بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.
هذا أيها الإخوة هو مجلسنا السابع من مجالسنا في شرح مقدمة المرزوقي، المقدمة الأدبية للمرزوقي، وهي مقدمته على شرحه لديوان الحماسة لأبي تمام.
أيها الإخوة، وإذ قد عرفنا المراد بالمعنى هنا في قوله: وهم أصحاب المعاني، إذ قد عرفنا المراد بالمعنى هنا وأنه أصل المعنى وليس المعنى الفني؛ لأن المعنى الفني لا يفارق من سماهم أهل اللفظ، وإلا لم يكن النص شعرا، ولم يعتد به في الفن، ولم يعد أصحابه من أصحاب المذاهب أو الاختيار؛ لأنه لا يوجد اعتبار للفظ من حيث كونه لفظا وصوتا، أو من حيث كونه ألفاظا مفردة غير مركبة.
أقول: إذ قد عرفت هذا، فاعلم أن الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى ورضي عنه وجزاه خيرا، قد خلط في هذا خلطا شديدا. إذ قد عرفت هذا، فاعلم أن الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى قد خلط في ذلك خلطا شديدا، واعتبر المعنى هنا هو المعنى الفني، اعتبر المعنى هنا عند قول المرزوقي: وهم أصحاب المعاني، اعتبر ذلك هو المعنى الفني، حتى أنه أرجأ شرحه التفصيلي إلى باب شرف المعنى من عمود الشعر الذي هو مجمع عليه والمرجع، وقد وقع الاختلاف في الأهواء والمذاهب الذاتية، وحتى أنه استشهد هنا بالأبيات المنسوبة إلى كثيّر عزة، وهي الأبيات التي جعلت في الأصل مثالا على ما جاد لفظه ولا معنى وراءه، وذلك في صفحة خمسة وتسعين من شرح الشيخ رحمه الله.
أتَى الشيخ رحمه الله بهذه الأبيات المنسوبة إلى كثيّر عزة ومنسوبة إلى غيره: ولما قضينا من منًى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على دهْم المهار رحالنا ولم ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الحديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح
وهذه الأبيات أيها الإخوة في الأصل مثال عند ابن قتيبة على ما جاد لفظه ولا معنى وراءه؛ لأن هذه الأبيات يرون أن نظمها قوي، ولكن يقولون عند التفتيش لا نجد وراء ذلك كبير معنى، وهذا تجدونه عند ابن قتيبة في مقدمته الأدبية لكتابه الشعر والشعراء، وتابعه على ذلك ابن طباطبة، وتناولها ابن جني في الخصائص، وتناولها عبد القاهر في الدلائل؛ فتناول هذه الأبيات مضطردة على كونها مثالا على ما جاد لفظه عند مذهب أهل الفن الذين يفصلون بين اللفظ والمعنى، وهم ابن قتيبة وابن طباطبة الذي تبع ابن قتيبة في هذا، يفصلون بين المعنى، أو مثال على ما جاد لفظه ولم يكن وراءه معنى لم يحسن معناه.
فأتى الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله بهذه الأبيات، وجعلها مثالا على أهل المعاني، وهذا خلط شديد جدا؛ لأن هذا المذهب هو مذهب الطبقة الأولى. ثم لو كان المعنى هنا في قول المرزوقي: وهم أصحاب المعاني، هو المعنى الفني الذي يتحقق به شرط في المعنى من عمود الشعر، كان ذلك يعني أن الأنماط الثلاثة الأولى التي سماها المرزوقي أصحاب اللفظ لا تعنى بقضية شرف المعنى، لو كان المعنى هنا هو المعنى الفني الذي يتحقق به شرف المعنى -وجعله الشيخ الطاهر بن عاشور في شرف المعنى الشعري من عمود الشعر- كان ذلك يعني أن الأنماط الثلاثة الأولى التي سماها المرزوقي أصحاب اللفظ لا تعنى بقضية شرف المعنى، وإنما هي الألفاظ في ذاتها، وهذا تصور غريب من الشيخ رحمه الله.
وهذا لو كان يقصد إليه الشيخ فهو منه غريب، هذا لو كان يقصد إليه الشيخ الطاهر بن عاشور فهو منه غريب رحمه الله؛ لأن الإمام عبد القاهر أقام كتابه الدلائل على أن المراد من الألفاظ هي المعاني التي تحصل بها، أن المراد من الألفاظ هي المعاني التي تحصل بهذه الألفاظ، وسبق معنا مثال من تصريحه بذلك، سبق معنا مثال من تصريحه بذلك.
فهذا الموطن هو من أشد المواطن التي حصل فيها الخلط في كلام الشيخ الطاهر رحمه الله وجزاه خير الجزاء وأجزل له كامل المثوبة، فوجب التنبيه إليه. ومما يكشف كذلك عن وقوع الخلط الشديد في كلام الشيخ رحمه الله أنه لما ذكر النوع الأول، لما ذكر النمط الاول، صرح بأن منهم الإمام عبد القاهر الجرجاني، وذلك في الصفحة السادسة بعد السبعين من شرحه، إذ يقول بعد أن أتى على قول المرزوقي: فمن البلغاء من يقول: فِقَرُ الألفاظ وغَرَرُها كجواهر العقود ودُرَرُها، إلى آخر الفقرة التي هي النمط الأول، قال الشيخ في الصفحة السادسة بعد السبعين: وهذا المذهب هو الذي احتفل به الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز.
