باب صلاة العيدين: العيد فرضه على الكفاية، لأجله قاتل ذو الولاية، من ارتفاع الشمس للزوال، فإن فات صلوا بيوم تالٍ. وسن تأخير صلاة الفطر لا الأضحى، والأضحى الأكل فيه أجلاً. وسن أن يصليا في الصحراء، والكره في الجامع إذ لا عذراً، والمشي مع تبكير ذي ائتمام يسن، والتأخير للإمام. وعاكف من اعتكاف يأتي وغيره في أحسن الهيئات.
وأربعون من ذوي استيطان، من شرطها إذن ذي السلطان، ثم يصلي ركعتين قبل خطبته، مكبراً في الأولى وبعد الاستفتاح ستاً، وخمساً الأخرى وبعدها قرأ، ويرفع اليدين في التكبير مع قوله، مجزأ في المأموم، يتلو بسبحٍ جاهرة والغاشية، تلك للولاوة للثانية كجمعة، يخطب لكن تسع تكبير في الأولى والأخرى سبعاً، يحث في الفطر على الإنعام، والذبح في الآخر للأنعام. وزائد التكبير فيها سنة، والذكر بينها كذا والخطبة. وموضع الصلاة فيه النفل يكره بعدها كذاك قبل، وإن فات فات بعضها قضى صلاته بوصفها الذي مضى. وسن يكبر في ليلة عيد وكل العشر من ذي الحجة، وسن أن يكبروا المقيد من بعد فرض في جماعة، بدا لمحرم من بعد ظهر النحر لآخر التشريق بعد العصر وفجر تاسع محل يبتدئ، وليقضِ ناس طاهر في المسجد، وصفة التكبير في العيدين شفعاً يكبرون مرتين بينهما تهليلة، وبعد قول: «ولله الحمد» تلاه.
قال: العيد فرضه على الكفاية، لأجله قاتل ذو الولاية. العيد فرضه على الكفاية، هو فرض على الكفاية عند الحنابلة؛ لو تركه قوم قاتلهم الإمام لأجل تركه. قاتل ذو الولاية، يعني الإمام أو السلطان.
ثم بين وقته قال: من ارتفاع الشمس للزوال، فإن فات صلوا بيوم تالٍ. وقت العيد من ارتفاع الشمس إلى الزوال، فإن فات هذا الوقت، يعني مثلاً بعد زوال الشمس، بعد صلاة الظهر مثلاً تبين أن اليوم عيد، فماذا يفعلون؟ يصلون في اليوم التالي؛ لأن وقت العيد من ارتفاع الشمس إلى الزوال وقد ذهب وقته، واضح.
قال: وسن تأخير صلاة الفطر لا الأضحى، ولضحى الأكل فيه أجلاً. صلاة الفطر يسن فيها التأخير، ولضحى الأضحى يسن فيها التقديم. الحاصل أنهما سيان في هذا العصر، يعني يجعلون الصلاة في وقت واحد وهو بعد الشروق بنصف ساعة أو نحو هذا، لكن السنة أن تؤخر صلاة الفطر وتعجل صلاة الأضحى لسبب. صلاة الفطر تؤخر لأن من السنة أن يفطر الإنسان قبل أن يذهب إلى الصلاة، ليتأكد أنه في يوم فطر لأنه كان صائماً في رمضان، فيستحب له قبل أن يصلي صلاة العيد أن يأكل أو يصيب من الطعام شيئاً، هذا من السنة، وكأنه حمد الله وشكر له على نعمته سبحانه وتعالى.
وسن تأخير صلاة الفطر، ولضحى الأضحى معناه تؤجل. ثم قال: ولضحى الأكل فيه أجل، الأضحى يؤجل فيه الأكل إلى بعد الصلاة، والفطر يعجل فيه الأكل إلى قبل الصلاة. إذاً الأضحى الأكل فيه أجل، يعني يأكل بعد أن يصلي صلاة عيد الأضحى.
أحسنت، هنا قيد جزاه الله خيراً، ذكرنا الشيخ: «والأضحى الأكل فيه أجل»، اكتب في جنبه أن الأضحى؛ إن كانت عنده أضحية لا بأس يؤجلها إلى أن يأكل من أضحيته، وأما إن لم يكن عنده أضحية فالأمر فيه بالخيار، إن أراد أن يأكل قبل الصلاة أو بعدها كله سيّان. لكن إذا كان عنده أضحية، فالأصح أن السنة إن كانت عنده أضحية فلا يأكل إلا بعد الصلاة من أضحيته، وإنما عجلت الصلاة في الأضحى حتى يذهب الناس ليضحوا ضحاياهم.
قال: وسن أن يصلي في الصحراء، والكره في الجامع إذ لا عذراً. يسن أن يصلي عيد الفطر وعيد الأضحى في الصحراء، ثم قال: والكره في الجامع إذ لا عذراً، إذاً يكره صلاتها في الجامع وتصح إذا كان بغير عذر، وأما إن كانت صلاتها في الجامع بعذر كبرد شديد وريح شديدة؛ يمثلون بالبرد والريح ولا يمثلون بالحر، لكن الحر أيضاً داخلهم في ذلك؛ لأنه في معنى البرد وفي معنى الريح الشديدة. الكره في الجامع إذ لا عذراً، لكن إذا كان هناك عذر يجوز لهم أن يصلوا في الجامع من غير كراهة.
ثم قال: والمشي مع تبكير ذي ائتمام يسن، والتأخير للإمام. والمشي إليها مع التبكير بالنسبة للمأموم، والمشي مع تبكير ذي ائتمام، صاحب الائتمام أي المأموم يبكر وماشياً لكي يتجهز للصلاة ويكون على ذكر وعلى خير. أما الإمام فيتأخر حتى يأتي وقت الصلاة، فيأتي ويصلي مباشرة.
ثم قال: وعاكف من اعتكاف يأتي وغيره في أحسن الهيئات. العاكف يأتي من اعتكافه، يعني في هيئة الاعتكاف، من معتكفه يذهب، هذا هو المذهب، وهناك رواية أنه يأتي أيضاً في أحسن الهيئات. أما غيره، غير المعتكف، فهذا قولاً واحداً أنه يأتي في أحسن هيئة، يلبس أحسن ثيابه ويأتي إلى الصلاة. وأما المعتكف فهو يأتي في ثياب اعتكافه، هذا هو المذهب، وهناك رواية أخرى رجحها بعض أهل العلم من المحققين أن العاكف أو المعتكف يأتي في أحسن هيئته؛ لأن النبي ﷺ كان يلبس ثيابه الجديدة وكان يعتكف في رمضان. ولهم تعليل في أن العاكف يأتي في ثياب اعتكافه، يقولون إنها أثر العبادة، يأتي وعليه أثر العبادة. ومن العلماء من يتكلم في هذا التعليل ويقول: أثر العبادة في نفسه لا في ثيابه، الذي ثيابه إنما هو أثر تعبه وأثر عرقه.
قال: وأربعون من ذوي استيطان، من شرطها إذن ذي السلطان. اشترطوا لصحتها أن يكون العدد أربعين من ذوي استيطان، يعني مستوطنين كما شرط في الجمعة، وليس إذن ذي السلطان أو السلطان من شرط صحتها.
ثم قال: يصلي ركعتين قبل خطبته، مكبراً في الأولى. إذا جاء الإمام يصلي ركعتين قبل الخطبة فيبدأ بالصلاة مكبراً في الأولى، يعني تكبيرة الاستفتاح أو التحريم. ثم قال: وبعد الاستفتاح ستاً. بعد أن يستفتح وقبل أن يقرأ وقبل أن يتعوذ، يكبر ست تكبيرات؛ إذاً يكبر تكبيرة الإحرام "الله أكبر"، ثم يستفتح "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك"، ثم بعد الاستفتاح وقبل أن يقول "أعوذ بالله من الشيطان" وقبل أن يقرأ، يكبر ست تكبيرات أخرى، إذاً تكبيرة الإحرام واحدة وست تكبيرات صارت سبعاً.
