنه يوصف بكونه قريضًا ويقابل بالرجز. فنرى الدارج في كلام أهل العلم من القدماء أن يقولوا القريض والرجز، يريدون بالقريض ما يرادف الشعر وهو القصائد المعروفة التي تنظم على مثل بحر الطويل وبحر البسيط وبحر الوافر وبحر الكامل، ويريدون بالرجز ما يرتجز ويرتجل. وجعلوا القريض مقابلًا للرجز؛ لأن القريض هو من قرد الكلام، ومعنى قرد الكلام قطعه والأخذ منه شيئًا فشيئًا، فيقال في القصيدة العظيمة على بحر الطويل أو البسيط أو الوافر أو الكامل يقال هذه من القريض، وفلان يقرض الشعر يعني أنه يقتطع الكلام ويكونّه ليبني منه قصيدته، وهذا يكون بقرد الكلام أو بالقرد من الكلام شيئًا فشيئًا. فسمي الكلام هنا قريضًا، ويقابله الرجز. والقدماء كانوا يطلقون الرجز كذلك على البحور القصيرة المجزوءة، لا على خصوص بحر الرجز أو الوزن المسمى بالرجز الذي أصله مستفعلن مستفعلن مستفعلن، مع ما يدخله من زحافات وأشياء كثيرة تركبه ويركبها.
وسمي الرجز لما فيه من ارتجاز وسرعة وحركة واضطراب. وعرف بالارتجال به سواء خصوص ما يعرف ببحر الرجز، أو على اصطلاح القدماء البحور القصيرة. ولهذا تقرأون في كتب السنة النبوية والتاريخ الإسلامي القديم في الحروب أن النساء خرجت ترتجز، خرجت ترتجز تقول الرجز، خرجت ترتجز أي ترتجل الكلام على البحور القصيرة السهلة.
ولهذا أيضًا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، فإنه على الرغم من أنه تكلم بوزن مضطرد، لم يعارض ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]، وأنه صلى الله عليه وسلم منعه الله تعالى قريحة الشاعر؛ لأن الذي قاله لا يعده العرب شعرًا أو قريضا، وإنما هو ارتجاز يقدر عليه كل عربي، بل تقدر عليه النساء من العرب إذ يرقصون أولادهم بالمرقصات يرتجلن الكلام على الأوزان، فهذا لا يسمى شعرًا.
وإنما الذي يسمى الشعر ما يرادفه القريض الذي هو قرض الكلام، وقرض الكلام يقتضي أن يكون الكلام متروىً في صناعته، فالمعنى في لفظ القريض يلزم منه أن يتروى في الصناعة، فهذا هو الشعر المعتبر كان مطبوعًا أو كان مصنوعًا. فالطبع والصنعة صفتان للكلام، سنتحدث عنهما إن شاء الله تعالى في موضعهما.
وهذا يقودنا إلى وأه قبل ذلك، إذا تأملتم قوله المزرد بن ضرار يصف شعر نفسه فيقول، أو يصف قصائد نفسه فيقول: تكرر فلا تزداد إلا استنارةً، إذا رازت الشعر الشفاه العوامل. أي أن الشعر تختبر فيه الشفاه العوامل، يختبر بالشفاه العوامل يراز بالشفاه العوامل أي يختبر. وهذا يقودنا إلى الشاهد الثاني.
الشاهد الثاني هو أن الإمام عبد القاهر يقرر أن الشعر الجيد الذي تطيل تأمله هو الشعر الذي أخذ مثل هذا التأمل في صناعته من الشاعر، وهذا شأن الشعر الجيد كله مطبوعًا كان أو مصنوعًا. إذا رجعنا إلى كتابه أسرار البلاغة صفحة 145، كتاب أسرار البلاغة لعبد القاهر صفحة 145، وجدناه يقول في الفكرة الخامسة بعد المائة والعشرين:
هذا وإن توقفت في حاجتك أيها السامع للمعنى إلى الفكر في تحصيله، فهل تشك في أن الشاعر الذي أداه إليك ونشر بزّه لديك قد تحمل فيه المشقة الشديدة، وقطع إليه الشقة البعيدة، وأنه لم يصل إلى درّه حتى غاص، ولم ينل المطلوب حتى كابد منه الامتناع والاعتياص؟ ومعلوم أن الشيء إذا علم أنه لم ينل في أصله إلا بعد التعب، ولم يدرك إلا باحتمال النصب، كان للعلم بذلك من أمره من الدعاء إلى تعظيمه وأخذ الناس بتفخيمه ما يكون لمباشرة الجهد فيه وملاقاة الكرب دونها.
فالإمام عبد القاهر يقول لك: الشعر العالي البليغ لا تشك في أن صاحبه بذل مثل هذا الجهد أو أكثر حتى يصنعه من التأمل في الألفاظ والمعاني كل شيء. فهذا الشاهد الثاني على بطلان ما صرح به الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله واستخلصناه من كلامه.
