الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فنبدأ في هذا الدرس بإذن الله سبحانه وتعالى في كتاب الجهاد من نظم ملحة الإعراب، قال الناظم:
فرض كفاية وعين انحظر، أو العدو أو الإمام قد أمر، ثم الرباط تم في الإتمام، لأربعين أي من الأيام، ثم الجهاد دون إذن الوالد، تطوعًا ما جاز للمجاهدين. ولم يجز غزو بلا إذن الإمام، لئن عدو خيف فاجأ الأنام، وليتفقد الإمام الجحفلة، ويمنع المرجف والمخذلا.
أولًا: كتاب الجهاد. الجهاد عند العلماء هو مصدر جاهد، أي بالغ في قتال عدوه، وهو شرعًا قتال الكفار، لا الكفار فقط؛ فالقتال بين المسلمين فيما بينهم ليس من الجهاد، إنما الجهاد في قتال الكفار فقط. وطبعًا تعلمون هذا الباب في الفقه إنما يختص بقتال الكفار، وإلا فلفظة الجهاد تسع أشياء أخرى؛ فهناك جهاد النفس، وهناك جهاد المنافقين، وهناك جهاد الكفار.
جهاد النفس بابه أو الحديث عنه في كتب تهذيب النفوس، فالجهاد ثلاثة أنواع فصلها ابن القيم في زاد المعاد كما تعلمون؛ فجهاد النفس بابه كتب تهذيب النفوس، وجهاد المنافقين وهذا بابه الردود والكتب الفكرية، إنه جهاد بالعلم والبيان، وجهاد المنافقين مستمر إلى قيام الساعة، وهم في هذا الزمن أكثر منهم في الزمن الماضي، لكنهم يتلونون بأشكال وألوان، وجهاد الكفار بابه كتب الفقه، الذي هو قتال المشركين أو الكفار.
قال الناظم هنا: فرض كفاية وعين انحظر، أو العدو أو الإمام قد أمر. الأصل في حكم الجهاد أنه فرض على الكفاية، وهو إذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين، فإذا لم يقم به أحد أثم الكل، فرض كفاية؛ هذا هو الأصل. وعين، أي وفرض عين؛ الجهاد فرض عين إن حضر، يعني إن حضر صف القتال، إن كان هذا المسلم قد رأى صف القتال وصار في صف القتال ورأى المشركين أمامه، إذا حضر صف القتال صار فرض عين عليه، لا يجوز له التولي، ولذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 15-16].
وعين انحظر، أو العدو، أو حضر العدو بلده؛ فإذا كنت في بلد لا سمح الله ولا قدر الله، فجاء العدو على مشارف البلد لقتال البلد، هنا صار فرض عين عليك، وليس بالضرورة أن يكون محاصرًا للبلد، طبعًا في بعض نسخ الروض أو الزاد «وحصر بلده عدو» بالصاد، لكن في المقنع وفي أكثر من النسخ بالضاد «أو حضر»، ويكفي حضور العدو إلى مشارف البلد لقتال البلد أن يكون عينًا على أهل البلد، فرض كفاية وعين انحظر أو العدو أو الإمام قد أمر. هذه الحالة الثالثة التي يجب فيها الجهاد عينًا، إذا استنفرك الإمام أو الإمام قد أمر، ﴿وَإِذَا اسْتُنفِرْتُمْ فَانفِرُوا﴾ كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: 38]. إذا عندنا ثلاث حالات يجب فيها الجهاد عينًا: الحالة الأولى إذا حضر المسلم صف العدو حضر القتال، الحالة الثانية إذا حضر بلده عدو، الحالة الثالثة إذا استنفره الإمام.
ثم انتقل بعد ذلك إلى ذكر الرباط فقال: ثم الرباط تم في الإتمام لأربعين أي من الأيام. الرباط فضله عظيم كما تعلمون، والرباط معناه هو ملازمة الثغور، والثغور ما معنى الثغور؟ هي الحدود التي بين المسلمين وبين الأعداء، إذا كان الحد في واجهة بلد العدو هذا يسمى ثغرًا؛ لأنه يخاف أن العدو يأتي من ذلك الحد ومن ذلك الثغر. لكن الحدود بين المسلمين هذه الأيام هذه لا تسمى ثغورًا؛ لأنها بين المسلمين وهي حادثة كما تعلمون بسبب ضعف المسلمين وتفرقهم، فالرباط هو ملازمة الثغر في مواجهة العدو عند الحدود بين المسلمين وبين أعداء المسلمين، ويقول هنا: تم في الإتمام لأربعين أي من الأيام، يعني تمام الرباط هو أربعون يومًا، هكذا عند الحنابلة وربما عند غيرهم، ويستدلون في ذلك بأثر لأبي هريرة، بعضهم يرفعه في ذلك حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الحديث المرفوع ضعيف، أما الأثر الموقوف على أبي هريرة فهو أثر صحيح له ثلاثة طرق، بعضها عند عبد الرزاق وبعضها عند غيره.
