الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فيقول الناظم عفا الله عنه: باب الخيار وقبض المبيع والإقالة. قال: سبعة الخيار، فالمجلس ما داما معا فيه خيار لهما، يثبت في بيع وصلح وسلم، إجارة صرف وغيرهن لم، وعنهما بالنفي منهما سقط، ومسقط خياره عنه فقط.
سبعة الخيار، يعني الخيار سبعة أقسام، والخيار معناه أن يكون أحد العاقدين يختار إما إمضاء البيع وإما فسخه. يقول: الخيار أنواعه أو أقسامه سبعة.
فالمجلس، يعني خيار المجلس بحذف المضاف، فالمجلس ما داما معا فيه خيار لهما، ما داما معا في المجلس العاقدان لهما الخيار، وهذا عند جمهور أهل العلم ومنهم الحنابلة. ويمنعه المالكية؛ فيقولون ليس هناك خيار يسمى خيار المجلس، فإذا تم البيع في المجلس فقد لزم العقد. يعني إذا جاء بائع ومشتري وبينهما سلعة، فقال: أتشتري سلعتي هذه؟ قال: نعم، كم تبيعها؟ قال: بكذا، قال: اشتريتها بما قلت، قال: قبلت، أو نحو هذا، لزم العقد. فلو أراد أحد منهم التراجع عند المالكية لم يجز له ذلك، ويقضي القاضي بلزوم البيع وترتب ما يترتب على هذا العقد. أما عند الحنابلة وكذلك الجمهور، فإن له الخيار ما دام في المجلس، إن قال: بعتك، فقال: اشتريت، ثم ما زال في المجلس قال: رجعت عن بيعي، جاز له ذلك، رجعت عن شرائي، جاز له ذلك، له الخيار ما دام في المجلس. فإن افترقا لزم البيع، فبالتالي الافتراق بالأبدان يلزم البيع عند الجميع، وأما الافتراق بالكلام فيلزم البيع عند المالكية دون الجمهور.
قال: سبعة الخيار، فالمجلس ما داما معا فيه خيار لهما، وهذا من حيث العرف؛ لأنه قد يكونان في المجلس لكن يطول الفصل ويمضي البيع، فهذا من حيث العرف وكل شيء بحسبه. أحيانا التفرق يكون في المجلس بأن يولي هذا ظهره وأن يولي هذا ظهره، أو أن يخرج من غرفة إذا كانوا في غرفة واحدة، أو أن يذهب إلى غرفة أخرى إذا كان في بيت له غرف، إذا كان في سفينة مثلا وكان في الأسفل يذهب إلى الأعلى، افترقوا، أو إذا كان في طرف يذهب إلى الطرف الآخر، افترق، وهكذا كل شيء بحسبه عرفا من حيث التفرق.
سبعة الخيار، فالمجلس ما داما معا فيه خيار لهما. يثبت الخيار طبعا في الحديث المشهور: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». يثبت في بيع، هذا هو الأصل، وصلح وسلم، إجارة، صرف وغيرهن لم، هو لا يثبت في غير هذه الخمسة، والحقيقة أن هذه الخمسة تعود كلها للبيع؛ فهي صور من صور البيع، لأن الأصل في العقود اللزوم، وإنما استثني البيع بالحديث.
العقود ممكن أن نقسمها كما هي التقسيم المشهور: عقود جائزة، وعقود لازمة، وعقود لازمة من طرف وجائزة من طرف. اللازمة بمجرد العقد مثل النكاح، يقول: زوجتك ابنتي، مثلا، ويقول: قبلت، هل يجوز أن يتراجع وهو في المجلس؟ ليس هناك خيار في العقود اللازمة، وهكذا العقود النافذة مثل الوقف، أوقفت هذا خلاص انتهى ليس له التراجع، وهكذا الهبة، ليس هناك خيار مجلس في الهبة، هذه عقود لازمة. هناك عقود جائزة مثل الشركة، نشترك، يعني أنا بنصف مالي وأنت بنصف مالك، هذا العقد جائز، ما معنى جائز؟ يجوز لي أن أفسخ العقد حتى في غير المجلس، يعني بعد يومين أقول: يا عبد الرحمن أنا خلاص انسحبت من الشركة، يجوز ولا ما يجوز؟ فلا يحتاج أن نثبت خيار مجلس في العقود الجائزة لأنها يجوز تركها في مجلس العقد وفي غير مجلس العقد.
