الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فيقول الناظم في فصل في البيوع المنهي عنها: أحكم لعقد البيع بالبطلان، لا غيره بعد الأذان الثاني. والبيع للسلاح عند الفتن، وأيّل خمراً لمن به عُني. وبيع مسلم لكافر بطل، إلا إذا العتق ببيعه حصل. لكن من يسلم وهو في يده، يُزال عنه الملك ملك سيده.
هذا الفصل عقده المؤلف تبعاً لأصله في البيوع المنهي عنها. قال: أحكم لعقد البيع بالبطلان، عقد البيع يشمل أيضاً الشراء؛ لأن البيع يطلق على هذا وهذا. أحكم لعقد البيع بالبطلان، يكون البيع باطلاً بالقيد الذي سيذكره. أحكم لعقد البيع بالبطلان لا غيره، يعني لا غيره من العقود كعقد النكاح مثلاً أو عقد القرض والإجارة، هذه عقود أيضاً لكنها لا تبطل بهذا القيد الذي سيذكره.
أحكم لعقد البيع بالبطلان لا غيره بعد الأذان الثاني، الأذان الثاني للجمعة طبعاً ممن تلزمه الجمعة، أما الأولاد الصبيان والنساء ممن لا تلزمه الجمعة فهؤلاء يجوز لهم الشراء ويجوز لهم البيع. والأذان الثاني هو الأذان الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم حين يرقى الإمام المنبر فيقوم المؤذن ويؤذن، هناك الأذان الأول الذي صار في عهد عثمان رضي الله عنه بعد أن اتسعت رقعة المدينة وكثر الناس. فالبطلان هنا إذا أذن المؤذن الثاني حَرُم البيع وحَرُم الشراء ممن تلزمه الجمعة.
أحكم لعقد البيع بالبطلان لا غيره، طبعاً لا غيره من العقود؛ يعني الحنابلة هنا يجوزون النكاح ويجوزون الإجارة والقرض، كأنهم تمسكوا بظاهر النص في قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]. فنص على البيع، لكن من العلماء من يقول إن هذا النص إنما خرج مخرج الغالب؛ لأن هذا هو الواقع، أن أكثر ما يلهي الناس عن الجمعة هو البيع والشراء، وأما النكاح فإنما يأتي نادراً، وهكذا غيره من العقود، أو لأن هذا هو الذي وقع في عهد الصحابة لما تركوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو خطيب وذهبوا إلى العير التي أقبلت للشراء والبيع.
وأحكم أيضاً بالبطلان لعقد البيع، والبيع للسلاح عند الفتن بالبطلان، وأيّل خمراً لمن به عُني. هنا أحكم لعقد البيع أيضاً، الذي هو البيع للسلاح عند الفتن بين المسلمين، هذا يحكم عليه بالبطلان؛ لأن فيه إعانة على الظلم أو إعانة على الفتن، وقد ورد النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وأيّل خمراً، يعني أحكم لعقد البيع لشيء أيّل خمراً؛ أي سيصبح خمراً، صائر خمراً إذا بيع لمن به عُني، لمن يتخذه خمراً، وتحريم هذا البيع لأجل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
ثم قال هنا: وبيع مسلم لكافر بطل، إلا إذا العتق ببيعه حصل. وبيع مسلم، وبيع عبد مسلم لكافر، هل يجوز أن يُباع المسلم العبد المسلم للكافر؟ يجوز بيعه للمسلم لا إشكال في ذلك، لكن لماذا لا يجوز بيعه للكافر؟ قال: لأنه فيه تسلط للكافر على المسلم وإذلال للمسلم وإهانة له، وهذا أمر ممنوع وقد نص القرآن على ذلك. وبيع مسلم لكافر بطل، إلا إذا العتق ببيعه حصل؛ ما معنى هذه الجملة؟ يعني إذا كنا إذا بعناه على الكافر عَتَق عليه. ومن الذي يعتق عليه أو يحصل له العتق إذا اشتراه؟ هو ذو الرحم المحرم؛ يعني الولد إذا اشترى أباه وكان مملوكاً عتق عليه، وهكذا إذا اشترى ولده أو اشترى أمه، واضح؟ فذو الرحم المحرم.