قال: ثم الرباط تم في الإتمام لأربعين أي من الأيام، والرباط فضله عظيم كما تعلمون، «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، فإن مات أجري عليه عمله ورزقه، وأمن الفتان»، يجري عليه عمله معناه أنه يحسب هذا الرباط ويستمر له هذا العمل كأنه لم يمت إلى قيام الساعة، كم أجر الرباط عند الثغور؟ أجره كبير، فإذا مات المرابط بقي كأنه يعمل وهو ميت، أجري عليه عمله ورزقه في قبره يأتيه من الجنة، وأمن الفتان، والمقصود بالفتان -وفي بعض الروايات بعضهم يضبط بالضم «الفتَّان» جمع فاتن- بمعنى الذين يفتنوننا في القبر، كما في سنن أبي داود «فتانَا القبر»، يعني لا يُسأل أو بهذا المعنى يكون مثل الشهيد؛ الشهيد لا يُسأل في قبره، هكذا المرابط، قال: ثم الرباط تم في الإتمام لأربعين أي من الأيام، فتمام الرباط أربعون يومًا وأكثره أربعة أشهر، هكذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرد الناس إذا وصلوا إلى أربعة أشهر يردهم إلى ديارهم.
ثم قال هنا: ثم الجهاد دون إذن الوالد تطوعًا ما جاز للمجاهدين. الجهاد التطوعي وهو ما لم يجب عليه عينًا، هذا الجهاد لا يجوز إلا بإذن الوالدين وبشرط أن يكون الوالد مسلمًا، هذا لم يضق النظم عنه، لا يجوز أن يجاهد الإنسان جهادًا تطوعيًا إلا بإذن والديه، فإن أذن له جاز له الذهاب وإلا لم يجز له، وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما أحيانًا من حديث عمرو بن العاص وعبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل يستأذنه بالجهاد، فقال: «أحي والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد».
قال: ولم يجز غزو بلا إذن الإمام لئن عدو خيف فاجأ الأنام. ولم يجز أيضًا غزو، يعني جهاد بلا إذن الإمام، فالجهاد بغير إذن الإمام لا يجوز، إلا في الحالة التي ذكرها الآن سيأتي شرحها، طبعًا كل بلد له إمام، نحن الآن في عدد من البلدان كل أمير أو حاكم على ناحية من بلدان المسلمين يعتبر هو كالإمام العام، فلا يجوز الذهاب لقتال أو لجهاد تطوعي إلا بإذنه، وهذا من الأمور التي زل فيها فهم الناس وعقولهم، فبعضهم يجوز الذهاب إلى أماكن الجهاد أو أماكن خلافات في العصر؛ لأنه يرى أن الجهاد هناك أصبح عينًا، أن المسلمين لا يكفون هناك، ومسألة كونه عين أو ليس بعين هذه مسألة خاضعة، مسألة نسبية لا يمكن لشخص واحد أن يقدرها وأن يقول هذا أصبح عينًا أو لم يصبح عينًا. بعض الناس الذين يحتاجهم المسلمون، مثلًا لو احتاج المسلمون في جهاد شخصًا لا يمكن أن يقوم مثلًا يقود طائرة إلا هو، عندهم طائرة ويريدون استعمالها والجهاد كفائي أو تطوعي هنا، قد يجب على هذا عينًا؛ لأنه انتقل من الكفاية إلى العين؛ لأن قيادة هذه الطائرة فرض كفائي لما لم يوجد إلا هو أصبح عينًا عليه، هذه المسائل تحتاج أولًا إلى التدقيق في النظر وسؤال أهل الفقه وأهل العلم.
