الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فنبدأ في هذا الدرس بكتاب البيوع، يقول الناظم: البيع أي تبادل الأموال كعين أو منفعة حلال مؤبدا وليس قرضا أو ربا فالكل من دخول هذين أبى
البيع يعرف في الاصطلاح، والبيع في اللغة مشتق من الباع؛ لأن كل واحد من المتبايعين يمد باعه للآخر، إما أن يمد للأخذ أو يمد الباع للإعطاء، فالبيع فيه أخذ وعطاء من حيث اللغة. ويحتمل احتمالاً آخر وهو أن كل واحد منهم يبايع صاحبه بمعنى يصافحه عند البيع، ولذلك سمي البيع صفقة. وهنا الناظم ذكر تعريف البيع في الشرع، فقال: البيع أي تبادل الأموال كعين أو منفعة حلال.
تبادل الأموال يعني تبادل طرفين من الناس العاقدين يعني البائع والمشتري تبادل الأموال. والأموال أقسام، هناك العين؛ مال عين، بمعنى شيء محسوس، هذا نوع من المال. المال إما أن يكون عيناً وإما أن يكون منفعة، والعين قسمان: إما أن تكون معينة يعني حاضرة، هذا الكتاب مثلاً أو هذه الدراهم أو هذه السيارة، هذه عين معينة حاضرة في مجلس العقد. أو عين في الذمة، ما معنى في الذمة؟ يعني يقول مثلاً عشرة دراهم ولا تكون موجودة، يقول: أنا أشتري منك هذا الكتاب بعشرة دراهم، فالكتاب حاضر وعشرة الدراهم هي في الذمة، إذا جاء وأراد أن يأخذ الكتاب لا بد أن يدفع العشرة الدراهم.
قد تكون عين غير الدراهم، مثلاً يقول سيارة موديل كذا أبيعها لك، ويصفها صفة واضحة وذاك يشتري، فهذه الصفة تكفي في البيع، وتسمى هذه العين أنها عين في الذمة، يعني لي عليك سيارة كذا وكذا موديلها كذا، أو كتاب صحيح البخاري طبعة كذا تحقيق فلان، هذا معنى في الذمة. وأما العين المعينة معناها العين الحاضرة، فيقول هنا تبادل الأموال كعين، دخل في كلمة عين العين المعينة والعين التي في الذمة. إذا قلنا البيع أي تبادل الأموال كعين أو منفعة حلال، هنا كم صورة تدخل في هذه الصور التي ذكرناها؟ قلنا البيع تبادل بين الطرفين بين عاقد وعاقد، بين مشتري وبائع، تبادل أموال. ما هي الأموال؟ العين أو المنفعة. والعين قسمان: عين معينة حاضرة وعين في الذمة. إذا صارت الأموال ثلاثة أنواع: عين حاضرة معينة، وعين في الذمة، ومنفعة مباحة.
لو أردنا هذه الثلاث أن نجعل بينها تبادل، كم تطلع لنا من الصور؟ تسع صور حاصل ضرب ثلاثة في ثلاثة، وهي ترجع في الحقيقة إلى ست صور، سأبينها لكم الآن. طبعاً البيع والشراء، البيع يطلق على البيع وعلى الشراء، والشراء يطلق على البيع وعلى الشراء، واضحة المسألة. يعني يقول باعه كذا بمعنى هو قدم المثمن وأخذ الثمن، ويقولون باعه بمعنى قدم الثمن وأخذ المثمن، يعني ضد. لكن البيع في الغالب والأكثر يطلق على ماذا؟ على دفع المثمن وأخذ الثمن، والشراء أيضاً يطلق على البيع، شروه بثمن بخس، يعني باعوه، بئس ما اشتروا به أنفسهم، اشتروا كما هي، اشترى في الأغلب أنها تطلق على أخذ المبيع ودفع الثمن، أخذ المثمن ودفع الثمن. لكن يجوز أن تطلق اشترى على دفع المثمن وأخذ الثمن، فكلها تعتبر متضادات.