وأما الجائزة والواجبة من طرفين، من طرف ومن طرف، مثل الرهن؛ الرهن في حق المرتهن وفي حق الراهن. الذي يعني مثلا استلفت منك مالا أو اشتريت سلعة وأجلت الثمن، فقال: أعطني رهنا، فقلت: أرهنك هذا الكتاب، بالنسبة لي هذا الرهن لازم لأنه الذي طلبه المرت، وبالنسبة للمرتهن في حقه الرهن جائز، لأنه يجوز أن يرد عليك الرهن ويبقى المال في ذمتك ولا لا؟ فبالنسبة لي ليس هناك خيار مجلس، وبالنسبة للمرتهن ليس هناك خيار مجلس لأنه يجوز له أن يتركه حتى في غير المجلس، وضحت الصورة؟ إذا هو في البيع لأنه استثناء جاء في الحديث، وفي كل صورة تشبه صورة البيع.
مثلا قال هنا: يثبت في بيع وصلح، الصلح على الإقرار، مثلا شخص له على شخص دين، فأقر بهذا الدين، يعني الشيخ محمد يطلبني مثلا مئة ألف أو يطلبني سيارة أو طعام، فأقر تقول: نعم صحيح، لك علي أربع أكياس رز، لكني ما أقدر إذا بتصالحني عليها بعطيك يعني قيمة أقل مثلا، فأصبح العوض هذا الذي أدفعه لمحمد كأني اشتريت منها الأربع أكياس ولا لا؟ كأنه شراء، كأنه بيع، فهذا صلح يجوز فيه أو يثبت فيه خيار المجلس، يجوز أن يرجع هو ولا يقبل، ويجوز أن أرجع أنا في هذا الصلح. يثبت في بيع وصلح وسلم، السلم أيضا بيع لكنه مقدم الثمن والسلعة مؤجلة كما سيأتي، هذا يثبت فيه خيار المجلس، الإجارة نفس الشيء لأنها بيع منافع، الإجارة أن تؤجر البيت مثلا على محمد بعشرة آلاف سنويا، ما زلتم في المجلس تستطيع أن تقول: أنا أرجع في الإجارة، ويستطيع هو أن يقول: أرجع في قبولي، إلى أن يفترق كما في البيع. صرف، أيضا الصرف هو بيع أيضا لأنه نقد بنقد، الصرف لماذا سماه العلماء صرف؟ لأنه نقد بنقد، هو بيع لنقد بنقد آخر، ذهب بفضة مثلا، لكنهم أعطوه اسم الصرف لأن له أحكام تخصه لابد أن يكون يدا بيد، فهكذا الصرف أيضا فيه خيار المجلس، وغير هذه العقود ليس له خيار مجلس، فليس في النكاح خيار المجلس ولا في غيرها من العقود اللازمة.
وعنهما بالنفي منهما سقط، ومسقط خياره عنه فقط، وعنهما يعني خيار المجلس عنهما بالنفي منهما، لو أسقطه، لو قال عبد الرحمن لمحمد وهم يتبايعون كتابا أو سلعة، فقال: لا خيار بيننا، إذا قبلت خلاص يثبت، يلزم البيع، فوافق، هنا قد أسقط الخيار، خيار المجلس بينهما، أو إذا أسقطه أحدهما سقط، قال: أنا أشتري منك ويلزم مني، أو الآخر قاله. وعنهما بالنفي منهما سقط، ومسقط خياره عنه فقط، لو أحدهما أسقط خياره يبقى خيار الآخر.