الشاهد الثالث أنه قد اجتمعت كلمة علماء الشعر على أن الشعر من حيث كونه شعرًا دون تخصيص مطبوع أو مصنوع هو صناعة كسائر الصناعات، وتزداد الصناعة كلما علا الشعر، سواء كان مصنوعًا أو كان مطبوعًا. صرح بذلك محمد بن سلام الجمحي في كتاب طبقات فحول الشعراء في الصفحة الخامسة فيقول: وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات، يقول: وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات، فالشعر كله علم. فهذا ينقض ما قاله الشيخ أن المطبوع لا يتعلم، الشعر الجيد كله علم.
الشاهد الرابع أو هذا يقودنا هذا الشاهد الثالث يقودنا إلى الشاهد الرابع، وهو أن نتعلم الشعر ومراعاة أصوله وقواعده اتفق أهل العلم على أنها شرط وضرورة للشعراء جميعًا من حيث كونهم شعراء. الشاهد الرابع: أن نتعلم الشعر ومراعاة أصوله وقواعده الصناعية اتفق أهل العلم على أنها شرط وضرورة للشعراء جميعًا من حيث كونهم شعراء.
ولهذا نرى ابن رشيق في كتاب العمدة يذم طائفة من الشعراء وذلك في الجزء الثالث صفحة 719 تحت باب التضمين والإجازة، نراه يذم طائفة من الشعراء بعدم التعلم يقول: وهذا باب يختلط على كثير من الشعراء ممن له ثقوب في العلم يعني نفاذ في العلم ولا حذق بالصناعة، كجماعة ممن وسم في بلدنا بالمعرفة ونسب إليها مكذوبًا عليه فيها كاذبًا فيما ادعاه منها. إذاً يؤكد على الثقوب أي النفاذ في العلم، وعلى الحذق بالصناعة، ويذم جماعة في البلد سمت بالمعرفة وهي ليست كذلك وهو يقصد جماعة الشعراء.
فابن رشيق الآن يذم جماعة من الشعراء لم تتعلم، لأن الأصل أن يتعلم الشعراء علم الشعر، ونراهم اجتمعت كلمتهم على أن الشاعر يحتاج إلى القريحة وإلى الرواية وهي العلم وإلى الدربة، والرواية لا تقف على فقط التلقي وإنما هي علم ودرس، وقد عرفنا كيف أو وجدنا من تاريخ الشعراء كيف أن بعضهم كان يعلم بعضًا، فالعلم شرط للشاعر من حيث كونه شاعرًا.
الشاهد الخامس كلام صريح قاطع في فك الجهة بين الطبع والارتجال وعدم التروي والمراجعة، وهو كلام لحازم القرطاجني. قال كلامًا خطيرًا جدًا وصريحًا، وله عدة مواضع سنبدأ بالقاطع منها الصريح أولًا، وذلك في كتاب منهاج البلغاء صفحة 192 يقول: ومن أصحاب الروية الروية التي أنكرها الشيخ الطاهر بن عاشور من يجهد في استجداد العبارات والتأنق فيها من جهة الوضع والترتيب، ومنهم من لا يستجد ولا يتأنق، ومنهم من يستجد العبارة دون المعنى أو المعنى دون العبارة، ومن يتأنق في العبارة دون المعنى أو المعنى دون العبارة.
ثم يقول: فأما من لا يستجد ولا يتأنق فيه فليس يصدر عن مطبوع براوية، فانظر كيف صرح بأن الشاعر مطبوع بالراوية، بل صرح بأن الشاعر المطبوع هنا المتراوي هو مطبوع براوية يعني طبعه الراوية. فأما من لا يستجد ومعنى يستجد يعني يخلق المعنى خلقًا جديدًا لا أنه يحاكي عبارات أو جمل السابقين، ومعنى التأنق أن يطلب الغاية القصوى من الإبداع في وضع بعض أجزاء العبارات والمعاني من بعض وتحسين هيئات الكلام في جميع ذلك، هذا كلام القرطاجني.
قال: الاستجداد هو الجهد في ألا يواطئ من قبله في مجموع عبارة أو جملة معنى، يعني تبدع إبداعًا جديدًا قويًا ولكن تتأنق فيه، أن تطلب الغاية القصوى من الإبداع في وضع بعض، يعني تبدع في شرف المعنى وفي النظم. فمن لا يستجد يحاكي القدماء ولا يتأنق يبقي يأتي بالكلام هكذا بنجوة قريبة، فهذا ليس يصدر عن مطبوع براوية، هذا الفعل هذا الوصف هذا الصنيع لا يصدر عن مطبوع براوية في أي شيء يتروى.
فانظر كيف وصف الشاعر بالمطبوع وبالروية في آن، فهذا كلام قاطع في فك الجهة بين الطبع والارتجال وعدم التروي والمراجعة. هذا هو، فالطبع لا يعني أنك ترتجل، بل تكون مترويًا، منقحًا، مهذبًا، مطبوعًا، بل يا تكون غايتك أن ترجع النص إلى الطبيعي أو الطبع.
وقد نبه الدكتور محمد مندور في كتابه النقد المنهجي عند العرب إلى هذه المسألة لما أخذ على بعض القدماء تصورهم بأن الطبع هو الارتجال، وأن الكلام يكون مطبوعًا إذا ارتجل، قال: بل على العكس، أكثر الكلام الذي يرتجل يكون متكلفًا لأنك تريد أن تسرع إلى إخراجه، وربما تقوم على تنقيحه لتوافق به الطبع ويكون سليمًا صحيحًا بعيدًا من التكلف والتعمل والحشو، هنا يكون الكلام مطبوعًا بعد المراجعة والتهذيب فأنت تخرجه متكلفًا ثم تراجعه وتهذبه ليعود إلى الطبع ليعود إلى الطبع. رأيتم هذه القضية؟ قضية خطيرة ومهمة جدا.
وهنا كلام آخر للطاهر بن عاشور رائع جدا أيها الإخوة وطريف ويحسن أن يلطف به السياق العلمي الجاد. يقول القرطاجني في صفحة 189، هذا كلام القرطاجني في منهاج البلغاء صفحة 189 يقول: والعوام ومن جرى مجراهم ممن لم يحلى من هذه الصناعة بطائل يغلط في هذا. اسمع العبارة: والعوام ومن جرى مجراهم ممن لم يحلى من هذه الصناعة بطائل يغلط في هذا، فينسبون سرعة الخاطر إلى الشاعر فيما لا يجب فيه أن ينسب إلى السرعة، وينسبون إليه الإبطاء فيما لا يجب فيه أن ينسب إليه بطء.
فالقرطاجني هنا يقرر أن العوام تأتي إلى أمور الشاعر يبطئ فيها جدًا تحسب أنه ارتجلها، وتأتي إلى أمور كالوزن والقافية واختيار ألفاظ مناسبة تحسب أن الشاعر تروى فيها واجتهد والشاعر لم يعبأ بها أصلًا، جاءت تابعة لعمله الآخر العويص. ثم ضرب مثلًا طريفًا على هذا قال: ومن هذا ما حكي أن أبا العتاهية ومن ذلك ومن هذا ما حكي أن أبا العتاهية قال لشاعر كان قدم مع المأمون من خراسان: في كم تصنع القصيدة؟ فقال له: قد أصنع القصيدة تبلغ ثلاثين بيتًا في شهر.
الشاعر الذي قدم من خراسان مع المأمون لما سأله أبو العتاهية في كم تصنع القصيدة؟ فقال: قد أصنع القصيدة تبلغ ثلاثين بيتًا في شهر. فقال أبو العتاهية: أما إني لأملي على الجارية من ليلة خمسمائة بيت، خمسمائة بيت، أما إني لأملي على الجارية من ليلة خمسمائة بيت. فقال له الخراساني: أما مثل قولك ألا يا عتبة الساعة أموت الساعة الساعة فإني أملي منه ألف بيت إذا شئت، فإني أملي منه ألف بيت إذا شئت. فانقطع أبو العتاهية وضحك الحاضرون منه، قال: أما مثل قولك ألا يا عتبة الساعة ألا يا عتبة الساعة أموت الساعة الساعة فإني أملي منه ألف بيت إذا شئت. فانقطع أبو العتاهية وضحك الحاضرون منه.
معذرة إلى أي موضع انقطع ربما أسند الكتاب كتبي ثقيلة يعني لأني أجلدها بالجلد الطبيعي وأطبعها على ورق ثقيل ليتحمل كتاباتي الكثيرة يعني. ها، إلى أين وصلنا؟ سمعتموني بسرعة يا إخوة. يقول: أما مثل قولك ألا يا عتبة الساعة أموت الساعة الساعة فإني أملي منه ألف بيت إذا شئت، فانقطع أبو العتاهية وضحك الحاضرون منه.
أقول هنا انظروا كيف استسفه يقال سريعًا ثلاثمائة بيت وألف بيت، والشيخ الطاهر بن عاشور هنا في كلامه الذي قرأناه يقول: يجيد إجادة البليغ إذا ارتجل الكلام أو إذا اندفع في الكلام بسرعة. وهذا خلاف الحقيقة والطبيعة التي يعرفها أهل العلم بالشعر، بل يعرفها غيرهم، فنقاد الكلام وأهل العلم بالشعر يعلمون أن القصائد التي يتروى فيها لا تصنع بسرعة، يعلمون أن القصائد التي يتروى فيها لا تصنع بسرعة، ويذمون ما يقال ثلاثمائة بيت في ليلة وألف بيت في ويفرقون بين هذا وبين الشعر الذي يصنع على الأقل أن يصنع ثلاثين بيتًا في الشهر، وهذا الشاعر مجهول يعني ليس من نجوم الشعراء الذين نعرفهم، بل ذكروا أنه شاعر قدم مع المأمون من خراسان فلم نعرف شعره قربه من بعده من بلاغته، مع ذلك يقول ثلاثين بيتًا في الشهر يعني بيت في اليوم أو يكتب ثلاثين وينقح، ومع ذلك سخر من صاحب الثلاثمائة وقال: لو شئت من هذا النوع أقول ألف بيت في كل ليلة لو شئت.