فهنا يقول: لم يجز غزو بلا إذن الإمام، فلابد من إذن الإمام، هذا بالنسبة للجهاد التطوعي، «لئن عدو خيف فاجأ الأنام»، إذا فاجأ الناس عدو، وهذا تقدم أنه إذا حضر بلده عدو وجب عليه عينًا، فهنا لا يحتاج إلى إذن الإمام، لو أن لا سمح الله جاء إلى بلدك عدو يريد اجتياح البلد، لو جلست تستأذن الإمام لفات الأمر ولدهموا البلد، فهنا منطقيًا وعقليًا لا يصلح هنا أن تستأذن؛ لأنك لو استأذنت لأذن لك لأنه بلدك، وإنما الاستئذان فيما عدا هذه الحالة، إذا أردت أن تذهب إلى مكان جهاد تطوعًا أنه سيكون تطوعًا عليك فلابد من استئذان الإمام، هذا هكذا يقول أهل العلم. طبعًا والعلماء بالنسبة لمسألة أنه ليس هناك إمام عام، العلماء قرروا في كتب الفقه منذ القدم من قبل أكثر من أربعمائة سنة وهذا قد طرحوه في كتب الفقه أن البلدان الإسلامية بعد تفرقها أصبح كل من تولى على ناحية من البلدان الإسلامية من المسلمين يعتبر له أحكام الإمام العام، فأهل ذلك البلد يخضعون لذلك الإمام، قال: ولم يجز غزو بلا إذن الإمام، لئن عدو خيف فاجأ الأنام.
وليتفقد الإمام الجحفلة، ويمنع المرجف والمخذلا. إذا صار الإمام بالجحفل (الجحفل الجيش) فعليه أن يتفقد الجيش، وينظر ما يحتاجه، ويمنع ما لا يصلح للجهاد من صبيان وغيرهم، ومرجف ومخذل؛ المرجف هو الذي يرعب الناس، «العدو كذا والعدو كذا وأنتم سيذبحكم ويقتلكم»، هذا يسمى المرجف، فهذا وجوده في الجيش لا فائدة منه، فمثل هذا يمنع ويرد، فلو كان الغالب مرجفون أو مرجفين لغزو، ما بهمنا فائدة كلهم مرجفين لا يريدون قتالًا، فالمسألة يعني بحسب الفائدة والمصلحة المرجوة بعد ذلك. المرجف قلنا هو الذي يرعب الناس ويرجف فيهم أن العدو عنده ضعف إلى آخره، هنا يخافون الناس، وهكذا المخذل؛ المخذل هو الذي يزهد في الجهاد، يقول للناس: «ما فائدة أنكم تروحون تغزون؟ ولا ما فائدة كذا؟ اجلسوا، لا داعي، أنتم الحمد لله في خير»، هذا يسمى المخذل؛ المرجف الذي يرعب، والمخذل هو الذي يزهد في الجهاد في سبيله، هؤلاء يمنعون من أن يكونوا مع الجيش.
قال هنا: ويملك الغنم بالاستيلاء، للحاضرين من ذوي الهيجاء. إذا حصل النصر وحصلت الغنيمة، الغنم هو الغنيمة هنا، قال: يملك الغنم بالاستيلاء، يعني عليه من دار الكفر، مجرد الاستيلاء على الغنيمة تصبح ملكًا لمن؟ للحاضرين من ذوي الهيجاء، لحاضرين القتال لمن شهدوا الوقعة من أهل القتال؛ لأن من شهد الوقعة قد لا يكون من أهل القتال فهذا لا يرضخ له أو يعطى شيئًا بسيطًا، وأما هذه الغنيمة فهي ملك لهؤلاء المقاتلين الذين حضروا الوقعة، اعتبروا ملكًا لهم. ما معنى هذا الكلام؟ معناه لو مات شخص منهم ينتقل منه نصيبه إلى من؟ إلى ورثته، لكن هناك أقوال أخرى أنه لا يملك الغنم أو الغنيمة إلا بحيازتها إلى بلاد المسلمين، بعد وصولها لبلاد المسلمين تصبح ملكًا للجيش أو تصبح ملكًا لشاهدي المعركة، هناك قول آخر بأنها لا تصبح ملكًا لهم إلا بعد قسمتها؛ ثلاثة أقوال، تملك بعد القسمة، وهنا معناه لو مات أحد قبل القسمة لا حق لورثته، تملك بعد حيازتها إلى بلاد المسلمين، وهذا ينطبق عليه نفس الحكم السابق، أنه لو مات شخص قبل حيازتها إلى بلاد المسلمين لا حق لورثته، وهذا القول الذي عليه المذهب مذهب الحنابلة، مع أن من العلماء من يرجح، شيخ الإسلام يرجح أنه بعد القسمة، كان ابن القيم رحمه الله عليه، ويستدلون على ذلك بحديث في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم في معركة هوازن انتظر بالغنائم فترة من الزمن ثم قسمها عليه الصلاة والسلام، فجاءت هوازن وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد استأنيت بكم أموالكم ونساءكم»، فقوله «قد استأنيت» لو جئتموني معناه قبل القسمة لرددتها عليكم، مما يدل على أن الغانمين أو الحاضرين الوقعة لا يملكون الغنيمة إلا بعد قسمتها، هذا مما استشهد به شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول لبعض المذاهب الإسلامية، لكن المذهب الحنبلي أو الراجح في المذهب الحنبلي أن الغنيمة تملك بالاستيلاء عليها بمجرد أن انتصر المسلمون، خلاص أصبحت هذه الغنيمة لمن شهد الوقعة.