طبعاً هناك خلاف بين الفقهاء الكبار، مذهب الحنابلة أن ضابط ذو الرحم المحرم هو من إذا قدّرته امرأة للرجل أصبح محرماً عليه، أو إذا قدّر رجلاً إن كانت امرأة للمرأة للرجل أصبحت محرمة عليه، فمثلاً السبعة المذكورين في آية النساء الأم والأخت والخالة والعمة وهكذا. فهذا معنى ذو الرحم المحرم، من ملك ذا رحم محرم فهو حُر، كما جاء في الحديث، وهذا الحديث تكلم فيه العلماء هناك فيه أخذ ورد، لكن به يقول أكثر أهل العلم، طبعاً هذا مذهب الحنفية أيضاً ومذهب الحنابلة في ذو الرحم المحرم هو هذا. والمالكية يقيدون العتق على الشخص الذي يشتري عبداً بأن يكون من أهل الفروض، من أهل الفروض هم خمسة: الآباء والأبناء ومن يكون له فرض في الميراث، والشافعية يستثنون من ذلك الإخوة، الإخوة سواء لأب أو لأم أو الشقيق.
فهنا يقول: وبيع مسلم لكافر بطل، إلا إذا العتق ببيعه حصل، فإذا كان العتق يحصل ببيعه جاز بيعه على الكافر لأنه سيعتق. ثم قال: لكن من يسلم وهو في يده، يُزال عن الملك ملك سيده. طيب عندنا كافر وتحت يده عبد كافر وأسلم هذا المملوك، هنا يزال ملك سيده عنه جبراً، أما ببيع أو بأي وجه من وجوه التصرف، لكن من يسلم وهو في يده يزال عنه الملك ملك سيده؛ كما ذكرنا لكم لأن القرآن ينهى عن تسلط الكافر على المسلم، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].
ثم قال هنا: وقسط العوض حيث اجتمع، بيع وصرف أو إجارة مع، والجمع للبيع مع الكتابة، يبطل ذا البيع وتلك صحتي. وقسط العوض حيث اجتمع العوض في المبيع أو على المبيع وما يجمع إليه يقسط، إذا حصل صفقة واحدة واحتجنا إلى التفريق؛ فمثلاً شخص قال: أبيعك هذه السيارة أو هذا البيت وأؤجر عليك هذا البيت، طبعاً بدون شرط؛ لأنه سيأتي في الشروط الشروط في البيع أنه إذا اشترط عقداً آخر بطل العقد، فهنا ليس بدون اشتراط، يقول: أبيعك هذا البيت وأؤجر عليك هذا البيت بمئة ألف، فالصفقة واحدة في إجارة وفي بيع في نفس الوقت بمئة ألف، يصح هذا العقد؟ نعم يصح. طيب لو احتجنا إلى التفريق أو إلى انفسخ عقد الإجارة مثلاً انهدم البيت، فماذا نفعل؟ نقسط العوض على البيتين؛ فنقول مثلاً إذا كانت الإجارة، إجارة هذا البيت لو كان سليماً بمئتي ألف، يبقى ثمانمئة ألف للبيت المبيع، وبهذه الطريقة. وقسط العوض حيث اجتمع بيع وصرف أو إجارة مع الصرف مثلاً إذا اجتمع مع البيع الصرف تعلمون أنه.
بيع، ولكنه مبادلة مال نقد بنقد، فمثلاً لو قال: أبيعك هذه السيارة و10 آلاف دينار بـ 100 ألف درهم؛ بيع صحيح، ماشي، لكن لا بد أن يكون يداً بيد؛ لماذا؟ لأن هناك نقداً بنقد، هناك صرف، فلو لم يسلم الثمن بطل في الصرف، ومضى في البيع العادي، وقسط العوض.
وحيث اجتمع بيع وصرف، أو إجارة مع والجمع للبيع مع الكتابة يبطل ذا البيع وتلك صحة، لو جمع بين البيع والكتابة؛ قال لمملوكه مثلاً كاتبه: أكاتبك وأبيعك؛ يبيع عليه شيئاً ويكتبه، هل يصح ذلك؟ نقول: يبطل البيع وتصح الكتابة؛ لأن البيع هو يبيع ما له على ماله؛ لأنه ما زال مملوكاً له وإن كاتبه، وضحت المسألة. والجمع للبيع مع الكتابة يبطل ذا البيع وتلك صحة؛ يعني هذا لو جعلها كلها صفقة واحدة، باع له سيارة وكاتبه بـ 100000؛ هنا نقول: البيع باطل وتبقى الكتابة صحيحة ونقسط العوض.