قال: والثاني شرط ولوقت حددا في العقد لا بعد لزوم فرددا، مدته تبدأ حين يبرم، فإن مضت أو قطعا يلزم، في البيع والصلح وفي الإجارة، في ذمتنا مدة ما تلتي، ويثبت اشتراطه لواحدي والغد لا يدخل إن إلى الغد، وجاز فسخ للذي قد خير، لو ذاك ليس راضيا أو حاضرا، والملك للمبته فيه من انتقل، فكسب ملكه ونماء انفصل، وثم لا تصرف في مثمن كذا ولا في الثمن المعين، أما إذا للمشتري الخيار فقط فما قام به اختيار، ومن يمت من مشتر أو شاري يبطل حقه بذا الخيار.
هذا الخيار الثاني وهو خيار الشرط، والثاني شرط، يعني خيار شرط بحذف المضاف، والثاني شرط ولوقت حددا، يحدد خيار الشرط بوقت معين محدد، لا يكون هكذا مجهولا، ما معنى خيار الشرط؟ خيار الشرط إذا اشترى شخص من شخص سلعة، قال له: أشترط عليك أن لي الخيار مدة ثلاثة أيام مثلا أو أكثر أو أقل، فقبل، أو اشترط جميعا الخيار، البائع اشترط الخيار مدة والمشتري اشترط الخيار مدة، ثبت الخيار. والثاني شرط ولوقت حددا، لابد أن يحدد له وقت معين، لا يقول: أنا أشترط الخيار مدة، ولا يقول لا يعين تلك المده أو لا يحددها، هذا لا يجوز لأن هذا فيه إضرار بأحد العاقدين، ولوقت حددا في العقد، لابد أن يكون اشتراط شرط الخيار في العقد لا بعد لزوم، فرددا بعد لزوم العقد، متى يلزم العقد؟ بالافتراق، إذا تبايع المتبايعان فافترقا لزم العقد، فهنا لا يجوز لك أن تشترط شرط الخيار بعد لزوم العقد، لابد أن يكون في أثناء مجلس العقد. واضح المسألة؟ فتقول له: أشترط عليك الخيار، أما إذا ثبت العقد فسارت السلعة ملك المشتري والثمن ملك البائع، فلم يعد لأحدهما أن يشترط على الآخر بسبب لزوم العقد. نعم، في العقد لا بعد لزوم فرددا، مدته، مدة خيار الشرط مدته تبدأ حين يبرم حين يبرم العقد، إذا قال: لي الخيار عليك ثلاثة أيام، فبمجرد لزوم العقد بدأت، بمجرد إبرام العقد قبلت، ومثلا اشتريت وبعت هنا أبرم العقد، فمثلا قال هذه الكلمة الساعة الثانية عشر أو الواحدة، وقال: ثلاثة أيام، فتحسب إلى الواحدة الأخرى، هذا يوم، الواحدة الذي بعده، ثلاثة أيام من حين إبرام العقد.
فإن مضت ويمكن أن يمدد حين يبرم العقد، هناك عندك إذا قلت قبلت مثلا أو أبرمت العقد وأنتما في المجلس، عندكم خيار المجلس، أليس كذلك؟ في هذا الخيار يجوز لك خيار الشرط، وفي خيار الشرط يجوز خيار شرط آخر، فمثلا اشترط عليك ثلاثة أيام ففي اليوم الثاني جئت وقلت: أنا أريد أن أشترط يوما ثالثا أو رابعا، هنا جاز لأن العقد إلى الآن لم يلزم، يلزم بنهاية خيار الشرط، وضحت المسألة. مدته تبدأ حين تبرم، فإن مضت أو قطعا يلزم، إن مضت المدة لزم العقد أو قطعا، قطعاً خيار الشرط بأن قال: جاء فلان مثلا يا شيخ محمد أنا باخذ هذه السيارة عندي أسبوع إما اشتريتها وإما رددتها عليك، بعد يومين قلت: يا شيخ محمد خلاص أنا اشتريت السيارة، قطع الخيار أو ما قطعه؟ قطعه، وضحت المسألة. فإن مضت أو قطعا يلزم قطعا مدة الخيار أو خيار الشرط، ثم قال: في البيع والصلح كذلك إذا تصالح على شيء كما ذكرت قبل قليل واشترط خيار الشرط جاز له ذلك، وفي الإجارة في ذمة، ما معنى الإجارة في الذمة؟ الإجارة في الذمة هو الإجارة على عمل، يعني تقول لشخص مثلا: خط لي هذا الثوب، أو احمل لي هذه السيارة إلى المكان الفلاني، أو آتني بالشيء الفلاني من المكان الفلاني، هذه إجارة في الذمة يعني على عمل.