وينفل بعد الخمس إن شاء ربعه بداية، والثلث حين الرجعة. ينفل: النفل هو الزيادة على القسمة، النفل بالتحريك والنفل بإسكان الفاء، والفعل تقول نفله ونفله وأنفله، تقول نفل ثلاثي، وتقول أنفله رباعي ونفله رباعي، وهنا استخدم الناظم ينفل الرباعي المبدوء بالهمزة «أنفله ينفله». قال: ينفل بعد الخمس إن شاء ربعه بداية، والثلث حين الرجعة. ما معنى هذا البيت؟ يقول بعد الخمس، الخمس ما معنى الخمس؟ الخمس هو الذي ذكره الله سبحانه وتعالى لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين والمسلمين، هناك خمس الغنيمة؛ الغنيمة تقسم خمسة أقسام، خمس منها لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، هذا الخمس الذي لله ولرسوله عند الحنابلة أيضًا يقسم خمسة أقسام، سيكون خمسًا لله ولرسوله، وخمسًا لذي القربى، وخمسًا لليتامى، وخمسًا مساكين، وخمس لابن السبيل كما جاء في الآية. ومنهم من يقول هذا الخمس كله لله، معناه يصرف في مصالح المسلمين، سواء أعطي منها اليتامى أو لم يعطوا منها، مثل مصارف الزكاة الثمانية قد تعطى لشخص واحد لصنف واحد وقد تقسم على الأصناف الثمانية، فإذا الغنيمة تقسم خمسة أقسام، خمس لله ولرسوله لمن ذكروا في الآية، وأربعة أقسام أو أخماس هي لمن؟ هي للغانمين، فهو يقول هنا: ينفل بعد الخمس، إذًا النفل يكون بعد الخمس، أولًا يخرج الخمس الذي لله ولرسوله ثم الأربعة الأخماس الأخرى.
ينفل بعد الخمس إن شاء ربعه بداية، وهذا خاضع لمشيئة الإمام؛ ليس واجباً عليه. لو ذهب الإمام في جيش ثم أرسل سرية في جهة من الجهات، وهذه السرية تكون صغيرة والجيش خلفها ردءاً لها لكنها تتقدم لغرض من الأغراض، فإن غنمت غنيمة هي وحدها دون الجيش، فالإمام ينفلها ربع ما غنمت بعد الخمس. فما غنمته يقسم خمسة أقسام؛ يكون الخمس لله ولرسوله، وتبقى أربعة أخماس هي الغنيمة كاملة. يعطيهم الإمام ربعها الذي هو أحد الأخماس الباقية، ويبقى ثلاثة أرباع أو الأخماس الثلاثة الباقية للجيش وللسرايا؛ هم يأخذون الربع والثلاثة الأرباع الباقية يشتركون فيها هم والجيش. لذلك قال هنا: ينفل بعد الخمس إن شاء ربعه بداية. هذا إذا كان إرسال السرية في بداية ذهاب الجيش، والثلث حين الرجعة. لكن إذا كانوا في الرجوع وأرسل سرية وغنمت، ماذا ينفلهم؟ الثلث بعد الخمس. فإذا غنموا يأخذ الخمس ويبقى ثلاثة أرباع الأخماس هذه، يكون ثلثها للسرية، ثم تتقاسم السرية والجيش البقية.
المسألة واضحة؛ لو أردنا أن نقسمها قسمة رياضية، مثلاً لو قلنا غنمت سرية غنيمة، فنقسمها نجعلها خمسة عشر قسماً؛ نخرج منها خمسها، خمس الخمسة عشر ثلاثة. نعطيه لمن؟ الإمام لله ولرسوله، أو لأئمة المسلمين هم الذين يقومون مقام الرسول عليه الصلاة والسلام، فله لبيت المال ثلاثة من خمسة عشر وهي الخمس. يبقى اثنا عشر؛ ربعها للسرايا عند الذهاب، وربع الاثني عشر ثلاثة. وعند الرجعة تعطى الثلث؛ ثلث الاثني عشر أربعة، فيزيدون سهماً. لماذا تعطى السرايا أكثر بالنسبة للرجعة؟ يزادون سهماً لأنهم في الرجعة هناك دواعي لصعوبة الذهاب في السرية؛ فهناك الاشتياق للأوطان بعد المعارك، وهناك أيضاً الخوف لأنهم في البداية الجيش خلفهم فالجيش ردء لهم، الآن الجيش ذهب إلى البلد وبقوا أنفسهم، فصار تنفيلهم في هذه الحالة أكثر من تنفيلهم في بداية الذهاب. ينفل بعد الخمس إن شاء ربعه بداية والثلث حين الرجعة، ويشارك الجيش السرايا فيما يبقى بعد هذا التنفيل؛ يشارك الجيش السرايا ويشاركونه، ومعهم أيضاً يقتسموا الغنيمة الكبرى.
يقتسمونها مع الجيش فهم يشاركون؛ يعني لو أن الجيش غنم والسرية غنمت، السرية تنفل من مغنمها وتشارك الجيش في غنيمته. والجيش يشاركونهم فيما بقي بعد التنفيل، وشارك الجيش السرايا فيما يبقى ومعه اقتسموا الغنيمة. الغنيمة هي لغة الغنم، والغنيمة يقسم ما بقي بعد الخمس. الآن أعطينا الخمس لله ولرسوله لبيت مال المسلمين، وأعطينا النفل لأصحابه، وأعطينا أيضاً الرضخ لمن يستحقه؛ الرضخ هو ليس سهماً إنما هو شيء أقل من السهم، شخص ساعد مثلاً أجير أو صبي أو امرأة أو عبد، هؤلاء لا يقسم لهم، بل يعطون شيئاً أقل من السهم. ثم بعد ذلك ماذا قال؟ يقسم ما بقي بعد الخمس سهم لكل، وله ضعف للفرس، فالفرس له سهمان والراجل له سهم واحد. هو لما قال سهم لكل يشمل هذا الكل راكب الفرس، فيكون صاحب الفرس له ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، لأن صاحب الفرس أنكى في العدو وأقوى في النكاية.
ثم رجع إلى المسائل التي تتعلق بالغنيمة والغلول وما إلى ذلك. قال: من حرق رحل من يغل استثني مصحف أو سلاح أو ما حيي. هنا يذكر التحريق؛ لأنه إذا غل شخص من الغنيمة، والغلول من الغنيمة هو كتمان شيء منها وعدم إبرازها للمسلمين، ليس المقصود به السلب. السلب هو سلاح الرجل إذا قاتل وقتل رجلاً وعليه سلاحه، وهذا يعتبر سلباً، والسلب للقاتل؛ قد يأخذه الإمام، هناك خلافات بين الفقهاء في ذلك، لكن الغنيمة هي ما عدا السلب؛ مثل الذهب والأموال المتوفرة في البلدان. فأي شيء يكتم من هذا يعتبر غلولاً، وعذابه -أي الترهيب من الغلول- شديد. رجل كركره -هذا الذي غل عباءة في غزوة خيبر- لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إنه مات، قال: «هو في النار»، فذهبوا إليه فوجدوه قد غل عباءة؛ دخل مع أنه جاء للقتال أو للجهاد فغل عباءة، فنسأل الله العافية والسلامة. قال: من حرق رحل من يغل؛ إذا غل رجل من الغنيمة شيئاً، الحكم فيه أن يؤخذ رحله ومتاعه ويحرق؛ هذا الرجل فيه خلاف، من الناس من يقول: لا، خذوا هذا الرحل ومتاعه واجعلوه في بيت مال المسلمين، لكن الذي عليه المذهب أنه يحرق رحله.
ثم هنا يذكر الاستثناء؛ فهمنا من هذا الاستثناء أن هناك تحريقاً. قال: من حرق رحل من يغل استثني مصحف أو سلاح أو ما حيي؛ إذا وجدنا في رحله مثلاً هو على فرس أو على ناقة، هل تحرق الناقة أو الفرس؟ لا؛ لأنها حيوان فيه حياة، وهذا استثناه. وهكذا السلاح لأن السلاح له فائدة في النكاية في العدو، وهكذا المصحف لحرمته وعظمته؛ ويستثنى المصحف ويستثنى السلاح ويستثنى ما فيه حياة، وما عدا ذلك يحرق تعزيراً له وذماً له ولعمله حتى لا يقوم هو ولا غيره بمثل هذا الفعل. وبين قسمة ووقف خيراً لما مئون بالسيف تفتح القرى. هذه مسألة أخرى، وهي أن القرى التي يهجم عليها المسلمون إما أن تفتح صلحاً أو عنوة؛ فهنا يقول: إذا فتحت صلحاً فعلى حسب الصلح، لكن إذا فتحت بالسيف، يقول الإمام مخير بين أن يقسم هذه القرى بين الغازين أو أهل المعركة، وبين أن يقفها للمسلمين فتكون وقفاً للمسلمين. هذا حصل وهذا حصل؛ فالنبي ﷺ قسم خيبر بين المسلمين، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف كثيراً من بلاد الشام على المسلمين وقال: لو قسمتها بين الناس لأصبح الذين يأتون بعد ذلك لا يجدون شيئاً، وعليها تقريباً إجماع. طبعاً فيه خلاف، المسألة أظن بعض الفقهاء كالمالكية يقولون يقسم كل ذلك ويعتبر كله غنيمة، لكن هناك خلافات في هل الأرض تعتبر من الغنيمة أو لا؛ والحنابلة يستدلون بأدلة قوية على أنها ليست من الغنيمة، ليست هي الموصوفة في الغنيمة الموصوفة في القرآن لاعتبارات معينة، فالإمام مخير بين أن يقسمها بين المجاهدين وبين أن يقفها فتكون وقفاً لصالح جميع المسلمين.
وبين قسمة ووقف خيراً لما مئون بالسيف تفتح القرى، والوقف من تحت يديه قد أدى خراجاً فيه مستمراً. هذا الوقف هو ملك للمسلمين، فمن أقر عليه يؤدي خراجاً مستمراً للمسلمين. إذا كانت المصالحة بين المسلمين وبين أهل القرى على أن البيوت لهم أو العقار لهم ويعملون فيها، يكون هذا الصلح بهذه الطريقة، هذا ليس وقفاً على المسلمين وإنما عليهم خراج. لكن لو فتحت عنوة وأصبحت هذه الأراضي للمسلمين ووقفها الإمام، أصبحت للمسلمين؛ فإذا وضع الإمام بعض هذه الأراضي تحت يد ذمي أو تحت يد مسلم، فكل واحد منهم لا بد أن يؤدي خراجاً لأن هذه الأرض للمسلمين، فالخراج كالأجرة للأرض. قد تكون تحت يد ذمي أو تحت يد مسلم؛ فلو كانت فتحت البلد صلحاً، فقد يكون الصلح أن هذه الأرض لك وتدفع عليها خراجاً وأنت ذمي، يعني يكون الذمي يدفع على هذه الأرض خراجاً ويدفع على رقبته جزية. طيب لو أسلم الذمي والأرض له أصلاً؟ أصبح مسلماً فصارت الأرض ملكاً له كمسلم لا خراج عليه، وأصبح هو مسلماً فلا جزية على رقبته. أما إذا كانت الأرض للمسلمين، فسواء كان الذي هي تحت يديه مسلماً أو كان ذمياً، عليه أن يدفع خراجاً.
والوقف من تحت يديه قر أدى خراجاً فيه مستمراً، وللاجتهاد للإمام يرجع في جزية وفي خراج يوضع. يعني كم تقدير الجزية التي توضع على رقاب هؤلاء الذميين مقابل حمايتهم؟ لأن المسلمين إذا فتحوا أرضاً إما صلحاً وإما عنوة، أصبحت للمسلمين، فالذي يعيش على هذه الأرض إما أن يكون مسلماً أو يكون غير مسلم؛ فإن كان مسلماً فهو كبقية المسلمين، ليس عليه إلا الزكاة، وإن كان ذمياً فعليه جزية لأن المسلمين يحمونه مقابل سكنه في هذه الأرض ومقابل حمايتهم له وعدم قتله. وللاجتهاد للإمام يرجع في جزية وفي خراج يوضع، ويجبر العاجز عن عمارة الأرض على الترك أو الإجارة. هذه الأرض الموقوفة يجبر الشخص -وحتى غير الموقوفة إذا كانت مثلاً فتحت الأرض صلحاً وأبقيت في يد أهلها- فلا بد أن يكون عليها خراج لأن هكذا وقع الصلح، فإذا لم يستطع صاحبها -سواء كانت ملكاً للمسلمين أو ملكاً له- لم يستطع أداء ما عليه من الخراج، عليه أن يترك هذه الأرض أو يؤجرها؛ يتركها فيستغلها المسلمون، إنها أرض خراجية لا يمكن أن تعطل هكذا وتعطل منفعتها؛ لا بد أن تأتي منفعتها للمسلمين، فإما أن يترك الأرض ويأخذها أول شخص يدركها أو يأخذها المسلمون، أو يؤجرها على مستأجر فيكون هذه الأجرة هي الخراج بقدر ما وضعه الإمام على هؤلاء الناس. نعم، ويجبر العاجز عن عمارة الأرض على الترك أو الإجارة. الحنابلة يقولون يرجع في هذا إلى الإمام، وللاجتهاد للإمام يرجع في جزية وفي خراج يوضع؛ طبعاً بعض المذاهب الأخرى قدرت تقديرات معينة، لكن الحنابلة قالوا إن هذه التقديرات خاضعة لاختلاف الأعصار والأزمان، قدر دينار في السابق يأتي في اللاحق ما لا يكون له أي قيمة، فجعلوا هذا راجعاً إلى اجتهاد الإمام بحسب تغير الزمان وتغير الحال.
وفيئ المأخوذ من أموال ذي الشرك والكفر بلا قتال. هنا ما هو الفيء؟ هو ما يؤخذ من أموال المشركين أو الكفار بلا قتال، يعتبر فيئاً؛ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ﴾ [الحشر: 6]، فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ما صار هناك قتال، هذا يعتبر فيئاً. والفيء له حكمه يختلف عن الغنيمة؛ الغنيمة تقسم بين الحاضرين الواقعة على القتال، والفيء يكون المسلمون كلهم شركاء فيه فهو لمصلحة المسلمين. وفيئ المأخوذ من أموال ذي الشرك والكفر بلا قتال، كالجزية؛ وكذلك الجزية تعتبر فيئاً، وما لخوف ترك؛ ما تركه أصحابه خوفاً هذا يعتبر فيئاً، وخمس خمس الغنم مثل ذلك. قلنا الغنيمة تقسم خمسة أقسام، أحد الأخماس لله ولرسوله ولذوي القربى واليتامى، الحنابلة يقسمون هذا الخمس خمسة أقسام، فالخمس الذي لله ولرسوله يعتبر فيئاً. وخمس خمس الغنم مثل ذلك، أي يعتبر فيئاً؛ ففي مصالح الجميع يصرف هذا المذكور كله، يصرف في مصالح المسلمين. ففي مصالح الجميع يصرف، كحاصل صاحبه لا يعرف؛ ما يحصل في بيت المال من المظالم أو من ميت ليس له وارث أو لا يعرف مستحقه، هذا كله يصرف في مصالح المسلمين.
باب عقد أهل الذمة. قال: وليس إلا للمجوس يعقد، ومن تنصروا ومن تهودوا، وتابع لدين يجرى الحكم له. يعقد ذا الإمام أو من مثله، لا جزية على صبي أو امرأة، أو عبد نوما؛ عجزه قد أفقره، وصائر أهلاً يؤدي كل عام، وباذل الفرض قتاله حرام، وامتهنوا في أخذها وطول وقوفهم، وجر ليدي أعملا. هنا يتكلم عن عقد الذمة، وهو إقرار لبعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام أهل الإسلام، والأصل في هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: 29]. يقول: وليس إلا للمجوس يعقد، ومن تنصروا ومن تهودوا؛ عقد الذمة لا يجوز عند الحنابلة إلا لثلاثة، إما نصارى أو يهود -أنهم أهل كتاب- أو مجوس لأنهم عندهم شبهة كتاب، والنبي ﷺ أخذ من مجوس هجر كما في صحيح البخاري الجزية، لذلك اقتصر الحنابلة على هؤلاء، ومن تبعهم من دخل في أديانهم من الناس؛ سواء لأن النصارى أصلهم بنو إسرائيل، وهكذا اليهود والمجوس أصلهم من الفرس. لكن من دخل في أديانهم من غير جنسهم يكون تابعاً لهم، وتابع للدين يجرى الحكم له. يعقد ذا الإمام أو من مثله؛ يعقد هذا العقد، عقد الذمة، إما الإمام أو ممثل الإمام أو نائبه أو قاضيه. ثم قال هنا: لا جزية على صبي أو امرأة أو عبد؛ نوما؛ عجزه قد أفقره. أصلاً الجزية إنما تكون على رقاب المقاتلين مقابل بقائهم على كفرهم وحمايتهم، أما النساء فهن غير مقاتلات ولا يقتلن مقابل استبقاء رقابهن، أيضاً لأنه إما الإسلام وإما الجزية وإما القتال، والمرأة والصبي والشيخ الفاني هؤلاء يمنع المسلمون من قتلهم إلا في حالات خاصة؛ إذا كان مثلاً صاحب رأي شيخ، هذا الشيخ الكبير، وهكذا أصحاب الرهبان لا يقتلون لأنهم ليسوا من أهل المعركة؛ فهؤلاء الصبي والمرأة والعبد ومن عجزه قد أفقره معناه من فقره قد أعجزه.
عجز عن أداء الجزية بسبب فقره، هؤلاء تسقط عنهم الجزية. ثم قال: وصائر أهلاً، يعني من صار من هؤلاء أهلاً لدفع الجزية كالصبي مثلاً يكون بالغاً، من أصبح أهلاً لدفع الجزية.
وهكذا العبد يصبح حراً، وهكذا الفقير أصبح غنياً، وصائر أهلاً يؤدي كل عام، طبعاً كلهم يؤدون كل عام، الجزية تؤدى كل عام. هذا الذي صار أهلاً يصبح ملحقاً بهؤلاء فيؤدي كل عام بحسابه.
فمثلاً لو أصبح أهلاً في نصف السنة، في نهاية العام إذا أخذنا الجزية من هؤلاء الناس الآخرين نأخذ منه نصفها بحسب الحساب، واضحة المسألة. وصائر أهلاً يؤدي كل عام وباذل الفرض قتالها حرام، أي واحد يبذل الجزية فيحرم قتاله؛ لأنه قد بذل ما وجب عليه.
قال: وامتهنوا في أخذها وطول، هنا هذا مذهب الحنابلة، يقولون إنهم يمتهنون في أخذ الجزية، يأخذها الآخذ منهم وهو جالس وهم قيام، ويطيل وقوفهم، ويأخذها منهم بعنف، ويمد أيديهم يجر وجر الأيدي أعمالاً. وهناك من ينتقد هذا ويقول ليس هذا هو، وبعض المذاهب الأخرى وأظن شيخ الإسلام أيضاً ابن تيمية رحمة الله عليه بما أتذكر أن هذا أخذه الحنابلة من قول الله تبارك وتعالى ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
وهم صاغرون يعني والحال أنهم يصغرون في ذلك، لكن من خالفهم يقول أخذ الجزية وحدها هي الصغر، وأما طريقة الأخذ فينبغي أن تكون بالإحسان، فيكفي من الصغار عليهم أنه يؤخذ عليهم جزية، ففيه خلاف بين الفقهاء ويستدلون على ذلك بأشياء منها أن بعض من أخذت منه الجزية من العرب ممن كانوا ملوكاً بالشام أنهم قالوا لن ندفع الجزية، قالوا لعمر: لا نسميها جزية وإنما نسميها صدقة لأن الجزية تعتبر صغاراً، نسميها صدقة، فقال: إذاً تدفعون ضعفها ما دام تغيرون الاسم وأنها لا تكون جزية لأن الجزية فيها صغر، والصدقة لا كأنهم ليتصدقوا، فأوجب عليهم الضعف.
فقالوا إن وحدها الجزية وضع الجزية على الناس على رقابهم هذا كافٍ من الصغر، فلا داعي لمزيد الصغار؛ لأن المعاملة في الإسلام ينبغي أن تكون حسنة وشيء من هذا الكلام، امتهنوا في أخذها وطول وقوفهم وجر الأيدي أعمالاً. إن شاء الله نكمل من باب الجهاد، ولعلنا ندخل في البيوع إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
د. سعيد المري