السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا مرحبا!
السلام عليكم، يا مرحبا، يا... بسم الله.
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام.
أهلاً وسهلاً ومرحباً. نبدأ بعد دقيقتين إن شاء الله يا إخوة، حتى يجتمع الإخوة وحتى يصلهم الإخطار وينتبهوا. يا مرحبا، يا مرحبا، يا مرحبا. تفاعلوا يا إخوة مع البث جميعاً لو سمحتم، تفاعلوا مع البث جميعاً لو سمحتم.
اسمحوا لي بالنظر إليها. اليوتيوب ضيق على إشعارات قناتكم في الأسبوع الأخير، والله لا أدري ماذا أفعَل يعني! الله أعلم. تمام، أه! يبدو عندي البث جيداً، يبدو عندي جيداً، صح؟ نفتح قليل... كده اهو. نبدأ بعد ثوانٍ يا إخوة إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام، مرحب بكم في المجلس العاشر من مجالسنا في شرح مقدمة المرزوقي.
اليوم أيها الإخوة؛ موضوعنا شائق ودسم، فيه مادة رئيسة، وأكثر هذه المادة لم آتِ بها في الشرح الماضي الذي حذفته، وبعض الإخوة فزع لما حُذِف، بعضهم كان شرع فيه، بعضهم كان قارب على الانتهاء، بعضهم كان في أثنائه، فلم أحذف ذلك أيها الإخوة اعتباطاً، لم أحـ... لم أحذف ذلك، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لم أحذف ذلك اعتباطاً، إنما حذفته وأنا أعلم ماذا سأقدم بديلاً عن المحذوف إن شاء الله، والحمدُ لله.
فتحدثنا في المرة الماضية حديثاً مجملاً عن هذه الفقرة في عمود الشعر، عن قوله: إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة الألفاظ أو جزالة اللفظ واستقامته، إلى آخر الفقرة التي قال في آخرها: ولكل، أو ولكل باب منها معيار، ولكل باب منها معيار. وتحدثنا عن ملاحظات في هذه الفقرة، ونقلنا فيها كلام العلماء، ونقلنا فيها كلام العلماء، نعم. ونشرع الآن في حديث ضروري ومقدمات ماتِ... لازمة عن عمود الشعر، لأننا إذا تجاوزنا قضية عمود الشعر على شدة إجمالها واختصارها، ولم نتبين هذه القضية ولم يتجلى لنا مكانها من قضية الشعر والنظم والبلاغة والنقد، فإن ذلك سيظل معضلة معنا، وسيظل إشكال في نفوسنا لا يزول.
لذلك أرى أن المقدمات التي نتحدث عنها الآن قبل الشروع في تفصيل عيار عمود الشعر وبيان أبوابه بالتفصيل، أرى هذه المقدمات ضرورية جداً ولازمة في شرح مقدمة المرزوقي. وأرى أن ترك عم... أن ترك عمود الشعر على إجماله الذي أجمله المرزوقي دون بيان وتفصيل قبل الانتقال إلى حديث عياره وأبوابه، يظل فيه إشكال لا يزول، ويكون ذلك خللاً وإخلالاً بشرح عمود الشعر نفسه. فتوجد هنا حلقة إذا لم نأتِ بها ونصل بها الكلام، لم نفهم القضية كلها. فإلى هذه المقدمات:
المقدمة الأولى: اعلم أن عمود الشعر لم يتكون عند المرزوقي. اعلم أن عمود الشعر لم يتكون عند المرزوقي، وإنما هو انتهى إلى تمام الصورة في صياغة المرزوقي، أما فكرته واصطلاحه فقد بدأ قبل ذلك بزمن غير قليل، أما فكرة عمود الشعر واصطلاح عمود الشعر فقد بدأ قبل ذلك بزمن غير قليل. فقد ظهر مصطلح عمود الشعر نقدياً على المشهور في كتاب الموازنة للآمدي، الذي توفي عام ثلاث مئة وسبعين من الهجرة، ولكن استعمال عمود الشعر كان أقدم من ذلك، ولكن استعمال عمود الشعر كان أقدم من ذلك؛ لأنه نُقِل عن البحتري المتوفى عام... يعني عاش قبل الآمدي بقرن تقريبا.
تعالوا نطلع على ما في كتاب الموازنة، في الجزء الأول في الصفحة الرابعة والخامسة، يقول البحتري... يقول الآمدي: البحتري أعرابي الشعر، مطبوع، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف. وما فارق عمود الشعر المعروف. يقول: البحتري أعرابي الشعر، مطبوع، وعلى مذهب الأوائل. تذكروا هذه العبارات، هذه طبعا دار المعارف يا إخوة، طبعا دار المعار... معارف بتحقيق السيد أحمد صقر، المجلد الأول. وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد -صفحة أربعة وخمسه- أربعة وخمسه، وكان يتجنب التعقيد، ومستكره الألفاظ، ووحشي الكلام، فهو إن يقاس بأشجع السلمي ومنصور النميري وأبي يعقوب المكفوف... المكفوف الخريمي وأمثالهم من المطبوعين أولا، وأما أبو تمام... يقول أبو تمام عن أبي تمام: شديد التكلف، صاحب صنعة، ويستكره الألفاظ والمعاني، وشعره لا يشبه أشعار الأوائل ولا على طريقته، لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة، فهو بأن يكون في حيز مسلم بن الوليد ومن حذى حذوه أحق وأشبه.