قال: وهذا المذهب هو الذي احتفل به الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز. إذا، الشيخ الطاهر بن عاشور يصرح بأن النمط الأول هو نمط عبد القاهر، يصرح بأن النمط الأول من مذاهب الاختيار هو نمط عبد القاهر. وفي الصفحة التي بعد السبعين، قال عن هذا النمط نفسه: وأصحاب هذا المذهب لا يعبؤون بالصنعة، ولا يتكلفون للمحسنات، ومنهم عبد القاهر، ومنهم عبد القاهر. إذا، الشيخ صرح مرتين بأن هذا النمط هو نمط عبد القاهر، ثم نقل عنه من أسرار البلاغة.
إذا، الشيخ الطاهر بن عاشور في موضعين من كلامه على النمط الأول يؤكد فيهما أن عبد القاهر من هذا النمط الأول؛ مرة من دلائل الإعجاز، ومرة من أسرار البلاغة. ثم لما تكلم الشيخ الطاهر بن عاشور، لما تكلم الشيخ عن مذهب أصحاب المعاني، أتى بما يكاد أن يكون عين كلام عبد القاهر، بعد أن جعل موضوعها شرف المعنى الذي هو الباب الأول من عمود الشعر، وشرف المعنى الذي هو الباب الأول من عمود الشعر هو مذهب عبد القاهر الذي جعله الشيخ الطاهر في النمط الأول، فالنمط الأول هو الذي يعنى بشرف المعنى بالمقام الأول، بل الأول والأخير يعنيه شرف المعنى.
فلما جاء الشيخ إلى الكلام عن مذهب أصحاب المعاني، أتى بكلام يكاد أن يكون كلام عبد القاهر في النمط الأول، وذلك في الصفحة السادسة بعد التسعين، يقول في كلمة عبد القاهر من قصد في أهل المعاني، قال: إن أهل هذا المذهب يقول الشيخ الطاهر بن عاشور، إن أهل هذا المذهب، أو قال: فمعنى قول المرزوقي، قال: فمعنى قول المرزوقي: من قصد فيما جاش به خاطره إلى أن تكون استفادة المتامل له والباحث عن مكنونه من آثار عقله أكثر من استفادته من آثار قوله، قال الشيخ الطاهر: إن أهل هذا المذهب يصرفون أكبر اهتمامهم عند قصدهم إفادة المعاني الأصلية إلى أن يودعوها في صور من المعاني البيانية تفيد متأملها معاني جمة، ليس كل معنى منها مستفادا من جملة أو عبارة، بل يستفاد الكثير منها من الجملة الواحدة، وذلك بحسن التوصيف بتشبيه قريب واستعاره لائقة، وسيشير المؤلف إلى ما يحاوله البلغاء من ذلك بكناية وتعريض وبضرب الأمثال.
هذا كله لا يجعل المعنى واقفا عند شرف المعنى عند أصحاب المعاني، هذا يتجاوز إلى شرف المعنى الذي هو مذهب الجميع. ثم قال: فاذا نظرت إلى قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]، وجدت التصور المفاد من كلمة اشتعل مغنيا عن أن يقال: شاب شعر رأسي دفعة واحدة ولم يترك الشيب منه شيئا كالنار إذا التتهت في الحطب، هذا يكاد أن يكون عين كلام عبد القاهر في تحقيق شرف المعنى من هذا النص.
بل أضف إلى ذلك ما ذكرناه من استشهاده بأبيات كثير التي استشهد بها عبد القاهر نفسه على مذهبه الذي أثبته له الشيخ الطاهر بن عاشور في النمط الأول، أضف إلى ذلك أن الشيخ الطاهر بن عاشور في مذهب أهل المعاني استشهد بالأبيات الثلاثة لكثير عزة التي استشهد بها عبد القاهر على مذهبه، وقد وضع الشيخ الطاهر عبد القاهر في النمط الأول!
فهذا يدل على أن هذا الأمر حصل فيه خلط شديد جدا، وعدم وقوف على المقصود في هذا الباب عند الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى، وهذا أمر يجب الانتباه إليه؛ لأنه خطير، ومن سيقراه على ظاهره وعلى ما قاله الشيخ الطاهر بن عاشور، على ظاهر ما قاله الشيخ الطاهر بن عاشور، فهو لن يفهم هذا الباب وسيخلط خلطا شديدا، بل سيشعر بالتيه في المسألة؛ لأنه لن يرى فرقا بين النمط الأول والنمط الأخير، وشرف المعنى هو بغيتهم جميعاً.
فهذه نقطة ينبغي أن ينتبه إليها. نعم، هناك استدراك آخر في كلام الشيخ الطاهر في ضبط الشيخ نسخته من مقدمة المرزوقي، في الصفحة السابعة بعد التسعين يا إخوة، هناك استدراك آخر على كلام الشيخ رحمه الله. أنتم عرفتم قول الشيخ، قول المرزوقي في أهل المعاني: ومن البلغاء من قصد فيما جاش به خاطره إلى أن يكون استفادة المتأمل له والباحث عن مكنونه من آثار عقله أكثر من استفادته من آثار قوله أو مثله، أو مثله.
الشيخ هنا قال: أو، هكذا قال: أو مثله. وقال الشيخ الطاهر هنا: ينبغي أن يضبط بضمتين جمع مثال، يعني أن يعتني بتصوير المعاني أكثر من عنايته بالقول والإيضاح بالأمثلة، يعني أن يعتني بتصوير المعاني أكثر من عنايته بالقول والإيضاح بالأمثلة. وهذا محاولة متكلفه جدا من الشيخ رحمه الله، وهي ظاهرة التنكب للصواب، وإنما أراد المرزوقي أن يقول، أراد المرزوقي أن يقول: إنهم هم يجعلون استفادتهم، يقول: أن يكون استفادة المتأمل له والباحث عن مكنونه من آثار عقله أن يكون من آثار عقله أكثر من استفادته من آثار قوله. إذاً، جعل القول في مقابل العقل، قال: أو مثله، يعني أن يكون أكثر أو أن يكون مثله، يعني؛ لأنهم يهتمون المعاني من حيث نفسها، فاما أن يكون ما يؤخذ من العقل أعلى مما يستفاد من القول، أو أن يكون مثله، ما يستفاد من العقل مثل ما يستفاد من القول، يعني أن يتساوى فن العقل والقول هنا، أن يتساوى عمل العقل وفن القول، أو يتفوق فن العقل، عقل لماذا؟ لأنهم أصحاب المعاني.
ولكن الشيخ لما لم يدرك هذا الأمر من الأول، قال: أو مثله، أن يكون مستفادا هكذا قال: أن يكون استفادة المتأمل له والباحث عن مكنون آثار عقله أكثر من استفادته من آثار قوله أو مثله، يعني ألا يضرب الأمثلة، وهذا غريب! يعني هو عطف هنا المثل جمع مثال على القول فقال: ألا يستفاد من القول ومن الأمثلة المضروبه في القول؟ من قال هذا؟ الأمثلة هي عين هي من أركان مذهب أصحاب المعاني.
فكلام الشيخ هنا رحمه الله أيضا فيه اضطراب شديد ظاهر كما لا يخفى، وهذا لا يؤثر في مكانة الشيخ مفسرا وعالما جليلا وفقيها له مكانة، لكن في الأخير النظر والتدقيق هو الذي يقضي بما ننتهي إليه من التصور الصحيح. فقول الشيخ: أو مثله، هذا تكلف منه شديد، وكان الكلمة ابتعدت عنه في السياق، وإنما أراد المرزوقي: أو مثله، أو مثله. وهذا هو ما ضبطت عليه نسخة الشرح التي بين أيدينا، وهي النسخة المصرية، نعم.
ونرجع الآن بعد هذا التنبيه إلى سياقنا إن شاء الله تعالى، قال: ومن البلغاء من قصد فيما جاش به خاطره إلى أن يكون استفادة المتأمل له والباحث عن مكنونه من آثار عقله أكثر من استفادته من آثار قوله أو مثله، أن يكون أكثر أو مثله، أكثر من استفادة، لكن لا يقل عن القول، أما أكثر وأاما أقل، فهمنا هذا؟ قال: وهم أصحاب المعاني، فطلبوا المعاني المعجبة من خواص أماكنها. فطلبوا المعاني المعجبة من خواص أماكنها، يعني أن تكون معنى من خواص أماكنها، يعني كانت هذه المعاني، أو كانت عنايتهم، أي كانت عنايتهم أن ياتوا بالمعاني الصحيحة من خصوص معدنها الذي يكون به المعنى صحيحا مصيبا في ذاته، فياتون بالحكمة الصحيحة التامة والفلسفة الرزينة.
فمثل هؤلاء لا يرضيهم مثلا قول طرفة بن العبد: أرى قبر نحّام بخيل بماله كقبر غويّ في البطالة مفسدِ ترى جُثْوَتَيْنِ من تراب عليهما صفائح صُمٌّ من صفيح منضّدِ
أرى قبر نحام بخيل بماله كقبر غوي في البطالة مفسد، ترى جثوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفيح منضد، لا يعجبهم هذا؛ لأن المعنى هنا انفعال فتًى، وليس إصابة المعنى من خصوص مكانه ومعدنه، هذا المعنى هو انفعال فتى، وإن كان خرج على صورة الحكمة، وله لذة الشعر، وله انهاض الشعر وتخييله، لكنه خرج من شاب غير ناضج منفعل، فالمعنى هنا لم يستخرج من خصوص مكانه كما قال، وإنما استخرج من صدر شاعر، ومن صدر شاب مبتل، لم تكمل حكمته، ولم ينظر إلى آخرته، ونحو ذلك. فأخذ المعنى من غير مكانه.
