يسن قول وارد لمن ولج بيت الخلاء مستغفراً إذا خرج، وفي الدخول بالشمال يبتدي عكس انتعال ودخول المسجد، وارتاد للبول مكاناً وابتعد مستتراً، ثم على اليسرى اعتمد، ثم من أصله يمر اليسرى مسحاً ثلاثاً وثلاثاً، وأن يخفت لهذا تحولاً، وذاك سنة ككل لما خلا.
هذه السنن في الاستنجاء؛ قال يسن قول وارد لمن ولج بيت الخلاء، ما هو الورد؟ هناك أشياء واردة، ومن أصحها ما في الصحيحين وغيرهما، بل في الجماعة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان إذا دخل بيت الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». وفي رواية: «الخبث والخبائث». طبعاً هذه الخبث يقول القاضي عياض وغيره أنها أكثر الروايات الشيوخ بإسكان الباء، ومعناه الخبث معناه الشر؛ فكأنه يستعيذ إذا دخل الخلاء من الشر. وأما الخبائث فجمع خبيثة، ويستعيذ من الشياطين. وعلى رواية الخبث جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة؛ فكأنه يستعيذ من الشياطين من ذكرانهم وإناثهم.
هذا هو أصح ما ورد في قول من دخل الخلاء. طبعاً الخلاء بالمد هو المكان الخالي الذي ليس فيه شيء، وبسبب أن الناس إذا أرادوا حاجة ذهبوا إلى الخلاء وتواروا عن الناس؛ سمي نفس المكان المعد لقضاء الحاجة خلاءً، كما سمي الغائط وهو المكان المنخفض لما يخرج من الإنسان. فهنا يقول إذا دخل الخلاء: كان إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبث أو الخبائث.
هناك رواية في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل قال: «بسم الله». ليس إذا دخل خلاء قال بسم الله، قال: «ستر ما بين عورات بني آدم وبين أعين الجن بسم الله». أو قول بسم الله، هذا الحديث يعني ضعفه الترمذي، وهو من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، رواية أبي جحيم عنه، قال الترمذي: ليس إسناده بالقائم. طبعاً القول بمثل هذا الحديث وإن كان سنده ضعيف فيه شيء من الضعف، يعني لا بأس به في مثل هذه الآداب؛ يعني مما يتوافق مع قواعد المذاهب أو قواعد الشرع أنه لا يشدد في مسألة الآداب، لا يشدد في مسألة الدعاء، لا يشدد في أشياء من المباحث، أما الأحكام.
ولذلك يقول الإمام أحمد: إذا جاءت الآداب والدعاء تساهلنا بالأسانيد، فإذا جاءت الأحكام أردنا رجالاً هكذا، وأقام إبهاميه بيده؛ عرضنا رجالاً هكذا يعني أقوياء. وهكذا قول عبد الرحمن بن مهدي وغيره من الأئمة الكبار أنهم في الأحكام يتشددون. ولذلك نظر الناقد للحديث يختلف عن نظر المتأخرين؛ المتأخرون عندهم النظرة للسند دون النظر إلى المتن، لكن القدماء تجدهم يقولون في حديث رواه مثلاً سماك بن حرب يقول: هذا صحيح؛ لأنه مثلاً في فضيلة أو في دعاء أو في أدب، ويأتون في حديث آخر وهم سماك بن حرب يتوقفون فيه؛ لأنه في مسألة حكمية أو في حكم من الأحكام الذي يحتاج إلى تعزيز.