قال هنا: وفي الإجارة في ذمة، يعني يثبت فيها أيضا خيار الشرط أو مدة ما، ويثبت في مدة ما تلت العقد، ما معنى هذا؟ أو مدة ما، يعني في مدة ما تلت العقد، فإن تلت انبرام العقد مباشرة لم يجوز ذلك، ما معنى هذا الكلام؟ يعني جئت إلى عبد الرحمن قلت له: أنا أستأجر منك بيتك، طيب متى الأجرة؟ عشرة آلاف سنويا، لكني أشترط عليك شهرا شرط خيار، يعني هذا الشهر يجوز لي أن أرد العقار، فهذا الشرط في مدة تلت العقد، يعني المدة التي بدايه العقد تالية للعقد مباشرة، فبمجرد أني قلت له: استأجرت منك بدأت الأجرة من العقد، فهنا لا يجوز لي أن أشترط أن يكون شرط الخيار في تلك المدة، لأن هذا الشهر لمن هو؟ لي أو لك؟ فلو رددته في هذا الشهر هذه المدة نفع الذي فيها ممكن أؤجر أنا أو ممكن أنت تؤجر، فكأنك أذهبت نفع العاقد. لابد أن تكون في مدة ما تلت العقد، تقول مثلا: يا عبد الرحمن أنا أستأجر منك هذا البيت بعد شهر ولي الخيار خمسة عشر يوما، الأجرة متى تبدأ؟ بعد شهر، لكن الخيار في مدة لم تل العقد، في مدة غير المدة التالية للعقد. وضحت الصورة؟ في البيع والصلح وفي الإجارة في ذمتنا مدة ما تلتي، ويمكن أن تقول مدة ما تلتي.
يثبت اشتراطه لواحدي، يعني يثبت اشتراط شرط الخيار لواحد منهما، ويجوز لأكثر من واحد، لاثنين للعاقدين، هذا يشترط وهذا يشترط. والغد لا يدخل، إن إلى الغد إذا قال: أشترط عليك الخيار إلى الغد، فالغد لا يدخل، يعني ما قبل الغد، قال: أشترط عليك الخيار ثلاثة أيام أو إلى أربعة أيام، فاليوم الرابع لا يدخل، ما بعد إلى لا يدخل فيما قبله، نعم، فبمجرد أن يأتي الغد انتهى الخيار.
وجاز فسخ للذي قد خير لو ذاك ليس راضيا أو حاضرا، هذا المخير خيار الشرط يجوز له الفسخ سواء كان الآخر راضيا أو ليس براض، سواء كان غائبا أو حاضرا، وضحت؟ يعني مثلا أنا استأجرت من أو اشتريت من محمد سيارة وقلت له: أشترط الخيار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثاني فسخت العقد رددت السيارة وشهدت عليها، فهل يجوز؟ فهل لابد أو يجب أن أخبر محمد أو أن يرضى؟ ليس رضاه بلازم لأن هذا خيار لي، وليس حضوره بلازم يكفي أن أشهد عليه، فلو اختصم فإن كان هناك شهود مضى الخيار ومضى الفسخ، نعم. وجاز فسخ للذي قد خير، لأنه مخير هو ذاك خيره، فهو الأمر يعود إليه كما الزوج يجوز له أن يطلق زوجته راضية أو غير راضية، حاضرة أو غير حاضرة.
ويثبت اشتراطه لواحدي والغد لا يدخل إن إلى الغد، وجاز فسخ للذي قد خيرا لو ذاك ليس راضيا أو حاضرا. والملك للمبتع فيه من انتقل، فكسب ملكه ونماء انفصل. الملك في أثناء الخيار، خيارين هو للمشتري، يعني اشتريت أنا من محمد سيارة واشترطت خيار الشرط وقلت له: أسبوع، السيارة عندي، لي الخيار مدة أسبوع إما أمضيت البيع وإما رددتها عليك، الآن أنا الشاري المشتري، هذه السيارة انتقل الملك من محمد في أثناء هذا الخيار لي، فأنا المالك، لكن لا يجوز لي التصرف كما سيأتي، وإنما يترتب عليه ماذا؟ الكسب والنماء. فالكسب في مثل ماذا؟ لو كان عبدا مملوكا اشتريته بشرط الخيار وهذا العبد مكتسب فاكتسب في أثناء مدة خيار الشرط، كسب العبد لي.
وضحت المسألة، وليس للبائع؛ فلو رددته عليه أرده بلا كسب، والكسب أخذه، لأن الخراج بالضمان، لأن هذا العبد لو تلف ضمنت، وهكذا السيارة. وأما النماء المنفصل: ما معنى النماء المنفصل؟ يعني أن الماء المنفصل عن السلعة، مثل ماذا؟ مثل اللبن؛ ناقة فحلَبَها وشرب لبنها، هذا النماء لمن؟ للمشتري أثناء خيار الشرط. لكن شحم الناقة مثلاً، هذا نماء متصل، لا يمكن أن أعزله، أقول: والله أنا سمنت عندي، خلاص؛ لأنه يضر بالسلعة ويضر بالعقد والملك.
للمبتاع الخيارين: خيار المجلس وخيار الشرط، والملك للمبتاع فيه ما انتقل، انتقل للمبتاع الذي هو المشتري، فالكسب ملكه، والنماء منفصل. ثم أثناء ذلك، أثناء مدة الخيارين، لا تصرف في مثمن كذا، ولا في الثمن المعين؛ لا يجوز التصرف من البائع ولا من المشتري في الثمن ولا في المثمن المعين. مثلاً اشتريت السيارة من محمد وأخذت الخيار لمدة أسبوع، هل يجوز لمحمد البائع أن يتصرف بالسيارة فيبيعها على عبد الرحمن في أثناء ذلك؟ لا يجوز؛ لأن الخيار ما زال قائماً. وهل يجوز لي أن أتصرف؟ لا يجوز؛ أنا أبيعها مثلاً، ولو بعتها أصبح اختياراً، كأني قطعت شرط الخيار. وضحت المسألة؟
قال: وثم لا تصرف في مثمن كذا، ولا في الثمن المعين. ما معنى في الثمن المعين؟ أحياناً يكون الثمن غير معين، يكون في الذمة كالدراهم مثلاً؛ قال: اشتريت منك هذه السيارة بـ 100 ألف، الآن الثمن 100 ألف معين ولا في الذمة؟ عنده في البنك 100 ألف، هل يجوز التصرف فيه؟ نعم يجوز له؛ لأن الثمن إنما هو في الذمة. لكن لو قلت لمحمد: اشتريت منك هذه السيارة بهذا الكتاب أو بالـ 100 هذه، هذه الـ 100 الآن أصبحت معينة، ولا لا؟ أصبحت معينة، لا يجوز التصرف فيها. إذا كان الثمن معيناً لم يجز التصرف فيه، وإن كان في الذمة جاز التصرف.
قال: وثم لا تصرف في مثمن كذا، ولا في الثمن المعين. أما إذا للمشتري الخيار، إذا كان خيار الشرط للمشتري فقط، فما قام به اختياره؛ يعني لو تصرف في المبيع أصبح اختياراً له وقطع شرط الخيار. وضحت المسألة؟
ومن يمت من مشتر أو شاري يبطل حقه بذا الخيار. يعني فرضاً أن أحدهما مات في أثناء خيار الشرط، هل ينتقل يورث هذا الحق للورثة؟ يقول هنا لا، يبطل. اشترى زيد من عمر سيارة، واشترطا جميعاً الخيار، تبادلا بسيارتين، اشترط هذا الخيار أسبوع وهذا اشترط الخيار أسبوع، ثم في ثلاثة أيام مات زيد، الآن أصبح الخيار باطلاً في حق زيد، فليس للورثة إلا لزوم البيع في حقه، وأما في حق الآخر فما زال خياره قائماً؛ هذا هو قول المذهب. هناك من يخالف ويقول: لا، هذا حق يجوز إرثه، فيكون الخيار أيضاً للورثة. لكن الذين قالوا يسقط الخيار لأنه بموته ذهب، كأنه انتظر هذه المدة حتى مات، فكأنه أوجب البيع. ومن يمت من مشتر أو شاري يبطل حقه بذا الخيار.
