فصل في شرط استقبال القبلة: الفرض في الكعبة أو عليها يبطل كالصلاة لا إليها.
الفرض في وسط الكعبة لا يصح، وهذا يدل على أن النفل يصح. ما العلة في أن الفرض لا يصح في الكعبة؟ لأنه سيكون مستدبرًا لبعض الكعبة، ليس كذلك؟ وهو ينبغي أن يصلي مستقبلًا للقبلة، فاستقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، لكن جوزنا النفل لأن النبي ﷺ صلى النفل، والأمر في النفل أوسع، ولذلك يصلي النافل إلى غير القبلة في السفر. لذلك قال: الفرض في الكعبة أو عليها؛ لأن هواء الكعبة أو فوقية الكعبة مثل ما هو داخل الكعبة وهكذا، ولذلك قالوا فيما مضى في الصلاة في الحش والحمام أو فوقها كله باطل، لا إليها.
فلو صلى على الحافة، حافة الكعبة بحيث لا يستدبر شيئًا منها، صحت الصلاة، وإنما الباطل أن يصلي فيها أو يصلي عليها. وضحت إن شاء الله، الفرض في الكعبة أو عليها يبطل كالصلاة لا إليها؛ أي وكذلك الصلاة لا إلى الكعبة، فإذا صلى لغير الكعبة تبطل؛ لأن استقبال الكعبة أو القبلة شرط في صحة الصلاة.
ثم أراد أن يستثني من شرطية الصلاة إلى جهة القبلة شيئًا من المستثنيات، قال: واستثني عاجزًا، من يعجز عن استقبال القبلة هذا مستثنى لمرض مثلاً أو مربوط أو في قتال. واستثني عاجزًا أو المسافر، المسافر أيضًا يستثنى، لكن المسافر مقيد استثناؤه بالنفل دون الفرض. هناك واستثني عاجزًا مطلقًا أو المسافر في النفل في حالتين: مشيًا وركوبًا، يعني إذا كان يمشي على قدميه أو كان راكبًا، وركوبًا سائره بشرط كونه سائرًا، لا نازلاً. فالمشي يجوز أن تصلي إلى غير القبلة، وفي الركوب يجوز أن تصلي إلى غير القبلة في السفر في حالة السير لا في حالة النزول، فالمسافر إذا نزل في مكان أراد أن يستريح يجب عليه أن يستقبل القبلة.
ثم قال: ويلزم استقباله، أيضًا هذا المسافر الذي قلنا إنه يجوز له أن لا يستقبل القبلة يلزم استقباله في الابتداء، واجب أن يستقبل القبلة في ابتداء الصلاة إلى جهة القبلة، فإن كان على راحلة وجهها إلى جهة القبلة، وإن كان على رجليه يمشي توجه إلى جهة القبلة ثم مشى. وبالنسبة للراكب يلزم فقط في الابتداء، وأما الذي يمشي على رجليه فيلزم أيضًا في الركوع والسجود؛ ويلزم استقباله في الابتداء وعند مشي راكعًا وساجدًا. الماشي الذي قلنا إنه يجوز له أن يتنفل إلى غير الكعبة أو إلى غير القبلة، يبتدئ صلاته وهو متوجه إلى القبلة، وإذا أراد أن يركع يتوجه إلى القبلة، وإذا أراد أن يسجد يتوجه؛ لأن هذا متيسر له، بخلاف الراكب، إلا إذا كنت غير سائق، فاستدر بوجهك وصل إن استطعت، إن استطاع يلزمه ذلك، لكن بإمكانه إذا لم يكن سائقًا أن يستدير.
ويلزم استقبال عين القبلة ذا القرب، والبعيد تلك الجهة. يلزم استقبال عين القبلة الشخص القريب منها، يلزمه استقبال عين القبلة إذا كان يراها، فيكون يستقبل عينها، وإذا كان بعيدًا يستقبل تلك الجهة؛ أي جهة القبلة. والجهة عندنا هي ما بين المشرق والمغرب، يفسرون ما بين المشرق والمغرب أنه لو انحرف يميناً أو يساراً قليلاً ما دام أنه بين المشرق والمغرب فهو قبلة، وهناك من يفسر هذا الحديث بأنه إذا جعل المشرق عن يساره والمغرب عن يمينه فقد توجه إلى جهة القبلة، بالنسبة لأهل المدينة، فيخص الحديث بأهل المدينة وهم المالكية والشافعية عندهم كلام تفصيل نوعاً ما، أما الحنابلة فيقولون المقصود الجهة ما بين المشرق والمغرب، فإذا توجه إلى جهة القبلة ولو كان منحرفاً قليلاً يساراً أو يميناً، طبعاً هو ينبغي عليه أن يتحرى جهته.
ثم قال: ويلزم استقبال عين القبلة ذا القرب والبعيد تلك الجهة، البعيد يلزمه تلك الجهة بخبر الثقة، يلزمه إذا أخبره ثقة، إذا كان عن يقين بخبر الثقة، إذا كان الثقة متيقناً من الكلام وإلا فهما سواء، أو بمحاريب لمسلمين، إذا وجد محاريب لمسلمين متجهة إلى جهة القبلة فهذا يدل على أن هذه الجهة جهة القبلة، أو بأدلة عليها في السفر كالقطب والجدي وشمس وقمر. يعني يستدل على القبلة بأدلة إذا كان في السفر، وهذه الأدلة متعددة، منها ما أهمها القطب، القطب هو نجم في جهة الشمال لا يزول من محله، والجدي قريب منه نجم أيضاً في السماء ويعرفه أهل البادية، تدور عليه بنات نعش كما يقال، والشمس والقمر واضحة.
وقلد العاجز عنها، العاجز عن معرفة القبلة يقلد العارف. فهناك عارف وهناك عاجز أو غير عارف، فغير العارف يقلد العارف، فإذا كان هناك عارفان أو مجتهدان فالعاجز يقلد أيهما، وأوثق الاثنين حيث اختلفا، إذا اختلف العارف يقلد المقلد أوثقهما في نفسه. ثم قال: وكل فرض جدد اجتهاده وأعمل التالي بلا إعادة، أيضاً يجتهد في معرفة القبلة في كل فرض هذا المجتهد، فإن تغير اجتهاده؛ فمثلاً اجتهد في الركعة في صلاة الظهر إلى جهة المشرق وصلى إلى جهة المشرق على أن القبلة في جهة المشرق، ثم لما جاء في صلاة العصر اجتهد أيضاً ومال قليلاً عن جهة المشرق إلى جهة ما بين المشرق والمغرب، فهنا لا يعيد اجتهاده الأول وأعمل التالي بلا إعادة للأول؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
ومن يصلي دون سابق اجتهاد ودون تقليد بلا عذر أعاد. إذاً عندنا اثنان: إما مجتهد يعرف أمارات القبلة أو أدلتها، وإما مقلد. فالمجتهد متى يفقد العذر إذا لم يجتهد، والمقلد متى يكون غير معذور إذا كان هناك من يقلده ولم يقلد. فإذا صلى المجتهد بلا اجتهاد وهو يستطيع الاجتهاد بطلت صلاته ويعيد الصلاة، وهكذا المقلد إذا لم يقلد مع أن هناك من يقلده، أما إذا لم يوجد من يقلده فهو معذور، وإذا وجد من يقلده ولم يقلد فيعيد الصلاة، واضحة المسألة. البوصلة ينبغي استخدامها؛ لأنها الآن أصبحت، وربما لو كان الفقهاء الحنابلة أدركوا هذه البوصلة لقالوا بوجوبها وشرط معرفة القبلة.
د. سعيد المري