فنظره ليس فقط للسند، وهذا يرد على المستشرقين الذين يقولون إن المحدثين فقط لا ينظرون إلا إلى الأسانيد؛ هم ينظرون إلى الإسناد وإلى المتن في نفس الوقت، ووافقه الناس أهل الحديث؛ لأن تعليلاتهم إذا تتبعناها نجدها أنها مرتبطة بالمتن؛ أن هذا المتن لا يأتي بهذا السند، أو فلان يضعفونه لأجل هذا المتن ولا يضعفونه لغيره، يعني بعض الأحاديث يضعف بها الرجل لأجل المتن، يعني رجل لا يدركونه ضعفه إلا بروايته لحديث معين بسبب متنه، ليس لأجل الغرابة مثلاً، لا، لأجل أنه أتى بشيء أن مثلاً الحكم شرعي، لو أن هذا الحكم صحيح، إنما اختلف الناس فمثل لكن إذا جاء بفضيلة أو أمر سهل، ويمكن أن الناس لا يدققون فيه، ولذلك لم يختلف الناس في الفضائل في كثير من الفضائل. الشاهد من الكلام أنه يقول هنا ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم قول بسم الله، هذا مما ذكره الحنابلة في هذا الموطن.
طبعاً هذا الحديث ليس بمسند، وإنما هو في سنن أبي داود وسنن الترمذي، أو أظنه سنن الترمذي فقط، قالت الترمذي ليس إسناده بالقائم. طبعاً من المعاصرين من صححه بشواهد، قال يشهد له كذا أو يشهد له كذا، والحقيقة أنني تتبعت هذه الشواهد ولا يصلح شيء منها للمتابعة، وهذا أصح شيء في هذا الباب، ولذلك أورده الترمذي رحمه الله عليه.
يسن قول وارد لمن ولج بيت الخلاء مستغفراً إذا خرج، وأيضاً يسن أن يستغفر إذا خرج؛ مستغفراً يعني حاله كونه مستغفراً إذا خرج من الخلاء، بأن يقول: غفرانك. هذا ورد في حديث عائشة كان إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك». غفرانك بالنصب، طبعاً هنا أهل النحو يقولون غفرانك؛ أما أنه اغفر غفرانك، بفعل محذوف، أو أنه يعني مصدر، والمصدر يكون منصوباً، غفرانك يعني يغفر، وطلب الاستغفار هنا عللوه أو علله بعض العلماء، قالوا علله بعض العلل، قال لماذا الإنسان يقول إذا خرج من الخلاء غفرانك؟ منهم من قال غفرانك لأنه الآن أكل وشرب وتنعم، ثم أخرج ما أكل، أو ما يضر بدنه، فهو لتقصيره في شكر الله على تلك النعم الكثيرة يقول غفرانك من تقصير.
وبعضهم يقول إن قوله غفرانك لأجل هذا الوقت الذي حبس نفسه فيه عن الذكر، وهذا يدل على اهتمام أهل العلم بذكر الله، ويعني رقي أنفسهم في عبادة الله سبحانه وتعالى؛ أن هذا الاستغفار بسبب أنه في هذا الوقت قد حبس لسانه عن الذكر، لأن من أهل العلم ومن الصالحين ممن رأينا من لا يفتر لسانه عن ذكر الله، مجرد أنا أذكر شيخاً من مشايخنا يذكر ومعه سبحة، لكنه متعود على السبحة يعني دائماً الذكر السبحة يذكر الله يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه السبحة، وهو شيخ كبير جداً في السن، والناس حوله، وسقط، فسقطت سبحته، وكان على سرير وبجانبه شاب معه سبحة، فمجرد سقطت السبحة أخذ سبحة الشاب وأخذ يسبح بها، يعني لا يريد أن يبقى وقتاً من الوقت وهو يبحث عن هذه السبحة وهو تعود على ذكره في السبحة، هذا مما حصل ورأيناه. فبعض الناس يعني لا يفتر لسانه عن الذكر، ولذلك قال العلماء هنا أن غفرانك سببها أنني الآن في هذا الوقت القصير قد حبست نفسي عن ذكر الله فأنا أستغفر الله من هذا الوقت الذي لم أذكر فيه ربي سبحانه وتعالى. نسأل الله أن يغفر لنا على كثير من الأوقات التي ما نذكر الله فيها سبحانه وتعالى.