وإنما سيروقهم جدا، سيروقهم جدا قول زهير بن أبي سلمى: ومن لم يصانع في أمور كثيرة يدرسْ بانيابٍ ويوطأ بمنسمِ
وسيعجبهم قوله: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأمِ
لأن ذلك مستخرج من معدن التجربة التي تشترك فيها الناس، فتتحقق النفعية، وهذا ما يرنو إليه أصحاب المعاني، هذا هو ما يرنو إليه أصحاب المعاني: وعلمتُ علم اليوم والامس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمِ
ومن لم يصانع في أمور كثيرة، أو ومن يكُ ذا فضل فيبخل بفضله على قومه يستغنَ عنه ويذمم، إلى آخر الأبيات.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكْتُمُوا اللَّهَ مَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم، يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب، أو يعجل فينقم، لأن هذه المعاني استخرجت من معدنها، هذا معنى قوله: من خواص أماكنها.
يعني هذه الكلمة وراءها سر وراءها معنى، وهو أنه يشير إلى أن الاعتبار هنا لا ينظر فيه إلى الشاعر بذاته، وإنما يأخذون المعاني من خواص أماكنها، وخواص أماكنها منفصلة عن الناس وعن التجارب، ما يسمى بالتجارب الشخصية والذاتية هؤلاء أصحاب المعاني.
فبيت طرفة بن العبد لا يروقهم إلا أن يكون الكلام في عهد إلحاد وإنكار تام للبعث والحساب، فهنا ربما يكون نظر والله تعالى أعلم، قال: فطلبوا المعاني المعجبة من خواص أماكنها، وانتزعوها جزل، أي قوية، عذبة، عذبة مستمراة، حكيمة ظريفة أو رائقة بارعة، يعني أن تكون ظريفة محببة إلى النفس، أو أن تكون صافية راقية فيها براعة وخبرة ومعرفة.
فاضلة كاملة، انظر فاضلة كاملة، هذه صفة أهل المعاني، يعني يريدون من هذه المعاني أن تكون فاضلة، يعني ينتقل فضلها إلى الناس، ينتقل فضلها إلى الناس، فنظروا إلى كونها فاضلة كاملة في ذاتها، ولم ينظروا هنا إلى خصوص الشاعر، كما رأينا في حال طرفة بن العبد وكما نرى في أحوال شعراء كثيرين، إنما يجتزئون المعاني بحسب ما يحتاجونها إليه، فربما تأتي فاضلة ولا تأتي كاملة، هم يريدونها فاضلة كاملة، لطيفة شريفة زاهرة فاخرة.
لطيفة سريعة الوصول دون رهق، شريفة رفيعة في قيمتها الذاتية، زاهرة فاخرة أي واضحة جلية، من شأنها أن يفخر بها في ذاتها، لها قيمة عالية، وجعلوا رسومها، يعني هيئتها في الفن وهذا شرطها يا إخوة، قال: وجعلوا رسومها أن تكون قريبة التشبيه، لطيفة أن تكون قريبة التشبيه، لائقة الاستعارة، صادقه الأوصاف، صادقة الأوصاف نعم، أراد أن تكون لها هيئة في الفن في هذه الأبواب الثلاثة التي ذكرها، وهذا شرطها حتى تظل فناً وإلا لم تكن معتبرة، ولم ينظر إلى أصحابها على أنهم من أصحاب الاختيار من بعض وجوه الفن، ولم ينظر إليهم على أنهم من نقاد كلام.
وقرب التشبيه، وقرب التشبيه، وصدق الوصف أو قرب التشبيه ولياقة الاستعاره وصدق الوصف هي من أبواب عمود الشعر التي يشترك فيها أصحاب الأنماط جميعاً، ونلاحظ أن المرزوقي اكتفى بهذه الأبواب الثلاثة من عمود الشعر الذي له سبعة أبواب، اكتفى بهذه الأبواب الثلاثة مع أهل المعاني من أبواب عمود الشعر السبعة، لأنها الأبواب التي لها مساس مباشر بمعاني بل هي نفسها تعد معانيه، هي نفسها تعد معانيه، وهذا يدل على أن أهل المعاني ليسوا هم أهل شرف المعنى حصرا.
وهذا يدل على أن أهل المعاني ليسوا هم أهل شرف المعنى حصرا، لأن هذا الباب هو شرط في الشعر كله، ولو خرج عنه شعر لم يكن شعرا، ومن قال من أهل النقد بغير شرف المعنى لم يكن من أهل النقد بل كان من العوام، فهذا كذلك يؤكد على عدم إصابة الشيخ الطاهر بن عاشور فيما بيناه رحمه الله تعالى وجزاه خيرا.