قال: ويحرم البيع أو الشراء على أخيه، والسوم؛ وذا ما أبطل، ورد الأبدال لذي التأجيل في الربوي بواجب التعجيل، والبيع والشراء بسعر عاجل لم يجز إن قل عن المؤجل، وجاز بعد قبضه، وجاز بعد قبضه المؤجل وجنس ما اشترى به قد أبدلا، وحال وصفه، أو اشتراه أبوه أو غير الذي اشتراه.
ويحرم البيع أو الشراء على بيع أخيه المسلم، يحرم، مثل ماذا؟ مثل أن يقول لشخص اشترى سلعة بعشرة ريالات: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أوضحت المسألة. أو الشراء على أخيه المسلم أيضاً، كان يقول مثلاً لمن باع سلعة بتسعة: عندي هذه السلعة أعطيك فيها عشرة، أوضحت المسألة، هي نفس المسألة السابقة لكن هذا في البيع وهذا في الشراء. وهذا التحريم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» أو «لا يبع أحدكم على بيع أخيه»، والحديث متفق عليه. يحرم ويبطل البيع عندنا، طبعاً عند بعض الفقهاء الآخرين لا يبطل.
ويحرم البيع أو الشراء على أخيه، والسوم أيضاً يحرم، وذا؛ يعني السوم ما أبطل، فالسوم لا يبطل العقد، وأما الشراء والبيع على أخيه فيبطل العقد. طبعاً السوم مجرد أنه يسوم، والسوم مثلاً يأتي شخص ويقول: بكم هذه السلعة؟ وذاك يفاوضه ولم يرده؛ أما لو رده وقال له: أريد أن أشتري منك هذه، تبيعها بعشرة؟ فقال: لا، فيجوز أن يسوم عليها آخر؛ لأن هذا لم يقبل السوم. لكن لو قال: تبعني بعشرة؟ فسكت ذاك، فجاء واحد وقال: أنا بشتريها بـ 11؛ لا يجوز إلا في مزاد علني، أوضحت المسألة. لكن السوم لا يبطل العقد، لو جاء مثلاً راشد وقال لمحمد: أشتري منك هذه الآلة بـ 1000 ريال، تبيعها علي؟ فجئت أنا وقلت: أعطيك فيها 1100، وأمضى البيع لي؛ هل هذا البيع باطل؟ ليس بباطل، السوم على سوم الأخ هو الحرام ولكنه لا يبطل البيع.
قال: ورد الأبدال لذي التأجيل في الربوي بواجب التعجيل، يعني صورة المسألة: شخص باع شيئاً ربوياً، مثل ماذا الربوي؟ الذهب والفضة والملح والشعير المذكورة في الحديث وما يقاس عليها؛ فباع مثلاً بر أو باع تمر، 100 صاع تمر بـ 100000 ريال، ثم ولكن الثمن.
مؤجل على أساس أنه سيعطيه الثمن بعد سنة. لما جاء بعد سنة قال: أبدلوا هذا الثمن بشعير أو ببر أو تمر. نفس المبيع، هل يجوز ذلك؟ قال: لا يجوز، لأن الربوي مقابل الربوي لا بد أن يكون يداً بيد. فهنا لما أعطيته أجل، لا يجوز أن تبدله بربوي، ولذلك قال هنا: ورد الإبدال لذي التأجيل -يعني للثمن المؤجل- في الربوي -يعني في الربويات- بواجب التعجيل. ما هو واجب التعجيل؟ الربوي لا بد أن يكون يداً بيد، وضحت الصورة؟ وضحت المسألة.
ثم قال: والبيع والشراء بسعر عاجل لم يجز قل عن المؤجل وجاز بعد قبضه المؤجل إلى آخره. قال: والبيع والشراء بسعر عاجل لم يجز إن قل عن المؤجل. هنا صورتان: الصورة الأولى أو الحالة الأولى باع راشد إلى محمد سلعة، سيارة، هذه السيارة باعها بسعر معجل على محمد، أخذ منها 100 ألف ريال، هل يجوز له أن يشتريها بسعر مؤجل؟ يقول يا محمد: سأشتري منك السيارة بسعر آجل لكنه ليس 100، بل 110. صورة العينة أو عكسها فهذه لا تجوز. والبيع والشراء بسعر عاجل لم يجز إن قل السعر العاجل عن المؤجل، لكن لو كان أكثر يجوز، ولو كان مساوياً أيضاً يجوز، وضحت المسألة؟
وهكذا لو اشترى راشد من محمد سلعة بسعر عاجل، فأعطى محمداً 100 ألف وأخذ منه السيارة، ثم قال لمحمد: أبيعك السيارة بسعر آجل لكن بـ 110 آلاف. فمحمد حصل 100 ألف ورجعت إليه سيارته، لكنه أصبح مديناً لراشد بـ 110 آلاف، فكأن راشداً أعطى محمداً 100 ألف قرضاً وطلب منه تسديدها 110، فأصبحت صورة ربا. وضحت المسألة؟ هذه تسمى مسألة العينة، لكن هنا استثناءات عليها، ويقول صورة المسألة والبيع والشراء بسعر عاجل لم يجز إن قل عن المؤجل؛ إن قل السعر العاجل عن المؤجل هذا لا يجوز.
متى يجوز؟ قال: وجاز بعد قبضه المؤجل، يعني راشد باع على محمد سيارة بسعر آجل فباعها على محمد بـ 100 ألف وعجلها بعد سنة، فبعد سنة جاء محمد وباعها وأعطى راشداً الـ 100 ألف، ثم قال راشد: أشتري منك نفس السيارة لكن بأقل بـ 90 ألف. يجوز؟ يجوز، لأنه قد قبض المؤجل، لأنه أصبح كأنه بيع عادي وليس فيه قرض واقتراض. وجاز بعد قبضه المؤجل أو جنس ما اشترى به قد أبدل، يعني إذا أبدل الجنس، ما معنى هذا الكلام؟ مثلاً باعه سيارة بـ 100 ألف والـ 100 ألف آجلة أو عاجلة، ثم اشتراها منه بسيارة أخرى، أبدل الجنس ولا ما أبدل؟ هنا جاز ما دام أن الجنس اختلف، إلا إذا كان حيلة على الربا؛ لأن حتى الحنابلة ما تركوا مجالاً للمحتال، لأنه ممكن يأتي ناس يحتالون فيقول: أنا أبيعك السيارة بـ 100 ألف نقداً، وأشتريها منك بسيارة أخرى قيمتها 110 آلاف، وأنت تبيع الـ 110 آلاف. وضحت المسألة؟ فيصبح كأنه نقد بنقد في النهاية لكنه طول القصة، ولذلك قالوا: ما لم يكن حيلة على الربا؛ لأنه إذا لم يكن حيلة فقد يحتاج الناس إلى ذلك.
أو جنس ما اشترى به قد أبدل، أو حال وصفه، إذا حال وصفه بمعنى تغير وصف المبيع، باع راشد على محمد سيارة، ثم بعد فترة من الزمن تغير أو صدمت أو وقع منها شيء، أو ناقة كبرت ونحو ذلك، هنا يجوز أن.
يشتري بسعر أقل، ولو كان المؤجل لم يأتي.
لأن وصف المبيع أو حاله قد تغير، فهذا النقص وهذا الاختلاف في البيع في الثمن هو بسبب تغير في حال المبيع أو حال وصفه.
مثلاً: اشترى أبوه؛ باع راشد على محمد سيارة، فجاء أبو راشد يريد أن يشتريها من محمد، يجوز؛ يجوز ما لم يكن حيلة. كل هذا مقيد بالحيلة، أو اشتراه أبوه أو غير الذي اشتراه. في الصورة الأولى جاء أبو راشد واشتراها من محمد، فجاء راشد واشتراها من أبيه، أو جئت أنا واشتريتها من محمد وجاء راشد واشتراها مني فصرت طرفاً ثالثاً، هنا يجوز إلا إذا كان حيلة على الربا، فتكون هي نفس المسألة السابقة.
ثم قال: باب الشروط في البيع. قال منها صحيح، مثل رهن عين، أو كون عبد كاتباً أو مؤمناً، أو شرط بائع لسكن الدار شهراً، أو المشتري حمل الشاري. ويبطل البيع إذا ما جمع ذو العقد فيه بين الشرطين معاً.
هنا دخل في الشروط في البيع بيان الشروط في البيع. هناك شروط البيع تقدمت معنا التي يصح بها العقد، وهنا الشروط في البيع يعني يشترطها العاقد سواء كان بائعاً أو مشترياً، لكنها ليست من الشروط الأساسية في البيع. مثلاً الشروط الأساسية ذكرناها سبعة شروط؛ أن يكون هناك الرضا، وأن يكون المبيع ملكاً للبائع، وغير ذلك من الشروط.