ولذلك قال هنا وفي الدخول مستغفراً إذا خرج وفي الدخول بالشمال يبتدي عكس انتعالي ودخول المسجد، وفي الدخول إلى بيت الخلايا يسن أيضاً أن يبتدأ بالشمال، وهكذا في غير بيت الخلاء من المواضع، يعني مواضع الأذى أن يقدم الشمال في الدخول، ويقدم اليمين في عكس انتعال وعكس المسجد؛ في دخول المسجد نقدم اليمنى وإذا خرجنا من المسجد نقدم اليسرى، وفي الانتعال ننتعل باليمنى، نلبس النعل نبدأ بالرجل اليمنى، وهكذا في اللباس، ونؤخرها عند النزع، ولذلك في الحديث الصحيحين: «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال»، وفي دخول المسجد ورد حديث في الحاكم نعم، وإذا خرج يبدأ برجله اليسرى، هذا الصحيح، لكنه من فعل ابن عمر، وابن عمر كما تعلمون يقتفي السنة أثراً بأثر.
ثم قال هنا وارتاد للبول مكاناً وابتعد مستتراً، ثم على اليسرى اعتمد، ارتاد للبول يعني طلبه مكاناً لبوله؛ لأن البول إذا لم تطلب مكاناً يصلح للبول فيه قد يتنجس الإنسان، وهذا في الصحراء، يبحث عن مكان رخو أو دمس؛ رخو، أما يقولون رخو ورخوا ورخوا بتثليث الراء، وهو المكان الهش. وفي سنن أبي داود وفي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله»، يعني فليطلب له مكاناً، وهذا الحديث فيه كلام أيضاً.
قال وابتعد مستتراً، يعني حاله كونه ابتعاده، هذا وارد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد، من حديث المغيرة بن شعبة وأصله في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد حاجة، فذهب معه المغيرة، ثم قال: «ابقَ هنا»، وذهب حتى توارى عنه، أبعد واستتر وكان يستتر صلى الله عليه وسلم. أيضاً للمسند وسنن أبي داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة: «ومن أتى الغائط فليستتر».
قال ثم على اليسرى اعتمد، يعني على رجله اليسرى يعتمد في حال قضاء الحاجة، والاعتماد على اليسرى هذا فيه حديث، الحديث يقول في حديث سراقة بن مالك، وهم من رواية الحاكم وابن أبي شيبة وغيرهم قال: «علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى». وهذا حديث ضعيف فيه جهالة بعض الرواة، تضم جهالة التابعين هذا الحديث.
قال به جمع من أهل العلم، أظن الحنابلة يقولون به لا شك، وكذلك أظن المالكية، فيقولون إن المتخلي يعتمد على رجله اليسرى، ويصفون هذا الاعتماد بقولهم إنه يميل على ركبته اليسرى وينصب قدمه، يرفع، يكون على أطراف أصابع قدمه اليمنى ويرفع عقبه؛ هكذا يصورونه هكذا يصوره البهوتي وغيره من أهل العلم القدماء، لم أجد لهم تصويراً لهم، لكن هذه صورة أنه ينصب؛ لأن المصلي عندما يصلي إذا نصب اليمنى يجعل أصابعها على الأرض ويرفع عقبها إلى السماء، وهكذا المتخلي، يعني كأنهم قاسوا معنى ينصب اليمنى على هذا، فقالوا يرفع عقب اليمنى ويكون على أطراف أصابعه ويتكئ على اليسرى.
لكن من المعاصرين من قال إن هذه، طبعاً عللوا أنه أسهل للخارج وأنه أبعد عن التنجس، وبعض المعاصرين يقول بل هو أقرب للتنجس، يعني هذا أدعى، لأني، يعني الإنسان نفسه؛ لأنه سيميل خصوصاً إذا كان كثير اللحم، ويقولون هذا أيضاً أعسر في الخروج، هناك كلام، ويقولون ما دام أن الحديث ضعيف فلا نعمل به. لكن كما ذكرت لكم الآداب إذا كان ضعف الحديث ليس ضعفاً كبيراً، هنا الضعف بسبب جهالة التابعين فلا مانع من العمل به.