ونرى هنا ننتقل إلى صفحة أخرى، الصفحة الثامنة عشر، يقول في الصفحة الثامنة عشر يقول: وحصل للبحتري أنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعهودة، مع ما نجده في كثير، أو مع نجده كثيراً في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقه. يقول: وحصل للبحتري أنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعهودة، مع ما نجده كثيراً في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقة، وانفرد بححسن العبارة وحلاوة الألفاظ وصحة المعاني، حتى وقع الاجماع على استحسان شعره واستجادته. نعم.
لحظه. وكذلك في... كذلك في الموازنة أنه سُئل... سُئل البحتري عن نفسه وعن أبي تمام، فأجاب: كان أغوص على المعاني مني، أنا أقوم بعمود الشعر منه. هذا لفظ البحتري. لحظه أوثقها لكم بالصفحة ها، الصفحة الثانية عشر. في الصفحة الحادية عشر والثانية عشر من الموازنة، هذا النص يدل على أن عمود الشعر، إن لفظ... أن اصطلاح عمود الشعر أقدم من الآمدي، من استعمله البحتري، ويظهر أن الآمدي استلهمه عن البحتري. يقول: والذي أرويه عن أبي علي محمد بن العلاء السجستاني، وكان صديق البحتري... يا سلام! لما تكون صديق البحتري إيه ده؟ في الجنة يا واد! أنا في الجنة يا واد! أنا صديقي البحتري يا واد؟ ماشي معه كده يا واد!
الله، هذا الشاي من بنغلاديش، الأخضر، لكن رهيب! الله، شكراً يا الحبيب يوسف أمين البنجلاديشي، زارنا وأعطاني شاياً أخضراً وشاياً أحمر، وقبل أن يأتي من بنغلاديش كان في مزرعة، ليس مزرعة، سهول من الشاي، جبال من الشاي الأخضر، قال: من هنا يا أستاذ سآتي لك بالشاي، وأتى بشاي أشربه الآن، والله شاي ما شاء الله رائع جداً، فجزاك الله خيراً يا... يا يوسف أمين إذا كنت حاضراً. هذا شيء جميل جداً، من أروع الشاي الأخضر الذي شربته والله، هذا أول رشفة الآن بالمناسبه، هذه أول رشفة، قلت لابنتي لما أبدا الدرس: اعملي لي شاي به يوسف البنجلاديشي، فصنعته، والله أروع شاي أخضر شربته تقريبا، جميل جداً، جزاك الله خيراً يا يوسف، يوسف أمين من محب العربية والشعر، وهو عاقل، إنسان عاقل وفاهم، أكرمه الله ورفع قدره، آمين.
يقول: والذي أرويه عن أبي علي... الله يرضى عليك يا دكتورة شيماء، رضي الله عنك. والذي أرويه عن أبي علي محمد بن العلاء السجستاني، نعم، وكان صديق البحتري، أنه قال: سُئل البحتري عن نفسه وعن أبي تمام فقال: كان أغوص على المعاني مني، وأنا أقوم بعمود الشعر منه. قال: وهذا الخبر هو الذي يعرفه الشاميون. يقول البحتري: وهذا الخبر هو الذي يعرفه الشاميون. هذه ترفع على جنب. وقال أيضاً أبو علي صديق البحتري محمد بن العلاء: كان البحتري إذا شرب وأنس أنشد شعره وقال: ألا تسمعون ألا تعجبون؟ إذا... وكان البحتري إذا شرب وأنس أنشد شعره نعم، وقال: ألا تسمعون ألا تعجبون؟ نعم، رضي الله عنكم.
فهذه نصوص البحتري، هذه نصوص البحتري فيها استعمال... نصوص لآمدي من الوص... من الموازنة للآمدي، فيها استعمال الآمدي لمصطلح عمود الشعر، وفيها... وفيها كذلك أن البحتري استعمل ذلك من قبل، أن البحتري استعمل عم... ذلك قبل الآمدي، والبحتري كان قبل الآمدي بقرن. نعم.
ونلاحظ هنا في صيغة الجرجاني شيئاً خطيراً في قضيتنا، وهي قضية عمود الشعر، وهو أن... في صيغة الآمدي معذرةً، نلاحظ شيئاً في صيغة... إيه... نلاحظ شيئاً هنا في صيغة الآمدي، وهي أنه يجعل ذلك... وهي أنه يجعل إيه... عمود الشعر مذهب العرب، ويجعله مقابلاً لمذهب البديع من المتأخرين. هذه مسألة مهمة جداً أيها الإخوة، مسألة مهمة جداً، لكن قبل ذلك دعونا نكمل. قرأنا هذه النصوص عند الآمدي الآن في الموازنة، وهذا الكلام صريح، وهذا الكلام صريح في أن عمود الشعر كان من حظ البحتري، لأن هذه الصفات التي نراها في كلامه هي التي ستورد في عمود الشعر، لا سيما في أبواب الجزالة والاستقامة والتلائم والتشاكل، فإذا هو لم يعرضها على أنها مذهب البحتري الذي يوجد مذهب له يقابله، بل قال إن البحتري على مذهب العرب. هذا هو.