ثم مثل على ذلك، قال: منها صحيح مثل رهن عين. معناه أن الشروط منها ما هو صحيح ومنها ما هو فاسد أو غير صحيح، فالشروط قسمان: شروط صحيحة وشروط فاسدة. قال: منها صحيح مثل رهن عين، يعني منها شرط صحيح. ما هو الشرط الصحيح؟ ما ضابطه؟ قال: ما لا ينافي مقتضى العقد.
ما هو مقتضى العقد؟ مثلاً مقتضى العقد أن من اشترى سلعة أو مبيعاً يملك هذا المبيع، وعلى البائع أن يسلمه إياه. هذه كلها مقتضيات العقد: أنه يتصرف فيما اشتراه، أنه يملك ما اشتراه، يسلم إليه ما اشترى، كلها مقتضيات العقد. فالشرط الصحيح هو ما لا ينافي مقتضى العقد، فإن نافى أصبح فاسداً.
وهذه التي لا تنافي مقتضى العقد ثلاثة أنواع: النوع الأول ما كان من مقتضى العقد نفسه، كيف يشترط مثلاً البائع أو المشتري تسليم البائع السلعة؟ أليس العقد يقتضي أن تسلم السلعة للمشتري؟ فهذا الشرط أصلاً من مقتضى العقد، لا حاجة لذكره، ولذلك المؤلف هنا لم يذكره تبعاً لأصله. الشرط الذي من مقتضى العقد هذا لا داعي لذكره، ولو ذكره لكان تأكيداً للعقد فقط، تأكيداً للمسألة.
والنوع الثاني ما كان من مصلحة العقد، ومثل هنا عليه بالرهن، قال: مثل رهن عين؛ يعني معين، أو مثل تأجيل الثمن؛ يقول المشتري: أنا أشتري منك هذه السلعة لكن بثمن مؤجل بعد سنة، فهذا من مصلحة العقد. شرط الرهن أيضاً من مصلحة العقد؛ يقول البائع: أنا أبيعك هذه السلعة لكن ترهني شيئاً حتى يضمن أن العقد مؤكد، وليس هناك ما يبطله، فهذا من مصلحة العقد. هو ليس شيئاً زائداً، لن يأخذ الرهن البائع إذا اشترط رهناً على المشتري؛ ليس اشتراط الرهن شيئاً زائداً على العقد، وإنما هو لتأكيد مضي هذا العقد، فهو من مصلحة العقد، فإذا أتى بالثمن رُدّ إليه الرهن، وإذا لم يأتِ بالثمن اقتضاه من الرهن. فالعقد ماضٍ فهو من مصلحة العقد.
وضحت المسألة؛ قال: مثل رهن عين، أو كون عبد كاتباً أو مؤمناً، أو شرط صفة في المبيع؛ مثل رهن عين، أو مثل تأجيل الثمن، أو مثل شرط صفة في المبيع، كون العبد كاتباً أو مؤمناً، أو كون السيارة مثلاً موديل كذا ونحوها.
والنوع الثالث ما كان من مصلحة العقد أيضاً، هذا كله من مصلحة العقد، لكن النوع الثالث فيه زيادة. قال: أو شرط بائع لسكن الدار شهراً، أو المشتري حمل الشاري. البائع يشترط على الشاري أن يسكن الدار التي يبيعها شهراً، فمثلاً باع محمد على راشد سيارة أو داراً وقال: اشترط عليك أن أسكنها شهراً، يعني تستلمها بعد شهر، هذا يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ لأن فيه نفعاً لأحد العاقدين وهو زيادة على العقد. العقد ما الذي فيه؟ فيه بيع دار وأخذ الثمن، لكن لما اشترط السكنى كأنه زاد في العقد شيئاً من مصلحته من منفعة العاقد.
أو يأتي شخص هنا بمثال آخر؛ أو المشتري حمل الشاري. الشاري معناه هنا البائع قال للبائع: تحملها معي إلى البيت، أو تأتي بها المكيفات مثلاً، أنا سأشتري منك لكن أنت الذي تأتي بها. فهذا زيادة على العقد؛ العقد ما هو؟ شراء المكيفات، لكن المشتري اشترط منفعة من مصلحته، هي أن البائع يحمل هذه المكيفات ويركبها أيضاً.
وإن كان الحنابلة سيقولون هنا إن الجمع بين الشرطين من هذا النوع يبطل العقد، فمثلاً قال هنا: ويبطل البيع إذا ما جمع ذو العقد فيه بين الشرطين معاً. يعني مثلاً شخص راح إلى صاحب حطب واشترى منه الحطب وقال له: تحمل الحطب معي وتكسره، شرطين؛ الحنابلة يقولون هذا باطل، لكن الذي عليه أكثر أهل العلم أن هذا الاشتراط لا إشكال فيه.