ثم قال: ثالثها خيار من قد غُبن، بما عن العادة كان بائناً. خيار الغبن بما يكون بائناً عن العادة، يعني بشيء فاحش زائد عن العادة، طبعاً أرجع هنا للعادة. كان بائناً، فإذا غُبن المشتري أو البائع بشيء فاحش جداً، بغبن فاحش يزيد عن العادة المعروفة؛ هناك غبن يمشي مع العادة، يعني يُغبن في أشياء بسيطة في زيادة في الثمن أو نقص في الثمن، لكن أن يُغبن غبناً فاحشاً، فهنا يثبت الخيار لمغبون، وهذا في حالات؛ مثل تلقي الجلب، يعني شخص جاء بسلعته من بره ما يعرف السوق، من أهل البادية، فتلقاه الركبان، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان، فتلقاه الناس بعض التجار فاشترى منه السلعة. في الحديث: «إذا جاء ربها أو صاحبها السوق فهو بالخيار» إذا جاء السوق وعلم أنه قد غُبن فهو بالخيار. فمثلاً جاء السوق ووجد أنه مغبون جداً جداً بضعف أو ضعفين أو نحوها، له الخيار؛ لأن هذا تلقاه وهو غير عالم.
وهكذا المسترسل، أو من حصل له خدعة في نجش؛ مثلاً جاء يريد أن يشتري سلعة وهناك شخص لا يريد الشراء وإنما يزيد في الثمن، يساوم ويرفع وهو لا يريد، وهو متفق مع الآخر، فأنا ظننت أن السلعة لها قيمة وهذا يزاود فيها والآخر يزاود فيها، فبالتالي سأرفع السعر، إذا اشتريتها طاحت في كبدي، اكتشفت أن هذه خدعة وأن هذا ليس بسعرها الحقيقي، هذا غبن وفيه خداع وهذا هو بالخيار أيضاً. وهذا سبحان الله يحصل للناس الذين لا يعرفون التجارة، وقد حصل معي شيء من هذا في مدينة النبي عليه الصلاة والسلام؛ بعد ما انتهيت من الدراسة أخذت أثاث البيت اشتريته بمبالغ، ذهبت به إلى السوق في سيارة وكنت في بالي أنه سيأتي بالقيمة الفلانية، فجاء أناس كثيرون وساوموا وكان سومهم قليلاً جداً واستغربت، ثم لا يزيدون زيادات بينة، ثم فجأة ذهبوا جميعاً وبقيت أنا وحدي، إنا لله وإنا إليه راجعون، يبدو أنها لن تأتي بثمن أعلى منها، ثم رجع واحد وسام بسومة أعلى بقليل جداً فبعتها عليه، ثم اكتشفت أن هذا وأولئك كانوا قد اتفقوا علي وعملوا هذه المسرحية لكي يشتروا هذه البضاعة، وهم يعملونها مع غيري، فهذا من الغبن الذي يحصل في الأسواق، التجار يفعلون ذلك، نسأل الله العافية والسلامة.
ثالثها خيار من قد غُبن، بما عن العادة كان بائناً. ويذكرون المسترسل، المسترسل الشخص الذي لا يعرف الأسعار ويسترسل مع العاقد، ما قال له مشى معه وهكذا بغفلة منه، هذا أيضاً يثبتون له الخيار، سواء كان بائعاً أو كان مشترياً.
رابعها خيار تدليس، كان يسود الشعر ليزداد الثمن. رابع الخيارات خيار التدليس؛ إذا دلس البائع، فجاء بأمة كبيرة في السن شعرها أبيض فسود شعرها فظن الشاري أنها، وجعل عليها المساحيق كما يفعلون هذه الأيام؛ يغتر الإنسان بزواج ثم يكتشف أنه ليس على الوضع الذي رآه، فهذا تدليس. وهكذا الشيبة الذي يصبغ لحيته بالسواد يدلس على الناس، ويأتي ويخطب فيزوجونه ويظنونه شاباً وهو قد صبغ لحيته. قال: رابعها خيار تدليس كان يسود الشعر ليزداد الثمن؛ وهكذا كل تدليس يكون الثمن معه مختلفاً، يعني الضابط أن يكون الثمن بلا تدليس مختلفاً عنه مع التدليس.
وهكذا العيب كما سيأتي: خامسها خيار عيب، وهو ما ينقص قيمة كفحش في الأمة. أيضاً إذا كان العيب ينقص في القيمة كفحش في الأمة، يعني أن تكون زانية لا سمح الله، فهذا ينقص قيمتها، فهو اشتراها على أنها عفيفة فاكتشف أنها ليست بعفيفة، فهذا ينقص قيمتها، هذا يجعل له الخيار في ردها أو أخذ الأرش. يُخيَّر المبتاع بين ما دفع والأرش؛ أما أن يرد ما دفعه ويفسخ البيع، أو يأخذ الأرش وهو زيادة القيمة التي بين قيمتها صحيحة وقيمتها معيبة. يُخيَّر المبتاع بين ما دفع والأرش، والأرش إن الرد امتنع، والعشر لازم واجب. إن الرد امتنع؛ مثلاً اشترى شاة ثم تلفت الشاة، هل يمكن ردها؟ لم يبقَ له إلا الأرش. إن كانت معيبة وتلفت، اكتشف عيبها أو أكلها ثم اكتشف في أثناء ذلك أنها معيبة، فهنا يأخذ الأرش. يُخيَّر المبتاع بين ما دفع والأرش، والأرش إن الرد امتنع، وبين أرش ما اشترى في قشره ورده مع رد أرش كسره. ويخير بين أرش ما اشترى في قشره، الشيء الذي هو في قشره مثل اللوز أو جوز الهند، جوز الهند كبير أو بيض النعام أيضاً كبير، فجوز الهند لا يمكن أن تعلم بصحته من فساده إلا بعد كسره، وهكذا بيض النعام. قال: وبين أرش ما اشترى في قشره، الشيء الذي هو في قشره ورده مع رد أرش كسره؛ أما أن يرد، أو إذا كان مثلاً جوز الهند فتحها فوجد أنه فاسد، أما أن يأخذ أرش الفساد يعني الفرق بين القيمتين، أو يرد السلعة وهي جوز الهند ويرد ويعطيه أرش الكسر؛ لأن هذا هذه الفاكهة يستفاد من قشرها، وهكذا بيض النعام يجعل أواني، فإذا كسره خُيِّر عليه، فهو يستفاد منه من داخله ويستفاد من قشره أيضاً، ولذلك يرد أرش كسره.
ثم قال: وحيث لا قيمة فيما كسر، إذا كان المكسور هذا لا قيمة فيه كبيض الدجاج، هل يستفاد من بيض الدجاج من قشره؟ لا يستفاد. فإذا كسره وجده فاسداً ليس هناك رد لأرش الكسر. قال: وحيث لا قيمة فيما كسر، عاد بكل الثمن الذي اشترى؛ يعني المشتري أو الذي اشترى به يعود بكل الثمن، فيرد، يقول: تعطيني الثمن، ويرد عليه هذا البيض الفاسد. وضحت المسألة؟ ولو كسر، لأن هذا المكسور لا قيمة له بحيث إنه يعني يعطيه عوضاً عنه.
ثم قال: والغبن والتدليس والعيب على تراخ، من اشترى ما قبلا. يقول: الغبن يعني خيار الغبن إذا غُبن الإنسان، وخيار التدليس إذا دلس عليه، وخيار العيب، كل هذه الخيارات على التراخي، يعني لو علم بها صباحاً وردها مساءً جاز له. وضحت المسألة، ليس بالضرورة أن يرده في نفس الوقت، وإنما يرده في وقت لا يكون فيه أثر على البائع.
ثم قال هنا: لا الوقت في تسرية الأنعام، هناك الخيار في تسرية الأنعام مختلف؛ فهو محدد بثلاثة أيام، للوقت في تسرية الأنعام فهو ثلاثة من الأيام. تسرية الأنعام، العيب بتصرية الأنعام يكون مدته ثلاثة أيام كما جاء في الحديث؛ فهو بالخيار ثلاثة أيام. من باع مُصَرَّاة، اكتشف أنها مُصَرَّاة، فهو بالخيار ثلاثة أيام؛ لأنه في هذه الثلاثة أيام يستطيع أن يعلم هل هي مُصَرَّاة أو ليست مُصَرَّاة. تعرفون معنى المصرّاة؟ مُحفَّلة، يعني شخص يأتي بدابة ذات لبن ولا يحلبها مدة من الزمن حتى إذا جاء المشتري يرى ضرعها كبيراً ويحلبها فتملأ الطاسة، قال: هذه ناقة مثلاً غزيرة، فإذا ذهب بها وحلبها الحلبة الثانية أو الثالثة أو بعد يومين وجد أنها ليست كما حلبها فيه، فهو عنده مدة ثلاثة أيام، إن لم يردها، إن جاء بعد في اليوم الرابع وقال: هذه ناقة كانت مُصَرَّاة، لم نقبل؛ لأنك الثلاثة أيام هذه تستطيع أن تعلم فيها هل كانت مُصَرَّاة أم لا. وضحت المسألة؟ ل الوقت في تسرية الأنعام فهو ثلاثة من الأيام.
وليس محتاجاً يعني صاحب هذه الخيارات ليس محتاجاً إلى حكم القضاء ولا حضور بائع ولا رضا، يردها مباشرة، لا يحتاج إلى قاضٍ، العايب يرد نفسه، مثل ما يقولون الناس، ولا يحتاج حضور بائع بل يثبت على هذا ولا رضاه.
ثم قال: وإن على وقت الحدوث يختصم، فالقول قول مشتر مع القسم. إذا اختلفوا في وقت حدوث العيب، فالقول قول المشتري، لأن الأصل أن هذه الدابة تكون سليمة، فلما وجد العيب دل على أنه كان في السابق عند صاحبها. قال: وإن على وقت الحدوث يختصم فالقول قول مشتر مع القسم؛ يعني المشتري القول قوله لكن يحلف؛ لأنه ينبغي المفترض أن يكون سلعته التي اشتراها لا عيب فيها، فثبت أن فيها عيباً فله حقه، الحق في إرجاعها، لكن مع القسم. والقول قوله. لكن إذا لم يحتمل قولين، فقول ذي القول بلا يمين. طبعاً هذا القول قول مشتر مع القسم، في خلاف، لكن إذا لم يحتمل قولين فقول ذي القول بلا يمين. إذا كان لا يحتمل إلا قولاً واحداً، اختلفوا، فقال مثلاً المشتري: العيب حصل فيها وهي عند صاحبها، وقال صاحبها: بل حدث هذا العيب عند المشتري وكانت السلعة قد مضى عليها مثلاً أسبوعين، ثم وجدنا نظرنا في العيب فإذا العيب يعني طعنة مثلاً جرح أو في الناقة وهو حادث، علمنا أن قول المشتري هنا لا عبرة له. قال: لكن إذا لم يحتمل قولين، ليس هناك احتمال لقولين إنما احتمال لقول واحد وهو أن العيب حادث، فقول ذي القول صاحب القول الذي عليه هذا الدليل، القول قوله بلا يمين. وضحت المسألة. أحياناً يكون القول محتمل أن يكون العيب حادث عند المشتري أو حادث عند البائع، فيكون القول قول المشتري بيمينه. فإن كان القول غير محتمل، المسألة غير محتملة إلا قولاً واحداً، فهذا القول هو المقدم بلا يمين. وضحت المسألة؟ صلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
د. سعيد المري