المسائل هنا واضحه يا إخوة، أنا أكون مختصرا دقيقا واضح العبارة، لأن هذه أمور فيها دقة، يعني هذه فيها تعثر بعض الشيء، نعم واضحه الآن صارت وتحقيق القضية هنا واضحة، ربما يحتاج إلى أن تسمعوها مرات، نرجع إلى سياقنا، قال: أن تكون قريبة التشبيه، لائقة الاستعارة، صادقة الأوصاف، قال: لائحة الأوضاح، لائحة الأوضاح، الأوضاح جمع وضح، وهو هنا الدرهم الصحيح صافي الفضة، الدرهم الصحيح صافي الفضة.
نعم والأوضاح قالوا هي حلي يصنع من هذه الدراهم الصحيحة، حلي يصنع حلي نوع من الحلي يصنع من هذه الدراهم الصحيحة، فقوله لائحة الأوضاح يعني أنها تلوح ولها فرند ورونق وماء من صفاء معدنها، ومعنى ذلك في المعاني أن تكون المعاني واضحة لها ما يجذب الأنظار، ولها جمال في النفوس، لأن المعاني يعنى بها لذاتها، فاذا عنيت بالمعاني لذاتها فينبغي أن تكون محببة إلى النفوس، تخلبهم وتلوح لهم كما تلوح الأوضاح المذكورة.
خلابة في الاستعطاف، خلابة يعني مستميله للقلوب تأخذ القلوب والأبصار، وهذا معنى الخلب هنا، فاراد أنها تخلب القلوب والأنظار وتستعاطفها، والاستعطاف هو الاستم، فقال: خلابه في الاستعطاف أي في عطف القلوب نحوها، عطافة خلابة في الاستعطاف عطافة لدى الاستنفار.
عطافة يعني أنها تكثر أن تعطف عند الاستنفار، أي أنها إذا استعملت في انهاض النفوس عطفتها واستنفرتها إلى ما يراد منها، هذا معنى عطافة في الاستنفار، أو لدى الاستنفار، مستوفية لحظوظها عند الاستهام من أبواب التصريح والتعريض والإطناب والتقصير والجد والهزل والخشونة واللين والآباء والأسماح من غير تفاوت يظهر في خلال أطباقها.
يريد من هذه المعاني أنها تكون تامة الحظوظ، أي الأنصبة، عند الاستهام، يعني عند المقارعة وعند المسابقة في أبوابها، مستوفية من ماذا؟ من هذه أبواب التي ذكرها مثالا وليس حصرا، أن يكون تصريحا مره، أن يكون تعريضا مره، أن يكون إطنابا مره إطالة في الكلام إذ تقتضي الحكمة ذلك، وأن يكون مختصرا مره، كما في قيمتها: وَكُلُّ امْرِئٍ يُولِي الْجَمِيلَ مُحَبَّبٌ، وكل امرئ يولي الجميل محبب، هذا مختصر جدا قصير، والجد والهزل.
وهذا يدلكم على ما قاله القرتاجني من أن الهزل قد يدخل في الجد أحيانا، ويدخل في المعاني الكبيرة ولكن يدخل فيها بقدر، وهذا يدل على أن العرب القدماء وأن نقاد العرب عرفوا دخول التهكم في عظيم المعاني، لأن الهزل هنا من مادته التهكم، وربما يراد من هذا التهكم وهذا الهزل إيصال المعاني العظيمة، فقال لك هنا الجد والهزل قد تجد في معان فخمة عظيمة، وقد تهزل فيها بقدر دون أن يتحول النص إلى هزل فيخل بقيمه المعاني.
وهذا يعرفه الشعراء المتقنون، يعرفون جيدا كيف يدخلون الهزل بمقدار ليؤول إلى الجد في الأخير، ليؤول إلى الجد في الأخير نعم، والخشونة والليان، لأنه أحيانا يكون المعنى يحتاج إلى خشونة في الأداء، وأحيانا يحتاج إلى لين في الأداء، وكل بحسبه، فمثلاً قول أبي الطيب، طيب قول أبي الطيب: على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتاتي على قدر الكرام المكارم، وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم، هذا شديد.
وكذلك بائية أبي تمام، وكذلك عمرو بن كلثوم: تهددنا وأوعدنا رويدا وهكذا، وأبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقين، بأنا نورد الرايات بيضا ونصدرهن حمرا قد روينا، وأحيانا يكون المقصود هو اللين كما ترى في المواعظ والتودد، وترى في المدائح النبوية قوية، ترى فيها لينا وترى في نفس القصيدة شدة أيضا في مواضع أخرى، والمقصود هو أن يضع الشاعر الاسلوب الأمثل في موضعه.
قال والآباء والأسماح، الآباء الشدة يأبى أحياناً، أحياناً النص تبطئ فيه في استخراج ما فيه وتقف عنده وتتأمل ثم يسمح لك وينعم، نعم.
من مثال الأباء من مثال اللين عندي: ﴿فَلَا تَكْتُمُوا اللَّهَ مَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ أو ما في صدوركم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم، يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم، وكذلك حلفت فلم أترك لنفسي كريبة، وهل يأثم ذو أمة وهو طائع؟ بمصطحبات من لصاف وثبرة يزرنلا سيرهن التدافع، هذا من الكلام اللين.
أتاني أبيت اللعن انك لمتني وتلك التي تستك منها المسامع، مقالة أن قد قلت سوف أناله وذلك من تلقاء مثلك رائع، لعمني وما عمري علي به لقد نطقت بطلا علي الأقارع، أقارع عوف لا أحاول غيرها سيخشن الآن وجوه قرود تبتغي من تجادعه، نعم وكذلك أحسنت أحسنت، أتوعيد عبدا لم يخنك أمانة وتترك عبدا ظالماً وهو ضالع؟ هذا هو.
قال: مستوفية لحظوظها عند الاستهام أي المقارعة والسباق، من أبواب التصريح، يعني مستوفية من أبواب التصريح والتعريض والإطناب والتقصير والهزل والخشونة واليان، والجد والهزل والخشونة واللين والآباء والأسماح، من غير تفاوت يظهر في خلال أطباقها، من غير تفاوت حذر، لماذا؟ لأن المراوحة بين هذه الأساليب ربما يؤدي إلى أن تتفاوت البلاغة، شرط المراوحة بين هذه وأن تأت بهذه الألوان ألا تختل البلاغة في موضع.
يعني المراد بالاطباق هنا جمع طبق، يعني المراحل التي ترتقي فيها في النص، أول القصيدة صدر القصيدة، وبعد أو مطلع القصيدة وصدر القصيدة وسط القصيدة قرب نهايتها آخرها، مراحل المعاني وطبقات المعاني، كلما تقدمت فيها ينبغي ألا تتفاوت القصيدة، وهذا هو الأصل، ألا تتفاوت البلاغة وإن تفاوتت الأساليب والوجوه بين التصريح والتعريض والإطناب والتقصير والجد والهزل والخشونة واللين والآباء والأسماح.
وهذا يدلك على أن الإطناب بلاغة، وأن التقصير بلاغة، وليس كما يظن البعض خطأ أن التقصير سيره الذي هو الإيجاز دائما يكون أولى من الإطناب، هذا خطأ، الإطناب في مكانه إيجاز كما قالوا، نعم.
رأيتم يا إخوة كيف الأمر في الشعر ليس هينا شديد، هؤلاء الذين يزقزقون ويقولون أي كلام، قال: من غير تفاوت يظهر في خلال أطباقها، ولا قصور ينبع من أثناء أعماقها، لماذا؟ لأن لها لأن لها أو لأنها معان، لأنها معان صحيحة في الأصل خلاص.
وهذه المعاني ربما إذا ركبت عليها هذه الوجوه أخلت بها، أو ربما إذا ركبت عليها تكون معاني غير صحيحة، فإذا ركبت عليها وجوها من البيان عميت عليها، هذا ما يرفضه أهل المعاني، ركزوا في هذه جيدا يا إخوة، لماذا قال ها، لماذا بعد أن قال من غير تفاوت يظهر في، لماذا بعد أن قال مستوفية لحظوظها عند الاستهام من أبواب التصريح والتعريض والإطناب والتقصير والجد والهزل والخشونة واللين والآباء والأسماح من غير تفاوت، لماذا قال من غير تفاوت عرفنا، ولماذا قال ولا قصور يعني من غير تفاوت ولا قصور ينبع من أثناء أعماقها، لماذا؟
لأنك تتعامل هنا معان صحيحة في الأصل خلاص، معاني صحيحة في الأصل، كل ما هنالك أن أصحابها يعتنون بوجوه فنية تجليها، فينبغي ألا نغيب عن الأصل وأن نكتشف من تحت هذه المعاني أو من تحت هذه الوجوه خللا في الأعماق، هم يشترطون أول كل شيء أن المعاني مأخوذة من أماكنها أو من خصوص أماكنها كما عرفت، وينبغي أن تكون صحيحة جدا في ذاتها، كمعاني الحكمة وتجارب الحياة ومعاني الدين المقطوعة.
فينبغي وأنت تاتي بهذه الوجوه الفنية من إطناب وتقصير وتصريح وتعريض وخشونة ولين وآباء وسمح، ينبغي ألا نكتشف في أعماق المعاني تحت هذه الوجوه خللا، طيب وأصحاب النمط الأول لا عادي مختل لا شيء، فلتختل المعاني عندهم في أصولها، تكون معاني فاسدة دينيا أخلاقيا، تكون كذبا فاسدة في ذاتها، كل هذا لا يعنيهم، الذي يعنيهم هو أنها صورت بما يحصل به الإبهار.
وستعلمون في الأخير أن هذا هو ما يراد بالشعر، وأنهم اجمعوا على أن الشعر إنما يراد به التخييل لا التحقيق، كما قال ابن خفاجة الأندلسي في مقدمة ديوانه نعم، فهذه معان في ال هي معان صحيحة في الأصل، لا يمكن نقضها، ينبغي أن تكون مما لا يمكن نقضه، بخلاف حكمة طرفة وبعض حكمة من وبعض حكمة أبي فراس الحمداني أو بعض معانيه من تجاربه الخاصة.
فلما قال مثلا: معللتي بالوصل والموت دونه، إذا مت ظمانا فلا نزل القطر، البعض لم يعجبهم هذا من جهة الأثرة، وأنه لم يتمنى الخير لأحد إذا لم ينله هو، وقالوا هذا معنى ينبغي ألا يكون ومعنى معنى كذا، فهذا لا ربما لا يروق لبعض أصحاب المعاني، فهذا ربما إذا تعمق فيه وجدوا فيه خللا، ولم يعجبهم أن ي اتجاه شخصي لهم، لم يعجبهم أن يغطى بالفن حتى وإن أهض وكذا، هذا مذهب شخصي ليس مذهبا فنيا، الفن يرجع إلى معيار كما سياتي نعم.
قال: ولا قصور ينبع من أثناء أعماقها، فهمتم ماذا يرد من هذه العبارة؟ قال: مبتسمة من مثاني الألفاظ عند الاستشفاف.
مبتسمة من مثاني أي من بين الألفاظ، من بين ثنايا الألفاظ عند الاستشفاف، والم الاستشفاف هو النظر من الشفوف جمع شف وشف، وهو الثوب الرقيق الذي لا يمنع من رؤية رؤية ما وراءه، لا سيما عند إنعام النظر، لا سيما عند إنعام النظر، فهذا الاستشفاف هو النظر من وراء الشفوف نعم.
قال: مبتسمة من مثاني الألفاظ عند الاستشفاف، محتجبة في غموض الصيان لدى الامتهان.
محتجبة في غموض الصيان لدى الامتهان، يعني ليست مباشرة سهلة، ليست مباشرة سهلة، وإلا لم تكن فناً يا إخوة، كل ما هنالك أن أصحابها يعتنون المعاني لذاتها، يحبونها لذاتها، وكما قال: ما يكون عن طريق العقل في المعاني، إما أن يكون أكثر من المأخوذ بترتيب النظم وفن القول، أو مثله، أما أن يكون أعلى منه أو مثله، فالوجه الذي يرفضونه هو ماذا؟
هو أن يكون المأخوذ بالقول أعلى من المأخوذ بالعقل، هذا مذهب طائفة نمط رابع، وتلاحظون أن المرزوقي جعله الأخير، وجعل أصحاب النمط القديم الذي هو مذهب عبد القاهر جعله الأول، جعله الأول، وزاد عليه طبقتين للبديع، طبقة بديع التيسير والبناء، ثم طبقت بديع الأجزاء، ثم طبقت بديع الأجزاء خلاص، وجعل هذه الطبقة رابعة، فهؤلاء لا يتركون الفن، الفن عندهم إما مثل المعنى أو دونه بقليل، لكن موجود، أعمال العقل في المعاني عندهم إما مثل القول أو فوقه كما قلت لك، لكن القول موجود، إما كالمعنى أو أقل منه قليلاً، يعني إما كالأخذ بالعقل أو أقل منه قليلاً، يعني التأثير بفن القول موجود، إما أن يكون كالتاثير بالعقل أو أقل قليلاً، لكنه موجود.
ولذلك، ولذلك قال، ولذلك قال: محتجبة في غموض الصيان لدى الامتهان، يعني لو أخذتها مباشرة في الأخير هو شعر، لن تاخذها مباشرة، هو يبقى شعرا أيضاً، يبقى شعراً.
تعطيك مرادك إن رفقت بها، وتمنعك جانبها إن عنفت معها. لو تعندت في فهمها وحاولت أن تأخذها من طريق غير الطريق السلس على السجية والعقل الأول من الطبقة من الفهم هكذا، لم تعطك شيئا. لأن أصحابها لم يعقدوا الوصول إليها، ولهذا قال: وتمنعك جانبها إن عنفت معها. يعني إن ذهبت تحاول أن تستخرج منها عن طريق التكلف والتعامل، لا؛ أهل المعاني لا يفعلون هذا، لأنهم يحبون إيضاح المعاني وإيصال المعاني لأن عملهم بالعقل أكثر. ليس معنى هذا أن الآخرين أهل القول الفن القولي يفعلون هذا، هذا مرفوض عند الجميع، لكن هناك صفات مشتركة بينهم منها هذه الصفة.
كل الشعر ينبغي أن يؤخذ بالسجية، والاعمال يكون في المعاني وبتداعيات المعاني والدلالة وليس عن طريق التكلف والغموض. وهذا فرق كبير بين العمق وبين الغموض، بين العمق والتعقيد، هذا فرق كبير بين العمق والتعقيد. ولذلك قالوا كما نقل ذلك ابن رشيق: شر الشعر ما سئل عن معناه. أن تقول ما معنى هذا، يعني أنت تفهم العربية وتفهم التركيب ثم تقول ما معنى؟ وليس كما يفعل البعض من العامة، يكون جاهلا ويظن نفسه قارئا للشعر، فإذا لم يفهم بيتا قال ما معناه؟ إذا شر الشعر ما سئل عن معناه. لا هو أنت جاهل، أما إذا كنت تفهم العربية وتفهم الدلالات الدقيقة وتفهم التراكيب ثم لم تعرف المعنى، فهذا عندك إشكال، نعم، في هذا البيت يكون هذا النص هو شر الشعر.