ثم قال هنا: وفاسد. إذا انتهينا من الشروط الصحيحة، وهي ما يكون من مقتضى العقد أو ما لا ينافي مقتضى العقد، وذكرنا أنها ثلاثة: واحد منها لا حاجة لذكره، واثنان أحدهما من مصلحة العقد، والثاني من مصلحة العاقد نفسه أو نفع يعود على العقد. قال: وفاسد منها به العقد، كشرط عقد آخر كالسلَم.
القسم الثاني الفاسد من الشروط في البيع هو ما ينافي العقد، يعني ضابطه أن يكون منافياً للعقد، وهو نوعان: النوع الأول به العقد نفي، وفاسد منها به العقد نفي، يعني يبطل به العقد؛ كشرط عقد آخر كالسلَم، أن يشترط أحدهما عقداً آخر، وذكرنا وأشرنا إليه قبل قليل في التقسيط بين العوضين أو التقسيط في الصفقة المجموعة. كشرط عقد آخر كالسلَم؛ يعني يأتي واحد ويقول: أنا أبيعك هذه الدار على أن تقرضني 100,000، يعني زيادة على الثمن؛ أبيعك هذه الدار بـ 100,000 وتقرضني 100,000 إلى سنة مثلاً، وهو السلم يسمونه.
السلف ويسمونه السلم، أبيعك هذه الدار على أن يكون بيني وبينك سلم، يعني عقد سلم؛ أعطيك مثلا مالا أو تعطيني مالا آخر، وأتيك مثلا أبيعك هذه الدار بـ 100، وتسلمني 100 ألف، وأعطيك بعد سنة 100 صاع من التمر؛ فهما عقدان في صفقة واحدة لكنه مشترط، فالعقد الثاني مشترط، ولما يكون العقد الثاني بشرط تبطل، يبطل البيع، أما إذا لم يكن بشرط فالبيع صحيح.
لذلك قال هنا: «وفاسد منها به العقد في كشرط عقد آخر كالسل»، ولا يصح «بعتك الشيء إذا وافق زيد أو أتيت بكذا». هنا أتى بالنوع الثاني من الشروط الفاسدة، وهو أن يشترط أحد العاقدين شرطا يعلق عليه المبيع أو يعلق عليه البيع، يعني يقول: أنا أبيعك أو بعتك هذا متى؟ قال: إذا جاء زيد، فعلقه على شيء في المستقبل، أو إذا رضي زيد؛ هل يجوز هذا؟ الآن المعلق ما هو البيع نفسه؟ العقد ما تم، صار العقد كأنه موقوف، هذا باطل.
أيضا هذا لا يقع العقد معه أصلا لأن العقد إلى الآن لم يُبرم، بخلاف الأول؛ أبرم العقد لكنه اشترط عقدا آخر، فاشتراط العقد الآخر يبطل إبرام العقد، وهنا العقد لم يتم أصلا فهو باطل أصلا. قال: «ولا يصح بعتك الشيء إذا وافق زيد أو أتيت بكذا»، إذا أتيت بالشيء الفلاني قد لا يأتي به، وقد لا يوافق زيد.
أو حيث قال: «راهن لمرته لما جاء بالحق»، مثل أن جاء وقال: أرهنك، اشتري منك سيارتك وأرهنك هذا الكتاب، فيأخذ السيارة على أساس أن يأتي بالثمن، ورهن شيئا آخر، قال: «إن جئتك بالثمن وإلا فالرهن لك»، هذا أيضا باطل لأنه لم يتم البيع، صار كأنه معلق، يعني إما كذا وإما كذا. ما قال اشتريها وهذا مرهون عندك، لا بد أن يأتي بالثمن وإلا يباع عليه جبرا، فيقول: إن جئتك بالحق وإلا نلت ما رهنته عندك؛ لأن النبي ﷺ جاء في الحديث: «لا يغلق الرهن من صاحبه»، فسره الإمام أحمد بهذا الشيء. وهكذا كل بيع علق على شرط مستقبلي فهو باطل.
إلا أشياء محصورة، وهي مثلا بيع العربون؛ يأتي شخص أعطي راشد عربونا في سيارته، أعطيه مثلا 10000 على أن أشتري السيارة بـ 100000، وذهبت، فهنا هذا الشرط صحيح، يعني أن آتيك بالثمن في المستقبل. فقال هنا: «وكل بيع علق على شرط مستقبل يعني باطل»، غير «إن شاء الله»، لو قال: اشتري منك هذا إن شاء الله، أو بعتك هذا إن شاء الله، هذا شرط معلق أو بيع معلق بالشرط لكنه بالمشيئة، هذا جائز.
وغير بيع العربون؛ بأن يدفع بعد العقد شيئا، عقد مع شخص ودفع له شيئا ويقول: إن أخذت المبيع أتممت الثمن، فيعلق على أنه إن أخذ المبيع -إن نوى أخذه- أتمم الثمن له وإلا فهو لك. قال: «يصح هنا بيع العربون أو العرب»، لفعل عمر رضي الله عنه، «والمدفوع للبائع إن لم يتم البيع». قال: «وصح بعتك الشيء على أن تنقد القيمة لي إلى ثلاث».
هنا مسألة أخرى وهي فيها تعليق؛ قلنا تعليق البيع على مستقبل يبطل البيع إلا بيع العربون، وإلا قول «إن شاء الله»، وضحت المسألة؟ لو قال: بعتك هذا الشيء على أن تنقد القيمة لي إلى ثلاث، يعني دون ثلاثة أيام، لابد أن تأتي بالقيمة وإلا فالبيع مفسوخ، هل يصح؟ يصح، أن قال هنا: «وصح بعتك الشيء على أن تنقد القيمة إلى ثلاث».
طيب، ما الفرق بين هذه والمسألة السابقة؟ قلنا تعليق البيع على مستقبل يبطل البيع، طيب هنا ما المعلق؟ المعلق عليه هنا الفسخ وليس البيع. البيع تم، ثم يقول: بعتك هذه السلعة لكن بشرط أن تأتي بالثمن بعد ثلاثة أيام، فإن لم تأت قبل ثلاثة أيام فالبيع مفسوخ، فعلق فسخ البيع على هذا المستقبل، وضحت المسألة؟
أما هناك يعلق البيع من أصله على المستقبل، ثم قال هنا: «والشرط دون العقد ذو بطلان»، أن يشترط بيع بلا خسران، أو عدم البيع، أو الإعطاء، أو عدم العتق، أو الولاء ونحو ذي، كبيع أو نفاق، لكن يصح الشرط للإعتاق. «وصح بيع من براءة شرط من كل عيب واشتراط سقط»، «وصح بيع حيث بان أكثر ذرعا وعكسه»، «وجهلا خيرا»، هذا النوع الثالث من الشروط الفاسدة.
قلنا الشروط الفاسدة ثلاثة أنواع، ذكرنا نوعين: أحدهما يبطل العقد إذا وقع، والآخر لا يقع معه العقد أصلا لأنه العقد معلق على شرطه المستقبلي. والثالث: يبطل الشرط والعقد صحيح، وهو «الشرط دون العقد ذو بطلان»، أن يشترط بيع بلا خسران، يعني يصح معه البيع لأن الشرط من أصله فاسد.
كيف من أصله فاسد؟ يعني مثلا هل يمكن لشخص أن يأتي ويقول لراشد في سيارته: يا راشد لا تبيع سيارتك؟ طيب ما دخلي أنا؟ هي سيارته، فهل يصح اشتراط مثل هذا الشرط على راشد وأنا جاي من برا؟ أو أقول: لا تبيعها إلا بخسارة، أو أقول: يجب عليك يا راشد أن تعتق عبدا؟ «الشرط دون العقد ذو بطلان»، يشترط بيع بلا خسران، يعني مثل شخص باع لشخص سلعة واشترط عليه أن لا يخسران فيها؛ يعني أنا اشتريت من راشد سيارة، قلت: يا راشد شرط، ما هو الشرط؟ قال: أن لا يكون علي خسارة فيها. أنا اشتريتها من راشد بـ 100000 فليس علي خسارة، ما معنى ليس عليه خسارة؟ يعني لو بعتها وما جابت إلا 90 صارت خسارة، على من الخسارة؟ على البائع، طيب ما دخله يشترط أنه يربح أو لا يخسر؟ هذا الشرط باطل لأنه من أساسه باطل.
لو أنا اشترطت، لأني أنا اشترط على شخص لا دخل له في سيارتي، مثل لو راشد يروح يبيع سيارته ويقول: إذا ما جابت 100000 ولو جابت 90 باخذ منك يا عبد الرحمن 10000، طيب ما دخل عبد الرحمن، فالشرط من أساسه باطل، وضحت؟ لأن البيعة «قل الملك لمالك جديد»، فلا يمكن أن تشترط عليه شيئا لأن السلعة أصبحت ملكا له. فقوله...
هنا فالشرط دون العقد ذو بطلان؛ والشرط دون العقد ذو بطلان. يشترط بيع بلا خسران، أو عدم البيع؛ يعني إذا اشترط عليه أن لا يبيع، هل هذا الشرط صحيح؟ شرط فاسد والعقد صحيح. أو الإعطاء يشترط عليه أن يعطي زيدًا، هذا باطل. أو عدم العتق، يقول لك: أبيع لك هذا العبد لكن ما أعتقه؛ ما دخلك؟ هذا ليس ملكًا لك. أو عدم الولاء، يشترط الولاء لنفسه؛ وهو ليس ملكًا لك.
ونحو ذي، ونحو ذي يعني عكسها وأمثالها؛ فبين نحو ذي في البداية قال: عدم البيع، هنا قال: كبيع، ونحو ذي يعني يشترط عليه أن يبيع. أبيع على راشد السيارة، أقول: لازم تبيعها أو لا تبيعها؛ يعني البيع وعدمه كبيع. ونفاقي هناك يشترط أن لا يخسر، هنا يشترط أن يكون نافقًا، يعني أن ينباع بسرعة. أو عدم الإعطاء أيضًا؛ هناك اشترط الإعطاء، وهنا عدم الإعطاء، أنا هذه زيادة من عندي: قول أو عدم إعطاء.
لكن يصح الشرط للاعتاق؛ لو اشترط عليه أن يعتقه، قالوا: يصح مع أنه ليس ملكًا له، لماذا؟ قال: لأنه دخل على بينة، والشريعة تتشوف للعتق؛ فإذا اشترط عليه العتق ووافق يعتق عليه جبرًا.
وصح بيع حيث بان أكثر ذرعًا وعكسه، وجهلًا خُيِّر. وصح بيع من براءه شرط من كل عيب واشتراط سقط. يعني شخص قال: أبيعك هذه السلعة وأبرأ من كل عيب فيها مجهول عيب؛ تشوفها ما عندي مشكلة، لكن عيب داخل مجهول ما يرى أنا اشترط إبراءً منه، فهل يبرأ؟ لا يبرأ.
قال: وصح بيع حيث بان أكثر ذرعًا وعكسه، واشتراط سقط؛ ما معنى اشتراطه سقط؟ يعني لو أن المشتري وجد عيبًا خفيًا في السلعة يرد به المبيع عليّ، يجوز له الرد، له الخيار أن يرد أو يأخذ العرش، واشتراط ذلك الرجل الذي اشترطه باطل لا يصح، وضحت المسألة.
وصح بيع حيث بان أكثر ذرعًا وعكسه. يعني شيء يذرع لشيء؛ فقال: أنا أبيعك هذه الدار أو هذا الثوب، وسعتها مائة ذراع، أبيعك إياها، فبان أن الأرض ذرعها أكثر، مائة وعشرة أذرع، أو أقل، تسعون ذراعًا، فقال هنا يصح البيع. وصح عكسه؛ إذا بان أقل حيث بان أكثر ذرعًا وعكسه.
هذا يصح إن كان دخل على بينة، عارف، لا إشكال في هذا؛ قال له: أبيعك هذه الأرض مائة ذراع، وهو يعلم الشاري أنها ليست مائة ذراع، فوجدها تسعين فاشتراها بنفس السعر، وما فاوضه هنا لا إشكال فيه. لكن لو اشتراها وهو جاهل على أساس أنها مائة، فلما ذرعها تبينت أنها تسعون، هنا جاهل، أليس كذلك؟ هو مخير، متى؟ إذا كان يفوت عليه غرض.
إذا كان يفوت عليه غرض، صحيح مثلاً يريد أن يبني عليها بناءً من مائة ذراع، يعني هو أراد مائة ذراع لأنه عنده بناء يتسع لهذه الأذرع، فلما تبين أنها تسعون فات غرضه الذي أراده، هنا يجوز له أن يخير بين الرد وبين أن يأخذ الفرق، وضحت المسألة؟ إذا كان يفوت غرضه، فإن لم يفت غرض ليس له إلا الفرق.
قال: وجهلاً خُيِّر إن دخل جاهلاً وفات غرضه؛ يعني قيدوا كلمة جهلاً بقيد وفات غرضه هذا. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
د. سعيد المري