وللآمدي أيها الإخوة نصوص أخرى تبين... تبين حقيقتها... أو تبين الأصول في عمود الشعر قبل المرزوقي، وتقوم بوظيفه الوثيقة لقاعدة الشعر عند العرب. للآمدي نصوص تقوم بوظيفة الوثيقة لقاعدة الشعر عند العرب. دعونا نطلع على هذه النصوص في المجلد الأول، نبدأ في المجلد الأول صفحة أربع مئة وثلاث وعشرين، صفحة أربع مئة وثلاث وعشرين. يقول: وليس الشعر... اسمعوا ماذا يقول الآمدي؟ يقول: وليس الشعر عند اهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له، وغير منافرة لمعناه، فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري.
ثم أقول قالوا: وهذا اصل يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر، لأن الشعر أجوده أبلغه، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى وادراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة، سليمة من التكلف، كافية، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولا تنقص نقصاناً يقف دون الغاية، وذلك كما قال البحتري: والشعر لمح تكفي إشارته / وليس بالهذر طولت خطبه.
ثم يقول: فإن اتفق مع هذا... إن اتفق مع هذا يقول: فإن اتفق مع هذا معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن، فذاك زائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق -يعني لم يأتي ذلك- فقد قام الكلام بنفسه واستغنى عما سواه. قالوا: وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقه وكانت عبارته مقصرة عنها، ولسانه غير مدرك لها، حتى يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان أو حكمة الهند أو أدب الفرس، ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، وإن اتفق في تضاعيف ذلك شيء من صحيح الوصف وسليم النظر، قلنا له: إذا حصل هذا، قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة ومعانٍ لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيماً أو سميناك فيلسوفاً، ولكن لا نسميك شاعراً ولا ندعوك بليغاً.
قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة ومعانٍ لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيماً أو سميناك فيلسوفاً، ولكن لا نسميك شاعراً ولا ندعوك بليغاً، لأن طريقتك ليست على طريقة العرب ولا على مذاهبهم، فإن سميناك بذلك، إن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء ولا المحسنين الفصحاء. ما رايكم يا إخوة في هذا النص وفي صراحته في القضية التي نحن بصددها؟ ما رايكم بالنص وبصراحته في القضية التي نحن بصددها الآن؟ نعم.
ونجد بعده أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، الناقد القاضي الشافعي المعروف، المتوفى في العام ثلاث مئة وست وتسعين، المتوفى في العام ثلاث مئة وست وتسعين، نجد له كلاماً خطيراً في هذا، ونراه يضع نصاً... نراه يضع نصاً في عمود الشعر يقترب به من الصيغة الأخيرة التي استقرت عند المرزوقي، يضع نصاً في عمود الشعر يقترب به من الصيغه الأخيرة التي استقرت عند المرزوقي. تعالوا نقرا نصه في هذا، وذلك بالمناسبه في صدر كتابه الوساطة، والطبعة التي معي هي طبعة المكتبة العصرية، صفحة ثمان وثلاثين، صفحة ثمان وثلاثين وتسع وثلاثين.
يقول: وكانت العرب... اسمع، اسمع وركز، لأننا سنستنبط أشياء زائدة من النصوص جميعاً، وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب وشبه فقارب وبدّأ فأغزر، ولمن كثرت سوائل أمثاله وشوارد أبياته، ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقه... إيه، إيه، إيه، اسمع! ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقه... على فكرة الشاي الأخضر، اعمل... خذ، أمسك، أمسك، إيه رأيك؟ مر من غير سكر! عشان من غير سكر، طبعا هو كده، سلام! أه...
ولمن كثرت سوائل أمثاله وشوارد أبياته، ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة ولا تحفل بالابداع والاستعاره إذا حصل لها عمود الشعر وإيه... ونظام القريض، القريض الذي هو مرادف للشعر، نظام القريض يعني إقامة النظم بما يحقق شرف المعنى، لا تتوجه توجهاً خاصاً إلى التجنيس والمطابقة وهذه الأمور، وقد كان يقع ذلك في خلال قصائدها ويتفق لها في البيت بعد البيت على غير تعمد وقصد، فلما أفضى الشعر إلى المحدثين ورأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة والحسن وتميزها عن أخواتها في الرشاقة واللطف، تكلفوا الاحتذاء عليها فسموه البديع، فمن محسن ومس... سيء، ومحمود ومذموم، ومقتصد ومفرط.
هذا نص كلام القاضي الجرجاني في الوساطة، نقرؤه مرة أخرى لأننا سنستنبط منه أشياء: وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب وشبه فقارب وبدّأ فأغزر، ولمن كثرت شواهد... سوائر أمثاله وشوارد أبياته، ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة ولا تحفل بالابداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر ونظام القريض، وقد كان يقع ذلك في خلال قصائدها ويتفق لها في البيت بعد البيت على غير تعمد وقصد، فلما أفضى الشعر إلى المحدثين ورأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة والحسن وتميزها عن أخواتها في الرشاقة واللطف، تكلفوا الاحتذاء عليها.
فسموه البديع، فمن محسن ومسيء ومحمود ومذموم ومقتصد ومفرد.
أقول، نلاحظ هنا في كلام القادر الجاني أموراً، منها أنه استعمل مصطلح عمود الشعر كما استعمله الآمدي، وكما استعمله البحتري قديماً قبلهم جميعاً. ومنها أن هذه الصيغة عند القادر الجرجاني واضح جداً أنها الصيغة التي أنضجها ورتبها بعد ذلك المرزوقي، وأنها صيغة قريبة جداً مما انتهت إليه الصيغة الأخيرة عند المرزوقي. ولكن أخطر شيء نلاحظه هنا في صيغة الجرجاني في قضيتنا تلك، هو أن الجرجاني إنما يعرض هذا على أنه مذهب العرب الأوائل، ويجعله مقابلاً لمذهب أهل البديع من المتأخرين. إن الجرجاني إنما يعرض هذا على أنه بين قوسين مذهب العرب، ويجعله مقابلاً لمذهب أهل البديع من المحدثين.
فإذا كان المرزوقي يعرضه في مقام الميزان والمرجع، فالجرجاني قرنه صراحةً بعدم دخول مذهب البديعيات فيه. فالجرجاني قرنه صراحةً بعدم دخول مذهب البديعيات؛ إذا كانت بصفة مقصودة فلا تدخل في أصول عمود الشعر الذي هو طريقة العرب. وإذا كان الآمدي يعرض مذهب البحتري فربما يتهم بأن هذا مذهب البحتري، فالجرجاني يعرضها على أنها المذهب العربي؛ يعرض عناصر أو أبواب عمود الشعر على أنها المذهب العربي. وهذا كله يؤكد لكم ما نبهتكم إليه من قبل، وهو أن مذهب عمود الشعر في حقيقة أمره مذهب أصحاب الطبقة الأولى من طبقات الاختيار التي ذكرها المرزوقي، ولكن المرزوقي أراد أن يتجرد في الميزان وفض النزاع فقال هذا هو عمود الشعر وارجعوا إليه، ولم يقل إنه ينصر الطبقة الأولى دون الطبقة الثانية أو الثالثة أو الرابعة.
وكما رأينا الموقف الصريح من قضية المعاني عند الآمدي، ورأيناها من قبل عند عبد القاهر في سياق سابق، رايناها عند عبد القاهر نجدها كذلك عند الجرجاني، نجده كذلك عند الجرجاني مرة أخرى. كما رأينا، أقول، وكما رأينا الموقف الصريح من قضية المعاني عند الآمدي وعند عبد القاهر في سياق سابق، إذ رفضوا قضية اعتبار أصل المعنى وأن تتذاكى في المعاني وأن تكون فيها فيلسوفاً أو حكيماً أو ذكياً، كذلك نجدها عند الجرجاني، وذلك في آخر كتاب الوساطة، صفحة أربع وثلاثين بعد الأربعمائة في النسخة التي معي، يقول الجرجاني القاضي: «وأقل الناس حظاً في هذه الصناعة من اقتصر في اختياره ونفيه وفي استجادته واستسقاطه على سلامة الوزن وإقامة الإعراب وأداء اللغة، ثم كان همه وبغيته أن يجد لفظاً مروقاً وكلاماً مزوقاً قد حُشِيَ تجنيساً وترصيعاً، وشُحِنَ مطابقةً وبديعاً، أو معنًى غامضاً قد تعمق فيه مستخرجه وتغلغل إليه مستنبطه».
هذا النص للآمدي تراه وكانه يقول لك الطبقة الثانية والثالثة والرابعة إذا توجّهت قصداً إلى هذه الأبواب، فهي ليست من عمود الشعر وطريقة العرب الأوائل صراحةً. وبذلك يجتمع الجرجاني مع نقرأ كلام الجرجاني مرة أخرى، يقول: «وأقل الناس حظاً في هذه الصناعة من اقتصر في اختياره ونفيه وفي استجادته واستسقاطه على سلامة الوزن وإقامة الإعراب وأداء اللغة، ثم كان همه وبغيته أن يجد لفظاً مروقاً وكلاماً مزوقاً قد حُشِيَ تجنيساً وترصيعاً، وشُحِنَ مطابقةً وبديعاً، أو معنًى غامضاً قد تعمق فيه مستخرجه وتغلغل إليه مستنبطه».
فيلتقي الآن عبد القاهر، يلتقي الآن القادر الجرجاني مع الآمدي مع عبد القاهر جميعاً في رفض القضية في الشعر وعمود الشعر أن تتعلق بالبديعيات وبالمعاني، فهذا نص صريح في مذاهب البديع أنها لا يقوم عليها الشعر، وفي مذهب أهل المعاني أنه لا يقوم عليه الشعر. وهذا يؤيد كلامي الذي بكرت لكم به لما قلت لكم عمود الشعر الذي يذكره المرزوقي يصدق على الطبقة الأولى، يصدق على الطبقة الأولى. نعم.
فإذا رغبنا في تأصيل هو أعرق من ذلك في الزمن، رجعنا إلى الجاحظ لنرى ماذا سيقول حول قضية الشعر والأساس فيه والبناء. ترون نصاً تاريخياً يقوم مقام وثيقة في نشأة أصول الشعر، وذلك أيها الأخوة في المجلد الثالث من كتاب الحيوان، في المجلد الثالث من كتاب الحيوان للجاحظ، وذلك صفحة مئة وواحد وثلاثين ومئة وثثنين وثلاثين. يقول الشيخ رحمه الله وهو يتكلم عن معيار الجاحظ، توفي عام مئتين وخمس وخمسين، صحيح يا إخوة أم أخطأت؟ خمس وخمسون صح معذرة. الجاحظ توفي، أليس كذلك؟ أذكر ذكر أنه توفي عام خمس وخمسين ومئتين. نعم، مئتان وخمس وخمسون.
يقول في كتاب الحيوان صفحة مئة وواحد وثلاثين، وهو يتكلم عن معيار استجادة الشعر، يقول: «وإنا رايت أبا عمرو الشيباني وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين -سيذكر بيتين يعني سيذكر ذكرهما- وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين ونحن في المسجد يوم الجمعة أن كلف رجلاً حتى أحضره دواةً القرطاس حتى كتبهما له، وأنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعراً أبداً، ولولا أن أدخل في الحكم بعض الفتك -وهناك كنسخ بعض القيل- ولولا أن أدخل في الحكم بعض الفتك يعني التجاوز والافتراء وكذا، لزعمت أن ابنه لا يقول شعراً أبداً، لزعمت أن ابنه لا يقول شعراً أبداً، وهما قوله: لا تحسبن الموت موتى البلى فإنما الموت سؤال الرجال كلاهما موت ولكن ذا أفضْع من ذاك لذل السؤال».
آه يا زمن! تخيلوا، أبو عمرو الشيباني الراوي القديم يعجب بالبيتين حتى يطلب من يكتبها، تخيلوا! لا تحسبن الموت موتى البلى، الذي الإنسان يموت فيه ويبلى جسده، فإنما الموت سؤال الرجال، أنك يعني تكون ذا حاجة فتسأل الرجال فتسأل ماء وجهك يعني هذا هو الموت، كلاهما موت لو النبي، كلاهما موت ولكن ذا أفضْع من ذاك لذل السؤال. طبعا أنا متخيل شكل الجاحظ وهو ينظر هكذا، الجاحظ جالس ينظر هكذا إلى أبي عمرو الشيباني وهو ها ولد القلم الدواة القرطاس اكتب يا ولد! ولا الجاحظ بجد الجاحظ، يلا هو الجاحظ، هذا أبو عمرو الشيباني، هذا الجاحظ جحظت عيناه أكثر وذهب يقول الجاحظ: وذهب الشيخ إلى استحسان المعنى، والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني.
يقول لك المعاني معنى الكلام هنا في الحقيقة أن المعاني ليست قاصرة على الشعراء الفلاسفة كما قال الآمدي، والحكماء كما قال الآمدي، ونسميك حكيماً عالماً فيلسوفاً ذكياً، فهم كثر، ولكن الشعراء قلة، لأن الشعر فتنة أخص، لأن الشعر فتنة أخص، خلاص. فيقول الجاحظ: «وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير».
فهذا أيها الأخوة، هذا إجماع المعتبرين الذي ذكره عبد القاهر على اعتبار النظم والبيان وليس المعاني. فنحن نرى في كلام القدماء الآن تصريحهم بما فهم عن المرزوقي ولم يصرح به، وهو أن عمود الشعر يخرج عن قصد البديع، كما صرح القاضي الجرجاني، ويخرج عن قصد المعاني كما صرح الآمدي والقادر الجرجاني وعبد القاهر جميعاً، ولكنه لا يخرج عن قصد الطبقة الأولى، ولكنه لا يخرج عن قصد الطبقة الأولى. وهذا تحقيق مهم إن ضبطته أزال عنك كثيراً من اللبس في مواضع شتى، بل إنه لا يتأتى فهم عمود الشعر في مقدمة المرزوقي بعد أن ذكر هذه الطبقات إلا بهذا التحصيل الذي حصلناه الآن في هذه المقدمة.
فالحاصل هو أن عمود الشعر عند المرزوقي موجود عند القدماء، ونراه في كلامي كلام يعني أقصد عند السابقين عليه، ونراه في كلام الآمدي، ونراه في كلام القاضي الجرجاني، ونراهم جميعاً يفصلون، نراهم جميعاً يفصلون عمود الشعر عن المعاني وعن البديع، والمعاني والبديع هي الطبقات الثانية والثالثة والرابعة من كلام المرزوقي. فصرحوا بما لم يصرح به المرزوقي، ولم يصرح به المرزوقي مع علمه به، لأنه أراد أن يجرد القضية تماماً، فلم يقل إن هذا عمود الشعر وهو يوافق الطبقة الأولى دون الطبقات التالية لها، لأنه أراد أن يقول ارجعوا إلى هذا وفقط، وقدم أولاً لهذه الطبقات على أنها طبقات متنازعة ثم قدم لها الميزان، أما القدماء فصرحوا.
وهذه قضية مهمة إذا لم تفهمها وتجاوزتها ظللت تفكر في عمود الشعر وفي الطبقات وهل هذه الطبقات تدخل فيه أو لا، وظللت تحار كما حرت أنا قديماً حينما كنت أرى أن عمود الشعر الذي ذكره المرزوقي يصدق على الطبقة الأولى، فظلت معي هذه الحيرة مدة صغيرة قليلة حتى ربطت وتتبعت أصول عمود الشعر في كلام السابقين عليه، ووجدتهم يصرحون بنفي رسوم الطبقات ما بعد الطبقة الأولى. فبقي لي شيء واحد، لماذا لم يصرح المرزوقي بهذا؟ والجواب هو ما ذكرت لكم، المبالغه في التجرد. نعم.
المقدمة الثانية: اعلم أن عمود الشعر ليس مذهباً في الشعر فيقال هذا شعر عمودي ويقابله شعر غير عمودي، وإنما هو عمود الشعر، ولأجل هذا نجد المرزوقي يتخذه مرجعاً عند اختلاف الناس في مذاهب البديع والمعاني وينص على، كما سياتي، على أنه العيار الذي يتفق العرب جميعاً عليه، فليس هناك شعر عمودي وشعر غير عمودي، ليس هناك شعر عمودي وشعر غير عمودي كما نرى الآن إذ يقولون القصيدة العمودية والقصيدة غير العمودية، هي القصيدة وما في عمود شعر به يتحقق الشعر، فبدون الوزن والبحور العربية المعهودة ليس هناك شعر، لك أن تقول نثر شعري يعني فيه صفات من الشعر لا باس، فقد حاول القدماء ذلك حينما أخذوا ظواهر شعرية في القرن الرابع ووضعوها في النثر حتى يرفع غير الشاعر شأن نفسه، كما حقق ذلك الدكتور عبد الله الطيب في كتاب المرشد، لكن أن تقول هذه قصيدة لا، لك أن تقول والله هذا الرجل يتكلم في روايته أو في كتابه بالشعر أي يتكلم بشيء يشبه الشعر في بعض صفاته نقول نعم، أما أن نقول في غير الموزون شعر لا، أما أن نقول فيما فقد شرف المعنى شعر لا، أما أن نقول فيما فقد جزالة الألفاظ واستقامتها شعر لا، أما أن نقول فيما فقد مشاكلة الألفاظ للمعاني وشدة اقتضائهما للقافية لا. نعم.
المقدمة الثالثة: المقدمة الثالثة، اعلم أن عمود الشعر شديد الإجمال والاختصار، ويبدو للوهلة الأولى ناقصاً لكثير من الأبواب في البيان والبلاغه والنقد، ولكن لا تنسى، لا تنسى وأنت تدرسه أنه سلالة من كلام الآمدي والجرجاني ومن قبلهما الجاحظ، لا تنسى وأنت تدرسه أنه سلالة، أنه سلالة من كلام الآمدي والجرجاني القاضي وقبلهما الجاحظ. وكلام هؤلاء جميعاً كان مجملاً لبيان الجهة التي يسير فيها الشعر ليفصلوه عن مذهب أهل المعاني ومذهب أهل البديع كما راينا صريحاً في كلام هؤلاء الثلاثة، ولم يكونوا في سياق تفصيل، ولم يكونوا في سياق تفصيل، وإنما ذكروا من الأبواب المفصلة، ذكروا من الأبواب المفصلة ما هو ظاهر كبير تتوجه له العناية الخاصة، وهو التشبيه والاستعارة والوصف. فربما تقول أين الكلام على الكناية وأين الكلام على المجاز المرسل في عمود الشعر؟ فالجواب: هذا كله داخل في جزالة الألفاظ واستقامتها لأن الجزالة هي القوة، والمراد بالقوة قوة الدلالة، ويدخل فيه كذلك عدم استعمال الحواشي والسوقي من الكلام. ونرى حديث فقه الأوزان داخلاً في قوله على تخير من لذيذ الوزن، وكل أبواب النظم وعلم المعاني داخل في الجزالة لأنها قوة الدلالة. نعم.
وإنما كانوا يبينون أن الشعر ينبغي أن يكون كذلك، وكانهم يشرحون الطريق إلى شرف المعنى الذي هو الباب الأول. وهذا هو معنى قول الجاحظ: الشعر ضرب من النسج والصياغة والتصوير، هذا معناه هذا معنى الكلام، هو هذه الجزالة، لأن الألفاظ لا يراد بها الألفاظ المفردة وإنما التراكيب أيضاً، والتراكيب لا توصف بالقوة والجزالة إلا إذا ارتباطت بالدلالة وإلا كانت فارغة. والكلام على الحشو كذلك داخل في هذا الباب لأن الألفاظ التي تأتي حشواً تفقد جزالتها، لأن اللفظ الذي يؤتى به دون فائدة يكون فارغاً من الدلالة، فهذا نفهم منه ضرورة فقده صفة القوة التي هي الجزالة.
فلو راجعت الجذور الأولى لعمود الشعر قبل المرزوقي وجدت أنهم لم يريدوا تفصيل العلوم المؤدية إلى ذلك، لم يريدوا، لم يقصدوا، لم يقصدوا إلى تفصيل العلوم المؤدية إلى ذلك، وإنما يريدون بيان الجهة التي بها يعرف الشعر، وإنما يريدون بيان الجهة التي بها يعرف الشعر. وأما تخصيص الاستعارة، وأما تخصيص الاستعارة والتشبيه والوصف، فهو لما في هذه الأبواب من عناية أكبر وعمل أبعد، وحسبك أن تقيس الكناية إلى الاستعارة، الاستعارة هي أن تأتي بالكلمة مجازاً وتستعملها في معنى آخر، تستعملها في معنى آخر، فأنت حينما تقول رأيت أسداً في أرض الوغى أو في حربنا مع بني فلان فانت جئت بلفظ أسد ووضعت مكانه ووضعته مكان الرجل الشجاع جداً الذي بلغ من شجاعته أن صار أسداً. فالاستعاره أصلها التشبيه الذي بلغ حدّاً صار به المشبه فرداً من أفراد المشبه به، فلم يصر فلان كالأسد بل صار أسداً، صار أسداً.
فإذا قلت رأيت أسداً في قتالنا مع بني فلان أنت تريد هذا المقاتل الشجاع جداً الذي بلغ كذا مهما قلت شجاع جداً مهما قلت كذا لن يبلغ أن تقول رأيت أسداً، فالاستعارة فيها عمل كثير لأنك حذفت كلمة وجئت مكانها بكلمة معناها الأصلي شيء آخر تماماً واحتجت إلى القرينة حتى لا يحصل اللبس. فالاستعارة فيها عمل كثير، طب والكناية؟ ليس فيها هذا العمل نفسه، ليس فيها هذا العمل نفسه، لماذا؟ لماذا؟ لأن الكناية ليست من المجاز كالاستعارة، الكناية لم تأتي بكلمة في معنى، وإنما كما أتيت بكلمة في معناها ولكن انتقلت إلى الأخرى، المعنى الآخر، يعني لما تقول رأيت فلاناً كثير الرماد.
كثرة الرماد لم تستعملها في معنى آخر غير كثرة الرماد، ولكن كثرة الرماد دلت على معنى آخر بالعقل عن طريق العقل، كما قال عبد القاهر، عن طريق الاستدلال. دلت على أنه أكرم الأضياف بكثرة الطبخ. فلان جبان الكلب؛ جبن الكلب دل على كثرة الأضياف، وهكذا. فلان مهزول الفصيل، أي الجمل الصغير الذي كان ينبغي أن يرضع، دل على أنه نحر أمه للأضياف. فانت جئت بالكلمة في معناها، وانتقلت عن طريق المعقول إلى معنى آخر تريد يده في الكلام.
ولهذا كانت وظيفة الكناية هي الاستدلال على المعنى من طريق أقوى. أما الاستعارة أصعب، لأن الاستعارة مبنية على تشبيه، وهذا التشبيه تطور حتى تجاوز التشبيه العادي أو التشبيه الأصل إلى التشبيه البليغ، ومن التشبيه البليغ تجاوز حتى حذف المشبه أصلا، وصار كأنه فرداً، كأنه فرد من أفراد المشبه به. وهذا يحتاج إلى قرينة، فالعمل كثير في الاستعارة. أما الكناية؛ كثرة الرماد عقلك انتقل بسرعة جداً، وهذا شرط حسنها بالمناسبة. الكناية انتقلت بسرعة جداً إلى المدلول الأصلي، لأنك لا تريد كثرة الرماد، شيء لا اعتبار له بذاته وإنما هو دليل على شيء آخر.
فلذلك دخلت الكناية في جزالة اللفظ وقوة الدلالة، لأن في الأخير كثرة الرماد دلت على الكرم لكن بطريقة قوية، إنما الاستعارة فيها عمل. عرفتم لماذا ذكر الاستعارة ولم يذكر الكناية مثلاً مع أنك في علوم البلاغة التقريرية تدرس الكناية باباً مستقلاً وتدرس الاستعاره باباً مستقلاً؟ فالكناية توازي الاستعارة في استقلال الباب في علم البيان من علوم البلاغة التقريرية؛ باب موازن، أما هنا فدخل في الجزالة. لماذا لم يقعدوا علومًا في أصول الحديث في عمود الشعر؟ لم يقاعدوا علومًا وإنما أرادوا أن يبينوا جهة الشعر، وذكروا من الأبواب ما فيه عمل كثير وفيه تقسيم أكثر في العمل.
التشبيه نفس الكلام، التشبيه باب واسع ومعقد جداً، حتى صنفت فيه أبواب مستقلة. الوصف من أصلح شيء في الشعر، لماذا؟ لأنك لا تصف الشيء على ما هو عليه، وإنما تأخذ مما هو عليه ما يوافق الغرض الذي أنت عليه. تأخذ من الموصوف بعض ما هو عليه ليوافق الغرض الذي أنت عليه، فهمتم؟ فالوصف عسير، فلذلك ذكر من أبواب البلاغة الاستعارة والتشبيه والوصف. بعد ذلك الأبواب مجملة جداً، الأبواب مجملة جداً.
المقدمة الرابعة نفهم من كلام العلماء في شروط الشعر والتفريق بينه وبين أصول المعاني، أن تعبير العلماء عن الشاعر حين يقولون إنه الذي يشعر بما لا يشعر به غيره، من أدق الأوصاف. لأنهم يريدون المعاني التي تشعر، إشارة إلى نوع خاص من العلم وهو العلم بالأمور التي يتفطن لها.
ولذلك ترون مثلاً في مقدمة كتاب المنتخب في شرح لامية العرب لابن أبي طي المتوفى عام ست مئة وثلاثين، يتحدث عن معنى الشاعر ومعنى الشعر فيقول: إنما سمي الشاعر شاعراً لفطنته، ولأنه يشعر المعنى قبل نظم البيت، يقال هو شاعر وما كان شاعراً، ولقد شعر وهو يشعر والشاعر المتعاطي قول الشعر. وبعض المحدثين؛ ما سمي الشاعر إلا لما يشعره من جيد القول. وقال الأخفش: الشاعر مثل لاب وتامر أي ذو شعر. والشعر سمي شعراً من قولك شعرت بالشيء إذا فطنت له.
كما قلنا في الشاعر، فكان الشاعر قد فطن لشيء خفي على غيره ولطف عن فهمه. ولذلك استعمل لفظ الشعر مع أن الشعر في اللغة العلم، ولكنه لما كان علماً بأمور يتفطن لها نمط خاص من الناس وهم الشعراء سمي شعراً ولم يسمى علماً. فهذه المعاني التي فطن لها الشاعر ليست هي المعاني التي يتفطن لها الفيلسوف والعالم من حيث كونه عالماً، وإنما هي أمور تدرك بالشعور الخاص بالشاعر.
ولذلك سئلت قريبا، قبل وقت قصير، سأله بعض المهتمين قال: يا أستاذ هذه الوجوه التي نشرحها في الشعر وتستنبطها لنا وتقول إنه قدم وأخر وحذف وأثبت وأنكر وعرف وأتى بالخبر إنشاء وبالإنشاء خبراً وفعل كذا وفعل كذا وشبه، وتشرح التشبيه المركب والاستعارة العجيبة والكناية الدقيقة، إذا جاء شخص ذكي تلقى هذه الأشياء، ما الذي يمنعه من أن يصنع شعرا وقد عرفها؟ فكان الجواب: اختلاف نوع الذكاء.
الذكاء الذي عند هذا الإنسان الذي فهم الذي شرحته له، هو ذكاء يتعلق بادراك الأسرار بعد وجودها. أما الذكاء الآخر الذي عند الشاعر فهو ذكاء يتعلق بنوع خاص من الشعور يجعلهم يخلق هذه الأشياء من العدم، وهذا يحتاج إلى شعور آخر هو شعور الشاعر قبل هذا الذكاء المتفق عليه أو قبل هذا الذكاء المشترك بينه وبين غير الشاعر. فالشاعر يحتاج إلى موهبة ليتفطن إلى معان ليست عند غيره. الشاعر يمتلك موهبة يتفطن بها إلى معان ليس عند غيره. ولذلك عرف بأنه الذي يشعر بما لا يشعر به غيره، وعرف الشعر بأنه المعارف أو الأمور التي يتفطن لها.
أما الذكاء الآخر فهو ذكاء في إدراك الشيء بعد وجوده، وربما يكون الإنسان ذكياً جداً جداً، ولكن لا يمتلك هذا الشعور الذي يتفطن به إلى دقيق المعاني. ولكن إذا خلقت المعاني يستطيع أن يتفطن لها بعد خلقها، لكن إيجادها يحتاج إلى شعور لم يوهبه. عرفتم الآن لماذا لا يمكن لإنسان ذكي جداً أن يقول الشعر؟
ولذلك أبو علي الفارسي كان من أذكي بني آدم، وكان الإمام بعد سيبويه -يعني ذكروا أنه لم يأتي من هو أعلم بالنحو من سيبويه من أبي علي الفارسي، يعني لم يأتي من هو أعلم من أبي علي الفارسي بالنحو بعد سيبويه يعني هو الإمام بعده- وله تعبير رائق. كان اجتمع هو وبعض الشعراء وأهل العلم والأدب في مجلس فقال لهم: إني أغبطكم يا أهل الشعر، فإنني لا اقول الشعر لأن خاطري لا يوافقني إليه مع تحصيلي للعلوم التي هي من مواده وفي رواية من مواته يعني من وسائله.
فقال له بعضهم: لم تنشد شيئاً قط؟ فقال: لا أذكر إلا أن قلت: خضبت الشيب لما كان عيبا وخضب الشيب أولى أن يعابا ولم أخضب مخافه هجر خل ولا عتابا، ولكن المشيب بدا ذميما فصيرت الخضاب له عقابا. ممكن ناتي لكم بالابيات افضل: خضبت الشيب لما كان عيبا وخضب الشيب أولى أن يعابا، ولم أخضب مخافه هجر خل ولا عتابا، ولكن المشيب بدا ذميما فصيرت الخضاب له عقابا. هذا كلام واحد من أعلم العلماء ومن أذكى بني آدم، لكن لم يوهب الشعر.
والشاهد هنا هو تعبيره بلفظ: خاطري لا يوافقني إليه، لأن هذا الخاطر هو ما نتكلم عنه؛ شعور الشاعر بالمعاني التي يتفطن لها ولا يتفطن لها غيره. هذا هو عالم وعنده العلوم، ليس عنده الخاطر الذي يحمله إلى الفطنة الشعرية، لكن إذا وجد الكلام الذي يقوله الشاعر تفطن لمعانيه ولكنه لا يخلقه.
وشكرا لكم وجزاكم الله خيراً، يعني إن شاء الله المرة القادمة نبدأ في تفصيل عمود الشعر، لأن الكلام الآن في شرف المعنى واسع ولابد أن استوفيه لأنه أجمله جداً، فنبدأ إن شاء الله تعالى في اللقاء القادم في الحديث عن عمود الشعر عن شرف المعنى إن شاء الله. شكرا لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد