يصح الاقتداء بالإمام إن تراه أو ترى ذا تمامي؛ وصح حيث تسمع المكبرة في مسجد لا ذا ولا ذاك ترى. وصحت الصلاة خلف من علا، وكره ذا ذراعاً أو أعلى جلا، ككون من أم بطاق دخل، أو في مكان فرضه تنفل، أو ظل في استقباله طويلاً. وللنساء فليطل قليلاً، ثم السواري بينها الوقوف يكره أن تنقطع الصفوف.
فصل في أحكام الاقتداء: يصح الاقتداء بالإمام إن تراه أو ترى ذا تمامي؛ إذا رأيت الإمام أو رأيت المأمومين فالاقتداء يصح سواء كنت في المسجد أو كنت خارج المسجد. قال: وصح حيث تسمع المكبرة في مسجد لا ذا ولا ذاك ترى؛ إذا كنت في المسجد ولا ترى لا الإمام ولا المأموم، فتصح الصلاة إذا كنت تسمع التكبير، وضحت المسألة وأظن هذه مسألة سهلة، وإن كان الأولى أن ترى ذا تمامي، ويدخل فيها لو كان بعيداً؛ فيدخل فيها مثلاً الذين يصلون في الفنادق في مكة وهم يرون المأمومين، لكن هناك رواية أخرى أنه ما لم يفصل بينهم مثل مجرى النهر فتبطل الصلاة ويبطل الاقتداء.
وصحت الصلاة خلف من علا، وكره ذا ذراعاً أو أعلى جلا؛ إذا كان الإمام عالياً مرتفعاً عن المأمومين تصح الصلاة، لكن إذا كان علوه عن المأمومين ذراعاً فأكثر هنا تكره، ما لم يكن مع الإمام مأموم آخر. وكذا يكره إذا دخل الإمام بطاقات، وهو المحراب المشهور عندنا الآن؛ إذا دخل الإمام في المحراب بحيث لا يراه بعض المأمومين، هذا يكره. وكذا في مكان فرضه تنفل؛ إذا تنفل في مكان فرضه، يعني صلى الفرض ثم بعد انقضاء الصلاة قام يتنفل في فرضه، هنا أيضاً مكروه.
أو ظل في استقباله طويلاً؛ أيضاً يكره إذا سلم وجلس في مكانه مستقبل القبلة طويلاً، وهذا أيضاً مكروه؛ بعض الصحابة قال إنه بدعة، والسنة أن يستغفر ثلاثاً ثم يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام». كانت عائشة تقول -كما في صحيح مسلم-: لم يكن النبي ﷺ يبقى في مكانه إلا بقدر ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام».
وهذا يدلنا على أن الحديث الذي في الترمذي في التهليلات العشر بعد الصلوات، من رواية شهر بن حوشب، قال: إذا قال المصلي بعد صلاة المغرب وصلاة الفجر وهو ثاني الرجلين -يعني لم ينفتل، وما زال في جلسته، وهو ثاني الرجلين-: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير» عشر مرات، فكانما أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل، إلى آخر الفضل الذي ذكر في حديث آخر؛ فهذا الحديث لو استعمله الإمام لبقي في مكانه طويلاً، فوجود الحديث الذي في صحيح مسلم أن النبي ﷺ ما كان يفعل ذلك إلا بقدر ما يقول كذا وكذا يدل على أن هذا الحديث فيه شيء، والحديث أصلاً من رواية رجل مضعف، فيه ضعف، وقد اختلط في آخر حياته، وروى عنه جماعة من الرواة واختلفوا عليه؛ فمنهم من يقول بعد الفجر وبعد العصر، ومنهم من يقول بعد الفجر وبعد المغرب، ومنهم من يقول عنه عن أبي هريرة، ومنهم من يقول عنه عن أبي ذر، ومنهم من يقول عنه عن عبد الرحمن بن غنم، والمختلف عليه ثقات، مما يدل على أن الرجل لم يضبط الحديث.
وإنما أراد ما في الصحيحين: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فكانما أعتق كذا وكذا» وهذا كان مطلقاً ليس مقيداً بصلاة، فيبدو أن هذا الراوي توهم. والحديث الإشكالية أن الترمذي قال فيه حسن صحيح، والحقيقة أن أهل الحديث يحتاج الإنسان أن يفهم مرادهم أو يفهم صنيعهم؛ هم أحياناً يحتجون من الحديث بلفظه أو بالألفاظ دون بقية الألفاظ. وهذا موجود في الصحيحين وغيرهما، من ذلك أن البخاري أورد حديث ابن عمر: «لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين»، أورده من طريق الليث مرفوعاً كله، وأورده من طريق عبيد الله العمري عن نافع، وقد فصل فيه المرفوع من الموقوف في الحج في لباس الإحرام، أورده من طريق مالك، وأورده من طريق عبيد الله، وفي طريقين هذين المرفوع هو: «لا يلبس المحرم شيئاً من الثياب مسه ورس أو زعفران»، وأما «لا تنتقب المحرمة» فليس في رواية مالك إلا موقوفاً في الموطأ، وليس في رواية عبيد الله إلا موقوفاً في الصحيح، فأكثر الرواة فصل المرفوع من الموقوف، والبخاري مرة أورد هذا الفصل في مكانه، وفي باب آخر أورد الحديث وهو يريد أوله، مع أن آخره الموقوف مرفوع مدرج في الحديث بالرفع، ولم يهتم البخاري لذلك.
وشهدت أنا نقاشاً في رسالة علمية لأحد الطلبة، وكان الذي يناقشه شيخنا الشيخ عبد العزيز عبد اللطيف رحمه الله عليه، فسأل الطالب لأن الطالب رجح الرواية المرفوعة كلها، وقال فيها لأن البخاري أخرجه، ولأن الترمذي قال: حسن صحيح؛ فقال: البخاري لما أخرجه ورد على الحافظ؟ الحافظ يقول إن البخاري لا يرى رفع هذه اللفظة، والطالب يرد عليه يقول: كيف لا يراها وهو أخرجها في الصحيح؟ فشيخنا بين له أن إخراجها لم يكن في موضعها، لما جاء موضعها أخرجها كما هي، لكن هناك كان يريد منها لفظاً، والبخاري يعلم أن الناظر في كتابه سيعلم هذه الكيفية من الإخراج، هكذا الترمذي في أحاديث أذكار الصلوات لم يأتِ بهذا الحديث في فضل لا إله إلا الله، أورد هذا الحديث؛ فهو يصحح الفضل في لا إله إلا الله دون بقية اللفظ الذي يقيدها بالصلاة. وأي ناقد متبصر في الحديث يعلم أن هذا اللفظ التقييد بالصلاة أنه لا يصح؛ لأن هناك روايات كثيرة لم تقيد هذا اللفظ، إضافة إلى أن راويه قد اضطرب فيه من عدة أوجه، ولذلك ضعف هذا الحديث الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار.
نعود إلى مسألة الفقه، قال: أو ظل في استقباله طويلاً؛ أيضاً كان بعض الصحابة كابن مسعود رأى رجلاً أطال بقاءه في القبلة وهو مستقبل القبلة أمام، فزجره عن ذلك، لا أستحضر الألفاظ لكن على ما أستحضره أنه قال: إن هذا بدعة، الذي تفعله بدعة لم يفعله النبي ﷺ؛ فلو كان هذا الحديث ثابتاً لما قاله ابن مسعود، وهذا قد يرد عليه أن ابن مسعود ما علم بالحديث، لكن الحديث ليس بثابت أصلاً، وكل من كتب في الأذكار بعد الصلوات أو أغلبهم، خصوصاً الأئمة الأربعة، لم يذكروا هذا الحديث من ضمن أذكار الصلوات بعد الفجر والمغرب. والعجيب أنه مشتهر الآن في كل الكتابات يعلقونها في المساجد، تقولها بعد الصلوات عشراً، ليس ممنوعاً لو قالها لأنه لا يريد أن ينساها، يقولها صباحاً أو مساءً لا إشكال في ذلك، لكن الإشكالية في مسألتين؛ أن الناس يبدؤون بها قبل التسبيحات، والتسبيحات فيها أحاديث ثابتة في الصحيحين، وبعضهم يكتفي بالتسبيحات يجعلها في ثلاث صلوات، والتهليلات يجعلها في صلاتين -وهي صلاة الفجر وصلاة المغرب- وليس معها تسبيحات، فهنا أخل بحديث الصحيحين من روايات متعددة، وهو: «ألا أخبركم بشيء تدركون به من سبقكم ولا يدرككم من بعدكم؟ تسبحون الله 33 وتحمدون دبر كل صلاة»، وهذه الألفاظ وجدت من خمسة أوجه في الصحيحين.
فالإشكالية أن كثيراً من العوام يبدأ بالتهليل قبل التسبيحات، هي ليست إشكالية كبيرة، لكن يخشى عليه أن ينساها -ينسى التسبيحات- فيفوته الفضل أو يتركها كما هو حادث لكثير منهم. الإشكالية الثانية أنهم يرفعون أصواتهم في التهليل دون التسبيح، وهذا تفريق لا مسوغ له؛ لأن من يرفع صوته حجته في الأذكار إذا رفع صوته حديث ابن عباس في الصحيحين: «أنه ما كنا نعرف انقضاء الصلاة إلا بصوت التكبير»، والتكبير له تفسيرات، وفي بعض الروايات: «إلا بصوت الذكر»؛ فمنهم من قال إنها تكبيرة واحدة تقول: الله أكبر بعد الصلاة، ومنهم من قال: ثلاث تكبيرات الله أكبر الله أكبر صوت مرتفع، ومنهم من قال: المقصود به التسبيحات نفسها تسمى التكبير، فكان ابن عباس لأنه صغير كان يعرف أن الصلاة انقضت بسماع صوتهم يكبرون ويسبحون، وهل هذا ارتفاع كبير في الصوت أو بقدر محتملة المسألة؟ ولذلك البيهقي ذكر أن هذا من باب التعليم في بداية الإسلام حتى يعلمهم التسبيحات، والراوي الذي يروي عنه ابن عباس الذي يروي عنه شعبة فيما أتذكر لما جاءه إليه مرة أخرى وسأله عن الحديث، قال له: ما حدثتك بهذا، نسيه، والحديث في الصحيحين. شاهد الكلام أن من الناس من يفرق فيجعل التهليلات بصوت عالٍ ولا مسوغ لهذا التفريق، ويجعل التسبيحات بصوت منخفض، أما إن قلنا إن التهليلات جائزة وأنها مقبولة إن لم نقل سنة، أنها ليس لها مانع، ليس هناك ما يمنع منها خصوصاً أنه ورد فيها حديث وإن كان ضعيفاً، فيرفع صوته في التسبيح والتهليل حتى لا يفرق بين شيئين لا مسوغ للتفريق بينهما، أو يخفض صوته في هذا وهذا.
قال: وللنساء فليطل قليلاً؛ إذا كان خلفه نساء يصلون بمعنى أنهم ليس بينهم وبين الرجال حاجز، وهذا هو الأقرب، وهذه إشكالية أخرى حدثت في العصر المتأخر، وهو بعض الناس ينزعج منها إذا ذكرتها له؛ الآن النساء يصلون محجوبين عن الرجال هذا لا بأس به، لكن بود لو كان هناك ما يجعلهم يرون الرجال يصلون حتى إذا أخطأ الإمام وسجد للسهو أو سجد سجود تلاوة يراه النساء، أو أخطأوا وجلسوا في رابعة أو في ثالثة أو نحوها. وهكذا تأتي الأحاديث: «خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها، وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها» مما يدل على أنه في هناك مشاهدة أو نحو هذا، فالنبي هنا من السنة أن يطيل قليلاً إذا كان خلفه نساء، وللنساء فليطل قليلاً، هذا في حديث أم سلمة أن النبي ﷺ كان يطيل جلسته ومستقبل القبلة شيئاً قليلاً، ونراه للنساء لأجل أن يقوم النساء؛ فالنساء أول ما يسلم الإمام يقومون قبل الرجال؛ لأن مرة من المرات رأى النبي ﷺ الرجال والنساء يخرجون وكانهم ساروا في طريق واحد، فذكر النبي أنه ليس لهن أن يحققن الطريق عليهن بحافات الطريق، فللنساء فليطل قليلاً.
قال: ثم السواري بينها الوقوف يكره أن تنقطع الصفوف؛ المسألة اللي ذكرتها بالنسبة للنساء، الآن النساء محجوب وبعيداً، أحياناً يكونون في غرفة صلة عن المسجد مما يبطل بعض الأئمة أن تعتكف فيها؛ فإذا كان يبطله بعض الأئمة أن تعتكف معناه أنها ليست من المسجد، فإذا كانوا ليسوا من المسجد ومحجوبين فصلاتهم باطلة على المذهب الحنبلي، لأن المذهب الحنبلي عندهم طريقتان في صحة الصلاة: إما أن يكونوا في المسجد ويسمعون التكبير، أو يرون الإمام أو المأمومين ولو لم يكونوا في المسجد، وضحت؟ فهؤلاء ليسوا في المسجد ويسمعون التكبير، لكن الذي ليس في المسجد لا يكفيه أن يسمع التكبير، لا بد أن يرى الإمام والمؤمن ولو من طاقة ولو من شبك. لكن قد يعترض معترض ويقول: عندنا في المذهب الحنبلي كل مرفقات المسجد تعتبر منهم فيصح فيها الاعتكاف، وهذا قول، لكن الأفضل في اعتقادي لو أنه بنيت هيئات خاصة بالنساء، بمعنى أنها خلف مصلى الرجال يرون الرجال ولا يرونهم، أو فوق ويكون مفتوح منه قليل حتى يرون الرجال.
ثم السواري بينها الوقوف يكره أن تنقطع الصفوف؛ السواري إذا كانت السواري تقطع الصفوف، قال هنا الوقوف بين السواري مكروه، ثم السواري بينها الوقوف يكره أن تنقطع الصفوف. قطع الصف اختلف في السارية التي تقطع الصف؛ هل هي بمقدار ثلاثة أذرع؟ يعني هذه السارية التي عندنا تقطع الصف على هذا القول، ومنهم من قال إذا وقف ثلاثة رجال إذا كانت السارية تسع ثلاثة رجال، فمعناها تقطع الصف، فالوقوف بين هذه السواري مكروه إذا كانت تقطع الصفوف، إذا كانت السواري متينة أو بحيث تقطع الصفوف، لكن هذا إذا لم يكن ثمة حاجة للوقوف بينها، إذا كان هناك سعة في المسجد، لكن إذا كان الناس كثيرين واحتاجوا لأن يقفوا بين هذه السواري فتنتفي الكراهة هنا.
د. سعيد المري