يسن عند قدوم الإقامة قيام مؤتم رأى إمامه، ويأمر الإمام أن يسووا صفوفهم باعتدال، ثم يكبر الإمام جهراً ويسمع المأموم نفسه سراً.
فيرفع اليدين حذو المنكبين ضماً ومداً لأصابع اليدين، ويقبض اليسار من كوع يده أسفل سر، ناظراً لمسجده، مستفتحاً ومستعيذاً أول صلاته.
ثم للحمد تلا، لكن يبسمل قبل سراً، ثم معاً يؤمنان جهراً، يتلو بسورة من المفصل في ركعة أولى وفي التي تلي؛ قصيرة في مغرب، طويلة في الصبح، ثم الباقي بين تي وتي.
وتبطل الصلاة بالقرآن إن لم يكن في المصحف العثماني، ويلزم الإمام والمنفرد فاتحة إن خفف مشدداً أو ترك ترتيبها أو حرفاً أو قطع بما يطول عرفاً، ثم الإمام بالقرآن يجهر ومن يصلي وحده مخير.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، قال: باب صفة الصلاة، يسن عند قدوم الإقامة قيام مؤتم رأى إمامه، يسن عند قدوم الإقامة أي عند لفظة قد من الإقامة، قد قامت الصلاة. صاحب الزاد ذكر أنه يسن أن يقوم المأموم إذا قال المؤذن أو المقيم قد قامت الصلاة، لكن هنا قيدتها برؤية الإمام، فإن لم يرَ الإمام لا يسن، بل يسن عند رؤية الإمام، وهذا هو المذهب، المذهب أن يرى الإمام فإذا رأى الإمام سُنَّ له أن يقوم عند قد قامت الصلاة، ويأمر الإمام أن يسووا صفوفهم باعتدال، وسنَّ للإمام أن يأمر الصفوف بالتسوية فيقول: اعتدلوا وسووا صفوفكم، ثم يكبر الإمام جهراً.
هل هو دائم؟ قد يقع مرة، هل دائماً يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال في حديث -أظن عبادة- أنه قال: «استووا وصفوا»، حتى إذا أراد أن يكبر رأى رجلاً بادياً صدره فقال: «لتسون صفوفكم أو لا يخالفن الله بين وجوهكم»، يعني ليس دائماً مسح المناكب أو التسوية، هذا قد يحدث أحياناً أو في البدايات، وهذا يحدث أيضاً في صفوف القتال، يسوي في صفوف القتال ويقول: تقدم يا فلان، تأخر يا فلان، نعم، حتى إذا رأى أن قد عقلنا عنه يقول.
قال: يسن عند قدوم الإقامة قيام مؤتم رأى إمامه، ويأمر الإمام أن يسووا صفوفهم باعتدال، ثم يكبر الإمام جهراً، ويسمع المأموم نفسه سراً. الإمام يجهر بالتكبير، وأما المأموم فيسمع نفسه بأن يحرك شفتيه ويتكلم بالتكبيرة في نفسه بحيث يسمع تكبيره، لا أن يسمع من بجانبه، يسمع نفسه فيكون سراً.
قال: ويرفع اليدين حذو المنكبين ضماً ومداً لأصابع اليدين، ويقبض اليسار من كوع يده أسفل سر، ناظراً لمسجده، طبعاً يستقبل بهاتين اليدين القبلة، ويرفع اليدين حذو المنكبين مستقبلاً القبلة بهما ضماً ومداً لأصابع اليدين، قال: ويقبض اليسار من كوع يده أسفل سر، يضعهما تحت السرة، هذا هو السنة عند الحنابله أو المرجح عند الحنابلة. وهناك رواية أخرى أن الإمام أحمد قال: أو على فوق سرته، في رواية أبي داوود في مسائله وغيره ذكروا أن الإمام أحمد قال: أما فوق السرة وأما تحت السرة، ولو قال يضعها فوق سرته ثم قال: وإن وضعها تحت سرته فلا بأس، لكن المرجح في المذهب هو تحت السرة، وفي حديث -وإن كان ضعيفاً- حديث علي رضي الله تعالى عنه أن من السنة قبض اليدين تحت السرة، ويقبض اليسار من كوع يده أسفل سر ناظراً لمسجده.
طبعاً هذه المسألة كثر فيها الخلاف في هذا العصر، وهي مسألة سهلة جداً، منهم من يضعها تحت السرة، ومنهم من يضعها فوق السرة، ومنهم من يضعها على الصدر، وأكثر الخلاف في هذا العصر في الوضع على الصدر، ناسٌ يقولون إن سنة الوضع على الصدر ويستشهدون على ذلك بأحاديث، والحقيقة أن المسألة ليس فيها حديث يثبت، لا فوق الصدر ولا تحت السرة ولا فوق السرة، كلها أحاديث ضعيفة، وبعضها أشد ضعفاً من بعض، وما روي على الصدر فهو أضعف مما روي تحت السرة.
فمثلاً من أمثل ما ذكروه في الوضع على الصدر، اسمحوا لي لم أحضر لهذه المسألة، لكنها مسألة بينة وواضحة، حديث عاصم بن كليب عن أبيه، عاصم بن كليب بن شهاب عن أبيه عن وائل بن حجر، وأكثر اعتماد الناس على هذا الحديث، وقد روي تحت السرة هذا الحديث أيضاً، لكن كل الروايات التي تحدد في هذا الحديث الموضع كلها باطلة، لا يصح منها شيء، ومنها حديث مؤمل بن إسماعيل الذي رواه ابن خزيمة ويحتج به الشافعية على الوضع فوق السرة، تحت الصدر، مع أن الحديث على صدره! ولذلك قال الشوكاني: ويحتجون به وليس لهم فيه حجة، هذا الحديث مؤمل بن إسماعيل يرويه عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب، وطبعاً عاصم بن كليب هذا روى عنه ما يقرب من ثلاث عشرة نفساً هذا الحديث، وليس في حديث واحد منهم، ومنهم الكبار زائدة بن قدامة وغيرهم من الحفاظ يروون هذا الحديث، وهذا الحديث موجود في غالب كتب السنة، لكنه طويل؛ أحدهم يطيله، وأحدهم يختصره، وأحدهم يأتي منه بلفظة، وحتى تقديم اليدين والركبتين روي بهذا الحديث، لكن أنها كلها تفردات من بعض الرواة.
فمثلاً مؤمل بن إسماعيل روى عن سفيان الثوري هذا الحديث أنه وضعه على صدره ووضع يديه على صدره، كل من روى هذا الحديث من الرواة عن عاصم بن كليب لم يذكر أحد منهم أنه وضعهما على صدره، كلهم يقول: يأخذ يمينه بشماله، إلا في رواية سفيان الثوري من رواية مؤمل بن إسماعيل عنها، وسفيان روى عنه جماعة ولم يذكروا هذه اللفظة، إذاً هي من تفردات مؤمل بن إسماعيل عن أصحاب سفيان وعن أصحاب عاصم بن كليب على كثرتهم، فكيف يكون هذا الحديث صحيحاً؟ أضف إلى ذلك أن مذهب سفيان الثوري تحت السرة، فلو كان عنده سنة صحيحة لقال بها، أليس كذلك؟
والذي يتبادر لذهني أنا أن مؤملاً بن إسماعيل، مؤمل بن إسماعيل قال فيه أبو حاتم الرازي وأبو زرعة الرازي: سيء الحفظ، وهو من رواية مسلم، هو ممن أخرج له مسلم في الصحيح واحتج به، لكن فيه سوء حفظ، وهذا يدل على أنه في هذا الحديث لم يضبطه، والذي يتبادر لذهني أنه أخطأ فيه بسبب لفظة الصدر في بعض روايات الحديث، فإن في بعض روايات هذا الحديث نفسه يقول وائل بن حجر: جئتهم وعليهم الثياب فكانوا يرفعون أيديهم إلى مناكبه، ثم جئت وقد التحف، يبدو أنهم كانوا في شتاء أو نحوه وعليهم الثياب، ورأيتهم يرفعون أيديهم إلى الصدر، فلفظة الصدر لعل مؤملاً يذكرها وأوجدها في هذا الحديث، وهذا الحديث لا يصح.
وقد اعتمد عليه كثير من المعاصرين ويقولون بأحاديث أضعف منه، وببعض المراسيل التي لا ثبوت لها، ولذلك إسحاق بن راهويه وهو نظير الإمام أحمد وهو من المحدثين الكبار يقول لما سأله الكوسج الذي يروي عنه رواية عن الإمام أحمد وعن إسحاق بن منصور وعن إسحاق بن راهويه، يقول: سألت أحمد عن وضع اليدين فقال: تحت السرة، وسألت إسحاق فقال كما قال أحمد، ثم قال: وهو أخشع، أقرب إلى الخشوع، ثم قال: وهو أثبت في الحديث، وهذا إمام من الأئمة يحفظ من الأحاديث ما لا يحفظه أحد منا ولا كلنا مجتمعون، فكون بعض الناس يقول من أهل العصر إن حديث الصدر أثبت ليس بصحيح. أضف إلى ذلك أن الإمام أحمد قد نقل عنه كراهيته، ويسميه التكفير، ولعل هذه اللفظة فيها شيء من التصحيف، لأنه ذكرها القيم رحمه الله عليه في البدائع وقال: سئل أحمد عن وضع اليدين، أما السؤال عن وضع اليدين على الصدر فهو موجود في روايات أحمد في -أظنها في رواية الكوسج- أنه سئل عن وضعهما على الصدر فكرهها، قال لا يكره، كان يكره وضع اليدين على الصدر، ابن القيم نقل أن هناك نهياً عن ذلك سماه التكفير، وبحثت عنه فلم أجده ولا أدري لعل الكلمة فيها تصحيف، وهذا الذي جعلني لم أجدها، والله سبحانه وتعالى أعلم، هذا الشاهد من هذه المسألة.
ويقبض اليسار من كوع يده، والعجيب أن الأئمة أئمة الخلاف الذين يذكرون الخلاف، مثلاً الترمذي يذكر في سننه الأحاديث ويذكر من قال بها من أهل العلم، فذكر الترمذي حديث هلب قبيصة بن هلب أو هلب بن قبيصة وفيه قبض يساره أو يده اليسرى بيده اليمنى، قال: وقد اختلف أهل العلم في موضع القبض من اليدين، فمنهم من قال فوق السرة، ومنهم من قال تحت السرة، قال بذلك فلان وفلان، وعدد من قال بهذا وعدد من قال بهذا، ولم يذكر الصدر، وهكذا صاحب الأوسط ابن المنذر ذكر الخلاف فوق السرة وتحت السرة ولم يذكر الصدر، وإن كان قد روي عن علي أنه يضعها على صدره طبعاً روي عن علي خلافه أنه يضعها تحت سره وهي روايات كلها ضعيفة، الشاهد من الكلام أن المسألة -ولذلك قال الترمذي في آخر كلامه-: والأمر في ذلك واسع، يعني الإشكالية في بعض الشباب نجد أنهم قد يرمق شخصاً لا يقبض على صدره بأنه كأنه صنع صنعاً منكراً، والحقيقة أن المسألة ليس فيها شيء ثابت، المسألة والأمر فيها أوسع مما يتخيل كثير من الناس، نعم، نعم كان يقبض يساره بيمينه في موضع اليدين، أنا ما أريد أتكلم في هذه المسألة، سدل عند المالكية وقد تكلمت فيه في شرح الموطأ، وهناك، أي طبعاً لا يمكن أن يفتئت إنسان على أهل المذهب أو يذكر أن هذا الأصوب وأهل المذهب لم يعرفوا الصواب منه،
لكن كان ابن القاسم قد أورد هذه المسألة أو صاحب المدونة أورد هذه المسألة في محل يقتضي، أظنها مسألة الاعتماد، أنا لا تحضرني الآن، لكن ما توصلت له أن الناس فهموا ابن القاسم أو فهموا من كلام ابن القاسم ما غير مراد، وكل رواة مالك يخالفون ابن القاسم في السدل، والسدل الذي ذكره ابن القاسم يعني الذي وصلت له أو تبين لي أو رجع في بعد البحث والنظر أن ابن القاسم لم يرد السدل أصلاً، وإنما أراد كلاماً آخر، والتبويب الذي في المدونة يدل عليه، لكن الناس فهموا منه سدل اليدين، ولذلك كل من نقل عن مالك من أئمة الخلاف الكلام ينقلون عنه القبض فوق السرة، نقل عنه ذلك ابن المنذر ونقل عنه الترمذي ونقل عنه جماعات عن مالك، وكل الرواة عن مالك سوى ابن القاسم وهم كثيرون جداً يروون عن الإمام مالك القبض، وفي الموطأ القبض، الأحاديث ثلاثون حديثاً كلها في الصحيح أي معلول، أي كلام، على كل حال نترك هذا، يعني الأحاديث الصحيحة ثابتة كالشمس في رابعة النهار وحديث الموطأ ليس بمعلول أبداً، على كل حال الشاهد من الكلام أن موضع القبض فيه خلاف لكنه خلاف واسع، الأمر فيه واسع وليس فيه شيء ثابت.
إذاً: ويقبض اليسار من كوع يده أسفل سر ناظراً لمسجده، خلونا نجاوز هذه المسألة يا مشايخ، مستفتحاً ومستعيذاً أول صلاته، ثم للحمد تلا، يعني يستفتح الصلاة ويستعيذ بأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والاستفتاح يندب أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذا أول الصلاة، يعني يفتتح الصلاة بعد افتتاح الصلاة يقول ذلك، ثم للحمد تلا يقرا الحمد وهي الفاتحة.
ثم قال هنا: لكن يبسمل، ثم معاً يؤمنان جهراً، في الجهرية يبسمل سراً، يبسمل الإمام والمأموم سراً قبل قراءتهما الفاتحة طبعاً، ولا تجب الفاتحة على المأموم، ثم معاً يؤمنان جهراً، وذلك في الصلاة الجهرية، يؤمن الإمام بعد قوله ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]، وكذلك يؤمن المأموم. وليتل سورة من المفصل، كذا أعطوني النسخة التي عندكم، لأنني ربما تكون النسخة التي عندي قديمة، يتلو بسورة من المفصل في ركعة أولى وفي التي تلي، في الركعة الأولى وفي التي تليها يتلو بعد الفاتحة بسورة من المفصل، من المفصل قصيرة في مغرب، طويلة في الصبح، ثم الباقي بين تي وتي، تكون من قصار المفصل في المغرب، وفي الصبح من طوال المفصل، وفي غير هاتين الصلاتين من الصلوات الثلاث الباقية يقرا من أوساط المفصل، طبعاً تحديد المفصل كما تعلمون حدده كثير من أهل العلم ومنهم الحنابلة من ق إلى آخر القرآن، هذا المفصل، طوال المفصل من ق إلى عم، أوساط المفصل من عم إلى والضحى، ثم من هنا إلى آخر القرآن هذا قصار المفصل.
ثم قال: وتبطل الصلاة بالقرآن إن لم يكن في المصحف العثماني، تبطل الصلاة بقراءة يقال إنها من القرآن، يعني القراءة الشاذة، إن لم يكن ذلك الذي قرأ في المصحف العثماني إذا لم يكن في المصحف العثماني فلا يقرأ بها، بل تبطل الصلاة بها، ويلزم الإمام، وقد نقل الإجماع على ذلك.
غير واحد من أهل العلم ذكروا أن الصلاة تبطل بالقراءة الشاذة، ويلزم الإمام والمنفرد الفاتحة؛ ويلزم الإمام والمنفرد دون المأموم. المأموم لا يلزمه أن يقرأ الفاتحة، سواء كان ذلك في الصلاة الجهرية أو في الصلاة السرية. وطبعاً كما تعلمون، الشافعية يوجبون قراءة الفاتحة على المأموم مطلقاً، سواء كان في السرية أو الجهرية. والحنفية لا يوجبون قراءتها لا على إمام ولا على مأموم، بل يوجبون قراءة شيء من القرآن. والمالكية يفرقون بين الجهرية والسرية، أليس كذلك؟ فيوجبونها في السرية ولا يوجبونها في الجهرية.
نعم، على المأموم لا يوجبونها في الجهرية مطلقاً. جميل، إذاً هذا مذهب الجمهور عدم وجوبها على المأموم مطلقاً، وإنما خالف في ذلك الشافعي. قال: ويلزم الإمام والمنفرد إن خفف مشددة؛ إذا خفف أو قرأ شيئاً من كلمات الفاتحة بالتخفيف وهي مشددة، مثل إياك لو قرأها "إياك" مثلاً تبطل، ينبغي عليه أن يعيدها. ويلزم الإمام والمنفرد الفاتحة، أي إعادتها إن خفف مشددة، أو ترك ترتيبها، يعني قرأ بعضها من آخرها ثم قرأ من أولها، أو ترك حرفاً منها، أو قطع قراءتها مثلاً بما يطول عرفاً، يعني إما بذكر أو بسكوت غير مشروع.
هنا، فإذا قطع القراءة، قال الحمد لله رب العالمين، ثم سكت سكوتاً غير مشروع أو ذكر ذكراً غير مشروع، هنا قد قطع وأبطل الفاتحة فعليه أن يعيدها. قال: ثم الإمام بالقرآن يجهر، ومن يصلي وحده مخير. الإمام دون المأموم يجهر بالقرآن ليسمع من خلفه، وأما المأموم فلا يجهر بل يسمع نفسه، وأما المنفرد فهو مخير بين أن يجهر وبين أن يسر، ومن يصلي وحده مخير.
د. سعيد المري