والصفة التي ذكرتها هي التي ذكرها أهل العلم، لكن هناك شيء يحتمل أن يكون الحديث ينطبق على هذا المعنى الذي سأذكره لكم وهو أن أهل البادية ولا لعله منكم من أهل البادية يعرف ذلك، أهل البادية عندهم في طريقة البول أو في كيفية البول طريقة أو كيفية معينة؛ وهي أن الواحد منهم -هذا رأيناه في الشيوخ الكبار الشيبان يعني الشيوخ معناها كبار السن- يبرك الإنسان منهم على رجله اليسرى وينصب ركبته اليمنى، ينصب رجله كما كالذي يريد أن يأكل الطعام، فهذا في حالة البول فقط، فيقضون حاجتهم على هذه الكيفية وهي كيفية فيها استتار وفيها بعد عن التنجس، حتى لو كان هناك ريح شديد إذا جلس هذه الجلسة لا يمكن أن يصيبه شيء من رشاش البول، وهذه يعني يفعلها كثير من كبار السن، فلا أدري لعل الحديث يراد به هذه الكيفية لكن لم أرَ من ذكرها.
طبعاً كلمة ينصب اليسرى ينصب اليمنى يصلح فيها أن يكون المقصود نصب القدم كما ذكرها البهوتي وغيرها، ويصلح فيها أن يكون نصب الركبة؛ لأنه ورد عند الحنابلة من أدب الجلوس أن ينصب اليمنى ويبرك على اليسرى هكذا بالإطلاق، وأظنها عند غير الحنابلة، فكلمة ينصب اليمنى يصلح فيها أن يكون المقصود بالنصب وهو الرفع، يعني كلمة النصب معناها الرفع، أنها ترفع الركبة إلى أعلى أو ترفع العقب إلى أعلى، إذ يصلح يعني هذا تفسيراً للحديث، ويصلح هذا تفسير الحديث، لكن في الأول مطلق المسألة سواء كان في الخلاء يعني في الصحراء أو كان في الكنف؛ الذين يقولون المقصود به رفع العقب يصلح هذا في الكنوف ويصلح هذا في الخلاء، وأما الكيفية التي ذكرتها لكم رأيتها في كبار السن فهي لا تصلح إلا في الخلاء ولا تصلح إلا للبول فقط ولا تصلح إلا للرجال أيضاً، إذا فيها قيود كثيرة، فلعل هذا هو المراد بالحديث والله تعالى أعلم، ولعل المراد الوجه الآخر الذي ذكره أهل العلم.
لا، هم لا يفرقون لأن الحديث لم يفرق، الحديث قال علمنا إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد على اليسرى، فكان الحديث مطلقاً.
لكن يجوز أن يكون الحديث لفظه مطلق والمراد به الخصوص.
وفي الدخول بالشمال يبتدي عكس انتعال ودخول المسجد، وارتاد للبول مكاناً وابتعد مستتراً ثم على اليسرى اعتمد، ثم من أصله يمر اليسرى مسحاً ثلاثاً وثلاثاً. يعني إذا انتهى من البول يمر، يمسح الرجل ذكره من أصل الذكر بأصابعه إلى أن يصل إلى رأسه مسحاً ثلاثاً وينتره نتراً، والنتر هو الشد، وقد ورد في ذلك أحاديث فيها كلام.
وأن يخفت لوثاً تحولاً وذاك سنة ككل لما خلا. إذا خاف التلوث إذا استنجى وهو في مكانه تحول من ذلك المكان إلى مكان آخر، وذاك سنة ككل لما خلا، هذه المتقدمة كلها سنة ككل ما خلا. والحقيقة أن هذا أشبه بالتكرار؛ لأنه بدأ في الباب بقوله يسن قول وارد، لكن لما طال الفصل وكثرة العطف حسن أن يرد ويكون تتميماً جيداً.
ثم الآن بدأ بذكر المكروهات، قال ويكره الدخول بالذي فيه ذكر ولا حاجة تستدعيه، ويكره الكلام إن عنه غنى، ورفع ثوبه ولم يكن دنا، والبول في شق، ومس الفرج باليمين أو بها يستجمر؛ هذه أشياء مما يكره فعلها عند التخلي. يكره الدخول إلى الخلاء بالذي ذكرنا عنها لغة في الذي بالذي فيه ذكر ولا حاجة تستدعيه، والحال أنه ليس هناك حاجة تستدعي الدخول بهذا الذي فيه الذكر، لكن لو كانت هناك حاجة لم يكرهها كخوف سرقة مثلاً أو خوف ضياع هذا الذي فيه.
ذكر الله سبحانه وتعالى، وأما المصحف فيحرم الدخول به.
ويكره الكلام أيضاً إن عنه غنى إذا كان هو مستغنياً عن الكلام، أما إذا كان لا بد من أن يتكلم؛ كمثل إرشاد ضرير يخاف أن يقع في حفرة، أو طفل يخاف عليه النار، أو نحو ذلك، فلا بأس بالكلام. وأما بما عدا ذلك مما لا يحتاج إليه فالكلام يكره، ولو كان برد السلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يذكر في بعض الأحاديث أنه مر عليه رجل وسلم عليه فلم يسلم، ثم قال له: «إذا كنت على مثل هذه الحال فلا تسلم»، أو نحو هذا الكلام، ثم رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك السلام.
ويكره الكلام إن عنه غنى، ورفع ثوبه، ولم يكن والحال أنه لم يكن قد دنا من الأرض، يكره أن يرفع ثوبه وهو واقف، هذا لكمال الستر، وقد ورد في حديث مرسل عند أبي داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
قال: والبول في شق، والشق هو الجانب، واما الشق وهو المراد هنا فهو واحد الشقوق، والبول في شق، ومس الفرج، والبول في الشق ورد فيه بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر، قالوا لقتادة وهو الراوي: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: كان يقال إنها مساكن الجن. والحديث يحتمل الصحة ويحتمل عدمها، لكنه في مثل هذا الباب لا بأس به.
قال: ومس الفرج أي باليمين أو بها يستنجي، أيضاً مس الفرج باليمين أو التمسح بها أو الاستنجاء كذلك مكروه، وقد ورد في ذلك حديث الصحيحين، بل في السبعة من حديث قتادة: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه».
ويحرم استقبال بيت ربنا وعكسه، واللبث فوق قدر حاجة حرم، والبول في الظل وما الناس تؤم، شرط الاستجمار أن يستجمرا بماء أُبيح منقياً وطاهراً، ويحرم استقبال بيت ربنا وعكسه؛ يعني استقبال القبلة أو استدبارها هذا حرام في الفضاء، هذا مذهب الحنابلة، وأما في البناء فقد أُبيح، ويستدلون على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى في حديث أبي أيوب -وهو في السبعة رواه الجماعة-: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقبل أحدنا القبلة بغائط أو بول أو يستدبرها».
والجواز في البناء وحمل حديث أبي أيوب على الفضاء بحديث ابن عمر أنه ارتقى على بيت من بيوت حفصة فرأى النبي صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس، وإذا كان مستقبل بيت المقدس فهو مستدبر الكعبة، لأن المدينة كانت الكعبة في جهة الجنوب، وبيت المقدس في جهة الشمال، بل ابن عمر صح عنه أنه بال إلى جملة إلى جهة القبلة، فجاءوا وبال إلى جهته؛ يعني مستتراً من الناس، فقال له أحد أصحابه: ألم ينهَ عن هذا؟ قال: بلى، ولكن نهى إذا لم يكن بينك وبين القبلة حائل، أما إذا كان بينك وبينها حائل فلا بأس.
واللبث فوق قدر حاجة حرم؛ يعني فوق الوقت الذي تحتاجه، أو يحرم عند الحنابلة أن يبقى الإنسان وهو جالس على حاجته من غير حاجة؛ يعني أن يحرم أن يبقى فوق قدر الحاجة التي يحتاجها في لبثه على حاجته، إذا زاد عن قدر الحاجة حرم عند الحنابلة، لأن في ذلك بقاءه مكشوفاً للعورة بغير حاجة، هكذا علله، وبعضهم يقول فوق الحاجة ويقصد به قدر الحجم.
والبول في ظل الناس أو ما تؤمه الناس من طرق الناس هذا أيضاً مما يحرم، ومن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقوا اللعانين»، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم». وسمي هذان الموضعان اللعانين؛ يعني باسم الفاعل أو بصيغة المبالغة، وفي رواية اللاعنان، لأن يحصل عند التخلي في هذه الأماكن اللعنة، فهي سبب للعن الناس، عادة الناس إذا رأوا من يتخلى في مكانهم يلعنونهم في طريقهم أو بظلهم، فكأنه بسبب أن هذا الفعل في هذا المكان سبب للعن الناس لمن فعله، نسب اللعن إلى المكان من باب المجاز.
وشرط الاستجمار -وهو الاستنجاء بالأحجار- أن يستجمر بما أُبيح، فلا يجوز ولا يصح أن يستجمر بشيء محرم كغصوب مثلاً أو كنجس، قال منقياً: يعني حاله كونه منقياً لأن المقصود الإنقاء، فلا يصح أن يستجمر بشيء لا يمكن كالأملس مثلاً أو الرطب أو الرخو، وقال طاهراً: يعني وشرط الاستجمار أن يستجمر بما أُبيح أولاً، أن يكون مباحاً، أن يكون منقياً، أن يكون طاهراً، فلا يصح أن يستنجي بشيء كالروث مثلاً، ويستدل على ذلك بحديث ابن مسعود في البخاري عن الروثة لما أتى بها النبي قال: «لا، هذا ركس»، للروث والعظام والطعام، ولو كان الروث طاهراً ولو كان من حيوان، هكذا عند الحنابلة يقولون، وفي صحيح مسلم الحديث ابن مسعود أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما سأله الجن عن الزاد، قال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم»، للروث والعظام والطعام، يعني ولا الطعام ولو كان هذا الطعام لبهيمة، وزد غيرها يعني زدها غير هذه الأشياء الثلاثة، كالمحترم ككتب العلم نسال الله العلي السلام، أو كالمتصل بحيوان كذيل بهيمة مثلاً، هذا أيضاً مما نهي عنه.
ثلاث مسحات؛ فإن جاوز ما يخرج ثم عاده يلزمها؛ يعني يشترط أيضاً في الاستجمار أن يكون العدد ثلاث مسحات، لم يقولوا بثلاثة أحجار، وإنما قالوا بثلاث مسحات، لأن المقصود المسحات، النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «ثلاثة أحجار»، يريد لأنه سيتمسح بهذه الثلاثة أحجار ثلاث مسحات، فعلموا بذلك أن الشرط في المسحات، فقالوا ثلاث مسحات ولو كانت هذه المسحات من حجر واحد له ثلاث شعب أو أكثر، وأما أقل من ثلاث مسحات فلا يجزئ، وهذا عند بعض أهل العلم، وعند الحنفية ولا أدري هل معهم غيرهم يجزئ أقل من ثلاث مسحات، ومذهبهم فيه قد يستدلون له بحديث النبي صلى الله عليه وسلم لما رمى الروثة فإنه قال لسلمان: «ثلاثة أحجار»، فأتى بحجرين وروثة، فاستعمل الحجرين وألقى الروثة، لكن قد يُجاب عن هذا بأنه تمسح بها ثلاث مرات.
ثلاث مسحات؛ فإن جاوز ما يخرج ثم عاده، وهذا باشتراط ثلاث مسحات المنقية يشترط إذا لم يتجاوز الخارج موضع العادة؛ يعني إذا كان خروجه هذا الخارج ليس منجساً كثيراً، موضع العادة؛ يعني يقولون يحدون ذلك بأنه إذا كان الخارج قد ملأ الصفحتين فهذا قد زاد عن موضع الحجر ولا بد من الماء. ثلاث مسحات؛ فإن جاوز ما يخرج ثم عاده؛ إذا جاوز الخارج موضع العادة فلا بد من الماء عند الاقتصار على واحدة من هذين، ومعنى هذا أنه يجوز الاقتصار على الأحجار، وإذا أردنا الجمع فأولى أن نبدأ بالأحجار والماء، وأولى عند الاقتصار والبدء؛ يعني أولى عند الجمع بين الأحجار والاستنجاء بالماء، البدء بالأحجار أولى عند الجمع بين الأحجار أو الاستجمار والاستنجاء.
وكون الاستجمار وتراً يستحب، أو وتراً لغتان، وهي وقد قرئ بها باللغتين في قول الله تبارك وتعالى، بفتح الواو وبعضهم بالكسر، والمعنى الوتر يعني الفرد أو ضد الشفع، وكون الاستجمار وتراً أو وتراً؛ يعني عدداً وتراً أو عدداً مفرداً يستحب، فإذا مثلاً نحن نقول أقل العدد الذي يستنجي به بالأحجار ثلاث مسحات، فإن لمن أراد أن يزيد واحدة أو زاد رابعة، فيستحب له أن يزيد خامسة ليقطع على وتر، نعم. وكون الاستجمار وتراً يستحب، وهو الاستجمار بالاحجار أو الماء، والاستنجاء بالماء وهو أو الماء لسوى الريح وجب؛ ما عدا الريح من الخارج يجب له الاستجمار أو الاستنجاء.
وأبطلن قبل الاستنجاء ماء أو حجراً، وضوءاً أو تيمماً؛ قبل الاستنجاء بالماء أو قبل الاستجمار بالأحجار، والاستنجاء هو إزالة النجو وهو العذرة، وأكثر ما يستعمل الاستنجاء في الماء، وقد استعمل الاستنجاء للاستجمار أو التطهر بالأحجار. وأبطلن قبل الاستنجاء ماء أو حجراً وضوءاً أو تيمماً؛ إذا الوضوء قبل الاستنجاء بالماء أو قبل الاستجمار بالأحجار، يعتبر باطلاً عند الحنابلة، لا بد أن تبدأ بالاستجمار أو تبدأ بالاستنجاء، ليستدلوا على ذلك من حديث صحيح البخاري، وله ألفاظ متعددة أن علياً رضي الله عنه قال: كنت رجلاً مذاءً فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، أو أمرت رجلاً أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني، فقال صلى الله عليه وسلم: «يغسل ذكره ويتوضأ». طبعاً من الناس من ناقشوا الحنابلة وقالوا: ويتوضأ؛ يعني الواو لا تقتضي الترتيب، وبالتالي ممكن أن يتوضأ ثم يستنجي فلا يشترط الاستنجاء للوضوء، لكن مس الذكر عند الحنابلة مبطل للوضوء، وبالتالي إذا توضأ ثم استنجى بطل مرة أخرى، وبالتالي اشترطوا أن يبدأ بالاستنجاء قبل الوضوء، والتيمم من باب أولى.
قال: لأنه بدل عن الوضوء، ولأنه لا يرفع الحدث وإنما تستباح به الصلاة، ومن عليه نجاسة يمكنه إزالتها لا تستباح له الصلاة، فلم تصح نية الاستباحة كالتيمم قبل الوقت؛ يعني أيضاً يشترط في صحة التيمم أن يستنجي أولاً أو يستجمر، طبعاً يستنجي إن كان غير قادر على استعمال الماء في الوضوء، أو يستجمر إن لم يجد الماء.
د. سعيد المري