دخولتسجيل الدخول

باب الطهارة - القسم الثاني

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

كتاب الطهارة. وطاهر وهو الذي ما كثر من وصفه بطاهر تغير، ومنهما قل إذا به ابتدي من نوم ليل ناقض غمس يدي، أو قل واستعمل في رفع حدث، أو آخر الغسلات إن زال خبث. ثم الكثير منه قلتان ونصف ألف رطل، آخرها النجس، ذا ما حل فيه نجاسة إذا ما قل، أو مطلقاً غير ذكاة اللقاء ونحو بول آدمي مطلقاً لما يشق نزحه، فلا يرى منجساً إلا إذا تغيرا، فإن يضف له من كثر أو زال مع كثرته، الطهور والنجس، الطهور معه حرام إن اشتبه، ثم لذا تيمماً، وإن طاهر طهور يشتبه، من ذا وذا يغرف للوضوء به، وفي الثياب فليصلِّ بعدد، محرمنا ونجس ثم التزد.

قال: وطهر، الآن القسم الثاني: وطاهر ما هو، الذي ما كثر من وصفه بطاهر تغير. ومنه ما قل إذا به ابتدي من نوم ليل ناقض غمس يدي، أو قل واستعمل في رفع حدث، أو آخر الغسلات إن زال خبث.

يقول: وثاني أقسام المياه: طاهر، وهو الذي ما كثر من وصفه قد تغير. يعني تغير الكثير من وصفه بطهارة. هنا قيد، يعني قيد الكثير لا يوجد في الذات في الأصل الكتاب، ولكنه قيده الشارع، وهو مذهب الحنابلة أنه لا بد أن يكون هذا التغيير كثيراً.

ومن أيضاً من أقسام الماء الطاهر غير المطهر: ما قل، يعني ما كان قليلاً، وهو ما دون القلتين. «من قل إذا به ابتدي بالتسهيل من نوم ليل ناقض غمس يدي». «غمس يدي» هو نائب الفاعل. «ابتدي غمس يدي» من نوم ليل؛ هناك شروط أن يكون من نوم ليل، وأن يكون هذا النوم كثيراً بحيث ينقض الوضوء، وأن يكون قد ابتدأ الإنسان بغمس يده وكذلك بنية، فهذا إذا فعله الفاعل أصبح الماء طاهراً غير مطهر، وهذا من مفردات الحنابلة أيضاً، ومفردات الحنابلة في الغالب أن عندهم فيه رواية أخرى توافق الجمهور.

قال: «أو قل»، هذا عطف على ما سبق، «أو قل واستعمل في رفع حدث»، القليل إذا استعمل في رفع حدث يصبح طاهراً غير مطهر. أما إذا استعمل في طهارة مستحبة كما تقدم فإنه يصبح طهوراً لكنه مكروه، إذاً الفرق بين ما استعمل في المندوب وما استعمل في الواجب، أننا إذا استعمل في رفع الحدث وهو الواجب يعتبر طاهراً غير مطهر، وأما ما استعمل في المندوب فيعتبر طهوراً لكنه مكروه.

قال: «أو آخر الغسلات»، إن كان آخر الغسلات. طبعاً هنا إما أن تكون للتنويه أو تكون بمعنى الواو، وينص على أنها بمعنى الواو. والكوفيون يذكر عن الكوفيين أنهم يقولون «أو» تأتي بمعنى الواو، والبصريون يقولون لا، وهؤلاء يستدلون بأدلة وهؤلاء يفسرون تلك الأدلة أو يبينون وجهها. من أدلة الكوفيين أنهم يقولون في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُطْعِمُونَ مِنْهُ جَائِعًا﴾ [الإنسان: 8]، وكفورا بأشياء من هذا القبيل. وأبو البركات في الإنصاف يقول: والشواهد على كونها بالواو أكثر من أن تحصر، كأنه يرجح مذهب الكوفيين على مذهب البصريين.

«أو قل واستعمل في رفع حدث» ذكرناه، «أو آخر الغسلات إن زال خبث»، يعني أو إذا كان هذا القليل آخر الغسلات. عند الحنابلة أن هناك يشترط في إزالة النجاسة سبع غسلات، فإذا كانت زالت عين النجاسة، الغسلات الست الأولى تعتبر الغسلة السابعة وحدها التي انفصلت عن الماء عن المحل، والمحل طاهر من النجاسة، تعتبر هذه الغسلة طاهرة لكنها غير طهور.

أو «آخر الغسلات إن زال خبث»، يعني بعد زوال الخبث. وأما الغسلة الثامنة لو كانت هناك غسلة ثامنة بعد طهارة المحل فهي طهور. الأول قلنا نعتبرها كذلك لأن الست الأولى لأنها لاقت محل نجساً تنجست به وإن لم تكن متغيرة، وأما السابعة التي انفصلت وهي غير متغيرة وقد تطهر المحل فيعتبر تعتبر هذه الغسلة طاهرة غير مطهرة، لم نقل إنها طهور لأنها انفصلت، إنما تطهر المكان بها لأنهم يشترطون في طهارة المحل أن تكون سبباً لغسلات، فهذه الغسلة السابعة هي شرط في طهارة المحل، يعني قاسوها على المستعمل في رفع حدث، فالمستعمل في رفع حدث (الخبث) فهذه الغسلة هي التي رفعت الخبث، وبالتالي كأنها المستعمل فهي قياس على المستعمل في رفع الحدث.

اشتراط الغسل السابع أن يكون المحل قد تطهر، قد ذهبت العين، الطهارة منها. أما إذا كانت الغسلة السابعة متغيرة نحتاج إلى غسلات أخرى. مع توالي الحنابلة يشترطون سبع غسلات حتى تزول هذه النجاسة، لا بد من سبع غسلات، والإنسان لا يصلي إلا وهو طاهر، سواء طاهر من خبث أو طاهر من حدث.

«وآخر الغسلات إن زال خبث»، قال: «ثم الكثير منه قلتان ونصف ألف رطل». الثنتين الكثير هو القلة، القلتان هنا، ثم الكثير منه قلتان، القلتان مما نقول خبر أو نقول مبتدأ، والكثير هو الخبر، الكثير من الماء هو القلتان ونصف الثنتين، الثنتين منهما خمسمائة رطل بالعراق. ويقول المتأخرون إن القلة تعتبر بحجم مائة لتر، فالقلتان مائتا لتر. وأيضاً القدماء يقولون القلتان هي بحجم خمس قرب تقريباً، ويستدلون على ذلك بحديث في الكتب الخمسة، في المسند وفي السنن الأربعة، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما، سئل النبي ﷺ عن الماء وما ينوب منه من الدواب والسباع فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث». وهذا الحديث في الخمسة كما ذكرت لكم، واختلف الناس في تصحيحه، أكثر أهل النقد أو أهل الحديث على تصحيحه، وانتقده منهم ابن السكن وابن خزيمة وغير واحد من الحديث، ولكن ابن عبد البر طعن فيه، وأظن أيضاً الطحاوي رحمه الله والطحاوي والدارقطني من صححه أيضاً.

قال: «آخرها النجس»، يعني آخر الأقسام، ذكرنا القسم الأول وهو الطهور والقسم الثاني ما هو الطاهر، وآخر الأقسام النجس. قال: «وذا ما حل فيه نجاسة إذا ما قل أو مطلقاً غير ذكاة اللقاء ونحو بول آدمي مطلقاً لما يشق نزحه، فلا يرى منجساً إلا إذا تغيرا».

آخر هذه الأقسام الثلاثة هو النجس، والنجس هنا بتسكين الجيم، ولغة في النجس، وفيه خمس لغات: نجس بفتح النون وسكون الجيم، ونجس بفتح النون وكسر الجيم، ونجس بالتحريك، ونجس بضم الجيم مع فتح النون، ونجس بفتح النون وكسر الجيم. والنجس في التعريف الاصطلاحي هو عين يحرم تناولها، لا لضررها ولا لحرمتها ولا لاستقذارها؛ لا لضررها كالسم، ليخرج السمن، ولا لحرمتها ليخرج صيد الحرم.

فهي محرمة، لكنها للحرمة لا للاستقذار، أعزكم الله، كما يخرج من القدر من أنف الإنسان أو نحوه، يحرم تناوله لكنه ليس مستقذراً لا لنجاسته.

وقد جمعت هذا المعنى في بيتين، وهو قوله: النجس عين حرمت لا لضرارها ... ولا لحرمة ولا قذار (بفتح النون أو كسرها مع السكون، وثلث الجيم بالفتح أو الضم أو الكسر).

النجس عين حرمت لا لضرارها ولا لحرمة ولا قذار.

ثم قال هنا: والنجس ذا ما حل فيه نجاسة، إذا ما قل، إذاً عندنا النجس ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون قليلاً وتحل فيه النجاسة، يعني يلاقيها ولم يتغير بها، فهو يتنجس بالنجاسة بمجرد حلول النجاسة فيه. وهذا هو النوع الأول من أنواع النجس؛ إذا كان قليلاً وحلت فيه النجاسة ونجس.

النوع الثاني: أن يكون متغيراً بالنجاسة، سواء كان قليلاً أو كثيراً أو مطلقاً غير ذا اللقاء بالنجاسة؛ فالمتغير بالنجاسة يعتبر نجساً بالإجماع، سواء كان قليلاً أو كثيراً.

النوع الثالث: ما سقط فيه بول الآدمي مطلقاً، سواء كان كثيراً أو قليلاً، وسواء تغير أو لم يتغير. ثم استثنى في البول وعذرة الآدمي المائعة، قال: «لا ما يشق نزحه فلا يرام نجساً إلا إذا تغير». الذي يشق نزحه كالماء المستبحر جداً، مثلما يقولون مصانع طريق مكة، وهي مياه يرد عليها الحجاج ويستقون منها، فهذا لا يضره بول الآدمي ولا تتضره النجاسة إلا بالتغير.

إذاً عندنا ثلاثة أقسام: ١. الماء القليل يتنجس بالنجاسة، سواء كانت بولاً أو غيره، وسواء تغير الماء بها أو لا، والقليل هو ما دون القلتين. ٢. الماء الكثير غير المستبحر، هذا يتنجس بالبول سواء تغير أو لا، ببول الآدمي أو عذرته. وطبعاً مسألة أن البول الآدمي ينجس الماء الكثير ولو لم يتغير، هذه أيضاً من مفردات الحنابلة، حيث خصوا بول الآدمي وعذرته المائعة، وهذا هو مذهب القدماء من الحنابلة. أما المتأخرون فقد ساووا بين النجاسات، وقالوا: لا يتغير الماء الكثير بشيء من النجاسة سواء كان بولاً أو غيره إلا إذا تغير.

وفي هذا ثلاثة أبيات ألحقتها أنا بنفسي كالهامش: والفرق في ديني وما سواهما ... قال به أكثر من تقدم والقول باستواء كل أظهروا ... وهو الذي عليه من تأخروا

والفرق في ديني وما سواهما قال به أكثر من تقدم، والقول باستواء كل أظهروا، وهو الذي عليه من تأخروا. وهذا الكلام هو الذي ذكرته في «الغاية»، وشرحه له عناية، في «غاية المنتهى» وشرحه.

ثم قال هنا: فإن يضاف لنجس ماء كثر ... أو زال مع كثرته الوصف طهر والنجس الطهور معه حرم ... إن اشتبه ثم لذا تيمم وإن بطاهر طهور يشتبه ... من ذا وذا يغرف للوضوء به وفي الثياب فليصل بعد محرم

يقول في هذه الأبيات الأربعة: فإن يضاف لنجس ماء كثر؛ إذا كان الماء المتنجس قليلاً وأضيف له ماء كثير، فمعنى إضافة الماء الكثير أن يكون قلتين لكي نطهر هذا النجس القليل، فنضيف إليه ماءً حتى يصبح قلتين فيطهر. أو زال مع كثرته الوصف؛ أي إذا كان كثيراً متغيراً بالنجاسة ثم زال التغير، فهنا يكون طاهراً لأنه فوق القلتين، فالحد في تطهير النجس هو عدم تغيره إذا كان فوق القلتين. إذاً الماء يطهر متى؟ إذا أضفنا إليه ماءً كثيراً فأصبح قلتين فأكثر، أو إذا زال وصفه وهو قلتان فأكثر، فهذا الماء يصبح ماءً طاهراً.

ثم قال: والنجس الطهور معه حرم؛ النجس إذا اشتبه بالطهور، الماء النجس محرم بدون شك، لكن إذا اشتبه الماء الطهور بالماء النجس، حرم الماء الطهور. ولذلك يذهب إلى التيمم؛ فإذا كان عنده قدحان، أحدهما يعلم أن قدحاً منهما قد سقط فيه قطرة بول فتنجس، ولا يعلم أيهما النجس، فالحنابلة يقولون: لا يتحرك عليه أن يتيمم، بل يترك الماء الطهور بسبب وجود الماء النجس؛ لأن الماء النجس محرم، والحرمة تقدم على الحل أو الوجود. وبالتالي، إذا اشتبه الماء الطهور بالنجس، يحرم الماء الطهور ويذهب إلى التيمم، ولا يشترط لذلك إراقة الماء ولا خلطه حتى يتأكد، فالحنابلة يقولون: لا يشترط لا الخلط ولا الإراقة، بل يتيمم فقط.

ثم قال: من ذا وذا يغرف للوضوء به

فإذا اشتبه طاهر بطهور، في المسألة الأولى اشتبه الطهور بالنجس، هنا اشتبه الطهور بالطاهر. الطاهر يجوز تناوله واستعماله، ففي هذه المسألة قال: «من ذا وذا يغرف للوضوء به»؛ أي يغرف غرفة من هذا وغرفة من هذا في غسل الوجه وفي اليدين وفي كل عضو، يغرف من هذا ومن ذاك إلى أن ينتهي من وضوئه كاملاً حتى يصل إلى الرجل اليسرى، وهو يغرف من هذا ومن ذاك لكي يتيقن أنه قد استعمل الماء الطهور.

الطهور، وإن حدثه قد ارتفع به من دنس، ذا يغرفه للوضوء به. وفي الثياب إذا كان الاشتباه في الثياب، مثلاً ثياب طاهرة بثياب محرمة، إما مغصوبة مثلاً أو من حرام.

إذا اشتبهت الطاهرة بالمحرمة، مثلاً عندنا خمسة وخمسة طاهرة، فماذا يفعل؟ يقولون يصلي في كل ثوب صلاة بعدد النجاسة والمحرم، يعني خمس صلوات، ثم يزيد صلاته واحدة. لماذا يزيد الصلاة؟ ليتأكد أنه قد صلى في ثوب طاهر، وفي الثياب فليصلِّ بعدد المحرم، ثم تزد صلاة واحدة.

طبعاً هنا مسألة تركتها من الأصل، وهي من شك في طهارة الماء أو نجاسته، وأخرتها إلى باب نواقض الوضوء؛ لأن هناك قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، فجمعت المسألتين في ذلك الباب.

وزدتها أيضاً مسألة أخرى، وهي عند قول "ومن ترى"، الشك له هنا، بنى على الذي من قبله تيقناً، وجاهل لسابق ولاحق، فإنه بضد حال سابقة، وسياتي شرحها إن شاء الله.