الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذا الدرس الثاني من دروس شرح نظم «ملح النضار في نظم الزاد». وصلنا إلى باب السواك وسنن الوضوء.
قال الناظم هنا عفا الله عنه: يسن بالعود سواك دائما، إن لم تكن بعد الزوال صائما عرضا بمونق، لا بذي تفتت، أو ضرر، أو أصبع، أو خرقة مؤكدا عند انتباه النائم، أو الصلاة، أو تغير الفم والكحل، أو الكحلة، أو الدهان غببي أما الختان مطلقا فأوجبي وقول «بسم الله» في الطهر لزم ويكره القزع، لا لمحتجم
يسن بالعود السواك دائما، أي في كل وقت، لكن يستثنى من ذلك وقتا واحدا وهو ما بعد الزوال للصائم؛ فإن لم تكن بعد الزوال صائما، فإذا كان الشخص صائما فإنه يكره التسوك بعد الزوال. قال: «عرضا بمونق، لا بذي تفتت»، وهذا الاستحباب للتسوك إنما يكون إذا كان التسوك عرضا، يعني من الجهة اليمين إلى جهة الشمال والعكس؛ لأنهم يقولون إذا تسوك طولا أدما اللثة. قال: «عرضا بمونق»، أي بمنظف للفم، «لا بذي تفتت»، وهذا واضح، «أو ضرر»، أي ولا بذي ضرر، يعني بعود يضر اللثة، «أو أصبع»، أي ولا بأصبع، «أو خرقة». لأنه لو فعل ذلك لم يصب السنة.
والأصبع فيه لغات؛ فيه تسع لغات، وكذلك الأنملة، والأصبع يزيد على الأنملة بلغة واحدة فهي عشر، لكنهما يتساويان في التسع. وقد جمعتها في بيتين: وشكل أصبع بتسع كُتُبا، حاصل تثليث لهمزة وباء وذاك في أنملة مسموع، وقد أتى في أصبع أصبُعُ
والأنملة تقول: أنمُلة وأنملة وأنملة، وتقول أنمُلة وأنملة وأنملة، وهكذا أنمُلة وأنملة وأنملة. إذاً تثلث الهمزة وتثلث الميم في أنملة، ولكن في الأصبع زيادة وهي أُصبُع على وزن أُسبوع، بخلاف أنملة فلا تقول أنمُلة.
قال هنا: «مؤكدا عند انتباه النائم»، التسوك مؤكد، مؤكدا يعني حال كونه مؤكدا سنيته عند انتباه النائم إذا قام الإنسان من النوم، سواء كان هذا النوم ليلا أم نهارا، أو عند الصلاة، وعند تغير الفم بسبب رائحة طعام أو غيره، وعند الصلاة سواء كانت الصلاة نافلة أو فرضا.
ثم قال هنا: «والكحل أو الكحلة أو الدهان غببي». الكحل يعني بالإثمد في كل عين أوتر، بمعنى اجعلها وترا ثلاثا، فقبل النوم يفعل ذلك كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من المستحبات. «والكحل والدهان غببي»، الدهان للشعر أو للرأس يغبب، بمعنى أنه يجعله أو يفعل يوما ويترك يوما، هذا معنى التغريب، غبّبْ أمر من التغبيب، والتغبيب معناه أن تفعل يوما وتترك يوما، وكله مستحب.
«أما الختان مطلقا فأوجبي»، الختان واجب مطلقا يعني على الذكر والأنثى. وفي «زاد» في الأصل، أصل النظم عبارة لا أدري كيف سقطت علي في النظم: «ما لم يخف على نفسه»، يعني يجب عليه أن يختتن ما لم يخف على نفسه، فإن خاف على نفسه لم يكن ذلك واجبا. ويمكن الاستعاضة عن البيت الثاني بشيء يلحق فيه هذا المعنى، فمثلا ممكن أن أقول: «والكحلة أوتر والدهان غببي، والختن إن لم يخش ضر أو جببي»، فجاءت كلمة «إن لم يخش ضر»، نعم، يمكن أن يبدل الثاني بقوله والختن إن لم يخش ضر أو جببي.
ثم قال هنا: «وقول بسم الله في الطهر لزم، ويكره القزع لا لمحتجم». وقول بسم الله يعني وذكر التسمية في الطهر لزم، في الطهر يدخل في الطهر الوضوء، ويدخل فيه الغسل، ويدخل فيه التيمم، ويدخل فيه غسل يدي قائم من نوم ليل؛ لأنها تعتبر طهارة عندنا، لزم أي وجبت. وهذا الوجوب يكون مع الذكر لا مع النسيان، ما دام ذاكرا عالما فهو يجب عليه التسمية. وعبارة «زاد» أيضا ذكر كلمة الذكر، وأنا لم أذكرها هنا في النظم، ويمكن تلافيها أيضا؛ يعني هذه المقدمة التي هي الطهارة كانت قديمة، هي مما نظمت أول النظم، فلم أرجع إليها إلا مؤخرا فسقطت كلمة الذكر، وهي لا إشكال فيها، الخط وفيها يسير، بإمكانها تلحق كما يقول أهل موريتان: «خلي شيل المرابط»، يعني الشارح ممكن يضيف بعض الأشياء. لكن يمكن أن يضاف كلمة الذكر في الشطر الأول، فيقال مثلا: «في الطهر بسم الله مع ذكر لزم، ويكره القزع لا لمحتجم».
طبعا هنا التعبير بالطهر هو ليس تعبير «الزاد»، والأفضل الأصل عبر بالوضوء، والتعبير بالطهر أولى؛ لأن البسملة في جميع أنواع الطهارة واجبة، سواء كانت الطهارة عن حدث أكبر أو عن حدث أصغر، أو إذا قام من نوم ليل ناقض للوضوء، أو في التيمم أيضا. فبدلا من أن تذكر في كل موطن ذكرتها هنا وأجملتها في كلمتي «الطهر». والبسملة لها أحكام سواء عند الحنابله أو عند غيره، متعددة في مواطن، واستحسنت أن أجمعها في أبياتنا أيضا، وهي قولي:
وقول «بسم الله» عنه واجب، عن الإمام أحمد ولا سهوا جهلا وذاك المذهب في الغسل والوضوء والتيمم، وغسل ميت وكف قائمه، خمسة أشياء وعنه يعني رواية وعنه في الوضوء غير واجب، فغيره يقاس كالمذاهب وعنه يعني وعن الإمام أحمد في الوضوء التسمية غير واجبة، وعنه في الوضوء غير واجب، يعني قوله «بسم الله» غير واجب، فغيره يقاس، غير الوضوء وهي الغسل والتيمم وغسل الميت وغسل يدي قائم من نوم ليل، لأن هذه الأربعة مقاسة على الوضوء، النص إنما ورد في الوضوء فقاس الحنابلة الأربعة عليه، فإذا قلنا بالرواية الثانية أنه ليس بواجب، فمن باب أولى أن لا يكون واجبا في هذه الأربعة الأخرى.
«وعنه في الوضوء غير واجبي، فغيره يقاس كالمذاهب»، كالمذاهب معناها أن المذاهب لا تقول بوجوب التسمية في هذه الأشياء الخمسة. وفي الذكاة ساقط سهوا فقط عند التذكية، إنما قول «بسم الله» في التذكية يسقط عند السهو لا عند الذكر، وإنما سقط عند السهو لأن الدليل على وجوب التسمية قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، طبعا ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ هنا العبارة مطلقة، يعني قد يفهم منها سواء كان سهوا أو مع الذكر، سواء كان تعمدا أو غير متعمد، لكن في آخر الآية أو في طرف الآية أو قبل نهايتها ما يدل على أن المراد التعمد؛ لأن الله سبحانه وتعالى حين قال ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، والنسيان لا يسمى فسقا، فدل ذلك على أن مسألة النسيان خارجة.
ولذلك قال: وفي الزكاة يعني قوله «بسم الله» وفي الذكاة ساقط سهوا فقط، ومطلقا في الاصطياد، ما سقط عند الصيد، لا يسقط مطلقا لا سهوا ولا عمدا، وعنه يعني وعن الإمام أحمد، وعنه في هذين اللي هو الذكاة والاصطياد وعنه في هذين كالنعمان ومالك يسقط بالنسيان. طيب، هذه مما استحسنت أن أذكرها لكم؛ لأنها تجمع أحكام البسملة في مجموعة أبيات، ومن أرادها سيراجع المسموع على الموقع ويكتبها إن شاء الله.
قال: «ويكره القزع»، وهو القزع، «لا لمحتجم». القزع هو حلق بعض الشعر دون بعضه، هذا يسمى قزعا، والحنابلة نصوا على القزع على كراهية القزع وعلى كراهية حلق القفا، وإن كان حلق القفا من جهة مؤخر العنق يدخل في القزع، إلا أنهم نصوا عليه من باب التوضيح، لأنه قد لا يستبين أنه من القزع لكونه من جهة مؤخر العنق، ويكره القزع. قال هنا: «لا لمحتجم»، هذا الاستثناء ليس موجودا في الأصل، وهو موجود في كتب الحنابلة، منصوص عليه عند حلق القفا، يقولون: ويكره حلق القفا إلا لمحتجم، لأن الاحتجام أكثره يكون من جهة القفا، وإلا فالاستثناء عام سواء كان في حلق القفا أو في القزع، والدليل عليها أشياء، منها عباراتهم، عبارات بعض الأئمة، مثلا صاحب «المغني» استدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه احتجم وهو محرم في وسط رأسه، فقال إن حلق بعض الرأس يجوز للحاجة، وذكر هذا الحديث، وهكذا ابن القيم. الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عليه فهم من كلامهم أن الاستثناء للحجامة جائز في القزع أيضا، ليس فقط مخصوصا بحلق القفا، هذا من باب التوضيح، قد ينظر شخص في النظم ويقول من أين جاء بهذا وهو ليس موجودا في المتن.
قال: وسنن الوضوء غسل كفك ثلاث مرات وأنت سوك والبدء في الوجه ممضمضا فما مستنشقا مبالغا لا صائما وإن تخلل لحية كثيفة والغسل حتم إن تكن خفيفة وسنة تخليلك الأصابع وجعلك اليسرى لليمنى تبعا ومسح الأذنين بماء أولى وسنة غسلتان بعد أولى
قال: وسنن الوضوء غسل كفك، غسل الكفين في أول الوضوء من السنة ثلاث مرات ولو كان قد تحقق طهرتهما، فغسلهما من السنة. ثم قال: «وأنت سوك»، كذلك السواك قلنا عند الصلاة، ومحل ذلك عند الصلاة وعند الوضوء، وعند الوضوء محله عند المضمضة. «والبدء في الوجه»، أيضا السنة الثالثة البدء في الوجه، «ممضمضا فما»، يعني أن يمضمض فمه أولا، ثم يستنشق ثلاثا ثلاثا، وأما بغرفة واحدة وهذا الأولى، أو بغرف منفصلة. والرابعة أن يكون، «والبدء في الوجه ممضمضا فما مستنشقا مبالغا»، مبالغا فيهما يعني في المضمضة والاستنشاق، «لا صائما»، لا إذا كان صائما، كما جاء في الحديث، فيكره المبالغة حينئذ.
ثم قال: «وإن تخلل لحية كثيفة»، الكثيفة هي التي تستر البشرة، والتخليل، تخليل اللحية له صفة ثانية، إما أن يأخذ كفا من ماء ويضعها تحت حنكي ثم يشبك أصابعه، وإما أن يأتي بها من الجوانب فيمشط العوارض، العارضين من اليمين ومن اليسار. وإن تخلل لحية كثيفة إذا كانت كثيفة فتخليلها سنة، وأما إن كانت خفيفة فغسلها حتم، أي واجب، «والغسل حتم إن تكن خفيفة»، وهذه يعني هذا الشطر زيادة على ما في الزاد. «ومسح الأذنين بماء أولى»، وسنة تخليلك الأصابع وجعلك اليسرى لليمنى تبعا، تخليل الأصابع، أصابع اليدين والرجلين أيضا سنة.
هنا مسألة وهي: «وإن تخلل لحية كثيفة»، وإن تخلل، هنا تخلل وهو فعل مضارع منصوب بـ «أن»، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وهي الإدغام، لأن اللام هنا لام «تخلل» مدغم في لام «لحية»، وهذا يسمى الإدغام الكبير، وقد قرأ بها أبو عمرو البصري، وقرأ به بعض القراء في بعض المواطن، ومن أراد الاستزداد من هذا فليرجع إلى كلام الشاطبي رحمه الله عليه عند قوله: «وما كان من مثلين في كلمتيهما، فلا بد من إدغام ما كان أولا، كـ «يعلم ما فيه هدى»، وطبع على قلوبهم، والعفو ومتمثل».
إذاً قال: «وسنة تخليلك الأصابع وجعلك اليسرى لليمنى تبعا»، جعلك اليسرى تابعة لليمنى، يعني البدء بالميامن. «ومسح الأذنين بماء أولى»، أيضا ومن السنن أن تمسح الأذنين بماء جديد غير ماء الرأس. «وسنة غسلتان بعد أولى»، يعني الغسلة الثانية والثالثة بعد الغسلة الأولى سنة أيضا، وأما الغسلة الأولى فهي واجب أو فرض.
د. سعيد المري