وفي هذا المعنى يقول القرطاجني نفسه صفحة 192: فإن العبارة إذا استجدت مادتها وتأنق الناظم في تحسين الهيئة التأليفية فيها وقعت من النفوس أحسن موقع. ويقول قبل ذلك في الشاعر الذي ينقح: وقد يعاود النظر في ذلك المرات العديدة فلا يتيسر له ما يريده إلا بعد معاودات كثيرة، قد تطرأ عليه معاودة النظر كذا، هناك طبعا سقط في الكلام، وربما كان ملتف كان غير ملتفت إلى إصلاح ذلك الخلل ونشأ مع فكره كذا إعمال خاطر في ذلك فيغتنم الفرصة إذ ذاك وشأن الخواطر في هذا عجيب.
شوف يعني يقول: وبعد استقصاء وجوه المباحث في هذه المواطن الأربعة وكمال انتظام القصيدة المروة سماها القصيدة المروة، تفضل يا ولد. قد يعرضها الناظم على نفسه فيظهر له بعرضها أمور كانت قد خفيت عنه من إلحاقات وإبدالات وتغييرات وحذف، وقد يعرض للشاعر موضع يرى أنه خليق بالتغيير أو الزيادة فيتعذر عليه ما يليق بالموضع من التغيير أو الزيادة فيرجئ النظر فيه إلى وقت آخر، وقد يعاود النظر في ذلك المرات الكثيرة فلا يتيسر له ما يريد إلا بعد معاودات كثيرة إلى آخر الكلام.
هذا هو الشعر الذي هو القريض، الذي هو القريض. وكلام الشيخ هنا ظاهر الغلط؛ لأنه يرى أن المطبوع يحسن في الاندفاع بالكلام ما يحسنه المتروي، وهذا خلاف ما يعرفه أهل العلم من أن القصائد التي ترتجل وتترك على ارتجالها دون تنقيح وتهذيب ومراجعة كما صرح الشيخ لا تكون كالقصائد التي يتروى فيها والتي هي قريض البيان، والتي تكر فلا تزداد إلا استنارة إذا رازت الشعر شفاه العوام.
ثم في كلام الشيخ هذا الشاهد السادس والأخير في كلام الشيخ أنه يعني في كلام الشيخ أن ذلك يلزم منه أن المطبوع لا يكون عميق المعاني، وإنما هو القريب السطحي الذي لا يستغرق قائله وقتًا في صناعته لأنه يحضره على صدره وذهنه فيتكلم به ارتجالًا، وفيه أن المصنوع هو الذي يحصل به عمق المعاني، هذا يلزم منه.
وإن كان الشيخ صرح بأن المطبوع يوازي المصنوع في العمق، وهذا خلاف الحقيقة كما عرفنا. ففيه أن المصنوع هو الذي يحصل به عمق المعاني، والواقع خلاف ذلك. فمن الذي يوصف بالمطبوع؟ ما هو عميق يقطع بالتروي فيه، كما نجد في قصيدة أبي ذؤيب الهذلي والشماخ ابن ضرار، قصيدتان جاهليتان ومطبوعتان وبلاغتهما عميقة.
ومن الذي يوصف بالمصنوع؟ ما هو سطحي تافه ككثير من أشعار المتأخرين من العصر المملوكي والعصر العثماني. وحسبكم جماعات القرن التاسع عشر، نظم جماعات القرن التاسع عشر في مصر قبل نهضة البارودي. ونرجع إلى سياقنا، وأما الكلام في المطبوع والمصنوع فكما قلت يأتي في موقعه إن شاء الله.
ونرجع الآن إلى سياقنا: لماذا ذكر أن المطبوع يميز من المصنوع من طريق عمود الشعر؟ لأن المطبوع والمصنوع جميعا ينبغي أن يؤولا إلى تحقيق الغاية التي يطلبها عمود الشعر، ولأن للمصنوع صفات زائدة يقصد إليها الشاعر فيحسن أو يسيء. وعمود الشعر صرفا هو أقرب إلى المطبوع، وما زاد فبحسبه وبحاله من الإحسان أو عدمه. ويأتي ذلك تفصيلا في موضعه إن شاء الله.
