الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فإنا في الدرس الماضي كنا نتحدث في باب عقد أهل الذمة، ولكن قبل الشروع في فصل في أحكام أهل الذمة، أحب أن أنبه إلى شيء تقدم ذكره وهو في البيت رقم تسعمائة وتسعة وثلاثين، في هذا البيت قال: وبين قسمة ووقف خيرا لما مؤن بالسيف تفتح القرى والوقف من تحت يديه قر أدّى خراجا فيه مستمرا هذا وضحناه، وقلنا إن الإمام مخير فيما فتح بالسيف بين أن يقفها على المسلمين أو أن يقسمها بين الغانمين، وأن العلماء مختلفون في هذا الموطن على فريقين؛ فريق يرى القسمة بين الغانمين، وأظنهم المالكية والشافعية، وفريق يرى أن الإمام مخير بين أن يقسمها بين الغانمين وبين أن يقفها على المسلمين، وهو الذي فعله عمر رضي الله تعالى عنه، وأنكر عليه بلال في بعض الروايات، لكن الذي استقر عليه الأمر أن الصحابة وافقوا عمر بعد ذلك، وهذا عليه الحنابلة وأظن معهم الحنفية.
كنت أردت أني أذكر استدلال الحنابلة فلم أهتدِ إليه، فراجعته، واستدلالهم يقولون إن الغنيمة التي تقسم المذكورة في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41]. قالوا: الغنيمة المقصودة هنا ليست الأراضي التي فتحت عنوة بالسيف، ليس المقصود بها القرى، وإنما الغنائم العينية. ما الدليل على ذلك؟ قالوا: الدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث في الصحيحين: «إن الغنائم كانت محرمة على من كان قبلنا، وإنما أحلت لنا الغنائم»، يعني من الخصائص التي خصت بها هذه الأمة أنها أحلت لنا الغنائم ولم تحل لأحد قبلنا؛ كانوا السابقون إذا جاءتهم الغنائم أو غنموا من الناس جمعوا هذه الغنائم فتأتي النار فتحرقها، وأما المسلمون فإنه حلت لهم الغنائم.
يقولون ما دام أن الغنائم لم تحل لأحد قبل هذه الأمة معناه أن الأراضي لا تدخل في تلك الغنائم؛ لأن الأراضي حلت للأمم السابقة بدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: 137]، فحلت لهم الأراضي مما يدل على أنها ليست من الغنائم. هكذا استدل الحنابلة، والحقيقة أنه يمكن أن يجاب على الحنابلة بأن «أحلت لنا الغنائم» ليس المقصود بها كل الغنائم، وإنما المقصود بها العينية، فتكون كلمة الغنائم يدخل فيها الأراضي وغيرها، لكن هنا في هذا الحديث يكون المراد ما يقبل الحرق وهو الغنائم العينية، وأما ما لا يقبله فقد أحلت لنا وأحلت لمن قبلنا، وبالتالي فقوله هنا في الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41]، هذه الآية تكون أعم، فتشمل الأراضي وغير الأراضي، يمكن أن يجاب بهذا الجواب. المهم أن لكل فريق دليلاً، ولكن تصرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وموافقة الصحابة له وتعليله يدل على جواز أن تكون هذه الأراضي وقفاً على المسلمين، وهكذا رأى أرض الشام كلها تقريباً وقفاً على المسلمين، وإن كانت الآن ما ندري ما حالها، ربما هذه الضرائب التي تؤخذ تذهب لصالح بيت المال؛ لأنه يؤخذ على الأراضي ضرائب ونحو هذا. أحببت أن أنبه إلى هذا الدليل الذي استدل به الحنابلة هو ما يمكن أن يجاب به من قبل الفريق الآخر، وإن كنت لم أرَ أجوبتهم أو لم أراجعها.
نرجع إلى الفصل الذي نريد أن نتحدث عنه اليوم وهو قول الناظم: فصل في أحكام أهل الذمة، قال: بحكم الإسلام الإمام الزم في مالهم وعرضهم وفي الدماء بحكم الإسلام؛ يعني أن الإمام ملزم أن يحكم في أهل الذمة بحكم الإسلام، سواء في الأموال أو في الأعراض أو في الدماء. في مالهم؛ قد يكون هذه اللفظة فيها شيء من الإلتباس، وكذلك في عرضهم، المقصود به عرض أهل السكن الموجودين في ديار الإسلام سواء كانوا من أهل الذمة أو كانوا من أهل الإسلام، ويمكن أن يغير هذا البيت لئلا يلتبس، فيقال مثلاً: في المال والعرض كذا وفي الدماء بحكم الإسلام الإمام الزم المهم المقصود به أنه لو كان أحد من أهل الذمة أتلف مالاً فإنه يضمنه، يحكم بحكم الإسلام فيه، لو أتلف هو المال يضمن المال، ولو أتلف ماله يضمن له؛ لأنه معصوم المال والدم، وهكذا إذا اغتاب أحداً أو قذفه فيحكم فيه بحكم الإسلام. ماذا يحكم الإسلام فيمن يغتاب أو فيمن سب أو فيمن قذف؟ فيطبق عليه حكم الإسلام، كما أنه إذا حصل له هذا الأمر إذا اغتيب، والغيبة ليس فيها حكم شرعي إلا إذا كان هناك مسبة ربما يعزر عليها الإنسان، إذا قذف بالزنا لا سمح الله فيحكم أيضاً عليه وله بحكم الإسلام. وفي الدماء أيضاً، هو في المال والعرض حكمه حكم المسلم؛ لأنه مصون الدم ومصون المال ومصون العرض وهو خاضع لحكم المسلمين والمسلمون يحمونه لأنه ممن يسكنون في بلدهم بعقد الذمة. أما الدماء فهناك شيء من الاختلاف بين الذمي والمسلم، فالذمي إذا قتل مسلماً يحكم فيه بحكم الإسلام فيقتل به، وإذا قتله مسلم فقد اختلف الفقهاء، والذي عليه جمهور أهل العلم ومنهم الحنابلة أن المسلم لا يقتل بالذمي، وإنما يعزر، أما أن يقتل مسلم بكافر فالحديث الصحيح المشهور: «لا يقتل مسلم بكافر». هذا أخذ به الجمهور، الحنفية أو أهل الرأي يقولون إن المقصود به الحربي، الحقيقة الحربي هو لا يحتاج إلى تنويه أنه لا يقتل مسلم بحربي؛ لأن الحربي أصلاً مباح الدم وليس مصون الدم، فيقول هنا: بحكم الإسلام الإمام الزم في مالهم وعرضهم وفي الدماء.
وفي إقامة الحدود فيما يرون فيه عندهم تحريماً، يلزم بإقامة الحدود عليهم فيما يرون فيه تحريماً، فمثل الزنا هو حرام عندهم فيحكم عليهم بحكم الإسلام؛ إن كان محصناً رجم، وإن كان غير محصن جلد، وهكذا في الأمور المحرمة، لكن هناك أشياء غير محرمة، مثلاً شرب الخمر عند النصارى واليهود ليس محرماً فلا يحكم فيهم بحكم الإسلام، بل لا يحكم عليهم أصلاً؛ لأنه حلال عندهم. فالذي يرونه حراماً يقام فيهم حكم الإسلام ولو كان الحكم عندهم مخالفاً لحكم الإسلام، فمثلاً الزنا هم يرونه حراماً، هذا حرام باتفاق العلماء وباتفاق الأمم إلا الأمم المتأخرة الآن أصبح كل شيء عندهم حلال نسأل الله العافية والسلامة، لكن المقصود أهل الذمة أهل الكتاب؛ فالزنا عندهم حرام، لكن ما هو حكم الزاني عندهم؟ هذا أمر آخر، نحن لا نلتفت إلى حكمهم على الزاني وإنما نلتفت إلى حكم الإسلام فنقيم عليهم حكم الإسلام. وما يرونه حلالاً عندهم مثل الخمر وأكل الخنزير وهكذا عند المجوس؛ لأن المجوس يعتبرون من أهل الذمة عندنا وكذلك عند جماهير أهل العلم، المجوس يرون جواز نكاح القريبة المحارم هذا عندهم حلال، فلا يعاقبون على ذلك إذا حصل منهم، لكن ليس معنى عدم معاقبتهم أو تركهم وما حللوه عندهم أننا لا نؤاخذهم به إذا أظهروا، يجب عليهم ألا يظهروا شرب الخمر، ولا يظهروا أكل الخنزير، وكذلك لا يظهروا نكاح المحارم، عليهم أن يكون هذا فيما بينهم في كنائسهم أو في بيعهم أو في معابدهم دون أن يكون هذا ظاهراً للمسلمين، وسيأتي في نقض العهد بالنسبة لأهل الذمة أن من زنا أو أظهر شيئاً من المحرمات عندنا وإن كان حلالاً عندهم أن هذا ينتقض عهدهم.
قال: وميز الذمي عمن أسلم، والخيل لا يركب، واسترجما. ينبغي أن يميز الذمي عن المسلم حتى يعرف أن هذا ذمي فيعطى أحكامه، ويعرف أن هذا مسلم فيعطى أحكامه، يميز بماذا؟ بأشياء منها اللباس؛ يكون لباسهم مختلفاً عن لباس المسلمين، يشد الزنار على وسطه مثلاً، وهكذا منها المركوب؛ لا يركب الخيل، المركوب الذي ينبئ عن شرف صاحبه وعزته لا يركبه الذمي، وهذا كله حمل له على أن يدخل الإسلام، ويعرف أن في الإسلام أهل الإسلام عندهم خصائص ويميزون بأشياء يحمله ذلك على الدخول، وكله لأجل مصلحتهم، وهو إنما أقر لأجل أن يرى شرف الإسلام وإلا فدينه باطل؛ لأن الإسلام هو خاتم الأديان، وإقرارهم على النكاح وعلى الحلال عندهم ليس أعظم من إقرارهم على كفرهم وأخذ الجزية عليه، بعض الناس يقول لماذا نقرهم على شرب الخمر خفية أو أكل الخنزير خفية ما دام أنهم في دارنا؟ نقول: نحن أقررناهم وتركناهم على كفرهم وأخذنا عليهم الجزية، فهذا ليس، هذه المعاصي أعظم من الكفر نفسه، ما دام أنهم يرون هذا الدين صحيحاً عندهم ويرون أن هذا حلال عندهم نقرهم على ما هم عليه لعل الله سبحانه وتعالى يهديهم فيما بعد.
قال: وميز الذمي عمن أسلم، والخيل لا يركب، والسرج ما، ولا يصدرون. وفي هذا الزمن لو قلنا أن هنا حكماً، طبعاً الذميون لابد أن يميز بين الذمي وبين المستأمن، الذمي هو الذي يعيش معنا هذه بلده لكنه نصراني أو يهودي أو مجوسي، هذا هو الذمي الذي المسلمون قد فتحوا بلده وهو يعيش في بلده لكنه بقي على ما هو عليه. أما الذي يأتي للعمل هذا ليس بذمي وإنما هذا مستأمن أو نحوه، له أحكام أخرى هو يشبه الذمي لكن من حيث بعض الأحكام في الإقرار وتركه ودينه ونحو هذا. قال: والخيل لا يركب والسرج ما، ولا يصدرون، والسلام لا يصدرون في المجالس، والسلام ما ابتدئوا به، ولا قيامة، يعني لا يقام لهم إذا جاؤوا، ولا يصدرون في المجالس، ولا يبتدأون بالسلام، كل هذا من باب إنزال مرتبتهم، لا يصدرون في المجالس حتى لا يغتر بهم الجهال وعامة الناس. وهذا مما يستغرب بعض الناس الآن في هذا الزمن من شدة الانفتاحية وشدة العقلانية، يقول ينبغي أن نناقش أهل البدع بالحجة، وعن السلف هنا الحجة ليست إشكالية في المجادلة بالتي هي أحسن، مجادلة النصارى بالتي هي أحسن لا إشكال فيها، مجادلة الكفار الضلال لا إشكال فيها، لكن أهل البدع أهل الأهواء الذين هم من بني جلدتنا تصديره في المجالس ومجادلته مثل هذا ينبغي أن يقلل من شأنه ويقهر؛ لأنه أصلاً كان مسلماً مثلاً أو عاش في بيئة إسلامية ثم تقمص بيئة أخرى وهو لا يزال يدعي الإسلام، فالذي جاءه إنما جاءه عن هوى، ولذلك الأئمة ينهون عن مناقشة أهل الأهواء. لا يقول رجل لمالك: يا أبا عبد الله كلمة، قال: ولا نصف كلمة، ويتركه، وهجره هكذا، وهجره الآخر؛ فسار لا مكان له وليس له مجلس يتصدر.
ولذلك إذا رأينا شخصاً ممن يدعي أنه مسلم ثم يريد أن يناقش في الثوابت التي لا ينبغي أن يتمارى فيها أحد، يعني واحد يناقشني في السنة وهو يدعي الإسلام، هل السنة ثابتة ولا السنة غير ثابتة؟ هل أقبل هذا النقاش؟ ستصعد بعد ذلك وتناقش في القرآن، فينبغي حسم مثل هذه المواد. نعم، واحد عنده شبهة، عنده لبس وهو صادق النية، أما شخص أسمع منه لحن الكفر وأنه لو شاء لو قدر لغير كثيراً من الثوابت وترك الدين بالكلية، لذلك يقولون الصحابة لبعض الناس: والله ما نرى وده إلا للمنافقين، فيثبتون عليه حالته من أصدقائه ومن علاقاته، قال هذا منافق، وقال الآخر إنه يصلي، قال: أما ترى وده للمنافقين ويحب المنافقين أكثر منا؟ فيشهدون عليه بملابساتهم. فنحن نسمع من الناس يأتيك ويطعن في السنة بشكل خفي أو يشكك في صحيح البخاري مثلاً ويقول لا ندري هل هذا الكتاب نسخه، هل هناك نسخ ثابتة له في الأصل؟ إيش هذا الكلام؟ وهو ليس متخصصاً، يقول هذا وهو غير متخصص، ثم بين الفينة والأخرى نرى شيئاً من اللحن، يقول: والله لا بد أن تحرر عقلك من عبادة البشر، كلام جميل من هم هؤلاء البشر؟
فإذا هو يقصد بالبشر ليس أن تطيع شخصاً وأنت أعمى وإنما يقصد بالبشر هؤلاء الأئمة الذين اتفق عليهم أهل الإسلام من أهل المذاهب الأربعة ومن أهل السنن ومن أهل الصحاح والذين بلغونا الدين، تحرر من هؤلاء! فإذا تحررت من هؤلاء أين أمشي؟ أمشي بلا هدى! إذا سمعتم هذه الكلمات: حرر عقلك من عبادة البشر، أعلم أن وراء الأكمة ما وراءها، هم لا يفصحون مباشرة يقول هذه المذاهب باطلة، وإنما يأتونك كلمات منمقة وحرية صلعاء الحقيقة ليس لها شعر ومزيفة ويتجرون بها نسأل الله العافية والسلامة. فمسألة أني أجادل بالحق أو أجادل بالتي هي أحسن، هذه مسألة لا جدال فيها، لكن نأتي لمبتدع ثم نصدره في المجالس ونجعل الناس يسمعون؟ ماذا فعل الأئمة لعمرو بن عبيد؟ أليس هو من أورع الناس وأتقى الناس وأعبد الناس؟ فلما رأوه تكلم في القدر -القدر منهي عن الكلام فيه- وقال شناعات عظيمة نسأل الله العافية والسلامة: يقول إن كانت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ مكتوبة في اللوح فما لله حجة على خلقه، ولو أتاني بها فلان لفسقت، وأبو بكر لكفرتهم.
والنبي لرددت، والله لقلت ما هكذا أخذت علينا العهد والميثاق، ما هذا؟ أين عبادتك؟ وأين؟ فلذلك قام عليه الأئمة قومة رجل واحد ونفوه؛ وهو شيخ الاعتزال، بداية الاعتزال؛ هو الذي اعتزل مجلس الحسن البصري.
لذلك ما نترك مسلماً يأتي بخزعبلات. عمر بن الخطاب ماذا صنع لصبيغ؟ لما صبيغ في أجناد المسلمين يسألهم عن آيات ويشكك المسلمين، صار يأتي بآيات محرجة لهم وهم لا يفهمون، ما يعني صار كأنه تلبيس لهم، وهو مسلم ومجاهد في الجهاد. فلما رجع الجيش إلى مصر قالوا لعمرو بن العاص: هنا رجل اسمه صبيغ يقول كذا وكذا وكذا. فعمر ما تكلم معه مباشرة، أرسله إلى عمر، عندنا خليفة، أمير المؤمنين هو يعرف يتصرف مع هؤلاء، والكتاب مكتوب مقدم. فوصل صبيغ إلى عمر، فمباشرة بالدرة، ها بالعصا وضربه على رأسه، فأخذ يضربه حتى دمى رأسه. وقال: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد أن تقتلني فاقتلني، وإن كنت لأجل ما في رأسي، فوالله كان الذي في رأسه طار. ونحن نحتاج في هذه الأيام إلى من؟ إلى عمر. فكتب ونفاه إلى الكوفة، وكتب إلى سعد بن أبي وقاص: لا يجالسه أحد من المسلمين حتى نعلم صدق توبته. فهجره الناس كلهم، حتى بعد ظهر صار يبكي، اذهب إلى الناس ما أحد يجلس معك. جاء إلى سعد قال: يا سعد أنا والله تبت إلى الله ولا أعود لما كنت. فكتب الأمير أنه قال كيت وكيت، قال: أما الآن فأذن للناس في مجالسته. وانتهت فتنة صبيغ.
وجاء غيره وهدمها الناس، جاء عمرو بن عبيد فنفاه العلماء ولم تقم له قائمة. أما نأتي كل من جاء يريد أن يشكك تعال نناقشه؛ شك في ثوابت؟ أولاً أنت مسلم أو لا؟ سنة تقنع بها أو لا؟ ما تقنع بها ادرس، اعرف كيف جاءنا البخاري، اعرف كيف جاءنا مسلم، بعد ذلك افهم. أما تقول أنت زراع أو طبيب بيطري، ما دخلك في العلم؟ تلقَّ من العلماء واسألهم، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، ولا يصدرون، والسلام.
ما ابتدأوا به ولا قياماً، ويمنعون من بناء من هدم، ومن بيع ونحوها كي تهدما. يمنعون من بناء ما هدم، من باب أولى أن لا يبنوا شيئاً جديداً؛ لا يحدثوا بناءً جديداً. البيع والكنائس لا يجوز أن تحدث في بلاد المسلمين بإجماع العلماء. وأما من هدم منها، يعني عندنا كنيسة مثلاً انهدمت واستوت بالتراب، هل يجوز بناؤها؟ فالحنابلة يقولون: لا يجوز؛ لأن بناء ما هدم هو يشبه الجديد؛ لأنه اندم، بخلاف ما يكون ترميم، هو قائم ويرمم هذا موضوع آخر، هذا يجوزونه. ومن العلماء من يجوز بناء ما هدم لأنهم يقولون: هذا ليس جديداً أو إحداثاً وإنما هو استصحاب الأصل السابق، لكن مذهب الحنابلة أن بناء ما هدم لا يجوز، كما أن بناء الجديد أيضاً لا يجوز.
ويمنعون من بناء ما هدم من بيع ونحوها كي تهدما؛ كالجهر؛ يعني كذلك يمنعون من الجهر بالكتاب، فيمنعون من الجهر بالكتاب. الكتاب اللي هو كتابهم لا يجهرون به بصوت، وبالتالي لا يجهرون بصوت الكنيسة؛ إذا كان في بلاد المسلمين كنيسة لا يجهرون بقراءة كتابهم في محافل. كالجهر بالكتاب، أو ظهور ناقوس؛ ناقوس هو الذي يصوت للنداء به، أو ظهور خنزير، أو خمور؛ يعني شرب خمور أو أكل خنزير، كل هذا لا يجوز لهم إظهاره، يمنعون منه.
وجاز أن يبني ذمي على حد يساوي مسلماً لا معتلاً. من حيث البناء هل يجوز للذمي أن يبني بناءً أعلى من بناء المسلم؟ يقولون هنا لا يجوز، لابد أن يكون المسلم بناؤه أعلى من بناء الذمي؛ لأنه إذا ارتفع بناء الذمي على بناء المسلم قد يكون كاشفاً له، قد يكون الغلبة له والعزة له، فهو كاشف وهو أعلى. فإذا كان هناك مسلم وبيته صغير أو قصير وبجانبه ذمي، عليه أن يتحمل؛ فلا يبني أعلى من بناء المسلم، لكن يجوز له أن يبني بناءً مستوياً مع بناء المسلم. فإن كان بناء المسلم عالياً جاز له أن يعلي، وإن كان بناء المسلم نازلاً وجب عليه أن ينزل بناءه. وجاز أن يبني ذمي على حد يساوي مسلماً لا معتلاً؛ يجوز له أن يكون بناؤه كبناء المسلم، ولا يجوز له أن يكون بناؤه معتلياً عن بناء المسلم.
ثم قال: وإن كتابي أراد ينتقل لما سوى الإسلام منه ما قبل. قال هنا نص على الكتابي، فيخرج منه المجوسي؛ بالنسبة لنا المجوسي عنده شبهة كتاب، الكتابي إذا أراد أن ينتقل لما سوى الإسلام منه ما قبل؛ فإذا أراد النصراني أن ينتقل لليهودية هل نقبل؟ لا نقبل، مع أنها من الكفر واحد، لكن هو يعتقد بطلان ذلك الدين، فلا ينتقل إلى الباطل الذي كان يعتقد بطلانه. فإما أن يرجع إلى النصرانية التي كان عليها، وإما أن يسلم، ما نقبل منه إلا الإسلام أو يرجع إلى نصرانيته. وهناك رواية أخرى وعليها بعض أهل العلم أنه إذا انتقل من النصرانية إلى اليهودية لم يقبل منه إلا الإسلام أو القتل؛ لأنه بانتقاله من النصرانية قد شهد ببطلانها، وذاك دين باطل كان يشهد ببطلانه، فلم يقبل منه إلا الإسلام. وهكذا اليهودي، وأما المجوسي فلا يقبل منه إلا الإسلام، من أراد... لا، المجوسي يقبل منهم بقاؤهم على دينهم، ولا أدري هل يقبل منهم الانتقال إلى النصرانية أو اليهودية لأنها أخف من المجوسية، أنها أهل كتاب، لا يحضرني ذلك، لكن هنا النص في الكتابي: وإن كتابي أراد ينتقل لما سوى الإسلام منه ما قبل.
قال هنا: فصل في نقض العهد: إذا أبى الذمي بذل الجزية، أو التزام حكم دين الأمة، أو اعتدى بقتل، وزنى على مسلم، أو قطع الطريق اعتمل، أو كان للجاسوس ذا إيواء، أو ذكر الإسلام بالأذى ينتقض العهد له، لا أهله وقتله حل وحل ماله. يقول هنا في نقض العهد: إذا أبى الذمي بذل الجزية، ذكرنا الجزية أنها على الرقبة، إذا أبى فقد انتقض عهده. وهكذا إذا أبى التزام حكم دين الأمة، اللي هو دين الإسلام، إذا فعل فعلاً وحكم عليه بحكم الإسلام فأبى ذلك انتقض عهده. أو اعتدى بقتل، إذا قتل مسلماً فقد انتقض عهده. أو زنى، إذا اعتدى بزنا على مسلم أيضاً انتقض عهده. أو قطع الطريق اعتمل؛ قطع الطريق يعني يخوف الناس ويأتي ويسرق منهم ويكون قاطع طريق. أو كان للجاسوس ذا إيواء، إذا آوى جاسوساً على المسلمين فقد انتقض عهده، ومن باب أولى إذا كان هو جاسوساً. أو ذكر الإسلام بالأذى، المد للضرورة وهو جائز عند الكوفيين دون البصريين، مد المقصور، أو ذكر الإسلام بالأذى؛ الإسلام يدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه رب العالمين، ويدخل فيه الدين كله؛ فإذا ذكر القرآن أو ذكر الله أو ذكر الإسلام أو ذكر النبي عليه الصلاة والسلام بالأذى وبالسوء انتقض عهده.
ينتقض العهد له لا أهله؛ لكن هذا انتقاض العهد ذلك ليس لأهله، وإنما له؛ لأن أهله لم ينقضوا شيئاً، وإنما الذي نقض العهد هو الشخص بعينه، فينتقض عهده هو دون أهله، دون زوجته، دون أولاده. وقتله حل وحل ماله؛ المال هو ماله فيحل للمسلمين، وقتله يكون حلالاً لدولة الإسلام. هذا آخر ما في كتاب الجهاد، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
د. سعيد المري