وبعد الاستفتاح ستاً، وخمساً الأخرى، وبعدها قرأ. إذا رفع في الركعة الثانية قام مكبراً، يكبر خمس تكبيرات، يرفع يديه في كل هذه التكبيرات، وبعد الخمس التكبيرات وبعد الست التكبيرات، القراءة الأولى يقرأ، يبدأ.
القراءة، الفاتحة والسورة التي بعدها. ويرفع اليدين في التكبير مع قوله: ما جاء في المأثور يرفع اليدين في التكبيرات.
ذكر بعض أهل العلم أن ابن مسعود كان يقول يثني على الله ويسبحه ويحمده. والحنابلة ينصون على أنه يقول: «الله أكبر كبيرا، وسبحان الله بكره وأصيله، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكره وأصيله، والله أكبر كبيرا، تكبيرة صلى الله على محمد وعلى آله» بين التكبيرات، لكن لو ما فعلها ليس هناك إشكال.
قال: يتلو بسبح جاهرا، والغاشية تلك للثانية؛ «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» والغاشية في الركعة الثانية، سبح في الأولى والغاشية في الثانية. كجمعة يخطب، لكن تسعة يكبر في الأولى والأخرى سبعة يكبر كما يخطب في الجمعة، يعني خطبتين يجلس بينهما، ولكنه هنا يكبر تسعاً في الخطبة الأولى قبل أن يخطب، يقول: «الله أكبر، الله أكبر» تسع مرات، وفي الخطبة الثانية يكبر سبعة؛ يبتدئ الخطبة بتكبيره سبع تكبيرات.
يحث في الفطر على الإنعام، يعني على الإنفاق وإكرام الأهل، ويحث في الآخر على الذبح للأنعام، يعني الأضحية. وزائد التكبير فيها سنة، التكبيرات الزائدة وهي الست بعد تكبيرة الإحرام، والخمس بعد تكبيرة الانتقال؛ هذه التكبيرات كلها سنة، معناه لو تركها فصلاته صحيحة. وزائد التكبير فيها سنة، والذكر بين هذه التكبيرات أيضاً سنة وليست بواجب، والخطبتان سنة وليست واجبة، فلو لم يخطب لصحت الصلاة، ولو لم يحضر المأموم لصحت الصلاة.
وموضع الصلاة فيه النفل يكره بعدها، يعني بعد صلاة العيد، ويكره أن يتنفل الإنسان قبل صلاة العيد وبعدها في المذهب. ومن العلماء من قال إنه لا يكره ولا يسن من أراد أن يصلي، لأن الصلاة عمل خير وليس هناك دليل على الكراهة ولا على المنع. لكن كان في الحديث أن ابن عباس كان يقول إن النبي ﷺ لم يكن يصلي قبلها ولا بعدها، من هنا قالوا بالكراهة. لكن الآخرون قالوا حتى الجمعة النبي ﷺ لم يكن يصلي قبلها لأنه كان يأتي ويخطب، وهكذا هنا كان يأتي ويخطب، لكنه لم يصلِّ بعدها، فقد يقولون إنه عدم الصلاة بعدها لأنه يريد أن يضحي مثلاً.
على كل حال، هنا قالوا يكره أن يصلي نافلة قبل العيد وبعدها، لكن لو كانت الصلاة في الجامع، هل نقول أيضاً يكره له أن يصلي تحية المسجد؟ أظن أن هذه مستثنى، تحية المسجد مطلوبة، فالذي يصلي إنما يصلي لأجل أنه يصلي تحية المسجد.
قال: وإن فاتت أو فات بعضها، يقضي صلاته بوصف الذي مضى. إذا فاتت صلاة العيد أو فات بعضها، فجاء شخص مسبوق وفاتته الركعة الأولى مثلاً فصلى الركعة الثانية، يقضي هذه الصلاة على نفس الوصف المتقدم ذكره. فإذا أدرك الثانية، على ما يحضرني -إلا ما كان مخطئاً- أنه يقضي الأولى بسبع تكبيرات، بست تكبيرات؛ فهو إذا أدرك الثانية سيدرك التكبيرات الخمس، أو لو لم يدركها أدرك القراءة في الثانية، معناها أنه سيقضي الأولى فيكبر سبعاً.
وسنة أن يقضيها ولو فاتت كلها على نفس الصفة التي تصلى بها، فيصليها ويكبر التكبيرات الست بعد تكبيرة الإحرام، ثم الخمس بعد تكبيرة الانتقال. وسنة أن يكبروا في ليلة عيد، وكل العشر من ذي الحجة سنة أن يكبروا؛ ليلة عيد الفطر وليلة عيد الأضحى يسن أن يكبروا تكبيراً مطلقاً، يعني إذا التقوا مع الأصحاب إذا مشوا في الطرقات. وكل العشر يسن أن يكبروا، والمقصود بالعشر هنا تسع، دائماً يقولون العشر ويقصدون صيام التسع، وكل العشر من ذي الحجة؛ لأنه بعد العاشر يكون التكبير المقيد كما سيأتي.
وسنة أن يكبروا المقيد من بعد فرض في جماعة. بدا التكبير المقيد له شروط، أن يكون بعد الفرض، وأن يكون في جماعة، فالتكبير المقيد أن يكون بعد الفريضة مباشرة، إذا سلم يكبرون التكبير المقيد، وسياتي صفته. ويكون هذا الفرض في جماعة، فلو صلى منفرداً فرضاً في وقت تكبير المقيد، هل يكبر التكبير المقيد؟ لا يكبر هذا على المذهب. وإذا صلى جماعة لكنها ليست صلاة فرض، فإنهم لا يكبرون، إنما التكبير مخصوص بالفرض ومخصوص بالجماعة.
ثم بين متى تكبر المقيد، قال: لمحرم من بعد ظهر النحر، بالنسبة للمحرم بعد ظهر يوم النحر -الذي هو يوم العيد- يكبر، فيبدأ التكبير المقيد بالنسبة للمحرم بعد صلاة الظهر يوم النحر، ولآخر التشريق بعد العصر؛ آخر التشريق الذي هو ثلاثة أيام بعد يوم العيد، بعد صلاة العصر من اليوم الثالث عشر، هذا آخر وقت للتكبير المقيد. ثم قال: لمحرم بعد ظهر النحر، ولآخر التشريق بعد العصر، وفجر تاسع محل يبتدي بالنسبة للمحل الذي ليس بمحرم، ليس بحاج، فهو يبتدي من بعد فجر التاسع بالتكبير المقيد، وينتهي كما ينتهي المحرم في آخر التشريق.
فبالنسبة للمحل، لو أردنا أن نحسب الصلوات، إذا قلنا الفجر التاسع معناه خمس صلوات، والعاشر خمس، والحادي عشر خمس، والثاني عشر خمس، هذه عشرون، والثالث عشر عنده ثلاث صلوات، فالمجموع ثلاثة وعشرون صلاة بالنسبة للمحل. وبالنسبة للمحرم من بعد الظهر يعني ينقص ست صلوات، فست صلوات معناه سبع عشرة صلاة يكبر التكبير المقيد.
ثم بين صفة التكبير المقيد وصفة التكبير في العيدين: شفعاً يكبرون مرتين، يقول: «الله أكبر، الله أكبر» مرتين شفعاً، بينهما تهليلة، فيقول: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». هكذا ومذهب الحنابلة.
قال هنا: وفجر تاسع محل يبتدي، وليقض طاهر في المسجد إذا نسي تكبير المقيد، يعني مثلاً سلم من صلاته ثم نسي وأخذ يسبح تسبيحاً عادياً، يقضيه بشرط أن يكون ما زال في المسجد وأن يكون طاهراً لم يحدث، فإن أحدث فاته، وإن خرج من المسجد فاته.
فاته واضحة المسألة.
د. سعيد المري