إلا أن البيع في الغالب يطلق على دفع المثمن وأخذ الثمن، والاشتراء يطلق في الغالب على دفع الثمن وأخذ المثمن. فعندنا البيع تبادل الأموال، قلنا الأموال ثلاثة أنواع: عين حاضرة، وعين في الذمة، ومنفعة مباحة. الصورة الأولى أن تبيع عين بعين حاضرة، نقول: أبيعك هذا الكتاب بهذه الدراهم، أو خذ هذه الدراهم العشرة وأعطني هذا الكتاب، بعني هذا الكتاب، فالدراهم العشرة هذه حاضرة، والكتاب حاضر، إذاً عين حاضرة بعين حاضرة. أو تقول: أبيعك هذا الكتاب بذلك الكتاب، فهذا حاضر وهذا حاضر، هذه هي الصورة الأولى.
الصورة الثانية: عين حاضرة بعين في الذمة، فأقول لك: أبيعك هذا الكتاب بعشرة دراهم على أن تعطيني عشرة دراهم، وأنت يمكن عشرة دراهم ليست عندك الآن، أو ليست في جيبك، لكن عليك أن تحضرها، فهذه عين حاضرة بعين في الذمة. الصورة الثالثة: عين حاضرة بمنفعة مباحة، ما معنى المنفعة المباحة؟ المنفعة المباحة هي ألا تشتري عيناً وإنما تشتري نفعاً. مثل ماذا؟ لو أن شخصاً عنده دار، وداره هذه لا تفتح على المسجد، وإنما تفتح على منطقة بعيدة والمسجد خلفه، ولكن بينه وبين المسجد دار أخرى لشخص آخر، فقال لذلك الشخص: أريد ممراً، أن تبيعني فقط المنفعة، أنا لا أشتري الأرض وإنما أشتري المرور الاستطراق، فهذه تسمى منفعة مباحة، مجرد يشتري المرور من داره إلى المسجد عبر دار جاره، فيقول: أشتريها منك بهذه المئة درهم أو هذه المئة دينار، فهي عين حاضرة بمنفعة مباحة.
نأتي إلى العين التي في الذمة، فأول الصور عين في الذمة بعين حاضرة، كيف عين في الذمة؟ عشرة دراهم، أشتري منك هذا الكتاب بعشرة دراهم علي والكتاب حاضر، هذه أول صورة. الثانية عين في الذمة بعين في الذمة، كيف؟ أشتري منك كتاب صحيح البخاري الذي عندك أو الذي ستطبعه أو الذي في مكتبتك من طبعة كذا وكذا بمئة ريال، فهي عين في الذمة بعين في الذمة، لكن بشرط الحلول والتقابض، لا بد أن تقدم ثمناً أو تقدم مثمناً. الثالثة عين في الذمة بمنفعة مباحة، كيف؟ أقول: أشتري منك المرور في دارك بسيارة موديل كذا أو على أن آتي بها، فهو يشتري هذا المرور إلى المسجد بعين في الذمة وليست عيناً حاضرة.
ثم نأتي إلى المنفعة المباحة، فنقول: منفعة مباحة بعين حاضرة، فتقول: أبيعك مرورك عبر داري بسيارتك هذه، فهي منفعة مباحة بعين حاضرة. والثانية تقول: منفعة مباحة بعين في الذمة، تقول: أبيعك المرور في داري بسيارة موديل كذا وكذا، فهي سيارة موصوفة في ذمتك. الثالثة منفعة مباحة بمنفعة مباحة، أبيعك مرورك عبر داري إلى المسجد مقابل مروري عبر دارك إلى السوق. فكم عندنا من صورة؟ تسع صور، ثلاث هنا وثلاث هنا وثلاث هنا، لكن في الحقيقة هذه الصور التسع ترجع إلى ست. هم لماذا جعلوها تسعاً؟ لأنهم يقولون فرق بين البائع والمشتري، لكن في الحقيقة البائع هو المشتري والمشتري هو البائع. ولذلك سمي البيع شراء، وسمي الشراء بيعاً، والابتياع كله متقارب.
ثم قال في التعريف مؤبدا، وليس قرضا أو ربا فالكل من دخول هذين أبى، هذا تكملة للتعريف، لا بد أن يكون هذا التبادل مؤبداً يعني على التأبيد، فلو كان مؤقتاً لأصبح إجارة، فمثلاً شخص يأتي لشخص ويعطيه عوضاً مقابل أن يسكن في داره مدة سنتين، هذا لا يعتبر بيعاً، صحيح أنه استخدم منفعة لكنها منفعة مؤقتة، هنا لا بد أن يكون البيع مؤبداً فيه انتقال للعوضين على شكل التأبيد. وليس قرضاً أو ربا، استثنى القرض واستثنى الربا، لأن صورة القرض فيها تبادل أموال، أنت تعطي شخصاً مئة ريال مثلاً على أن يعطيك مئة ريال بعد زمن، ففيه تبادل، فأرادوا لا بد من استثناء هذا التبادل؛ لأن هناك على سبيل المعاوضة في البيع معاوضة وفائدة، وهنا على سبيل الإرفاق، شخص يدين شخصاً أو يقرض شخصاً للرفق به لمساعدته، هناك فرق بين النيتين.
قال وليس قرضا أو ربا، أيضاً يستثنى الربا لأن الربا أيضاً فيه تبادل أموال، وأحياناً تكون عيناً بعين، لكن الفرق بين الربا لأن صورته صورة البيع، لكنه هناك ضوابط له، الزيادة في الربويات والأموال الربوية المعينة، ولذلك لا بد أن يستثنى الربا من البيع، بل الكل من دخول هذين أبى، أي هذا تتميم للبيت، ليس هناك أحد إلا ويستثني القرض والربا من تعريف البيع. ثم قال هنا: وعقده بالصيغة القولية، أو بالمعاطاة وذي الفعلية، عقده يتم بصورتين، الصورة الأولى الصيغة القولية وستأتي وهي الإيجاب والقبول، والصيغة الثانية أو الطريقة الثانية هي المعاطاة، والمعاطاة أن يعطي هذا الثمن أو يعطي هذا المثمن، أو كلاهما، هذا يعطي الثمن وهذا يعطي المثمن، فهي ثلاث صور.
قد تكون المعاطاة من طرف دون طرف، فيأتي المشتري ويقول: أشتري منك هذا الكتاب بعشرة ريالات، فهو الآن أعطاه صيغة الإيجاب، فالبائع يعطيه الكتاب ويأخذ النقود، البائع ما تكلم، أو العكس، يقول البائع: بعتك هذا بعشرة ريالات، فيأتي المشتري ويدفع العشر ريالات ويأخذ الكتاب، فهي معاطاة من أحد الطرفين. وقد تكون من الطرفين، كيف؟ يكون الكتاب عليه سعر، فيأتي المشتري ويأخذ الكتاب ويضع السعر عند البائع ويذهب، وهذا يأخذ السعر لأنه مكتوب على الكتاب، هذا معاطاة من الطرفين.
قولية الإيجاب والقبول، وسبق أي منهما مقبول، هنا يفسر القولية ما هي؟ يقول قولية الإيجاب والقبول، أما الصيغة القولية التي نقول أنها قولية فهي الإيجاب، والإيجاب هو عبارة عن قول البائع بعت ونحو هذا من الأقوال، يعني ليس بالضرورة أن تأتي هذه الكلمة كلمة بعت، قد يقول مثلاً: اشتري هذا، أو غيره، أو خذ هذا بعت، وهذا من البائع، والقبول بفتح القاف هو عبارة عن قول المشتري قبلت ونحو هذا من الأقوال، وسبق أي منهما مقبول، إذا كان يبدي ويبين الرضا سبق القبول للإيجاب لا إشكال فيه، والعكس وهو الأصل لا إشكال فيه، فيجوز أن يسبق القبول الإيجاب أو العكس، كذا التراخي صح في المجلس، لا إذا بما يقطع عنه اشتغل، يعني التراخي أيضاً كما أنه يصح سبق أي منهما الآخر، كذلك التراخي بينهما يجوز، يصح ما دام في المجلس، وبشرط آخر، يعني هناك شرطان: أن يكونا في المجلس، وألا يشتغلا بما يقطع المجلس عرفاً، مثلاً يقول بعتك هذا بعشرة، فيسكت المشتري ويسأله عن حديث، ويخوضان في حديث غير البيع والشراء، ماذا حصل في درس العلل مثلاً في كذا وكذا، ثم بعد فترة يقول: قبلت، هذا فصل بين القبول والإيجاب بما يقطع، يعني بينهما بشيء أجنبي عنهما، أما لو جلس يتفاوضان عشرة فهذا لا يقطعه المجلس، إلا إذا قال: وكذلك التراخي صح في المجلس لا إذا بما يقطع عنه اشتغل، إذا اشتغل بما يقطع عن المجلس.
ثم قال: واشترط الرضا ومع حق نفي، الآن جاء بالشروط، يذكر شروط البيع: واشترط الرضا ومع حق نفي، وأن يكون جائز التصرف، لذا تصرف السفيه والصبي بغير إذن للولي قد أبى، اشترط الرضا هذا أول الشروط، الشرط الأول الرضا بين المتعاقدين، فلا يصح البيع مع الإكراه عندنا، قد يصح عند بعض المذاهب الأخرى، قال ومع حق يعني والإكراه مع الحق نفي، أي نفي اشتراط الرضا حينئذ، الرضا مشترط بينهما إلا إذا كان بحق، يكره بحق. كيف يكره بحق؟ شخص مثلاً له على شخص دين وعنده رهن لذلك الشخص، وذاك رفض أن يبيع الرهن ليسدد دينه، ورفض أن يسدد دينه من أي مكان آخر، فيجوز أن يجبر على بيع الرهن أو يبيعه الحاكم أو القاضي عليه، فهذا بيع بحق، واضحة المسألة يعني أكره على بيعه بحق.
واشترط الرضا ومع حق نفي، وأن يكون جائز التصرف، هذا الشرط الثاني، أن يكون العاقد وهو المشتري والبائع جائز التصرف، ما معنى جائز التصرف؟ يعني حراً مكلفاً رشيداً، المملوك أو العبد ليس بجائز التصرف لأنه لا مال له، والمكلف أيضاً يشترط، لأنه المكلف هو العاقل البالغ، فالمجنون لا يصح تصرفه، وهكذا الصغير إلا في الشيء اليسير التافه.
تغيير غير البالغ المميز لا يصح تصرفه إلا بإذن وليه؛ قالوا: أن يكون جائز التصرف. لذا تصرف السفيه والصبي بغير إذن للولي قد أُبي. إذا أذن الولي لهما، للسفيه أو للصبي، جاز تصرفه بإذن الولي، لكن بدون إذن الولي لا يجوز إلا في الشيء اليسير. هذا الشرط الثاني.
ثم قال: والعين حل نفعها بغير حوج كدود القز أو كالعين. هذا الشرط الثالث؛ والعين حل نفعها، أي أن تكون العين المبيعة أو التي بالعقد نفعها حلال. هنا معناها أن هناك ثلاث قيود؛ القيد الأول: أن يكون فيها نفع، لأنه قال: والعين حل نفعها، لا بد أن يكون فيها نفع. هذا في البداية التي لا نفع فيها مثل ماذا؟ مثل الحشرات؛ لا يجوز بيعها إلا إذا كان فيها نفع، أحيانا الحشرات قد يكون فيها نفع، هم علقوا حرمة بيع الحشرات بأنه لا نفع بها، فإن ثبت أن فيها نفع وهناك من الحشرات ما يثبت أن فيها نفع، ومثلوا لذلك بدود العلق أو أشياء من هذا القبيل.
والعين حل نفعها، إذاً أولاً: أن يكون فيها نفع، والثاني: أن يكون النفع حلالاً، فإن كان النفع حراماً لم يجز البيع. مثل ماذا النفع الحرام؟ بمثل آلات الطرب والغناء، مع أنها الآن تباع بلا نكير، هذه حرام بيعها؛ لماذا؟ لأن نفعها محرم. قال: والعين حل نفعها بغير حوج، أن يكون هذا النفع الحلال بدون حاجة، حوجة بمعنى حاجة، فإذا كان نفعها للحاجة يمثلون عليه الحنابلة بالكلب، أن الكلب مباح النفع لكن ليس مطلقاً وإنما لحاجة، ما هي الحاجة؟ إما الحرث أو الصيد أو الحراسة. نعم الحراسة والحرث، الماشية أحسنت؛ إما الماشية وإما الحراسة وإما الصيد. الشاهد أن هذا نفعه إنما أُبيح لأجل الحاجة، فما دام أن نفعه أُبيح لأجل الحاجة فهو محرم البيع، ليس نفعه مطلقاً بخلاف غيرهم.
ثم قال هنا يمثل على ما هو حلال النفع، قال: كدود القز؛ دود القز يستفاد منه الحرير وهكذا. والعير الذي هو الحمار، والبغل كذلك؛ لأن الناس يتبايعون الحمار والبغل بغير نكير وفيها نفع مطلق تقريباً، تستفيدون منها للركوب وغيره. قال: والعين حل نفعها بغير حوج كدود القز أو كالعير، لا الكلب؛ لماذا؟ لأن نفعه قلنا لحاجة، ومن باب أولى لو كان للضرورة كالميتة، ميتة يمكن أن تنفع إذا احتاج إليها الإنسان، إذا كان لضرورة فلا يجوز بيعها لأن نفعها ليس مطلقاً وإنما للضرورة. بقي مثلاً ما من الميتة كالجلود، الميتة إذا دبغت ومسألة بيعها تخضع إلى هل تطهر أو لا تطهر؟ عندنا لا تطهر، عند الجمهور تطهر بالدباغ.
الكلب والسرجين؛ السرجين هو بعر الحيوان، يقولون السماد، هو يخلط السماد مخلوط البعر معه مع غيره، فالبخاري على ما أتذكر أنه قال في السرجين أنه زبل الدابة، والسرجين أعني النجسة. السرجين قسمان؛ هناك السرجين النجس وهو ما خرج من الدواب النجسة مثل روث الحمار، وأما ما كان من مأكول اللحم فهذا ليس بنجس الذي يخرج من الغنم والإبل. قال: للكلب والسرجين أعني النجس، ونجس الأدهان أو ما نجس، وكذلك لا يجوز بيع نجس الأدهان، ولا ما نجس منها عندنا. أما نجس الأدهان ففيها حديث جابر المشهور، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». فقال الصحابة: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يُطلى بها السفن، وتُدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ قال: «لا، هو حرام». فأكثر أهل العلم على أن الضمير هنا «لا هو حرام» راجع إلى البيع، أن بيعها حرام. هم ذكروا هذه المنافع ليستفسروا هل دهونها التي نستنفع بها هل يجوز بيعها؟ فقال: «لا، هو حرام». وهذا الحديث يدل على أن الانتفاع بها جائز بشروطها، ونجس الأدهان مثل شحوم الميتة، أو ما نجس يعني دهن أصله طاهر ولكن وقع فيه ما ينجس، وعندنا المائعات أيضاً تتنجس كما يتنجس سائر المائعات كما يتنجس الماء بل هي أشد.
وفي سوى المسجد لاستصباحه بالتي تنجست يباح؛ قال هنا معناه أن الانتفاع بهذه النجسات لا يجوز أيضاً، كأن الحنابلة يفسرون "لا هو حرام" على الانتفاع بشحوم الميتة، ووأما المتنجسة فيجوز الانتفاع بها إلا في المساجد لا يستصبح بها في المسجد. قال: وفي سوى المسجد الاستصباح بالتي تنجست يباح. إذاً يباح في سوى المسجد، معناه النجسة الأصل لا يجوز استصبحوا بها مطلقاً، وأما المتنجسة فيجوز الاستصباح بها إلا بالمسجد، قالوا لأنه في المسجد لا يخلو هذا الاستصباح من أن يكون متأثراً من هذه النجاسة، يعني هذا الدخان أو هذه النار التي تصعد لا بد أن تخالط هذه النجاسة. شيخ الإسلام يقول إن النجاسة إذا احترقت لم تعد نجاسة لتغير الهيئة أو الجرم أو المادة.
والبيع للمصحف أيضاً يمنع، والحشرات أيضاً إذ لا تنفع، والحشرات ذكرناها باشتراط كون هناك منفعة. قال: والبيع للمصحف أيضاً يمنع؛ وهذا عند الحنابلة. هم لهم حجة في ذلك وهو قول لبعض أصحاب النبي ﷺ، يُذكر عن ابن عمر أنه قال: وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف. وأُظهر عن ابن عباس شيء من هذا أن ابن عباس رخص في الشراء ومنع البيع، ولا أدري عن صحة هذه الآثار لكن يحتج بها الحنابلة، والذي عليه أكثر أهل العلم أنه يجوز بيع المصحف لما في ذلك من المصلحة. طبعاً هم عللوا بأن في بيعه ابتذالاً له، لكن ربما في القديم المصاحف قليلة والبيع للمصحف، ابن عمر لما قال وددت أن الأيدي تقطع، كيف يبيع شيئاً غالياً بهذه القيمة؟ لا يمكن، ليس هناك توفر له، كأنه يزهد فيه حينما يبيعه، لكن هنا بهذا الوقت المطابع كثرت والمصاحف كثرت، وبيعه فيه فائدة لأنه لو لم تبعه للناس لما استفادوا قراءة المصحف وتملكهم له إلا عن طريق الهدية وعن طريق العطية أو التصدق به، وهذا قد لا تتشوف له كثير من النفوس.
والبيع للمصحف أيضاً يمنع، والحشرات أيضاً التي لا تنفع، ذكرنا هذا. لكن التي تنفع من التي تنفع؟ قالوا الدود، الدود الذي يوضع للسمك في الصيد، هذا أيضاً يباع لأنه نافع تُصطاد به الأسماك. نعم.
ثم قال: ورابع الشروط أن يكون مالكاً العاقد أو مأذوناً؛ فإن شرى أو اشترى للمالك من غير إذن لم يصح ذلك، فإن له في ذمة اشترى وما سماه جاز أن يُجز أو غرم، ولا تبع سوى مساكن القرى إن فتحت بالسيف ولتؤجر، ولا يباع الماء في البئر ولا ما كان من شوك بأرض نوكلا.
قال: ورابع الشروط أن يكون مالكاً العاقد أو مأذوناً، يعني أن يكون العاقد مالكاً لما يعقد عليه أو مأذوناً له في العقد. والذي يؤذن له بالعقد أربعة أشخاص: أما الوكيل وهو الوكيل عن الحي، وأما الوصي وهو الوصي عن الميت، وأما الناظر وهذا خاص بالوقف، وأما من الآخر؟ قلنا الوكيل والوصي والناظر والولي أحسنت، ومنه الحاكم؛ الولي إما أن يكون ولياً بالشرع أو ولياً خاصاً، وهو ولي بالشرع، إما ولي خاص أو ولي عام كما قال شيخنا. إذاً أربعة أشخاص هؤلاء يجوز لهم لأن لهم الإذن في البيع، لكن بعضهم لا يبيع إلا بما هو مصلحة لما تحت يده كالناظر مثلاً أو الوصي وهكذا الولي.
قال: فإن شرى، يعني إن شرى شخص أو باع؛ فإن شرى أو اشترى للمالك، ان شرى طبعاً قلنا لكم من شرى واشترى، اشترى بمعنى باع واشترى بمعنى أخذ الذي دفع الثمن، وأنه يطلق الشراء والاشتراء كلاهما على الآخر لكن هذا غلب على الشراء وغلب على البيع والاشتراء غلب على الاشتراء المشهور. قال: فإن شرى أو اشترى للمالك، يعني شخص باع شيئاً لشخص آخر، لهذا الكتاب مثلاً لإيهاب، أنا ذهبت وبعت الكتاب من غير إذنه، فإن شرى أو اشترى للمالك بغير إذن لم يصح ذلك. أو عندي نقود شيخ إيهاب فذهبت واشتريت له كتاباً، الكتاب بعته له وهو ملكه أو أخذت نقوده واشتريت بها كتاباً وجئت بها إليه، هل يصح هذا البيع؟ قال هنا عند الحنابلة لا يصح، وغيرهم يوقفه على إجازته، يصحح البيع لو أجازه. هنا يقولون البيع باطل لم يصح ذلك لابد أن يرجع يفسخ العقد. وهنا جوزوه في حالة واحدة، فقالوا: فإنه أي للمالك أو لغيره هو لغير نفسه، فإن له في الذمة اشترى فإن اشترى لغيره في ذمته لكنه لم يسمه؛ يعني جئت أنا إلى مكان واشتريت هذا الكتاب وفي نيتي أن أشتريه لإيهاب لكن ما دفعتم طريته بالذمة، فان له في ذمة اشترى وما سماه جاز أن يُجز؛ إذا أجازه أنا جئت وقلت له يا شيخ إيهاب أنا اشتريت لك كتاباً، فإن أجاز هذا الشراء جاز. أما إن سمى، لو قال أنا أشتري هذا الكتاب لإيهاب، هنا لا يجوز لأنه سمى إيهاب، لكن لو اشتراه له ولم يسمه يقف الشراء أو يقف العقد على إجازته، فإن له في ذمة اشترى وما سماه جاز أن يُجز أو غرم، أو غرم بمعنى أنه يتحمل ثمنه الذي هو بالشراء والمشتري.
قال: ولا تبع سوى مساكن القرى إن فتحت بالسيف ولتؤجر؛ مساكن القرى التي فتحت بالسيف أو القرى التي فتحت بالسيف حكمها ذكرناه في الجهاد، أن الذي مشى عليه الحنابلة وبعض أهل العلم وهم أظنهم الشافعية أنه يجوز للإمام أن يقسمها على الغانمين ويجوز له أن يقفها، هنا موقوفة على جميع المسلمين، فإذا وقفها على جميع المسلمين هل يجوز بيع الأراضي أو المساكن لمن هي تحت يده؟ قالوا الأرض لا تباع، إنما يباع المساكن فقط؛ يعني لو قلنا الشيخ إيهاب والشيخ راشد أعطيناه قطعة أرض بما أنه من المسلمين، فصار هو ساكن في هذا المنزل أو أخذ هذه الأرض قسمناها له أو أعطيناه إياه فبنى عليها سكناً، يجوز له أن يبيع السكن ولا يجوز له أن يبيع أصل الأرض. ما معنى هذا؟ معناه أنه يجب عليه أن يخرج للأرض خراجاً، والذي سيشتري المسكن هو الذي يقوم بإعطاء خراج الأرض، وضحت المسألة. لو قلنا الأرض تباع لما كان عليها حرج، أصبح الناس يتملكونها، وهذا هو مذهب الحنابلة، وكثير من الفقهاء الآخرين يقولون بأنه يجوز بيع أراضي الوقف العام لأنها تختلف عن الوقف الخاص، وما زال الصحابة يبيعون ويشترون هكذا يقولون. أما عند الحنابلة فلا يجوز بيع الأراضي وإنما يجوز تأجيرها ليبقى خراجها باقياً للمسلمين.
قال: ولا يباع الماء في البئر ولا ما كان من شوك بأرض نوكلا؛ لا يباع الماء في البئر، يعني شخص حفر بئراً هل يجوز له بيع الماء الذي بها؟ البئر لا يباع نقعها، نقع البئر هذا في الحديث منهي عن بيعه نقع البئر، لكن لو حازه له، أخرج من البئر ماء وصار في قربة عنده، هل يجوز بيعه؟ الآن أصبح ملكاً له، أما نقع البئر نفسه أو ماء البئر الذي في البئر لا يجوز بيعها. ولا يباع الماء لأن الناس شركاؤه في ثلاث كما جاء في الحديث في الماء والكلأ والنار أو الحطب.
قال: وخامس الشروط أن ما ذكر فيه على تسليمه قد قدر، فلا يباع الطير في الهواء أو شارد أو سابح في الماء، ولا يصح بيع ما قد غصب إلا لقادر أو للذي غصبا. خامس الشروط أن يكون ما ذكر، ذكر هنا الألف ألف الإطلاق يسمونها، ما ذكر فيه أي في العقد وهو المعقود عليه أن يكون على تسليمه قد قدر؛ لأن ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم، الذي لا تقدر على تسليمه كأنه معدوم، كيف يبيع الإنسان شيئاً معدوماً؟ فلا يصح بيع ما لا يقدر عليه أو على تسليمه. ومثل هنا، قال: فلا يباع الطير في الهواء، يأتي واحد ويبيع لك طير في الهواء، لكن منهم من يستثني إذا كان يعود وعنده مكان يعود إليه أو كان محصوراً في مثل هذا المسجد، قفص له لكنه كبير، فالطير في الهواء لا يباع ولو كان يرجع لأن هذا مظنون، ومنهم من جوز أن يباع إذا كان يرجع إلى سكنه، فلا يباع الطير بالهواء أو شارد أو سابح في الماء أو شارد.
بعير شارد، مثلاً طرد البعير فجاء وقال: أنا أبيعك البعير. وين البعير؟ قال: والله شارد، تراه بعير فحل ما شاء الله، فيه خير، فهذا ضرر كبير؛ حتى لو كان هذا قادراً على أن يبحث عنه، لأن هذا شيء مظنون، أو سابح في الماء.
يعني سمك سابح في الماء، المقصود به السمك، لأنه غرر؛ من الذي سيشتري شيئاً سابحاً في الماء؟ هو ليس لهذا الرجل أصلاً، فيبيعه شيئاً سابحاً في الماء، أنا سأذهب وأصيده وخلاص انتهى، أو سابح في الماء.
ولا يصح بيع ما قد غُصب؛ والمقصود كذلك لو أن شخصاً غصب شخصاً سيارة، أو أخذ منه بعيراً غصباً، فهو عند الغاصب؛ هل يجوز للمغصوب منه هذا البعير أو هذه السيارة أن يبيعها على شخص آخر؟ قال هنا: ولا يصح بيع ما قد غُصب، لكنه استثنى حالتين؛ الأولى قال: إلا لقادر، إلا أن يبيعه لشخص قادر.
فمثلاً عندنا ظالم متنفذ في بلد، أخذ غصباً إهاب سيارته، إهاب لا حول له ولا قوة، لكن إهاب جاء إلى شخص أكبر من هذا وأقدر على رد هذا المغصوب، وقال: أبيعك تلك السيارة بكذا وكذا؛ فالقادر على تحصيلها يجوز البيع عليه، أو للغاصب نفسه؛ يأتي ويبيعها للغاصب، لأنه لا حيلة له إلا بذلك، فاستثنوا هاتين الصورتين.
نتوقف هنا، والحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
د. سعيد المري