قال فهذه مناسب المعاني لطلابها، لكن نبدأ من هذا المرة القادمة، لا أريد أن أطيل اليوم، لكن أقول تأملوا في هذا السياق في فصل أصحاب المعاني عن الأولين. تأملوا كلمة أبي العلاء المعري: إنما أبو تمام والمتنبي حكيمان والشاعر البحتري. سترى أن أبا تمام والمتنبي معروفان بأنهما يعنيان شديدا بالمعاني في ذاتها ويخلان بالألفاظ لأجل ذلك، فتستهلك الألفاظ من المعاني، ومن هنا كثرت المآخذ عليهما أكثر مما أخذت على البحتري؛ لأن البحتري من النمط الأول ظاهرا ومن كل الأنماط باطنا. هذا كلام خطير، لأن البحتري من النمط الأول ظاهرا ومن كل الأنماط باطنا، لأنه يأتي ببديع الأجزاء كثيرا، وببعض صور بديع التيسير والبناء، ولكنه يأتي على ذلك بصبغة من الطبع تغطيه تشبه الطبع الذي عند الجاهليين.
فالجاهليون مهما أكثروا من هذا النوع لن تشعر به، لن تشعر به؛ لأن الطبع يغلبهم لا يظهر فيه التصنع والقصد إلى البديع والاجتهاد فيه. البحتري حتى لو أكثر منه خفيف مغطى بالطبع. سترى أكثر المآخذ على أبي تمام وأبي الطيب المتنبي من جهة النظم واللغة، وقد أخذوا على المتنبي كثيرا من التعمل وضعف التركيب، بل هذا صرح به أبو القاسم الأصبهاني وذلك في كتاب الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم الأصبهاني. له كلمة في الصفحة السابعة بعد العشر والثامنة بعد العشرين تفهمون منها قضية الشاعر الذي هو شاعر المعنى وأين يكون خلله.
قال الشيخ أبو القاسم الأصبهاني: جملة القول في المتنبي أنه من حفاظ اللغة ورواة الشعر، وكل ما في كلامه من الغريب مستقاه من الغريب المصنف سوى حرف واحد هو في كتاب الجمهرة. وأما الحكم عليه وعلى شعره فهو سريع الهجوم على المعاني، يقول: فهو سريع الهجوم على المعاني، وكان الأصل أن يتأنى في المعنى ويتأنق فيه، ونعت الخيل والحروب من خصائصه، وما كان يرضى طبعه في شيء مما يسمح به يقبل الساقط الردي كما يقبل النادر البدع. وفي متن شعره وهي وفي ألفاظه تعقيد وتعويص. وهذا كلام خطير، إنه فرع عن قضية كون المتنبي شاعر معنى يعنى بالمعنى ولا يبالي أحيانا بإفساد القول الذي يستهلك المعنى نفسه، فيكون الحكم على البيت بالرداءة بحسب ما وقع فيه من الإخلال بالقول.
وكذلك ابن رشيق في حديثه عن المعاضلة من كتاب العمدة بين أن أبا الطيب عامة شعره معاضلته. قال: عامة شعره في المعاضل يعاضل ويتكلف ويقدم ويؤخر شديدا. وهذا حقيقي، ولهذا عندهم ما يعرف بأبيات المعاني التي كتب فيها ابن جني في الفسر الصغير وكتب فيها أبو القاسم الأصبهاني مستدركا على ابن جني، الكتاب الواضح في مشكلات شعر المتنبي. ترى الأبيات رديئة كثيرا، يعني كثيرا ما تراها رديئة من جهة النظم لكن وراءها معنى يحتاج إلى كشف. فهذا معنى قولهم إن عدم العناية أو أن الألفاظ إذا لم تجود استهلكت المعاني.
وسنرى أن عناية أبي الطيب المتنبي بذات المعنى أوقعته أيضا في الغلو، ولذلك سترون أن أبا الطيب وأبا تمام لهما عيوب مزمنة. وهذه الفائده التي تكتبونها الآن: إن عناية أهل المعاني المعاني على حساب القول جعلت عندهم ضعفا في رعاية القول فأظهرت عندهم عيوبا مزمنة بحسب عنايتهم بالمعنى على حساب النظم. فأبو تمام عنده عيوب مزمنة، وأبو الطيب عنده عيوب مزمنة، فكان ما أدركه أبو العلاء المعري حين قال: إنما أبو تمام والمتنبي حكيمان والشاعر البحتري. هذا على جهة الكمال، وإلا فجميعهم شاعر، وأبو تمام شاعر عظيم فحل، والمتنبي شاعر عظيم فحل، ولكن الأمر هنا بالنظر إلى البحتري.
وهذا آخر ما أردت أن أبين وأن أضحه من قضية الطبقات، وننتهي من حديثها إن شاء الله تعالى في اللقاء القادم لنلج إلى قضية عمود الشعر الذي هو مرجع ذلك كله. شكرا لكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد