بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين للإامام الحافظ العابد الزاهد الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عليه ونفعنا بعلومه في الدارين. نعود إلى قراءة هذا الكتاب العظيم النافع، فإن طالب العلم أحج ما يكون إلى ألا تجف منابع المحبة في قلبه. الحقيقة أيها الكرام، ينبغي على طالب العلم وعلى الإنسان الذي يسير في قراءة المتون والمصنفات أن يتعاهد قلبه في كل فترة وفي كل حين في النظر في كتب السلوك إلى الله سبحانه وتعالى.
وإنما يأتي الفتور إلى طالب العلم وتصعب عليه أو يثقل عليه الطريق كلما قل زاده وبضاعته من هذا الباب، فإن كثيراً من الطلبة يظن أن طريق العلم إنما هو مجرد قراءة متن وتعليق على حاشية والنظر في خلاف والاستشكال للحالات العلمية فقط، وينسى قلبه وينسى علاقته مع الله سبحانه وتعالى حتى يجف قلبه ويضعف. وكثير هم الذين كانوا يأتون إلى العبد الفقير يشكون له من طلاب العلم أنهم ما عادوا يشعرون بالخشوع في الصلاة، ما عادوا يشعرون بالعلاقة مع الله سبحانه وتعالى، تلك العلاقة المليئة بالحب والشوق إليه، وتذكر معاني الإيمان، وأن الإنسان إذا دعا، وإذا ذكر، وإذا صلى، وإذا أقبل، يجد قلبه مقبلاً على الله سبحانه وتعالى بالكلية محباً له ذاكراً له منسجماً في هذه العلاقة، والسبب في ذلك طبعا -وأنا من المقصرين في ذلك- هم يشكون لي لأننا كلنا نتذاكر في هذه المعاني، السبب في ذلك كما قلنا إن كثيراً من طلبة العلم يظن أن هذا الطريق إنما يسلك بمجرد كما قلنا بالقراءة المتنية والمصنفات الجامدة، ويظن أن علم التزكيه هذا من بنيات الطريق ومن هوامشه، فلا يعطيه حقه من المراجعه والمذاكره مع إخوانه.
والسلف رضوان الله تعالى عليهم كانوا يتعلمون الإيمان كما يتعلمون القرآن، وتعلم الإيمان يكون بأن يجلس الإنسان مع إخوانه يتذاكر معهم معاني العبودية، معاني محبة الله سبحانه وتعالى، معاني الافتقار إليه، معاني اللجوء إلى الله عز وجل والتوكل عليه، وكيف يحقق الإنسان هذه المعاني بحق وما أوجه التقصير فيها، ويحاسبون أنفسهم، ويبدي كل إنسان معنى من هذه المعاني فيذكر به أخاه. هكذا هي مجالس العلم، مجالس العلم ليست فقط مجرد مجالس جامده أو مجالس كما قلنا يعني للحواشي وحواشي الحواشي وفروع الفروع، فلذلك كان لابد أن نعود إلى هذه المجالس كل فترة وكل حين يجدد الإنسان هذه المعاني في قلبه يتذاكرها مع إخوانه.
وأعود فأقول نحن نتذاكر هذه المعاني، فكل ما أقوله لكم في هذا المجلس أنا أول من يحتاج إليه، فأنا لا أقوله لأنني تحققت بهذه المقامات وأريد لغيري أن يتحقق بها، أنا ما أقوله وما نقراه وما نتدارسه مع الإمام ابن القيم أنا أول من يحتاج إليه، فأذكر به نفسي لأعالج نفسي، ثم لأذكر إخواننا في الله، ويكون هذا المجلس إن شاء الله مليء بهذه المعاني القلبية الصحيحة التي متى ابتعدت عنها يا أيها المسلم -ربما أنا تكلمت عن طالب العلم لكن أقول المعاني التي ذكرها ابن القيم وغيره من علمائنا الاكابر في مثل هذه الكتب من معاني العبودية لله- ينبغي على كل مسلم أن يسمعها في كل فترة حتى لا تذبل هذه المعاني القلبية.
المعاني القلبية إنما تكبر في قلب الإنسان كلما سقيت وكلما اعتنيت بها واحتفيت بها. طيب، كيف أسقي هذه المعاني الإيمانية القلبية؟ بقراءة القرآن، وهذا أول الطرق، وبالمحافظة عليها في صلاتك وفي أوراقك أذكار الصباح والمساء وأذكار ما بعد الصلوات والذهاب والعودة، تكون محافظ على الأوراق. ثالثاً: في مجالس العلم التي تذكر فيها هذه المعاني وينبه عليها، فهذه طريقة من طرق الإحياء حتى لا تذبل هذه النبته في قلبك نبته الإيمان وحب الله عز وجل والتعبد له، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على إحياء هذه النبته وعلى سقايتها والاحتفاء بها والاهتمام بها حتى تكبر، إنه سبحانه وتعالى المعين والموفق لكل خير.
كنا في الوقفة السابقة تكلمنا عن معاني الافتقار والغنى، وهذا الكتاب ابتداءً ابتدا فيه ابن القيم عليه رحمه الله في ذكر معاني افتقار الإنسان لله سبحانه وتعالى، وبين أنه افتقار ذاتي لا يمكن أن ينفك عنه الإنسان وكل مخلوق في هذا الوجود. وفي المقابل معنى الغنى الذاتي لله سبحانه وتعالى، وما صور هذا الغنى؟ هذه القاعدة الأساسية التي بنى عليها فكره هذا الكتاب: أن تتذكر يا أيها الإنسان أنك فطرت وخلقت فقيراً محتاجاً، وأن الله سبحانه وتعالى هو صاحب الغنى المطلق التام الذي لا يحتاج إلى شيء، لا تنفعه عبادتنا ولا تضره معصيتنا.
استحضار هذا مقام هو أساس السير إلى الله سبحانه وتعالى، استحضار مقام الافتقار والاحتياج التام لله عز وجل في الأنفاس والخطرات واللحظات، في كل خطوة تخطوها في هذا الوجود وفي هذه الدنيا أنت مفتقر إلى ربك سبحانه وتعالى أن يجلب لك الخير وأن يدفع عنك الشر. هذا معنى الافتقار هو الذي بدأ به لأنه سيبني عليه القواعد التي ستاتي تباعاً في هذا الكتاب، وتكلمنا طبعا كما بتعريف شيخ الاسلام في مدارج السالكين وفي غيره أو في منازل السائرين وغيره من كتبه لمعنى الفقر وإلى مراتب الفقر وإلى معنى الغنى وإلى مراتب الغنى.
وكان حديثنا أن هناك غنى القلب، ثم يقول غنى النفس، ثم هناك الغنى بالله سبحانه وتعالى، وأن الغنى بالله قسموه إلى مراتب. الغنى بالله سبحانه وتعالى قسموه إلى مراتب: المرتبة الأولى من الغنى بالله أن تنقطع عن مشاهدة الأسباب والمسالمة للأقدار، ثم بعد ذلك الغنى بأن تشاهد أولية الله سبحانه وتعالى، ثم المرتبة الثالثة من مراتب الغنى بالله أن الفوز بوجوده أن تجد الله سبحانه وتعالى فعلاً في حياتك وأن تصل إليه حقاً، هذه أعلى أعلى مراتب الغنى بالله سبحانه وتعالى بعد تحقيق وتصور وفهم معنى الافتقار للمخلوقين.
فالمخلوقية تعني الافتقار، هكذا تلازم لا ينفك، ومعنى الغنى التام للخالق سبحانه وتعالى. سنتحدث اليوم عن قاعدة شريفه عظيمة، حتى وصفها ابن القيم عليه رحمه الله: إدراك هذه القاعدة أهم من الطعام والشراب اليومي، إذا فهمتها قامت سوق العبودية في قلبك وفي حياتك واطماننت وهنئت وسعدت، وإذا ضيعت هذه القاعدة ولم تحكمها ستبقى ضعيفاً هزيلاً ثقيلاً في سيرك إلى الله سبحانه.
طبعا هذه القاعدة ذكرناها في آخر مجلس علقنا على هذا الكتاب، لكنني ساعيد تقريرها من البداية لنبني عليها ونتذكر ما فيها حقيقة من المعاني الشريفة التي كلما قراتها حقيقة انتعشت. هذه القاعدة فيها معاني عظيمة، كلما قراتها انتعشت، لأنني أشعر بأن هذه المعاني تمس القلب وحاجة الإنسان إليها حاجة عظيمة ماسة، فلا بد أن يتذكرها مع إخوانه وأن يتدارسها معهم في كل فترة وفي كل حين، هذا معنى تدارس الإيمان.
طيب هذه القاعدة بوب لها فقال: قاعدة شريفة عظيمة القدر حاجة العبد إليها أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس، يعني أهم حتى من أنفاسك، بل حتى أهم من قال: بل والى الروح التي بين جنبيه، يعني هذا تشويق من ابن القيم عليه رحمه الله ويحفزك أنك تهتم بتقرير هذه القاعدة في حياتك. تقرير هذه القواعد يا إخواني أهم من تقرير كثير من مسائل المتون، أهم من تقرير كثير من حواشي الحواشي، لأن هذه معاني السير إلى الله.
إذا ضاعت من حياتك لا تقول لي طالب علم ولا تقول لي قرات فلان وحفظت الألفية وقرات حواشي عليها وقرات ألفية السيوطي والكوكب وقرات حواشي على ولا كذا. وتعرف بعض الشباب يستكثر من هذه الأمور، وجميل، مطلوب الإنسان أن يكون طالب علم وحق، لكن ما أخشاه وما أراه سمّاً عامة في كثير ممن يطلب العلم هي قسوة القلب. قسوة القلب هي التي تولد في الإنسان طبائع سيئة في التعاطي مع العلم في الساحه العلمية وفي الخلافات الواقعية وفي حياة الناس، وعدم إدراك بمشاكل الناس ومتطلباتهم ومواقع الأمة المرير وما يحتاجه، فدائما حافظ يا طالب العلم على قلبك.
طيب، نبدأ القراءة بسم الله. اعلم:
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ونجي عبادك المستضعفين. قال رحمه الله تعالى:
اعلم أن كل حي سوى الله فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره.
هذا الأساس، كل ما سوى الله فهو مخلوق، والمخلوق فقير، والمخلوق أيها الكرام فقير، فقير إلى جلب المنافع لنفسه. أنا افتقر إلى أن أجلب المنافع لنفسي وأن أدفع عنها المضار.
والمنفعة للحي من جنس النعيم واللذة.
كلمة نعيم، لذة، منفعة، كلها من جنس واحد صحيح. منفعة، نعيم، لذة، كأنها كلمات متقاربة في دلالتها.
والمضرة من جنس الألم والعذاب.
والعكس، كلمة ألم، عذاب، مضرة، كلمات من جنس واحد ومن قبيل واحد.
فلا بد له من أمرين، أحدهما هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع ويلتذ به، والثاني هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع لحصول المكروه أو الدافع له بعد وقوعه.
هو ابتداء قام بقسمة ثنائية ثم سيعود يفرفدها زي ما يقول ويخليها قسمة رباعية في الفقرة التي تليها، يقول: إذا عرفنا أن كل مخلوق ونحن من المخلوقات كلنا مفتقر -وركز على كلمة الافتقار- كلنا مفتقر إلى جلب ما ينفعه وإلى دفع ما يضره، إذا هناك أربعة عناصر فعلياً، هناك شيء منتفع به مطلوب حصوله، وهناك وسيلة تعين على تحصيل هذا المنتفع به، وفي المقابل هناك شيء فيه مضرة مكروه يطلب دفعه وهناك وسيلة تعين على دفع هذا المكروه، أليس كذلك؟
إذاً هناك ما هو مطلوب منتفع به، وهناك وسيلة تعين على تحصيله، وهناك شيء مكروه فيه ضرر تريد أن تدفعه، وهناك وسيلة إلى دفعه. فإذاً، العناصر فعلياً هي أربعة. أولاً قام بتقسيم القسمة الثنائية، لكن القسمة الثنائية تضمنت أربعة أشياء، لأنه قال: فلا بد للإنسان أو للمخلوق من أمريني أحدهما المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع ويلتذ به عموماً. أي شيء محبوب ملتذ فيه منفعة هذا أنت تطلبه، والثاني الشيء الثاني هو الشيء المعين الوسيلة المعينة الموصلة إلى تحصيل ذلك المقصود اللي هو اللي ذكره في النقطة السابقة، قال: والمانع لحصول المكروه أو الدافع له بعد وقوعه.
هسه المانع لحصول المكروه أو الدافع له بعد وقوعه ذكرها ضمن النقطة الثانية لما قال: والثاني المعين على تحصيل المحبوب والمانع لحصول المكروه، ذكرهم مع بعض. خلونا في القسمة الرباعية لأنها أوضح، فقال فها هنا:
قال فها هنا أربعة أشياء: أمر محبوب مطلوب الوجود، والثاني أمر مكروه مطلوب العدم، والثالث الوسيلة إلى حصول المحبوب، والرابع الوسيلة إلى دفع المكروه.
شوف حياتي وحياتكم جميعاً تقوم كلها على هذه المعاني، بغض النظر يعني أنت الآن من لما تستيقظ من الصباح، منذ أن تستيقظ من الصباح وأنت تسعى إلى جلب المنافع لنفسك وإلى دفع المضار عنها إلى أن تمسي. هكذا حياتنا! أنت لماذا تستيقظ في الصباح وتذهب إلى سوق العمل حتى تكون لك وظيفة تأتي لك بمال؟ فإذًا هناك ما هو شيء مطلوب، ما هو الشيء المطلوب؟ المال. وهناك وسيلة إلى تحصيله وهو أن أذهب وأتوظف في شركة ولا في كذا.
حتى مثلاً أنت طالب جامعي، لماذا تذهب إلى الجامعة؟ تأتي بشهادة. هناك شيء مطلوب محبوب تريد منفعته، وهي هذه الشهادة باعتبارها وسيلة للعمل، فانت عندما تذهب إلى الجامعة بالنسبة لك هذه هي الوسيلة لتحصيل الشهادة، فالشهادة مطلوبة. وسياتي معنا أن المطلوبات على مراتب، هناك ما هو مطلوب لذاته وهناك ما هو مطلوب لغيره. وسيقرر ابن تيمية وابن القيم طبعا هنا أن المطلوب لذاته لا ينبغي أن يكون إلا الله، ومتى كان هناك شيء مطلوب لذاته سوى الله ضعف القلب ومات.
المهم هذه سناتي لها إن شاء الله بعد قليل، لكن نحن الآن نريد أن نؤسس لفلسفة الوجود الإنساني: أن الإنسان منذ أن يستيقظ إلى أن يمسي وهو يسعى في تحصيل المنافع، فأنت تذهب إلى العمل لمنفعة، تذهب إلى الجامعة لمنفعة، تذهب إلى درس العلم لمنفعة، تذهب إلى مجالسة إخوانك لمنفعة، تذهب إلى أي مكان، تذهب إلى مكان الرياضة لمنفعة، فهناك شيء مطلوب ووسيلة إلى تحصيله، وهناك شيء مكروه هناك وسيلة في دفعه.
فانت مثلاً المرض مكروه، أليس كذلك؟ لماذا تأخذ الأدوية؟ لأنها وسيلة إلى دفع المكروه. لماذا تذهب إلى الطبيب؟ وسيلة إلى دفع المكروه، هذا طبعا بعد وقوعه كما قال لك الدافع له بعد وقوعه. أو تعمل أنت حمية مسبقة حتى تمنع من حصوله ابتداءً، فإن المكروه إما أن يكون لم يقع فانت تعمل حمية ووقاية حتى لا يقع، فوالله تتجنب الأكل الكثير، تتجنب أكل الدهون، تتجنب أكل كذا، وتعمل حميات، هذه وسيلة إلى عدم وقوع المكروه. فإن وقع المكروه فإنك تأخذ بالذهاب إلى الطبيب والأدوية وما شابه ذلك لرفعه بعد وقوعه.
فيقول هكذا حياة الإنسان: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. فإذا هو من صباحه إلى ليله يجد محبوبات أو يريد محبوبات ويبذل السبل والوسائل الموصلة إليها، وهناك مكروهات وهو يبذل السبل والوسائل الدافعه لها، فهذه أربعة أشياء عليها تقوم حياتك يا أيها العبد.
قال: فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد، بل ولكل حي سوى الله، لا يقوم صلاحها إلا بها.
قال: إذا عرف هذا فالله سبحانه وتعالى هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له، وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه ولا معين على المطلوب غيره.
الآن سنسقط هذه القاعدة الإنسانية على مقام العبودية. قل: إذا عرفت هذه القاعدة، فالله سبحانه وتعالى ينبغي أن يكون في حياتك يا أيها الإنسان هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له. ماذا يقصد بذلك؟ يقصد أن الله يجب أن يكون هو المطلوب لذاته، هو المقصود لذاته. الكلام فيه شيء من الإجمال هنا، وكل ما سواه مما تطلبه كله مطلوب لغيره. فكل ما سوى الله حقيقةً أنت إذا طلبته فإنما تطلبه للوصول إلى الله؛ فأنت تطلب العمل وتطلب الزواج وتطلب الذرية وتطلب المال وتطلب كثيراً من منافع الحياة الدنيا.
إذا أردت السعادة والهناء والطمأنينة والراحة الأبدية، ينبغي أن تكون كل هذه المطالب والمنافع جسراً توصلك إلى المطلوب لذاته، وهو الله سبحانه وتعالى. فكل إنسان جعل المطلوب لذاته ما سوى الله فانه لن يهنا هكذا هذا القلب. طبعا هذه ليست قضية نظرية، لا، هو هكذا الإنسان؛ الإنسان فطر قلبه أنه لا يهدأ إلا إذا كان مطلوبه لذاته هو الله.
هذا ما توصل إليه ابن تيمية وابن القيم؛ أن هذا الكلام ذكره ابن القيم هنا هو جزء من كلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى أصالةً. وهذا الكلام هو أصل معين الكتاب والسنة، أنهم يشرحون لنا ما تعجز عبارتنا عن الإدلاء به. أن هذا الإنسان أيها الكرام خلق بفطرة وروح ونفس لا تطمئن ولا تهدا إلا إذا كان المطلوب لذاته عندها هو الله.
ركز في هذا المعنى؛ عليه تقوم سوق العبودية كما يقولون. إذا أصبحت هذه النفس وهذا القلب وهذه الروح المطلوب عندها لذاته ما سوى الله، ذلت وبقيت تشعر بالافتقار والمذله والمهانه.
فيقول: إذا عرف هذا، فالله هو المطلوب -يعني ينبغي أن يكون هو المطلوب لذاته- المعبود المحبوب وحده لا شريك له. ثم مش قلنا أي شيء مطلوب لابد من وسيلة توصل إليه، ما هي الوسيلة التي توصلك إلى الله؟ لن تصل إلى الله إلا بالله، فالله سبحانه هو المعين للعبد على الوصول إليه. شوف هذا المعنى العظيم أي والله! قال: ولا معين على المطلوب غيره. قال: وما سوى الله هو ماذا؟ قال: وما سواه هو المكروه المطلوب بعده. طبعا المراد ما سوى الله أن تجعله مقصوداً لذاته.
أنت بتقول: أنت طيب يا شيخ ما سوى الله تشمل العمل، الوظيفة، الزواج، الشهادات؟ هو يقصد هنا كل ما سوى الله إذا جعل مناظراً لله، فينبغي أن يكون مكروهاً مطلوباً بعده. ومن الذي يعين على الابتعاد عن التعلق بالدنيا، عن التعلق بغير الله؟ ما هي الوسيلة التي تدفع هذه المكروهات عنك؟ هو الله. قال وهو سبحانه المعين على دفعها.
فاذا خلاصه حياتك مرتبطه بالله من حيث المقاصد ومن حيث الوسائل؛ فالله هو المطلوب لذاته وهو المعين على الوصول إلى ذلك، وما سوى الله التعلق به هو المكروه الشر الضرر، والله هو المعين على دفع هذا الضرر والشر عنك. وهذا خلاصته في قول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. فإياك نعبد أنت المطلوب لذاتك، واياك نستعين على الوصول إلى إياك نعبد، وعلى دفع ما سواك، وعلى دفع التعلق وكل ما سواك. فخلاصة حياتك تجمعها إياك نعبد واياك نستعين على تحقيق مقام العبودية، فتكون أنت المطلوب يا رب وحدك لا شريك لك، وإياك نستعين على دفع كل التعلقات الأخرى فأنت المعين على دفعها عنا.
لذلك قال: فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواها، وهذا معنى قول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
قال: فإن العبادة تتضمن المقصود المطلوب على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه. فالأول من مقتضى ألوهيته والثاني من مقتضى ربوبيته، نعم؛ لأن الاستعانة معنى من معاني الربوبية، واما القصد فهو معنى من معاني الألوهية. فلذلك قال: فإن العبادة تتضمن المقصود المطلوب على أكمل وجه. أنت لما تتعبد لله ما معنى انك تتعبد الله تماماً؟ أنك تخضع له وحده وتحبه وحده على وجه الكمال والتمام. فيقول: فإن العبادة تتضمن في داخلها مفهوم العبودية لله، أنك جعلت الله هو المقصود المطلوب على أكمل الوجوه. ممتاز، وهذا المعنى هو معنى من معاني الألوهية: القصد والطلب.
والمستعان هو الذي يستعان به على حصول ذلك المطلوب ودفع المكروه، وهذا معنى من معاني الربوبية؛ فالاستعانة من معاني الربوبية، والقصد والطلب لله من معاني الألوهية.
قال: لأن الاله هو الذي يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالاً وإكراماً، والرب هو الذي يربى عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله ومصالحه التي بها كماله، ويهديه إلى اجتناب المفاسد التي بها فساده وهلاكه. نعم، فهو يريد أن يعطيك أن الرب هو الذي يربي عبده صحيح ويدير شؤونه. وأعظم شيء في إدارة شؤون العبد أن ياخذ الله بيدك إلى ما ينفعك وأن يدفع عنك ما يضرك، فهذه الاستعانه. فالاستعانه هي جزء أصيل في معنى التربية.
والدك لما يربيك، أعظم صور تربية والدك لك أن يأخذ بيدك إلى ما ينفعك، ويعلمك الأمور التي تصلح شأنك، ويصرف عنك الأمور التي تضرك، وإذا لم يقم بذلك ستشعر أن هذه التربية ناقصة جداً. فيقول: هذا معنى من معاني الاستعانة، دوماً هي من معاني الربوبية، وبالتالي متضمنة تحت معنى اسم الرب. وأما القصد والطلب لله والخضوع له وحده لا شريك له والمحبه له على وجه الكمال والتمام، فهذا معنى من معاني الألوهية.
قال: وفي القرآن سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين، وهو معنى القصد والطلب والاستعانة بالله على تحقيق هذا القصد والطلب.
الموطن الأول قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، هذه سورة الفاتحة.
ثانياً قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]، فالتوكل يقتضي الاستعانة به: عليه توكلت هذه استعانة، والليه أنيب وهي رجوع، الإنابة هي الرجوع، فالله عز وجل هو الذي يرجع إليه وهو نهاية ما يرجع إليه الإنسان فهو المقصود المطلوب، فهي مثل إياك نعبد، واليه أنيب هي مقابل لإياك نعبد، وعليه توكلت مقابل لإياك نستعين.
ثالثاً قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه﴾ [هود: 123]، نفس الشيء؛ فاعبده مقابل إياك نعبد، وتوكل عليه تقابل إياك نستعين.
رابعاً قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْهِ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة: 4]، هي تشبه الآية الثانية: عليه توكلت واليه أنيب.
خامساً قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: 58]، توكل -إياك نستعين- وسبح بحمده -يعني جعلها مقابل إياك نعبد- تنزيه الله سبحانه وتعالى والثناء عليه.
سادسأ قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: 30]، أي تشبه عليه توكلت واليه أنيب، فالمتاب والإنابة فيها نوع تقارب.
سابعاً قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 8-9]، فاتخذه وكيلًا: إياك نستعين، واذكر اسم ربك وتبتل إليه: هذا التبتل والذكر هو العبادة.
قال: ومما يقرر هذا أن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له؛ فبذكره تطمئن قلوبهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم. ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم في الدنيا أحب إليهم من الإيمان به ومحبتهم له ومعرفتهم به.
فأعظم عطاء في الدنيا أن يعطيك الله الإيمان، وأن يعطيك الله أن تحبه وأن تتعرف عليه، كما أن أعظم عطاء يمكن أن تعطاه في الآخرة أن يعطيك الله لذة النظر إلى وجهه الكريم.
قال: وحاجتهم إليه في عبادتهم له وتألههم له كحاجتهم إليه بل أعظم في خلقه لهم. الآن لو سالتك: أنت تحتاج الله عز وجل في أن يخلقك صحيح، بدون الله عز وجل لا يمكن انك تكون توجدت، فحاجتك إلى أن تعبد الله وحاجتك إليه -عفوآ- حاجتك إلى الله في أن يقودك ويسوقك إلى عبوديته وإلى تألهه، كحاجتك إلى الله في أن يخلقك.
كما أنك تحتاج إلى الله في أن يوجدك من العدم، كذلك أنت تحتاج إلى معونته حتى يسوقك إلى سوق العبودية وإلى مقامات الألوهية.
قال: في خلقه لهم وربوبيته لهم ورزقه لهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة التي بها سعادتهم وفوزهم، وبها ولاجلها يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة ولا سرور بدون ذلك بحال.
لذا كثيراً من الناس أيها الكرام يظن أنه يحتاج إلى الله عز وجل فقط في مقام الرزق، أو في مقام الإيجاد، أو في مقام دفع المرض، ولكنه ينسى أنه يحتاج إلى الله سبحانه وتعالى في أن يعبد قلبه له. فلن يتعبد قلبك لله ولن تصبح عابداً له حقاً خاشعاً مخبتاً منيباً مقبلاً عليه إلا به. فلا تنسى! بعض الناس -نعم، وهذا حال كثير منا- يتذكر الله عز وجل: يا رب ارزقني مالاً، يا رب اريد وظيفة، يا رب اريد زوجة، يا رب اريد شهادة؛ في مقامات الدنيا نتذكر حاجتنا لله، لكن في مقامات معاني القلوب تضعف تذكر الإنسان لهذا المعنى، أنه أيضاً حتى المعاني القلبية ينبغي أن أطلبها من الله سبحانه وتعالى: يا رب ارزقني الخشوع، يا رب ارزقني الإنابة، يا رب وفقني للتوب، يا رب وفقني لتحقيق مقام المحبة لك. كما تدعو الله بامور الدنيا -اللي هي أمور الربوبية- ادعو الله عز وجل أيضاً بمقامات الألوهية.
قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]، ولهذا لا يغفر الله لمن يشرك به شيئاً ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ولهذا كانت لا إله إلا الله أفضل الحسنات، وكان توحيد الألوهية الذي كلمته لا إله إلا الله رأس الأمر.
لأن أمور الدنيا أن تطلب أمور الدنيا تبقى دنيا، لكن أن تطلب الأمور المقصودة من خلق العباد والعباد إنما خلقوا من أجل العبادة. أمور الدنيا الرزق، الصحة، هذه -نعم- تطلبها من الله لكنها ليست هي الأساسية التي خلقت من أجلها الدنيا. الدنيا إنما قامت من أجل تحقيق العبادة. قال في الفقرة السابقة: ومما يقرر هذا أن الله خلق الخلق لأجل عبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه، من أجل هذا خلق الخلق. الزواج، الشهادات، السعي من أجل المطاعم والمشارب، هذه لم تخلق الدنيا من أجلها. فمغبون، مغبون من التجا إلى الله وطلب من الله فقط أمور الدنيا الهامش ولم يطلب من الله أمور الآخرة.
قال: فأما توحيد الربوبية الذي أقر به كل المخلوقات فلا يكفي وحده وإن كان لابد منه، وهو حجة على من أنكر توحيد الألوهية؛ فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به، لأنه كل من أقر بتوحيد الربوبية فطلب من الله الرزق والنفع والضر يلزمه أن يحقق ماذا؟ توحيد الألوهية. قال: وهذا معنى وهو حجة على من أنكر توحيد الألوهية، يعني لا يصلح أنه في مقامات التعبد أجدك تعبد شجراً، حجراً، وثناً، امرأة، دنيا، لكن في مقامات الربوبية تطلب من الله سبحانه! هذا انفصال وانفكاك غير مقبول منطقاً وعقلاً وأخلاقاً ومروءة. أنت تطلب من الله كل حوائجك الدنيوية، فإذا جاء مقام التعبد نجد قلبك يتعبد لند ويتعلق بغيره وينيب ويخشع لغيره.
قال: فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحقهم عليه إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم وأن يكرمهم إذا قدموا عليه.
قال: وهذا كما أن غاية محبوب العبد ومطلوبه وبه سروره ولذته ونعيمه، هو أيضاً محبوب الرب من عبده ومطلوبه الذي يرضى به. وهذا وهو مقام العبودية، كما أنه غاية محبوب العبد ومطلوبه وهو أن يقصد الله وحده لا شريك له وبه سروره ولذته، كذلك هو في نفس الوقت مقام العبودية هو محبوب الرب من عبده، هو الشيء الذي يحب الله عز وجل أن يراه عليك ومطلوبه الذي يرضى به هو يريدك أن تعبده وحده لا شريك له.
قال: ويففرح بتوبة عبده إذا رجع إليه وإلى عبوديته وطاعته، اعظم من فرح من وجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في أرض مهلكة بعد أن فقدها وأيس منها. وهذا اعظم فرح يكون، وهذا يعني إشارة للحديث المشهور أن الرجل -أن الله يفرح بتوبة العبد إذا عاد إلى الله، اشد من فرح ذلك الانسان الذي كان على راحلته في أرض قفر، فذهبت راحلته وعليها طعامه وشرابه، تاهت عنه لما استيقظ من نومه لم يجدها، تاهت عنه، فبحث وبحث ولم يجدها، ثم بعد ذلك استسلم فأغفى إغفاءة فاستيقظ فوجد هذه الراحلة قد عادت إليه بطعامه وشرابه. كيف يكون فرحه؟ وجاء في بعض الروايات أنه من شدة الفرح صرخ فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك -والعياذ بالله- لكنها خطأ صدرت منه، خطأ من شدة الفرح أخطأ من شدة الفرح. شايفين هذا الفرح كم هو مذهل؟
قال: هذا أعظم فرح يكون. هذا الفرح العظيم الله سبحانه وتعالى -يعني عجيب فرح الله عز وجل بعوده العبد إلى مقام العبودية! عندما يراك ربك شارداً عن هذا المقام منشغلاً بدنياك منهمكاً فيها مقبلاً عليها، الله سبحانه وتعالى يمقت هذه الحالة. فإذا راك عدت وأقبلت وأنيبت لتحقيق مقام العبودية، يفرح الله فرحاً عظيماً أعظم من فرح هذا الرجل الذي وجد راحلته، مع أنه سبحانه لا تنفعه عبادتك ولا تضره معصيتك.
معصيتك، فانظر إلى هذا الإله العظيم الكريم الذي يحب لعباده الخير! تتخيل هذا المقام؟ يعني نحن أحيانا الإنسان يفرح من شيء له فيه مصلحة، صحيح؟ يعني لو قلت لك: أعطيك والله، جاك 5 مليون الآن، شيك، ولا 10 مليون، هذا الفرح الجنوني الذي سيصيبك؛ لأنه في لك فيه مصلحة كبيرة، وستنقلب حياتك رأساً على عقب، وستبني القصور، وستتخيل أشياء كثيرة.
الله عز وجل لا ينفعه طاعتك مهما بلغت ولا تضره معصيتك مهما بلغت، ومع ذلك يفرح فرحاً عظيماً عظيماً، أشد من فرح هذا الرجل الذي وجد راحلته بعد أن انقطع الأمل! فتخيل هذا الفرح الإلهي كم هو عظيم، وكم ربك جميل وكريم ومعطاء.
بخلاف هؤلاء الذين دائما ينظر إلى ربه بنظرة المشتكي: لماذا ما أعطيتني؟ لماذا حرمتني؟ لماذا فلان متقدم علي في كذا؟ ولماذا فلان متقدم؟ بعض الناس حاله وعلاقته مع الله علاقة الشكوى، وهذا بائس مسكين.
وأما من عرف الله عز وجل بجلاله وكرمه يعرف أن ما أعطاك الله من الإسلام والإيمان عطاء عظيم لا حصر له، وأن فرح الله بك يا أيها العبد وأنت تحقق مقامات العبودية من أعظم الفرح. كل ما تراه عند الناس من دنيا هذا لا قيمة له عند الله، لو رأيت عند الرجل من أساطيل السيارات والبنايات والأموال والحياة فيها رفاهية، كل هذا عند الله لا يزن جناح بعوضة، لا قيمة له، صفر!
لكن متى يكون فرح الله العظيم؟ عندما يراك من أهل الصلوات، من أهل الفجر، من أهل قيام الليل، وهي أمور في ساعتك ما أحد يمنعك منها، في متناول اليد، هذا هو العطاء العظيم والفرح الكبير. ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]، هو خير، هذا هو أن وفقك الله للعبادة والطاعة وأن تكون من أهل الصلاح، هو خير مما يجمعون. نعم.
قال: وكذلك العبد لا فرح له أعظم من فرحه بوجود ربه، وأنسه به، وطاعته له، وأقباله عليه، وطمأنينته بذكره، وعمارة قلبه بمعرفته، والشوق إلى لقائه. نعم.
فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه، ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه، ومن عبد غيره وأحبه وإن حصل له -هذه الآن قاعدة، والله إخواني قاعدة عظيمة جدا من قواعد العبودية، وأنا أعتقد هذا الفصل فصل عظيم في فهم معاني العبودية لله سبحانه- قال: ومن عبد غيره وأحبه وإن حصل له نوع من اللذة والمودة والسكون إليه والفرح والسرور بوجوده، ففساده به ومضرته وعطبه اعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشهي الذي هو عذب في مبداه وعذاب في نهايته، كما قال.
طيب، هذه قاعدة إخواني: من عبد غير الله، وتعلق قلبه بغير الله، كل من تعلق بشيء من أمور الدنيا تعلقا مرضيا -وليست الآن في هناك محبة جبلية، محبة طبيعية، لا، هنا نتكلم عن المحبة المحبة العبادية المحبة التعلقية- من عبد غيره وأحب غيره، حتى وإن حصل له نوع من اللذة في هذا المحبوب ونوع من المودة والسكون إليه والفرح والسرور بوجوده، ففساده به بهذا المحبوب ومضرته وعطبه، يعني هلاكه، اعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشهي، الذي هو عذب في مبدائه وعذاب في نهايته. أي شيء ستتعلق به مما سوى الله، حتى مثلا لو تعلقت بفتاة، تعلقت بوظيفة معينة، تعلقت بشخص ما، بغض النظر، أي شيء تتعلق به تعلقا غير صحي سوى الله، حتى ولو شعرت بشيء من اللذة في هذا التعلق وفي الحديث معها وفي مناجاتها وفي -يعني تعرف ما يطلبه الرجل من المرأة أو المرأة من الرجل- كل هذه الأنواع من التعلقات، حتى ولو كان فيها شيء من اللذة والمودة والسكون، لكن صدقني أنك ستتعذب بها.
قال: ففساده بهذا الشيء الذي أحبه ومضرته به وعطبه به اعظم من طعام شهي لذيذ لكن في سم، فأنت في البدايه تجده الشيء اللذيذ، لكنك في نهايه الأمر ستمرض. وهذه قاعده مجربة في الحياه يا إخواني، كل إنسان أكيد فينا له تجربه مع أمور تعلق بها تعلقا مرضيا غير صحي، كيف يشعر؟ نعم، في شيء من اللذه في تناولها، لكن كيف يفسد قلبه بعد تناولها؟ كيف تتغير حياته وتنعكس وينقبض؟ يبقى حتى -يعني لو حصل هذا المحبوب- يبقى عنده ألم الخوف من الفراق، وأنه مدرك أنه في أي لحظة ممكن ينقلب عليه مزاجه ويمكن أن يتركه ويمكن أن ينتهي المشهد، ثم إذا المحبوب تغير مزاجه علي تبدأ تشعر أنه حتى وأنا أحب هذا الشيء يا اخي أنا ما أنا مستريح ولست مطمئنا، وفي نوع من القلق ومن عدم السكون والطمانينة، لماذا؟ لأنه قلبك تعلق بشيء لم يخلق له!
أنا قلت لكم قبل قليل إن نظام الإنسان هذا يعتبر الإنسان كنظام، هذا النظام الذي يسمى الإنسان، هذا النظام صنع وخلق بطريقة لا يمكن أن يسكن ويطمئن إلا إذا تعلق بالله. أنا بدي إياك تتخيل هذا المشهد: إنه هذا النظام الذي يسمى إنسان، بقلبه، بمشاعره، غيره، بأحساسيسه، خلق بطبيعة وطريقة لا يمكن لهذا النظام أن يشعر بال- هي الماكينة تهدا ومطمئنة وتمشي بطريقة سلسة إلا إذا جعلت الله هو المقصود لذاته.
متى ما هذا النظام روحا ونفسا وقلبا جعلت المقصود لذاته ما سوى الله من مقاطع، من مناظر، من نظر للحرام، من أي لذة، من ألعاب بلايستيشن، من أي لذة يمكن يبتلى بها الإنسان، متى ما أصبح محبوب ومقصودها ما سوى ذلك، هنا هذه- هذا النظام، هذا السيستم كما يقولون، ما عاد يمشي بالطريقة الصحيحة، في خلل في النظام.
لذلك كل ما سيشعر به من لذة أو شيء من هكذا الاريحية مع هذا المدخل الجديد هي لذة مؤقتة قلقة؛ لأنها جاءت في غير مكانها الصحيح. أنت لو أخذت هذه اللذة المباحة بمكانها الصحيح بكميتها المناسبة ترى ما رح يكون فيها مشكلة، لا، هي مشكلتها أنها دخلت بطريقة غير صحيحة، وتريد أن توضع في النظام وتشُبك به، لا يمكن! أنا بقول لك لا يمكن.
ولذلك أي إنسان مهموم مغموم إخواني تجد قلبه ضيق كذا، اسألوا عن تعلقاته، ستجد أنه في هناك تعلق بغير الله حاصل في حياته. هذا التعلق بغير الله يفسد عليه راحته، يفسد عليه طمأنينته، سكينته. لذلك عندما ترى في حال النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه كيف كان زاهدا في الدنيا تمام الزهد، يعني في الأموال في المساكن ما عنده شيء عليه الصلاه والسلام، عرضت عليه خزائن الأرض فتركها، ولكن كانت معيشته أهدى المعيشات وقلبه في أحلى حالات الطمانينة!
من أين يأتي هذا السكون للانسان وهو لا يملك شيئا من الدنيا؟ من أين يأتي هذا السكون وهذه الراحه وهذه السعاده للانسان وهو لا يملك شيئا من الدنيا؟ هذه لا يمكن أن تفهمها إلا إذا فهمت طبيعة الإنسان، أنه هذا الإنسان متى ارتبط بالإله النظام تركب بالشكل الصحيح. هذا بالنسبة لكل ما يراه من الدنيا ليس شيئا مهما حتى يسير هذا البدن وهذه الروح وتسعد.
تمام، هذا النظام إذا ارتبط بغير الله نعم سيبقى في ضنك؛ لأنه وضع في المكان الخطأ، سواء حصل هذا الشيء الذي تعلق به أو لم يحصله وهو يطلبه، فهذا سواء حصلت هذه الدنيا التي تعلقت بها أنت شقي بها، وإذا لم تحصلها أنت شقي في طلبها. فهذا معنى عظيم يريد ابن القيم أن يركز عليه في هذا المقام، فلا فرح للعبد أعظم من فرحه أنه وجد ربه في حياته، وأنه أنس به وبطاعته وأقبل عليه، وفي المقابل من عبد غير الله وتعلق بغير الله حتى لو حصل له نوع من اللذة والسكون بهذا المحبوب، ففساده به ومضرته وعطبه ستكون أعظم من فساده بماذا؟ بالطعام المسموم.
نعم، كما قال القائل: مآرب كانت في الشباب لأهلها عذابا، فصارت في المشيب عذابا.
كثير من الشباب الذي يدمن النظر للحرام أو شيء، أنت في فترة الشباب ترى أن هذه المتع هي عذاب -من العذوبة يعني، العذاب شيء عذب هيك أخي استمتع به وانظر- لكن مع تقدم سنوات العمر ستجد كيف النظام تبعك يبلش يتلف، عقلك تعفن دماغي، حياتك كئيبة؛ لأن أنت نظام قلبك ونظام حياتك لم يركب في المكان الصحيح، وضع نظام خاطئ، فستكون في المشيب عذابا. نعم.
قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون﴾ [الأنبياء: 22]. هذه الآية عادة ما يستدل بها المتكلمون على دليل التمانع وقضية أنه لا يمكن أن يكون هناك أكثر من رب سوى الله، لكن ابن تيمية يقول: هذه الآية تدل على كلا الأمرين، على التمانع في الربوبية والتمانع في الألوهية، فانه لو كان للإنسان أكثر من مقصود أيضا سيتلف قلبه، ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، فهذا ليس فقط في مقام الخالقية والربوبية، بل حتى في مقام الألوهية، متى تعبد القلب لله ولغيره وأشرك بالله سواه فسد نظام قلبه، كما أن السماوات والأرض تفسد إذا أشركت بالله سواه، كذلك قلبك يا أيها المكرم ويا أيها السائر، كذلك قلبك إذا وجد فيه مع الله سواه سيفسد، لا يمكن أن يتحمل هذا النظام النفسي الروحي وجود معبودين، لا يمكن! نعم.
قال: فإن قوام السماوات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما آلهة آخر غير الله لم يكن إلها حقا، إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمي له ولا مثل، فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به صلاحها، إذ صلاحها بتأله الإله الحق، كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار، ومستحيل أن تستند في وجودها إلى ربين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويين. فكما أنها يستحيل أن تستند في وجودها -يعني في خلقها- كما أن السماوات والأرض من حيث الوجود من العدم لا يمكن أن تستند إلى ربين خالقين متكافئين، لا يمكن، فكذلك يستحيل أن تستند في بقائها وصلاح طريقها في وجود إلهين متساويين تقصدهما.
وقس على السماوات والأرض قلبك، فكما أن قلبك في وجوده وخلقه لا يمكن أن يكون خلق بربين، ربين تشاركوا في خلقه، هو رب واحد الذي خلقه، كذلك لا يمكن أن يكون مطلوبه ومقصوده إلهين، لابد وأن يكون مطلوبه ومقصده إلها واحدا لا شريك له.
قال: إذا عرف هذا فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا في محبته ولا في خوفه ولا في رجائه ولا في التوكل عليه ولا في العمل له ولا في الحلف به ولا في النذر له ولا في الخضوع له ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد قلبه وروحه.
أنت كإنسان، ما حقيقتك؟ هذا البدن، هذا وسيلة ومطية تقضى به الحياة، بدليل أنك إذا مت الناس مباشرة تدفن هذا البدن، ليه؟ لأنه أنت حقيقتك روحك، فإذا مت أصبح اسمها ايش؟ جثة. نعم.
ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحا فملاقيه ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له ورضاه واكرامه لها. نعم.
قال: فهذه الروح وهذه النفس التي هي تمثل حقيقة الإنسان كما قلنا، نظامها الذي خلقت عليه أنها لا يمكن أن تطمئن إلا إذا كانت معه وقصدت سبحانه وتعالى، فلا تطمئن لا طمانينة لها، لا يمكن لأي إنسان إخوان يبحث عن السعادة والطمانينة، لأي إنسان يشكو من الهموم والغموم، لن تجد السعادة الحقيقية إلا على عتبات العبودية لله سبحانه وتعالى، يعني لا تحاول تبحث عنها في مكان آخر.
أحيانا يمكن يكون ملان وطفشان وكذا والدنيا ضاقت شوي، فبحاول إنه ايه غير خليني أقعد مع الناس وأفش هيك أفرفش شوي عن نفسي جميلة، لكن بدي أعطيك اياها يعني من آخرها كما يقولون: إذا ضاقت بك الدنيا لن تجد الطمانينة إلا إذا أتممت وحققت وسعيت في تحقيق مقامات العبودية، هكذا هو الإنسان، يعني مهما حاول يفكر بطريقه أخرى لن تجد إلا أنه هذا هو التفكير الصحيح. نعم.
قال: ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع. شوف هذه القاعدة العظيمة أيضا! يقول لك: مهما سيحصل لك من اللذات والسرور بغير الله، استانست بالنظر للحرام، استانست بأصحابك وزملاءك، استانست بأي علاقة، مهما يحصل لك من السرور واللذه بهذه العلاقات، فانه لن يدوم ذلك لك، بل ستنتقل -قال- بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى آخر، اليوم استمتع بعلاقة مع فلان، غدا نمل فأذهب إلى علاقة أخرى، بعدها إلى علاقة ثالثة ورابعة، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت، ثم يتعذب به ولا بد في وقت آخر، وكثيرا ما يكون ذلك الذي يتنعم ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ -هي الأشياء اللي أنت عم تتنعم بها وعم تتلذذ بها من علاقات محرمة، من نظر حرام، من- مش أنت عم تتنعم بها بس هي في الحقيقة من جهتها هي ليست منعمة لك ولا ملذة لك، بل عم تعطي السم في داخلك وتبثه فيك، فهذا الشيء الذي تتعلق به وتتنعم به يكون غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، أنت عم تضرر بس سكرة اللذة تجعلك لا ترى.
حجم الضرر الذي عم يحصل في داخلك، وفي روحك، وفي وجدانك. قال: وإنما يحصل له بملابسته. شوف هذا التفصيل الدقيق إخواني لما يحصل في العلاقات المحرمة، وكيف أن اللذة طبيعتها التي تحصل مع أن جسمك عم يتضرر من هذا الاقتراب بس كيف اللذة تغطي عليه؟ يقول: وإنما يحصل له بملابسته. بملابسته هي العلاقة المحرمة؛ من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظفار التي تحكه. هس الإنسان لما يكون في جرب مش بيصير بدك تحك؟
طيب، الحك هو سؤال؛ هو بيعالج ولا عم بيزيد المشكلة فعليا؟ هو إذا ما زادت المشكلة قال عم ضرك، عم بيعمل جروح، عم بيعمل دماء. طيب ليش بتحك وأنت تعرف أن هذا الحك سيقطع الجلد من مكانه يا أخي؟ سينزل الدماء، سيضر وليس علاجا. أقول لك يا أخي بشعر باللذة، يعني مشكلتي خلص يعني بشعر باللذة، أو يعني على الأقل هيك، ما فيش تقول لي وأنا بحك من الجرب لأني لو ما حكيت راح أضلني متوتر قلق، فأشعر أنه الحك هو الذي يحقق لي نوع من الشعور بشيء من النشوة واللذة.
ماشي، أنت عم بتحك بكل عنف وبكل قوة، لأنه في شعور مريح بيجيك أثناء عملية الحك. في الواقع هي عملية الحك إيش عم بتسبب في الواقع؟ عم بتسبب جروح وآلام ولا تنتفع منها شيء في معالجة المرض. كذلك حتى أمراض الجدري ولا غيرها، صحيح بتلاقي الشخص وهو عنده جدري إيش بده يعمل؟ الحبوب غزت جسده فبتلاقيه بده يحك يحك، عشان يشعر على الأقل لما يحك بايش؟ بشيء من الشعور بالهيك التخفف، بس فعليا هو مش عم بحك، ما بالعكس يقولون: الحك لمن به الجدري يخلي الحبات تعلم على جسده وضرورها.
فلذلك يقول: نفس الشيء هي العلاقات المحرمة، إنما يحصل لك من اللذة فيها كما يحصل للجرب من لذة الأظفار التي تحكه، فهي الأظفار هي تدمي الجلد وتحرقه، وفي نسخة أخرى تخرقه، وأنا أظن النسخة الثانية أن الخرق أفضل من تحرقه، يعني تحرقه ما أظنها تحرق، ربما تخرق يعني تعمل ثقوب في الجلد وتزيد في ضرره، وهو يؤثر مع أنه شايف الدم بيطلع وشايف أن الجلد عم بتقطع بس بحك. لماذا؟ قال: لما له في حكها من اللذة.
وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله. شو اللي بيصير؟ هو عذاب عليه ومضره وألم في الحقيقة، لا تزيد لذته على لذة حك الجرب. فيقول: الذين يتعلقون بالعلاقات المحرمة هو قلبه منهك تعبان مش مطمئن، فبيروح بيعمل علاقة محرمة، هي العلاقة المحرمة هو بفكر أنه إيش عم بيعالج؟ الضيق والهم والغم الذي في داخله، بقول له: أنت لهي العلاقة المحرمة، أو لما تفتح المقطع الحرام أو أنت ترى فعليا أنت شو اللي عم تعمله؟ أنت عم تعمل جروح جديدة.
طيب ليش عم تعمل جروح جديدة في القلب؟ طبعا أنت قلبك مهموم تمام، أنت قلبك مهموم مغموم زيك زي الجرب، بدك علاج ولا بدك تزيد المشكلة؟ إذا بدك علاج؛ العلاج واضح، لن يهدا القلب إلا بالله هيك سيستم الإنسان نظام، انسى يعني أي طريقة تفكير أخرى. إذا تريد أن تكون حالك كحال الجرب اللي بيحك بس مشان يشعر بشيء من النشوة، وهو فعليا عم يزيد الآلام وعم يزيد المشاكل وعم يزيد المصائب، فأنت مسكين والله.
لذلك حال كثير من أصحاب المعاصي والذنوب واللي هو حالهم جميعا أنه إذا رايته ضاق صدره فذهب ينظر الحرام أو يعمل علاقة محرمة جديدة، تذكر مثال الجرب، هو فعليا بس عم بيحك مشان يشعر بنشوة علاقة جديدة، مع أنه هي العلاقة الجديدة عم تفتح جروح جديدة في القلب فيزداد ضيقا. فلما يزداد ضيق المسكين ما بيعرف هذا الكلام اللي بقول ابن القيم، فيذهب إلى علاقة أخرى بحك فيها، وفعليا كل شيء عم بيحكه صحيح في لذه أثناء عملية العلاقة المحرمة لا ننكرها، لكن الواقع الحقيقي الذي يحصل هو أن القلب عم يزداد انهيارا وأن النفس عم تزداد تفككا وتالما.
بس أنت عم تؤثر هي اللذة الشكلية، لذة الدقائق على الآثار الدائمة التي ستبقيها هذه الحكة. أرجو أن يكون المثال واضحا، لأنه هو يمثل حقيقة أصحاب المعاصي وحقيقة النفس التي تبحث عن طمأنينتها في غير الله. كلما ضاق قلبه افتح موسيقى، بقول لك: افتح لي موسيقى هادئة مشان يعني تتغير، مسكين هي النشوة التي تجدها في الموسيقى هي حك الجرب، ستنقلب ألما وزيادة نكد وظلمة في القلب، وقص على ذلك أي معالجة محرمة لله والضيق.
نعم، قال: والعاقل يوازن بين الامرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما، والله الموفق المعين وله الحجة البالغة كما له النعمة السابقة.
قال: والمقصود أن إله العبد الذي لا بد له منه في كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة عين، فهو الإله الحق الذي كل ما سواه باطل، الذي مهما كان فهو معه، وضرورته إليه وحاجته إليه لا تشبهها ضرورة ولا حاجة، يعني حاجتك وضرورتك إلى الله لا تشبهها أي حاجة ولا أي ضرورة. فالله عز وجل حاجتك وضرورتك إليه أشد من ضرورتك للطعام والشراب والانفاس، بل هي فوق كل ضرورة واعظم من كل حاجة. ولهذا قال إمام الحنفاء: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76].
هذه القاعدة وأخذت من خمسة وأربعين دقيقة تقريبا في شرحها، نقتصر عليها اليوم في هذا المجلس إن شاء الله، ونكمل في مجلس قادم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل