الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فصل في ربا النسيئة: قال: ويحرم النساء حيث اتفق في علة. أولاً: فحل مطلقاً، وفي الذي لا وزن أولاً كيلاً كالحيوان والثياب حل. وليس في النقد إذا جُمع مع غيره فضل ولا نساء. والبيع للدين بدين يمنع، قال ابن المنذر: عليه أجمعوا.
هنا قال: ويحرم النساء حيث اتفق. النساء بالمد هو التأخير، وأكثر ما يعبرون عنه بالنسيئة. وأظن الحنفية كالحنابلة في علة الربا وهي الوزن أو الكيل، أما عند المالكية والشافعية ففيما أتذكر علة النقدين هي الثمانية، وعلة البقية هي الاقتيات. فهنا قال: ويحرم النساء حيث اتفق في علة، يعني كالمكيل والموزون ولو كان من جنسين مختلفين؛ فإذا اجتمعا في علة الربا وهو الكيل والوزن حَرُم النساء فيه، فإن اتحد الجنس حَرُم النساء والنسيئة والتفاضل. وضحت المسألة؟ إذا كان الجنس واحداً يحرم الفضل ويحرم النساء، وإذا اختلف الجنس لكن اشترك في العلة هنا يحرم النساء أيضاً.
أو لا؟ يعني إذا لم يتفقا في العلة، إذا لم يتفق الجنسان في العلة، كأن باع مكيلاً بموزون أو باع موزوناً بمكيل، هنا قال: فحل مطلقاً، أي لا يحرم لا تفاضل ولا نسيئة. ثم قال: وفي الذي لا وزن أو لا كيل كالحيوان والثياب حل. الذي ليس فيه علة الوزن أو الكيل كالثياب، الثياب تباع بالذراع والحيوان يباع بالعد، فما ليس فيه علة الربا هذا يحل مطلقاً؛ يحل التفاضل فيه ويحل كذلك النسيئة. قال: وفي الذي لا وزن أولاً كيلاً كالحيوان والثياب حل، يعني حل فيه النساء وأكيد حل فيه التفاضل. قال: لأمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر أن يأخذ على قلائص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعير إلى إبل الصدقة، وهذا الحديث في مسند أحمد وغيره وقد صححه الدارقطني.
قال: وليس في النقد إذا جُمع مع غيره فضل ولا نساء. طبعاً النقد علة الربا فيه ما هو عند الحنابلة؟ الوزن، النقد اللي هو الذهب والفضة علته عند الحنابلة الوزن. طيب لو اتفق في الوزن مع شيء آخر يوزن من الربويات الأخرى؟ هنا قال: استثنوا النقد. الحنابلة قالوا النقد ولو كان يتفق مع غيره في الوزن ليس إذا تبادلت به بغيره ليس هناك فيه ربا. وضحت المسألة؟ لا نساء ولا تفاضل. قال: وليس في النقد إذا جُمع مع غيره فضل ولا نساء. طبعاً احتاجوا إلى الاستثناء هنا وهذا يدلنا على أن مذهب الآخرين قد يكون فيه قرب أكثر من الحنابلة؛ لماذا؟ لأنهم لم يحتاجوا إلى الاستثناء هنا، ثمانية وهنا قُوت، أما الحنابلة جعلوا العلة هي الوزنية في الذهب وفي بعض ما يقتات، فاحتاجوا إلى أن يستثنوا النقدين من أن يكون فيه ربا فضل أو فيه ربا نساء. وضحت المسألة؟
والبيع للدين بدين يمنع، قال ابن المنذر: عليه أجمعوا. البيع للدين بدين يمنع، وهذا متفق عليه، عليه إجماع ذكر الإجماع ابن المنذر، ويقال إن الإمام أحمد ذكر الإجماع أيضاً وغير واحد من أهل العلم، وهو بيع ما في الذمة بثمن مؤجل لمن هو عليه. أيضاً وهذا يقع له صور؛ قد يكون بين متعاقدين فيقع بيع الدين بالدين على أحد المتعاقدين نفسه، وقد يقع على متعاقد آخر. فمثلاً باع زيد من عمر مئة صاع من البر وقدم له الثمن، فعلى عمر مئة صاع من البر بعد سنة، ثم قال له قبل حلول الأجل: الدين الذي علي مئة صاع أنا أشتريه منك بمئة صاع من الشعير أو مئتي صاع من الشعير إلى سنة أخرى. فصار باع ما مع الدين الذي عليه بدين آخر، فهنا يمنع لشبهة الربا أو للربا.
وقد تكون الصورة على شخص آخر، فيأتي شخص آخر ويشتري دين هذا بمئة من البر إلى سنة أخرى، وهكذا. وهناك قد يكون المعقود عليه ثمناً أصلاً ديناً له صور كثيرة. وهناك صور تستثنى أيضاً من بيع الدين بالدين؛ مثلاً شخص له على شخص مئة ألف ريال بعد سنة، فلما جاءت السنة فإذا الرجل ليس عنده مئة ألف، فقال له صاحب الدين: أنا أؤجل لك، اشتري منك هذا الدين بمئة وعشرين ألفاً إلى سنة أخرى. هنا صار ماذا؟ ربا، هو ربا الجاهلية المشهور. لكن لو حط عنه يا زيد من الناس المئة ألف التي عليك والمفروض تعطيني إياها الآن ولم تجدها، أنا سأضع منها عشرة وأمهلك شهراً، فهنا كأنه اشترى لكن هو في الحقيقة سامحه ووضع عنه، وهذا لا إشكال فيه. والبيع للدين بدين يمنع، قال ابن المنذر: عليه أجمعوا.
ثم قال هنا فصل في الصرف: وعقد صرف كله أو بعضه أبطل بالافتراق دون قبض. ثم الدنانير كذا الدراهم في العقد بالتعيين ثم تلزم. فالرد والإمساك في المعيب من الجنس والبطلان في المغصوب. ويحرم الربا بدار الحرب والسلم للمسلم أو للحربي. قال هنا: وعقد صرف وهو بيع نقد بنقد، سواء اتحد الجنس أم اختلف. وعقد صرف كله أو بعضه أبطل بالافتراق إذا افترقوا بالأبدان دون قبض، فيبطل العقد فيما لم يقبض إن كان لم يقبض الكل أو لم يقبض البعض يبطل في ذلك البعض؛ لأن القبض شرط في صحة عقد الصرف. النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث: «وبيع الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد». طبعاً لو طال المجلس هذا لا يضر ما دام أنهم في مجلس واحد.
قال: ثم الدنانير كذا الدراهم في العقد بالتعيين ثم تلزم. تلزم يعني تتعين إذا عينت الدراهم عندنا تتعين، فهو إذا أشار إلى هذه الدراهم؛ اشترى شيئاً بدراهم قال: اشتري هذا الكتاب بهذه الدراهم، هنا تعينت الدراهم أو الدنانير. قال: لأنها عوض مشار إليه في العقد، فوجب أن تتعين سائر الأعواض فلا تبدل، بل يلزم تسليمها إذا طُولب بها لوقوع العقد على عينها. فإذا وُجد المبيع معيباً أو مغصوباً، سواء كان المبيع ديناراً أو درهماً، هنا قال: فالرد والإمساك في المعيب من الجنس. هنا يقول: فله الرد، أما أن يرده وهذا إذا رد العقد لزم عليه البطلان، بطلان العقد إذا رد المبيع. وأما له الإمساك لكن بلا أرش. مثلاً صار هناك صرف دنانير بدنانير ثم تبين أن أحد العوضين مغشوش من أصله، فهنا لك أحد خيارين: إما أن يرد المبيع فيبطل العقد، وإما أن يقبله لكن بلا أرش؛ لماذا بلا أرش؟ لأنه لو أخذ الأرش وهو الزيادة كأنه أخذ نقداً بنقد متفاضلاً، فدخل هنا الربا.
نعم، قال: فالرد والإمساك في المعيب من الجنس. إذا كان عيبه من جنسه يعني من أصله، مثلاً صيغت أو عملت دنانير لكن أصل الذهب الذي فيها من الذهب الرديء، يعني فيه شيء من الغش أو الغش. قال: والإمساك في المعيب من الجنس، يعني من أصل الجنس، إذا كان عيبه مخلوطاً بذهب رديء مثلاً من الجنس. قال: والبطلان في المغصوب. بالنسبة للمغصوب إذا اكتشف أن أحد العوضين مغصوب، ليس البائع مالكاً له، فما هو الحكم؟ هل نقول مثل هناك يمسك وله الأرش أو ماذا؟ لا، المغصوب هو من باعه ليس مالكاً له، فالمغصوب ليس له إلا الرد، والرد في المغصوب.
قال: ويحرم الربا بدار الحرب والسلم للمسلم أو للحربي. الربا محرم مطلقاً سواء بدار الحرب أو بدار السلم، سواء على المسلم أو على الحربي، وإنما نص على هذا لأن هناك من أهل المذاهب الأخرى، ولا أدري هل هناك بعض الروايات عند الحنابلة تجوز البيع أو الربا مع الحربي أو في دار الحرب، فهنا نص على أن الربا محرم سواء كان ذلك في دار الحرب أو كان أحد المتعاقدين حربياً.
ثم قال هنا باب بيع الأصول والثمار: الأصول مثل الأرض والبستان، والثمار تعرفون الثمار وهي ما على الشجر. قال هنا: تشمل دار أرضها ورفاً وسلماً إن سُمرا وسقفاً وباباً إن يُنصب، وما بها اتصل مودعاً فيها وما عنها انفصل. والأرض والبستان يشملان ما كان من غرس ومن بنيان، لا زرع أو جزة أو ما يلتقط فهي لبائع إذا لم تشترط. تشمل دار أرضها ورفاً وسلماً إن سُمرا، الدار إذا باعها صاحبها أو وهبها، فأي شيء تشمله الدار؟ الكلمة الدار هذه، قال: تشمل دار أرضها؛ فالأرض التي بنيت عليها الدار تشملها الدار، فإذا باع الدار معناه باع الأرض. طبعاً عندنا نستثني ما وُقف على المسلمين من أرض السواد، تعلمون نحن قلنا إنه يجوز بيع المساكن دون الأراضي لأنها وقف على المسلمين، فيستثنى هذا وإن كان الناس الآن يتبايعون بلا نكير.
يعني تشمل دار أرضها ورفاً وسلماً إن سُمرا وسقفاً، الرف تعلمون الذي يوضع عليه الأشياء، والسلم هو الدرج الذي يرقى عليه، إن سُمرا إن كان مسمرين في الدار؛ الرف المسمر وكذلك الدرج المسمر في الدار، هذا يتبع الدار، لكن المُلقى في الأرض هذا لا يتبعه إلا أن ينص عليه البائع. قال: تشمل دار أرضها ورفاً وسلماً إن سُمرا وسقفاً وباباً إن يُنصب. الباب، باب الدار إما أن يكون منصوباً يدخل إلى الدار منه، وإما أن يكون مُلقى، فالمنصوب لفظة الدار بخلاف المُلقى في الأرض غير المنصوب، وباباً إن يُنصب، وما بها اتصل يعني ما بالدار اتصل، مثل ماذا؟ حلقة الباب التي في الباب متصلة بالباب، فهو متصل أو فهي متصلة بالدار. مثلاً الحب يسمونه عندنا في لغتنا الدارجة الجحل، تعرفون الحب هذا إناء من طين اسمه الزير، يوضع في الأرض ويصب فيه الماء أو يوضع فيه بعض الأشياء، المهم أن بعضه يكون في الأرض مدفوناً وبعضه يكون غير مدفون، فالمدفون متصل بالدار وغير المدفون ليس متصلاً.
وضحت؟ وما بها اتصل، لا مُودعاً فيها، المودع في الدار في الأرض أو فيها من كنز مثلاً أو مال مدفون، هذا لا تشمله لفظة الدار، وإنما الذي يشمله لفظة الدار الأرض والبناء. قال: وما عنها انفصل لا مودعاً، فهذا لا يشمله لفظ الدار، ولا ما عنها انفصل مثل ماذا؟ كالحبل مثلاً أو الدلو أو الفراش، أحسنت، أو البكرة التي يوضع فيها الرشاء ثم ينزع بها الدلو، والفرش وهذه الأشياء التي ليست تابعة للدار. ثم قال: والأرض والبستان يشملان ما كان من غرس ومن بنيان، الأرض والبستان يشملان أيضاً ما كان فيهما من الغرس ومن البنيان، فالأرض إذا باع الأرض وفيها غرس أو فيها بناء فمعناه أن هذه اللفظة تشمل ذلك البناء وذلك الغرس، وهكذا البستان.
قال: لا زرع أو جزة أو ما يلتقط فهي لبائع إذا لم تشترط. لا زرع، المقصود بالزرع هنا الذي لا يحصد إلا مرة كالبر والشعير، والجزة الظاهرة؛ يعني هناك بعض الزروع ما يكون له جزة ظاهرة وأصوله تبقى، فالجزة الظاهرة إذا باعها الرجل، باع البستان لكن هناك جزة من هذا الزرع جاهز، فهذا لا يشمله بيع البستان وإنما يكون للبائع، وقياس على مثلاً البر. قال: لا زرع أو جزة أو ما يلتقط، الذي يلتقط مراراً مثل الباذنجان، فإذا باع البستان وهناك باذنجان جاهز للالتقاط فهو للبائع، وهكذا الذي لا يحصد إلا مرة فهو للبائع، فهي لبائع إذا لم تشترط، يعني إذا لم يشترطها المشتري. يأتي المشتري ويقول: أنا سأشتري منك هذا البستان لكن بما فيه من الزرع وبما فيه من البقول ونحو ذلك، ويصح هذا الشرط. مثلاً إذا قلنا المشتري اشترى البستان وفيه زرع فيه جزة ظاهرة أو فيه ثمر دخل على أساس أن هذا داخل في البيع، يجهل أن الأصل في مثل هذا البيع أن الجزة الظاهرة للبائع، فقال: لا أنا إنما دخلت في البيع لأجل هذا الزرع أو لهذا الالتقاط، فهنا هو مخير، إما أن يمضي البيع وإما أن يعود ما دام أنه جاهل.
فصل في بيع الثمار: ونحوه لبائع من شق منه الطلع للقطع إن لم يشترط القطع كخارطة. من انشق منه الطلع، مثلاً إذا باع شخص نخلاً قد انشق طلعه، الطلعة هو وعاء العنقود، ونحن لسنا خبراء في مثل هذا لكن أهل النخل يعرفونه، أظنهم يشقون هذا الوعاء فيخرج منه الشماريخ، مرة يشقون ومرة ينشق بنفسه، فإذا انشق دل على أنه جاهز للتأبير، قال: لبائع من شق منه الطلع للقطع، يعني إلى وقت الجذاذ إن لم يشترط القطع، يعني إذا باع شخص نخلاً، فالثمرة التي في النخل لمن هي؟ إن كان قد انشق عنه الطلع فهو للبائع، حتى لو لم يؤبر؛ لأن الحنابلة يقولون المقصود بالتأبير هو يعني إنما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أنه ملازم لانشقاق الطلع، فالأصل انشقاق الطلع، هو هذا الشيء الظاهر لأن التأبير قد لا نعلم به أنه أُبر أو لم يؤبر، بخلاف هذا الذي يظهر. قال: لبائع من شق منه الطلع، فإذا باع نخلاً وقد انشق طلعه لمن ثمر النخل؟ للبائع.
إلا أن يشترطه المبتاع؛ لأن اشتراط المبتاع -الذي هو المشتري- تقدم معنا في البيت الذي قبل هذا في الفصل الأول في الباب الأول: «لا زرع وجُزت وما يلتقط فهي للبائع إذا لم تشترط». وهنا كذلك، لكن هنا أضفت شيئًا آخر: «إن لم يشترط القطع».
يعني هو يبقى هذا الثمر إلى وقت الجذاذ هو للبائع؛ لأنه هو الذي أبرأه وهو الذي انشق في وقته، لكن إن اشترط المشتري قطعه فيقطع هذا إذا كان في فائدة. ولذلك قال: «للقطع»؛ يعني يبقى للقطع إن لم يشترط القطع، سواء اشترطه البائع أو المشتري.
نعم، قطع الثمار التي لم تنضج بعد تبقى إلى نضجها، إلى أن يبدو صلاحها، فلا يجوز قطعها أو لا يجوز بيعها قبل بدو صلاحها. لكن هو باع الشجرة أو باع النخلة وفيها ثمر لم يبدُ صلاحه، الثمر هذا الذي لم يبدُ هو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع؛ إذا قال: «أنا اشتري النخلة بما فيها من الثمر»، أو اشترط على البائع أن يقطع ثمره حتى لا يدخل علي في بستاني كل فترة يتفقد ما له من الثمار، فقال: «أنت اقطع»، فهنا يجوز القطع ويجوز البيع إذا كان في هذا القطع فائدة.
متى يكون فائدة؟ إذا كان الرطب قد كبر، سواء رطب أو غيره، ويستفيد منه، إما يعطيه للبهائم، أما إذا لم يكن فيه نفع؛ فقد اشترطنا في شروط البيع أنه لا بد أن يكون المبيع نافعًا.
نعم، قال: «للبائع من شق منه الطلع للقطع لم يشترط القطع كخ من كمه وما ظهر من نوره وما بدا من الشجر كخارطة يكون للبائع، وأما ما قبل ذلك -ما قبل بدو النور وقبل خروجه من الكم- فهذا كله يعتبر للمشتري، فإن خرج من كمه أو بدا منه نوره فهذا يعتبر للبائع كما شق منه الطلع».
قال: «وبيع زرع وثمار لا يباح قبل اشتداد الحب أو بدو الصلاح، ونحو ذي أو ونحو ذي ك رطبه وبقل، إن كان ذاك البيع دون الأصل إلا بشرط القطع حالًا حيث صح وجزه، أو لقطه حيث اتضح».
يقول: «وبيع زرع وثمار لا يباح». الزرع قلنا إنه الذي يحصد، والثمار لا تباح قبل اشتداد الحب في الزرع، أو قبل بدو الصلاح؛ وهذا جائز. بدو الصلاح هو كما قال: «يبدو»، ويبدو في الثمار؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. قال: «نهى البائع والمبتع»، وهذا الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر. وهناك في حديث آخر: «نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد»، وهذا في السنن النسائية.
قال: «ونحو ذي كذلك لا يباح بيعه كـرطبة»، الرطبة بفتح الراء هي القت عندنا، أو البرسيم، يسمونه القت، البرسيم الذي يعطى للدواب، أخضر نبات أخضر هكذا يبقى سنين وهو يجز وينبت دائمًا.
قال: «وبقل»، والبقل يعني واحدة البقلة وجمعها بقول، وهو الذي ليس له ساق من الزروع مثل البصل والكراث وما أشبه ذلك. وهذا يعني لا يباح بيعه؛ لماذا؟ قال: «إن كان ذاك البيع دون الأصل». إن كان بيع هذه الأشياء دون أصولها، يعني منفردة عن أصولها وهي لم تنضج أو لم تكن جاهزة للجز؛ لأن ما في الأرض مستور مغيب، وما يحدث منه معدوم، فلم يجوز بيعه.
مثلاً لا يباح بيع الرطبة الذي هو القت إن كان ذاك البيع دون الأصل. يعني القت سيكون على أرض، وهو دائمًا يتكاثر، فإذا قال البائع للمشتري: «أنا أبيعك هذا القت أو هذا البرسيم»، وهو إلى الآن لم يطلع جيدًا، أو طلع وأجل البيع إلى ما بعد فترة، هنا البرسيم سيزداد، وهذه الزيادة مفترض أنها للبائع، ولا نعرف ما زاد هنا وما نقص هنا، فيحدث إشكال لأنه يزيد بسرعة. وهكذا البقول إذا باعها دون أصولها، فنحن لا نعلم ما كان غائبًا في الأرض، فكأنه بيع شيء معدوم قد ينبت زيادة ويكثر منه غيره.
نعم، قال: «دون الأصل إلا بشرط القطع»، إذا اشترط قطعه حالًا هنا يجوز. وطبعًا قلنا إذا كان ينفع هذا الاشتراط حيث صح القطع، وإنما يصح القطع إذا كان ينتفع به، أما ما لا ينتفع به إذا قطع قبل بدو صلاحه فلا يجوز بيعه ولو بشرط القطع.
قال: «بشرط إن كان ذاك البيع دون الأصل إلا بشرط القطع حالًا حيث صح، أو جزه، أو لقطه حيث اتضح». أي حيث اتضح أنه لا غرر فيه؛ هنا لما تبيع الجزة الواحدة خلاص، ليس غيرها، أما أن تبيعه البرسيم مثلاً أو هذا الباذنجان وتتركه فيتكاثر، هنا اختلف الوضع.
قال: «ويبطل البيع إذا ما مطلق قد باعه، أو كان مع شرط البقاء، أو مع شرط القطع لكن ترك حتى بدا الصلاح، بعد ذلك، أو اشترى عريه فاتمر أو جزه أو لقطه ثم نمت، أو ما بدا صلاحه ثم حصل مع غيره اشتباه، الكل بطل».
قال: «ويبطل البيع إذا ما مطلقًا قد باعه»، يعني يبطل البيع للثمر قبل بدو صلاحه، أو للزرع قبل اشتداد حبه إذا ما مطلقًا قد باعه، يعني من غير أن يذكر قطعًا ولا تبقية. أو «مع شرط القطع»؛ يعني إذا باعه مع شرط القطع لكن ترك ما قطعه، هنا يبطل البيع لكن ترك حتى بدا الصلاح بعد ذلك.
أو «كان مع شرط البقاء»؛ يعني يبطل البيع إذا باعه مع شرط البقاء، فهنا لا يصح أن يبيع ثمرًا لم يبدُ صلاحه ويشترط بقاءه، إما أن يقطعه.
شوف قال: «ويبطل البيع إذا ما مطلقًا»، يعني يبطل البيع لثمر قبل بدو صلاحه، أو لزرع قبل اشتداد حبه إذا ما مطلقًا قد باعه، يعني من غير ذكر قطع ولا ذكر تبقية، هنا يبطل. «أو كان مع شرط البقاء»؛ يعني اشترط البقاء فإنه لا يصح أيضًا. «أو مع شرط القطع»؛ شرط القطع هنا يجوز، لكنه اشترط القطع وتركه هنا لا يجوز.
إذًا عندنا ثلاث صور: إما أن يبيعه بدون شرط تبقية ولا قطع للثمر الذي لم يبدُ وصلح، أو يبيعه مع شرط البقاء أو الترك وهذا لا يجوز أيضًا، أو يبيعه مع شرط القطع.
هنا يجوز، إلا إذا تركه المشتري حتى بدا الصلاح. هنا لا يجوز، قال: «مع شرط البقاء»، فإنه لا يبيع ثمرة مع شرط القطع، لكن المشتري ترك الثمرة حتى بدا صلاحها، بعد ذلك فإن البيع يبطل؛ لئلا يجعل ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها وتركها حتى يبدو صلاحها. وكذا زرع أخضر بيع بشرط القطع ثم ترك حتى اشتد حبه.
قال: «أو اشترى عرية فاتمر»، وهي بالتاء؛ لأن العرية خاصة بالرطب والنخل. قال: «وهو شراؤه»، يعني شراء الرطب على النخلة أو على النخل خرصاً بتمر على وجه الأرض؛ يعني شخص يريد التمر والآخر عنده رطب لكن الرطب على رؤوس النخل ولم ينضج بعد، فأراد أن يأكل التمر لحاجته إليه، فيبيعه بالرطب خرصاً، الرطب يخرص على رؤوس النخل.
وهنا هذا هو تقريباً الموضع الذي يستثنى من بيع الربوي بجنسه دون تماثل، لأنه لا يمكن التماثل هنا؛ لأن اليابس بالرطب نحن منعناه، إلا في هذه الصورة للحاجة، شخص يحتاج لأكل التمر فباع رطبه بتمر من شخص، فهنا التمر في الأرض والرطب على رؤوس النخل، والرطب يخرص في ماله بعد ما ينتهي، يقول خرصه مثلاً خمسة أصع أو ثلاثة أصع أو نحوه، وهذا أيضاً ثلاثة أصع مثله فيشتريه بالتماثل، لكن أحدهما بالكيل والآخر بالخرص، وذا في الأرض وذا على رأس النخلة، وهناك حاجة.
وهناك شروط لمثل هذه الرخصة، من هذه الشروط: أن يكون دون خمسة أوسق، هكذا ورد في الحديث: «خمسة أوسق أو دونها»، فلما جاء الشك هنا أخذوا الأقل وهو ما دون خمسة أوسق. والثاني: أن يكون مشتريها محتاجاً إلى أكلها رطباً. والثالث: أن لا يكون له نقد يشتري به. والرابع: أن يشتريها بخرصها. والخامس: أن يتقابضا وتفرقهما.
فإذا اشترى عرية وتركها وقبض الرطب الذي على الشجر هو بتمر، قال: «لو اشترى عرية فاتمر»، هذا من البيوع الباطلة؛ يعني هو تركها حتى تثمر أصبحت تمراً، هو محتاجها رطباً، هو يحتاج أن يأكل الرطب، صاحب التمر يريد أن يأكل الرطب لكنه ترك هذا الرطب حتى اتمر، الآن تبين أنه ليس بحاجة إلى الرطب، فمعناه أنه أخل بشرط من شروط جواز هذه الرخصة.
صورة العرية الجائزة أن يكون شخص يريد الرطب والرطب على رؤوس النخل وعنده تمر وليس عنده نقد، لو عنده نقد قلنا اشتري رطباً آخر أو اشتري بالنقد، فهنا اشترى وليس عنده نقد، عنده تمر لكنه يريد الرطب لحاجته إلى التفكه، الرطب يعني مثل الفاكهة، فقال لصاحب النخلة: أنا أشتري منك هذا الرطب، صاعاً واحداً بصاع من الرطب، فيخرص الذي على النخلة ثم يجنيه ويبيعه هذا التمر.
لكن لو أن المشتري ترك الرطب الذي على رأس النخلة حتى اتمر وقد باعه بتمر، هنا قلنا حاجته لم يكن صادقاً فيها، وبالتالي كأنه دخل في الربا وهو بيعه المثلي الربوي بمثله غير متماثل، فاتمر هنا تبين أنه ليس محتاجاً إلى ذلك الرطب.
«أو جُزئ أو لُقط ثم نمت»، وهذه ذكرناها فيما سبق. «أو اشترى ما بدا صلاحه ثم حصل مع غيره اشتباه»، الكل بطل؛ يعني اشترى ما بدا صلاحه في شجرة أو نخلة ثم حصل معه غيره واشتبه الكل به؛ يعني زاد. قال البهوتي هنا: قدمه في المقنع وغيره، والصحيح أن البيع صحيح، وإن عُلم قدر الثمرة الحادثة فالدفع للبائع والباقي للمشتري، وإلا اصطلح؛ يعني لو اشترى ثمراً بدا صلاحه ثم اختلط بغيره مما لم يبدُ صلاحه فاختلط الجميع وصار كله ما اشتراه مختلطاً بغيره بشيء آخر، لم يشتره.
نتوقف هنا عند البيت رقم 1104، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
د. سعيد المري