قال: ويعلم أيضا فرق ما بين المطبوع والمصنوع، وفضيلة الأتي السمح على الأبي الصعب. يعني يعلم فضيلة الأتي السمح من الشعر على الأبي الصعب، أيضا هذا مما يعرف من خلال عمود الشعر؛ لأن عمود الشعر يقف بشروطه وأبوابه عند الأتي السمح، وليس فيه من الشروط ما يعطف بالشاعر إلى تكلف الزيادة بل يرفضها كما سنعلم.
فإذا ألفنا النص على درجة من التعمل والتكلف كان ذلك زيادة على ما طلبه عمود الشعر. وهذا يعني أن عمود الشعر يكشف للجاهلين أن التكلف، أن الشعر ليس هو أن تتكلف وأن تتقعر التراكيب والدلالات كما يظنون، نعم. قال: وفضيلة الأتي السمح على الأبي الصعب، فنقول وبالله التوفيق: إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف.
ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال وشوارد الأبيات، والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما. فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها معيار.
مرة أخرى، فنقول وبالله التوفيق: إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، هذا أول باب. وجزالة اللفظ واستقامته، هذا الباب الثاني. والإصابة في الوصف، هذا الباب الثالث. قال: ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال وشوارد الأبيات، والمقاربة في التشبيه، هذا الباب الرابع.
والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، هذا الباب الخامس، كامل هذا كله باب واحد. ومناسبة المستعار منه للمستعار له، الباب السادس. ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما، هذا الباب السابع بتمامه. فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها معيار.
نلاحظ من هذه الفقرة التي قرأتها الآن التي أجمل فيها عمود الشعر أمورا. الأمر الأول: أن الوزن داخل في عمود الشعر بالبداهة؛ لأنه تكلم عن تخير لذيذ الوزن وانسجام ذلك مع التركيب، وهذا إيحاء وإشارة بكون الوزن مقررا وركنيا في الشعر. لم يقل وأن يكون موزونا، بل تكلم على صفة الوزن، وتكلم على أن الشعر لا يمكن أن ينفك عن الوزن، وهذا هو شعر العرب. فلا قصيدة نثرية ولا باذنجانية، خلاص؟
قل هذا نثر جميل لو أحسنته، لكن لن يكون قصيدة بحال من الأحوال. وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله، سأوفي هذا الأمر وأستفيض فيه بما يرضي الدارس الذي غايته الاستقصاء إن شاء الله، إن شاء الله.
الأمر الثاني الذي نلاحظه: أن شرف المعنى هو أول هذه الأبواب؛ وذلك أنه أصل الأصول، فما يأتي بعده من جزالة اللفظ واستقامته إلى آخر الأبواب يرجع إلى هذا الشرط، وكل عمود الشعر يقوم عليه. وسيأتي الحديث عنه تفصيلا في موضعه إن شاء الله.
الأمر الثالث: نلاحظ أن عمود الشعر خرج به، سنلاحظ أن أبواب عمود الشعر خرج بها الميل الخاص إلى وجوه الطبقة الثانية والطبقة الثالثة والطبقة والرابعة. الطبقة الثانية هي التي رعت أمورا مثل تلطيف المطلع، وتتميم المقطع، وإحسان الفصل والوصل أو الفصول والوصول، أحسن الفصول والوصول إلى والتسهيم والتصدير.
التسهيم وهو دلالة الموارد على المصادر، والتصدير الذي هو رد الأعجاز على الصدور أو رد الأواخر على الأوائل. سنلاحظ أن هذه الأبواب لم تذكر في عمود الشعر، وكذلك صفات الطبقة الثانية من الطباق والتجنيس والتورية إلى آخر أبواب البديع لم تذكر في عمود الشعر، ولم يرفضها عمود الشعر، لكن ليست جسم عمود الشعر.
وسنلاحظ أن إجادة المعنى في ذاته ليست في عمود الشعر؛ لأنه سيتبين لنا بالقطع دون خلاف أن المراد من شرف المعنى هنا هو علو المعنى، وليس علو المعنى من جهة الفن، وليس علو المعنى من جهة التقويم الديني أو التقويم الأخلاقي أو التقويم الإنساني أو الجمهوري. فنرى أهل الطبقة الرابعة الذين يميلون إلى المعنى في ذاته ويجعلونه، يجعلون حظه كاللفظ أو أعلى من اللفظ كما عرفنا، لم يعتبروا في عمود الشعر. وأيضا لم يرفضهم عمود الشعر، لكن ليسوا الأصل فيه، ليسوا جسمه ومادته، ولكن لا يرفضهم عمود الشعر.
يعني عمود الشعر لا يرفض أن يكون المعنى نبيلا دينيا أو أخلاقيا أو بأي معيار آخر، لكن له شروطه حتى يقبله شعرا. رأيتم كيف أن المسألة خطيرة ومهمة، وأن مثل هذا الشرح مهم جدا لكم في تفنيد الأمور وفهم القضية على صورتها؟ لا نحارب المعاني الشريفة دينيا أو أخلاقيا، ولكن لا نكتفي بها شعرا. عمود الشعر لا يرفض المعاني الحسنة في ذاتها، أي في حالة تجريدها، ولكنه يكيفها على شروطه، يكيفها على شروطه.
فنلاحظ هنا أن الوجوه أو الصفات المذكورة في أهل الطبقة الثانية والثالثة والرابعة خرجت بعمود الشعر، في حين أن أوصاف الطبقة الأولى داخلة بتمامها في صلب عمود الشعر. في حين أن أوصاف الطبقة الأولى داخلة بتمامها في صلب عمود الشعر. وهذا يدل على أن الطبقة الأولى هي طبقة القدماء. هذا يؤيد ويعضد أن أهل الطبقة الأولى هي طبقة القدماء من الجاهليين والإسلاميين كما ذكرت لكم، وأن الطبقات التي أتت بعد ذلك هي طبقات المولدين على تفاوت طبقاتهم ومذاهبهم ومراتبهم في أخذ البديع.
فلا يفوتنكم هنا أن عمود الشعر صادق بالأصالة على الطبقة الأولى، ولا يرفض صفات الطبقات الأخرى لكن على شرطه. مرة أخرى، لا يفوتنكم هنا أن عمود الشعر صادق بالأصالة على الطبقة الأولى من الاختيار، ولا يرفض صفات الطبقات التالية؛ الثانية والثالثة والرابعة، لكن على شرطه. ولذلك قال المرزوقي أن عمود الشعر هو المرجع.
فإذا كان هذا يحب المعاني، وكان هذا يحب البديع، وكان هذا يحب الأمور المتعلقة ببناء القصيدة، وكان هذا يحب الشعر مجردا كشأن القدماء، فهذه الاختلافات لا تصح لأنها ميول. لا تصح معيارا، هذه المذاهب لا تصح معيارا، فنرجع إلى عمود الشعر. فصاحب البديع يقبل في عمود الشعر بشرط أن يحققه، وصاحب المعاني يقبل في عمود الشعر بشرط أن يحققه، والقدماء عمود الشعر صادر عنهم أصلا.
وسيدلكم على ذلك ما سنبدأ به في المحاضرة القادمة، يعني ما سنذكره بعد إن شاء الله. يدلكم على ذلك ما سنذكره بعد إن شاء الله من أصول عمود الشعر التي سبقت المرزوقية ونضجت عند المرزوقي. فقد كانوا يذكرونها في حق القدماء، سنرى كلاما للأمدي، ونرى كلاما للقاضي الجرجاني. الأمدي والقاضي الجرجاني هو أصل عمود الشعر، ويذكرونه في حق القدماء، ويذكرونه في حق القدماء.
فعمود الشعر صادق على القدماء ابتداء، والزيادات غير مرفوضة بشرط أن يتحقق عمود الشعر. فمن أراد أن يكون تماميا فليكن، من أراد أن يكون نواسيا فليكن، من أراد أن يكون كالمتأخرين فليكن. المهم عند الناقد أن تحقق له عمود الشعر، بعد ذلك لك هواك. فهمتم الآن كيف تكون القضية؟ الآن الأمور رتبت صح؟ رتبت معكم.
إذا لما رفض أبو قيس ما يسمعه في المناسبات والهتافات والشعارات والأناشيد الطفولية التي يسمونها شعرا، ليس صحيحا ما أشاعوه من أن أبا قيس يرفض هذا لأنه شعر حديث، أو لأنه شعر نأتي فيه بالبديع، أو لأنه شعر يستعمل المفردات الحديثة وهو لا يعجبه هذا، وإنما رفضت هذا لأنه لم يحقق عمود الشعر ولم يبني فيه حجرا واحدا، ولم يبني فيه حجرا واحدا. والدليل على ذلك أنني ممن يشغف ببائية ابن خفاجة الأندلسي، أنا أشغف بهذه البائية: بعيشك هل تدري أهوج الجنائب تخب برحلي أم ظهور النجائب؟ فما لحت في أولى المشارق كوكبا فأشرقت حتى جبت أخرى المغارب.
أنا شغوف بهذه القصيدة، ومع ذلك كل بيت منها شحن بالبديع. أنا أحب هذه القصيدة جدا، وأفضلها على كل شعر ابن زيدون، ومع ذلك ومع ذلك كل بيت فيها شحن بالبديع. لماذا؟ حققت عمود الشعر، حققت عمود الشعر. فليس كما يقولون أبو قيس يرفض شعرنا لأنه يحمل روح العصر ولا لروح العصر ولا لروح المغرب ولا روح ولا روح أي حاجة، خلاص؟ وإنما لأنه لم يحقق عمود الشعر، لم يحقق عمود الشعر، نعم.
الأمر الرابع: نلاحظ أن هذه أبواب تقوم على استقلال النص. وانتبهوا هذا خطير، وانتبهوا هذا خطير، لو فهمتموه عرفتم أين يدرس الشعر؟ نلاحظ أن هذه الأبواب تقوم على استقلال النص. نلاحظ أن أبواب عمود الشعر المذكورة تقوم على استقلال النص بالعمل، ولن يكون لتدوينها إذا لم تفد استقلال النص في أداء وظيفته البيانية، لن يكون لتدوينها معنى إذا لم تفد استقلال النص في أداء وظيفته البيانية.
وهذا شيء أدركه القدماء جيدا، وهذا شيء أدركه القدماء جيدا. من هؤلاء الآمدي، في كتاب الموازنة في الجزء الأول من كتاب الموازنة، صفحة 179 و180. جاء في نقاش، في مفاوضة ومحاورة له: وقلت له، يقول الآمدي، اسمعوا واستمتعوا، ها. مستعدون للمتعة يا إخوة؟ مستعدون للمتعة ولا لا؟ ها؟ مستعدون للمتعة؟ اسمع.
هذا الآمدي المتوفى عام 370 من الهجرة، القرن الرابع. هذا الآمدي صاحب الموازنة، أبو القاسم بن بشر الآمدي من أروع النقاد، والله. ها؟ استمتع بكلام الناقد، لأنهم يصفوننا بالتشدد لما نتكلم هكذا، ولما نشرت هذه الشروط. يقول في محاورة يذكرها: وقلت له، ها؟ وكيف يعلم أنهم أغنياء وليس في ظاهر لفظ البيت دليل عليه؟ الآمدي الناقد يقول هكذا، الناقد يتكلم، لسنا بدعا يا إخوة.
وكيف يعلم أنهم أغنياء وليس في ظاهر لفظ البيت دليل عليه؟ يعني أنت تقول أنهم أغنياء، أنا أتلقى البيت، من أين أعلم هذا؟ من أين أعلم هذا وليس في ظاهر لفظ البيت دليل عليه؟ قال: كذا نوى وأراد. يعني هو رد عليه بأن الشاعر نوى هذا وأراده. قال: كذا نوى وأراد. قلت: ليس العمل على نية المتكلم، وإنما العمل على ما توجبه معاني ألفاظه. ولو حمل قول كل قائل وفعل كل فاعل على نيته، لما نسب أحد إلى غلط ولا خطأ في قول ولا فعل، ولا كان من سدد سهما وهو يريد غرضا فأصاب عين رجل فذهبت غير مخطئ؛ لأنه ما اعتمد إلا الغرض ولا نوى غير القرطاس.
ده الآمدي، ليس أبو قيس، ده الآمدي، أنا بقرأ بطريقتي والله. الآمدي ممن تعلمنا منه، ممن تعلمنا منه. مرة أخرى نقرأ المتعة والجمال، يا سلام يا يوسف، صح يوسف الزهرة، متعة. وقلت له: وكيف يعلم أنهم أغنياء وليس في ظاهر لفظ البيت دليل عليه؟ صح؟ قال: كذا نوى وأراد. أهي نية الشاعر بقى؟ قلت، الآمدي يقول: مرة أخرى، يلا مرة أخرى. وقلت له: أنا مستمتع صراحة، وقلت له: وكيف يعلم أنهم أغنياء وليس في ظاهر لفظ البيت دليل عليه؟ قال: كذا نوى وأراد.
قلت: ليس العمل على نية المتكلم، وإنما العمل على ما توجبه معاني ألفاظه. ولو حمل قول كل قائل وفعل كل فاعل على نيته، لما نسب أحد إلى غلط ولا خطأ في قول ولا فعل. هذا هدم لمذهب المعنى في بطن الشاعر واختلاف القراءات، ولا نعلم ماذا أراد الشاعر، وإنما نعلم ما أردنا نحن. كل هذا خرافة لا قيمة له. أحلو الكلام طبعا.
طيب، هناك نص آخر للقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى عام 396، يعني بعد وفاة الآمدي بـ 26 عاما، وذلك أن هذا في كتاب الوساطة، صفحة 300 وصفحة 312، صفحة 312 في الوساطة، تبعد المكتبة العصرية، أنا الكتاب بعيد عني لكن أعرف الموضع؛ لأنها من العبارات كما نقول العبارات التي هي وثائق في مذهب النقد، نعم. ذلك أنه نقد قول المتنبي: ما بقومي شرفت بل شرفوا بي، وبنفسي فخرت لا بجدودي. ما بقومي شرفت بل شرفوا بي، وبنفسي فخرت لا بجدودي.
فأخذ عليه هذا المعنى ووافق من انتقده فيه، لماذا؟ لأنه فيه بالفعل حط من قدر قومه، والإنسان لاسيما في عرف العرب شرفه من شرف قومه، ثم قد يزيد ولا يتوقف وينبغي أن يوافقهم فيما شرفوا به قديما. لكن أبو الطيب لم يشرف صرح أنه لم يشرف به، قال وبنفسي فخرت لا بجدودي.
فيقول أبو الحسن القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، وهذا فقيه وقاضي يا إخوة بالمناسبة فقيه شافعي، فقيه شافعي وقاض وهو صاحب عبارة الدين بمعزل عن الشعر لكن ناقد فاهم ناقد، قال: وبعضهم ذب عن إعابة هذا البيت وقال إنما أراد فقط يعني ما بقومي فقط شرفت بل شرفوا بي، وبنفسي فخرت لا بجدودي فقط. تعرفون ماذا قال؟ قال والمقاصد مغيبة، وإنما يستشهد بالظاهر، ويتبع موقع اللفظ. هكذا قال بالضبط العبارة وراجعوها. قال والمقاصد مغيبة، وإنما يستشهد بالظاهر يعني بالكلام الذي قيل لا بالباطن، ويتبع موقع اللفظ. لو أن أحدكم الآن يبحث في الكتاب في الإنترنت محركات البحث العبارة بالضبط هكذا، قال والمقاصد مغيبة، وإنما يستشهد بالظاهر ويتبع موقع اللفظ. اللفظ يعني التركيب، أنا أمامي كلام نفس كلام هذا عين كلام الآمدي، هذا عين كلام الآمدي.
وفي هذا الصدد أذكر قبل أعوام لما قلت سأشرح قصيدة بدر الدريع الرائية: أحاديث وجدي للمحبين سامروا تفت لها بالنادبين مرائر، وقد يأنس المهموم في باعث الرجاء ولكن همي لا يرى فيه أخر. فقال لي بعضهم حينها يا أبا قيس، ألا تخشى أن تشرح قصيدة وشاعرها حي؟ فقلت له يعني أنا أشرح قصائد الراحلين تجرؤا عليهم لأنهم ماتوا، قلت أنا أشرح ماذا؟ أشرح نصا موجودا، لا أشرح نية شاعر. فقال لي بعضهم المقصود لو أنك شرحت بيتا على هيئة فقال لك الشاعر ما قصدت هذا وإنما قصدت كذا، ألا يكون هو الصواب؟ لأنه صاحب النص. قلت الصواب ما دل عليه النص. فلو أن النص دل على شيء والشاعر قصد شيئا آخر فهذا في هذا الموضع عجز من الشاعر، ولو أن النص دل على شيء ووافق بذلك الشاعر وأنا فسرت على وجه آخر فهذا خطأ مني أو عجز مني في هذا الموضع، فأنا والشاعر نحتكم إلى نص، فأنا مستعد أن أجلس أمام الشاعر هكذا أتخيله يجلس أمامي وأشرح قصيدته، فلو قال لي لم أقصد كذا فقلت له وإذ لم تقصد كذا فلماذا قلت كذا؟ سأقول له هذا. وإذ لم تقصد كذا فلماذا قلت كذا؟ فلماذا قلت كذا؟ فإما هو مصيب فيما قصد إليه من النص، وإما أنا مصيب فيما قصدت إليه، وفي الأخير أنا والشاعر نتحاكم إلى النص.
وفي هذا الصدد أيضًا موقف طريف، وهو أن أحدهم مرةً قال لي: يا أبا قيس، أريد أن تنظر في قصيدةٍ لي وكذا وأرسلها إليّ قبل سنوات. قلت: هات القصيدة. وكان مصريًا، فقال لي: أريد منك موعدًا نجلس عند نقد القصيدة. قلت له: لماذا تجلس؟ إن كنت تريد الجلوس يعني زيارةً وكذا، ونجلس مكان ما تحب عندي أو في حديقة أو كذا، ونتسامر وننشد. فقال: لا، إنما أردت أن أجلس معك وأنت تنظر في قصيدتي حتى إذا أشكل عليك فهم شيء أخبرتك به. فقلت له: قد أرسلت قصيدتك، وأرسلت ما يحكم عليه وانتهى، فإذا كان شيء أردت أن تقوله ولم تكشف عنه القصيدة التي أجلس معها فهذا عجزٌ منك وضعف، فكان ينبغي لقصيدتك أن تكون مبينةً كاشفةً عما في نفسك. هذا هو، هذا هو.
وأنت الآن تنظر في بلاغة القرآن، هل أنت مطلعٌ مجازا على ما في نفس الله؟ هل أنت مطلع على ما في نفس الله؟ هل لك قدرة أو طوق على الاطلاع على ما في نفس الله وفي علم الله؟ لا. وإنما أنت تعالج نصا أرسله الله إليك، أنت تعالج نصا أرسله الله إليك بلغة العرب. ومن هنا نعالج القرآن ونعالج معانيه وبلاغته.
ونكتفي بهذا وشكرا لكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تصبحون على خير، رضي الله عنكم.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد