في الماضي تكلمنا عن قاعدة عظيمة شريفة، وصفها ابن القيم بأنها أهم من الطعام والشراب، وهي معرفة الإنسان بأنه لابد له من مطلوب ولا بد له من وسيلة لتحقيق المطلوب، وأنه لابد من وجود مكروه ولا بد من وسيلة لدفع المكروه. وبناءً على هذا ينبغي أن تعلم أنه ينبغي أن يكون المطلوب لذاته عندك هو الله، وأن الله هو المعين على الوصول إليه، وأن التعلق بما سوى الله هو المكروه وأن الله هو المعين على دفعه. على هذا قام نظام الافتقار في الإنسان؛ هذه قاعدة احفظها وكررها وأعدها، فإذا رسخت لديك ابدأ العمل بها. العمل ينبغي أن يكون مقارناً؛ فهي ليست قضية نظرية انفكاكية فقط، إنه أنا أول شيء أحفظ القاعدة ثم أعمل، والعمل يقارن لفهمك لهذه القاعدة وينبغي أن تستحضرها دوماً.
الان في هذا الفصل الجديد وتكملة للفصل الماضي، يقول ابن القيم عليه رحمه الله: وهذا مبني على أصلين. القاعدة السابقة التي رسخناها في المجلس الماضي هي مبنية على أصلين؛ كيف أن الله هو ينبغي أن يكون المطلوب لذاته؟ لماذا الله عز وجل هو الذي ينبغي أن يكون المطلوب لذاته لا سواه، وهو الذي ينبغي أن يقصد ويطلب؟ فيقول: وهذا مبني على أصلين؛ أحدهما: أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإخلاص العمل له وإفراده بالتوكل عليه هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه، كما عليه أهل الإيمان وكما دل عليه القرآن، لا كما يقوله من يقوله؛ أن عبادته تكليف ومشقة على خلاف مقصود القلب ولذته، بل لمجرد الامتحان والابتلاء كما يقوله منكر الحكمة والتعليل، أو لأجل التعويض بالأجر لما في إيصاله إليه بدون معاوضة منه تكدره، أو لأجل تهذيب النفس ورياضتها واستعدادها لقبول العقليات كما يقوله من يتقرب إلى النبوات من الفلاسفة.
هناك نظريات خرجت في التاريخ الإسلامي لتفسير لماذا أمرنا الله عز وجل بعبادته؛ هذه التعبدات التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بها من الصلاة والصيام والحج والعمرة إلى غير ذلك من أبواب التعبدات، لماذا أمرنا الله بها؟ فهم أهل السنة والجماعة لهذا الموضوع يقوم على ما ذكره ابن القيم، وهو أن هذه التعبدات إنما أمرنا بها لأنها غذاء القلب وقوامه. وهذا النظام الذي اسمه الإنسان، بما فيه من الروح والنفس والقلب، لا يمكن لهذا النظام أن يعمل جيداً ولا أن يستقيم ولا أن يطمئن إلا من خلال هذه العبادات التي أمر بها؛ فلن تستقيم حياتك بدون صلاة، ولن يهدا قلبك بدون قراءة قرآن، ولن تطمئن الروح بدون الذكر. فإذاً لماذا أمرنا الله بالصلاة والذكر والقران؟ كأن هذه الأمور هي مشغلات هذا النظام؛ بدونها يفسد ويتعطل ويتشعب، وبها يعمل ويشعر بالراحة والطمأنينة، فلذلك شرع الله العبادات.
النظرية الأخرى؛ من يرى نفي العلل والحكمة عن أفعل الله سبحانه وتعالى، هؤلاء ماذا يقولون؟ نفاة العلل يقولون: العبادات هي عبارة عن تكاليف، وسموها تكاليف وأمور مشقة على خلاف مقصود القلب ولذته. لاحظ كيف جعل العبادات هي على خلاف لذة القلب، وهذه أكبر مشكلة في هذا التفسير: أنك ما جعلت العبادات هي غذاء القلب وهي أنسه وروحه، بل جعلوا العبادات هي مجرد مجموعة من التكاليف الشاقة المخالفة لذة القلب. طب لماذا أمرنا الله بها؟ لمجرد الامتحان والابتلاء وربك يفعل ما يشاء، هؤلاء نفاة العلل الذين يردون كل شيء إلى محض المشيئة ولا يحاولون التفكير ما وراء ذلك وجعل علل وحكم لأفعال الله. هكذا كانت وجهة نظرهم لهذه القضية، وأكبر خطر في تفسيرهم أنهم جعلوا هذه الأمور مخالفة لذة النفس والهوى للقلب، هي أمور مخالفة لكن مشيئة الله أنه أراد أن يمتحننا بها.
هذه إحدى النظريات الفاسدة؛ نظرية المعاكسة، نظرية القدرية والمعتزلة وغيرهم، الذين يرون أن الجنة لابد إذا أردت أن تدخلها من عوض، فشرع الله هذه العبادات حتى تكون هذه العبادات -محافظتك على صلاتك وصيامك وإلى آخره- هي عبارة عن عوض ستدفعه مقابل دخول الجنة، لأنك إذا دخلت الجنة بدون عوض سيكون هناك منة غير مقبولة والعياذ بالله. طبعا هذا تفسير فاسد جداً؛ فأولاً عباداتنا لا تؤهلنا ندخل الجنة فهي فيها من التقصير والتفريط ما الله به عليم، والجنة أعظم من ذلك، وإنما العبادات هي طريق إلى رحمة الله، والرحمة هي التي شاء الله بها يدخل الإنسان الجنة. ثم القضية أن العبد يتعامل مع ربه بقضية المنة، عز وجل إذا أدخلك الجنة بدون عبادة فانت سيكون منك ايش؟ منا؟ تتكلم أنت عن امتنان الرب للعبد! كل حياتنا بمنة من الله عز وجل، وكل ما أنعم الله عز وجل علينا، حتى لو أدخلنا الجنة مهما عملنا فهو صاحب المنة والفضل. فقضية أنه العبادات هي من أجل تكون عوض مقابل الأجر الذي ستحصله، لأنه إن تحصل أجراً بدون عوض سيقدره المنه كلام لا يقبل.
هذا ربما يكون في علاقة المخلوقين مع بعضهم البعض؛ إنه آه أنت تعطيني والله مليون دينار بدون ما أنا أعمل لك معروف؟ فيها شيء من الصحة. ذلك في كثير من أحكام العبادات تجدهم يقولون: ولا يلزم مثلاً أن يشتري بأكثر من أن يقبل الهبة أو يقبل هبة الماء، لماذا؟ قالوا: لا يلزم أن يقبل هبة الماء في التيمم أو ما شابه ذلك، إذا شعر أن المنة ستقتله، ستقتل مشاعره وقلبه، لأن الإنسان عزيز النفس الأصل يكون، فإذا أعطي أمور في لحظات الضعف سيشعر بشيء من المنة في هذا العطاء فتنكسر نفسه، فالإسلام يريدك أن تبقى عزيزاً. ففي تعاملات المخلوقين بعضهم بعضاً نعم الإسلام يربينا على ألا يكون هناك أحد يد علينا قدر المستطاع، لكن في علاقتك مع الله لا يمكن أن تنفك عن منة الله عليك، فهو صاحب المنة لما اختارك واجتباك وخلقك وأوجدك إلى أن تلقاه سبحانه وتعالى. فهذه الطريقة في التفكير، لماذا شرعت العبادات؟ أيضاً طريقة سقيمة.
الطريقة الرابعة التي ذكرها هي طريقة الفلاسفة الذين يقولون إن الإنسان يمكن أن يقترب من مراتب الأنبياء، بل يمكن أن يصبح نبياً، وأن النبوة هي رياضَة نفس، وهذا رأي الفارابي وغيره -عافانا الله وإياكم- الذين يرون أن النبوة يمكن أن تكتسب، وأن النبوة هي مجرد عبارة عن تهيؤات نفسية ورياضات قلبية، يصبح الإنسان إذا وصل إليها يتخيل كأنه يوحى إليه بامور يعلمها للناس فلا يؤمنون بحقيقه وجود جبريل، وأن هناك وحي نزل من السماء إلى نبي اسمه محمد عليه الصلاة والسلام، بل يجعلونها تهيؤات وتخيلات وتوهمات يصل إليها الذين بلغوا درجة عالية من تهذيب النفس ورياضتها. فلذلك هؤلاء بماذا فسروا العبادات؟ قالوا: العبادات إنما أتي بها لتهذيب النفس ورياضتها واستعدادها حتى تصبح مستعدة لقبول العقليات، كما يقوله من يتقرب إلى النبوات من الفلاسفة. هذا رأي الفلاسفة الذين يريدون ايش؟ أن يقتربوا من درجة الأنبياء، أن يصبحوا كأنهم أنبياء.
فيقولون: إن هذه العبادات هي نوع من رياضة النفس؛ حتى مثلاً في الفكر الهندي وهذه قضية اليوغا والرياضات ويجلس الإنسان تأملات، هذه الأمور بالنسبة لهم خلاص يعني تهذب النفس وتعمل لها رياضه فتؤهلها إلى مرتبة من المراتب يمكنها أن يصل إليها شيء من الوحي، وأن يحصل لها اتصال بعوالم اخر. طبعا هذه كلها تفسيرات فاسدة؛ أن الغرض من نعم بالتاكيد العبادات لها دور في تهذيب النفس ورياضتها لكن ليس الهدف منها أن نصبح أنبياء وأن نصبح مهيئين لتخيلات وتهيؤات كما يقولون ويزعمون، وإنما هو هدف تهذيبها للنفس، وأن صلاح النفس وغذاء الروح إنما يكون بها. فعندك أربع نظريات خرجت في تفسير ماذا؟ لماذا امرنا الله بالتعبد؟
كلام أهل السنة والجماعة هو الذي يخرج من مشكاة الكتاب والسنة، وهو أن هذه العبادات هي غذاء القلب والروح، ولا صلاح لهذا النظام البشري والانساني ولهذا القلب والروح إلا بها، هذا غذاء، فإذا قطع هذا الغذاء فسد القلب. أما قضية أنها لمجرد الامتحان والابتلاء أو أنها عوض من أجل أن تعوض بها الجنه، يعني معاوضة بينك وبين الله، أو مجرد أنها تقربك تهذب النفس للوصول إلى درجة الأنبياء، هذه كلها تفسيرات غير صحيحة نشأت من أهل الضلال والزيغ. فلذلك يقول: بل الأمر أعظم من ذلك كله وأجل.
طبعا حتى لا يفهم الكلام بصورة خاطئة؛ نحن لا نقول إن العبادات ما فيها جانب من الابتلاء والامتحان، الذي قاله الفريق الثاني هو أكيد فيها امتحان وابتلاء، لكن نرفض أن يكون المقصد هو فقط منها الامتحان والابتلاء وأنه هي من أجل ذلك شرعت، هي فيها جانب من الابتلاء نعم. طب فيها جانب من العوضية بالمعنى أنه لا يمكن أن تنال رحمة الله إلا بالعمل؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 218]؛ نعم، لكن نحن لا نسميها عوضية، نحن نقول: لابد من عمل لتظفر بالرحمة، واللّٰه عز وجل لا يطرح الرحمة لمن لا يستحقها، فقد ترى فيها شائبة لكنها في النهاية أساس العبادات هو صلاح القلب وغذاؤه، وحصر العبادات في تلك القضايا التي يتكلم فيها المخالفون للكتاب والسنة هذا حصر خاطئ.
لذلك قال: بل الأمر أعظم من ذلك -حتى الرأي الثالث أن العبادات فيها تهذيب للنفس على رأي الفلاسفة أيضا نحن نقر بهذا الجانب الجزئي لكن نرفض النظرية التامة تماماً- فأنفنا وتنتقدنا لتلك النظريات ليس من جذورها كلها خطأ، فيها جانب قد يقبل أو ينظر إليه، لكن تمام كلامهم فيه نقص وفيه شوائب. لذلك قال: بل الأمر أعظم من ذلك كله وأجل؛ بل أوامر المحبوب قرة العيون وسرور القلوب ونعيم الارواح ولذات النفوس وبها كمال النعيم، فقرة عين المحب في الصلاة والحج وفرح قلبه وسروره ونعيمه في ذلك، وفي الصيام والذكر والتلاوة. وأما الصدقة فعجب من العجب! قال: وأما الجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والصبر على أعداء الله، فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف.
أريد أن يعطيك كيف كل العبادات هي لذائذ. في الصلاة النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال: «جعلت قرة عيني في الصلاة»، ففيها سرور القلب ونعيم الأرواح، وقل كذلك في الحج، وقل ذلك في الصيام والذكر والتلاوة. كيف تطمئن النفس لما تقول لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ساعة تكون مهموماً ومغموماً وتطلع هذه الكلية من بين ثنايا القلب، تشعر فعلاً بأنه في نوع من الشعور بالسكينة والطمأنينة غزا قلبك، وأنك اصبحت في حالة من القوة قادر أنك تكمل.
كذلك الجهاد، تخيل الجهاد كم فيه من الألم في مقارعة أعداء الله، وكيف تطير فيه الرقاب والايادي وتفقأ العيون ويفقد الأحبه! الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يقوم به الدعاة والمصلحون، كيف يكون في سجون وعذاب وآلام وثمن باهظ يدفع! والدعوة إلى الله، والصبر على أعداء الله الذين يحاربون شريعته، فقال: فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف. أحياناً فعلاً قد تنظر إلى كثير ممن يرابطون من أهل العلم والصلاح والجهاد وغيرهم، تقول يعني فلان لما تأتي إلى رجل من اهل الدنيا يقول والله ما انا عارف هالشيخ الفلاني أو الداعية أو المرابط إيش اللي مغلبه في هالقضية؟ ليش مغلب حاله؟ ليش واضع حاله؟ اطلع كيف يعني أوذي وكيف فقد وكيف خسر؟ مش هيك بتكون نظرة أهل الدنيا؟
فيقول: مساكين هؤلاء لم يعرفوا اللذة التي في قلب المرابط وهو يرابط، من أحب هذا الطريق وخاضه من أجل الله لا يعرفون اللذة التي يتلذذها وهو في أتعابه وآلامه، وذاك الرجل في رباطه، وذاك في سجنه، وذاك في كذا. أليس يقول ابن تيمية رحمه الله عليه: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي في قلبي. وكان يقول في سجنه إنه لا تمر بالقلب لحظات نقول: لو كان أهل الجنه مثل هذا النعيم لكفى بها! كيف هو في السجن يقول: تمر بالقلب لحظات من الطمأنينة بالله واللذة، لو كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم لكان شيئاً عظيماً. فما مساكين هؤلاء الذين يرون أن هذه العبادات -اللي هي عبادة الجهاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو مقارعة أعداء الله- أن هذه العبادات فقط ابتلاء وامتحان ولا لذه فيها؟
المساكين هؤلاء ما عرفوا أن هذه فيها لذة لا توصف، هذه المقارعة فيها لذة لا توصف، لكن المشكلة أن من لم يذق اللذة ولم يعرفها تجده عدواً لها؛ عقله مش مستوعب أن هؤلاء يتلذذون في مرابطتهم، ويتلذذون في ثباتهم، ويتلذذون في مناكفتهم لأعداء الله. هو غير مستوعب وجود لذة، لا يتصور إلا مشهد الدماء، مشهد الآلام، مشهد الفقد، وهو يرى أن هذه المشاهد الموجودة في مثل هذه العبادات هي هكذا. لكن أهل الخير يقول ابن القيم: فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف ولا يدركه إلا من عانقه.
من ليس له نصيب منه؟ من لم يدخل في معركة الإسلام وفي معاركه، الباطل هذا ليس له أن يقول هذه الأمة ما فيها لذة، أنت لم تدخل المعركة وبالتالي أنت لم تذق هذه اللذة وكل من كان به أقوم كان نصيبه من الالتذاذ به أعظم، وكل من كان به أي بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر والرباط في سبيل الله، كل من كان به أقوم وعلى طريقة صحيحة حسنية كلما رزق فيه لذة أعظم.
لذلك قال: ومن غلظ فهمه وكثف طبعه عن إدراك هذا، فليتأمل أقدام القوم على قتل آبائهم وأبنائهم وأحبابهم ومفارقة أوطانهم وبذل نحورهم لأعدائهم ومحبتهم للقتل، يعني مجرد أن تقرأ سير الصحابة الأوائل وتنظر في جهادهم ورباطهم وفقدهم وقتلهم أن الرجل كان مستعدا أن يقتل ابنه والابن يقتل أباه على الشرك وكيف تركوا الأوطان وهاجروا من مكة إلى المدينة وتركوا كل شيء وراء ظهورهم، وكيف كان أحدهم محبا لأن يقتل في سبيل الله، كان إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام من يبارز ينتدب الشباب قبل الكبار وكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نادى إلى معركة من المعارك أو غزوة من الغزوات أقبلوا يقبلون، والأم تأتي بابنها الشاب تقدمه في سبيل الله والأب يخرج بأبنائه الأربعة وهذا تبكي تولوا أعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، تخيل أنه في ناس كانت تبكي لماذا لم يعني يتيسر لها الخروج للغزو تبكي لم تجد حصانا أو جملا تخرج في غزوة تبوك.
تخيل في إنسان الناس تقول لك أخي أنا معذور، جاء الفرج بعض الناس إذا عذر قال لك جاء الفرج الحمد لله أن طلعت معذور واني لست مطالب بالدفاع، في أناس في المقابل تبكي حزنا والما أنها لم تكتب مع المرابطين، فرق عظيم بين هذه القلوب، فلذلك قال: انظر في سيرهم حتى تعرف حقا وجود هذه اللذات وإيثارهم لها على البقاء.
لذلك حتى لما جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر جابر بن عبد الله أن الله عز وجل كلم والده عبد الله بن حرام وأن عبد الله بن حرام ماذا كانت أمنيته لما الله عز وجل قال له تمنى يا عبدي؟ قال: أن أعود إلى الدنيا فأقتل مرة أخرى، لما رأى من لذة وجمالية الشهادة في سبيل الله، تخيل أنه هناك شخص يكون طلبه من الله أن يعود ليقتل مرة أخرى، يعني الناس ترى مثلا القتل هو أشق شيء على النفس، في هناك أناس طلبت أن تعود فتقتل مرة أخرى، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه لولا أن يشق على الصحابه من الذين يتخلفون عنه تمنيت أن أغزو ثم أقتل ثم أغزو ثم أقتل ثم أغزو ثم أقتل، هذا يدل على أن هذا فيه من اللذة الشيء العظيم، أن يشعر الإنسان أنه بذل روحه ومهجته لربه سبحانه وتعالى مقبلا غير مدبر، لكن من رسخ فيه محبة الله والاعتزاز بدين الله هو الذي يرزق هذه اللذة.
فأنت مش قادر تتصورها أو أنا واياك لا نستطيع أن نتصور اللذة هذا لضعفنا في تحقيق هذا المقام، فلا يحق لنا أن ننفيها ما دام ثبت كثير من الصور والمشاهد والبطولات أمامك ترى الناس تضحي بالغالي والنفيس هذا لا يمكن أن يكون أتى وهو يشعر بالمشقة والكره، لكن هناك ما يدفعه دفعا صعب، لا بد من محرك داخلي ولذة داخلية يشعرها رغم الألم الذي يحيط بالمشهد، الذي يكون خارج المشهد في العادة يرى الألم، لكن الذي يكون داخل المشهد يرى الجمال واللذة.
قال: وإيثار لوم اللائمين وذم المخالف على مدحهم وتعظيمهم، يعني لا يهمهم أن يلومهم الناس ولا أن يذمهم المخالفون، أثروا أن يلومهم الناس على أن يمدحوهم، وأثروا أن يذمهم الناس على أن يعذموهم، لم يبحثوا عن مشاهدات ولا جماهير ولا لايكات ولا شيء، وإنما وجدوا لذة أخرى، في ناس لذتها تحصل لايك على الفيسبوك وفي ناس لذتها يكون لها متابعين وأنصار ومصفقين وفي أناس جعلت لذتها في مكان آخر قلوب وضعت لذتها فيما ينفعها ويصلحها.
قال: ووقوع هذا من البشر بدون أمر يذوقه قلبه من حلاوته ولذته وسروره ونعيمه ممتنع، هذا اللي قلت لكم إياه قبل قليل يعني لا يمكن إنسان أن يعرض نفسه للخطر والمهالك هو وأولاده وذريته ويقتحم المعامع وبدون وجود لذة هذا ممتنع، يعني صعب تخيله أن إنسان كرهان الشيء وشاق جدا عليه ولا لذة فيه أبدا وتجده يقتحم ويدخل وينغمس صعب، يقول وقوع هذا من البشر بدون أمر يذوقه المرابط والمقاتل من الحلاوة واللذة والسرور هو ممتنع، يعني لا بد أن يكون في لذة بس اللي خارج المشهد هو لا يذوقها فتجده يستبعدها.
والواقع شاهد بذلك، بل ما قام بقلوبه من اللذة والسرور والنعيم أعظم مما يقوم بقلب العاشق الذي يتحمل ما يتحمله في موافقة رضا معشوقه، فهو يلتذ به ويتنعم به لما يعلم من سرور معشوقه به، فيا منكرا هذا تاخر، فانه حرام على الخفاش أن يبصر الشمس، يعني إذا كنت أنت تنكر هذه اللذات تاخر كالغفاش الذي هو دائما صاحب الليل، قل له في شرس يا أخي في النهار، يقول لك يا أخي ما شفتها، وأنت يا خفاش اصحى في النهار تشوف الشمس، أما طول عمرك بتصحى بالليل وعمرك ما راح تشوف الشمس التي في النهار.
قال: فمن كان مراده وجه الله وحياته في معرفته ومحبته ونعيمه في التوجه إليه وذكره وطمأنينته به وسكونه إليه وحده عرف هذا وأقر به، فلا بد إذا أن تقر بهذه القاعدة وهي أن العبادات لم تأتي لمجرد الامتحان، بل أساس شرعها أن تكون غذاء لهذا القلب ولذة له وطمأنينة.
طب الأصل الثاني الذي تقوم عليه قاعدة لماذا ينبغي أن يكون الله هو المطلوب وحده وأن يتعبد له وحده، أن كمال النعيم في الدار الآخرة أيضا به تعالى برؤيته وسماع كلامه وقربه ورضوانه، فكما أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا بالاتصال به فكذلك كمال النعيم في الآخرة لا يكون إلا بالاتصال به برؤية وجه الله وسماع كلامه وزيارته وأن تكون في الدرجات القريبه منه سبحانه.
قال: لك ما يزعم من يزعم أنه لا لذة في الآخرة إلا بالمخلوق من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح فلذة، يعني بعض الناس يقول لك اللذة في الآخرة هي حور عين والطعام والآنية والشراب والخدم والقصور، نقول هل فقط هذه لذة الجنة؟ لا، أعظم لذات الجنة هي النظر إلى وجه الله، لكن كما نقول دوما إخواني الكرام أن اللذات على ثلاثة مراتب، تمام، على ثلاث مراتب: هناك اللذة الحسية، وأعلى منها اللذات النفسية، وأعلى منها اللذات العقلية المعرفية.
اللذة الحسية هي لذة طعام شراب نكاح هذه عامة، اللذة النفسية زي لذة الفخر الاعتزاز المدح هي سموها لذات نفسية، اللذة المعرفية هي لذة المعارف والعلوم التي تصل إليها، فمن كان من الناس يعيش في اللذات الحسية فقط هو لذته في الدنيا طعام شراب، ما رزق لذة نفسية أو لذة أعلى منها وهي اللذة العقلية، فهذا سيرى الجنة هي فقط طعام شراب يعني هذا الذي يطمح إليه ولعل أكثر الناس هذا نظره إلى الدنيا والآخرة.
وأما من وصل إلى درجة اللذة العقلية فهؤلاء هم العلماء الذين تشعر تجدهم يتلذذون بأن يقرأ كتابا يتعرف على أسماء الله وصفاته وأفعاله، وأن يتدارس معاني الإيمان مع إخوانه، وهذه لها لذة، هذه الدراسة تسمى لذة معرفية، فمن يشعر باللذة في الدراسات المتعلقة بالله وأسمائه ودينه وشرعه أو عموما في الأمور المعرفية كالقراءة والنظر والبحث فهؤلاء هم أكثر الناس قدرة على إدراك ما معنى أن النظر لوجه الله هو أعظم اللذات في الآخرة، ويرون أن الحور العين والقصور هي لذات أكيد جميلة وعظيمة لكن هي مش أعلى، لكن أكثر الناس هذا الخطاب قد لا يصلح لهم، لذلك تجد القرآن ركز على اللذات الحسية عندما وصف الجنة أكثر من تركيزه على اللذات المتعلقة برؤية وجه الله، لماذا؟ لأن أكثر الناس لا يصلحهم إلا أن تذكروا أن الجنة فيها قصور وطعام وشراب وحور عين حتى يقبلوا.
وأما النبي الذكي هذا كما يقولون تكفيه الإشارة، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23] خلص، وصلت له، ولدينا مزيد خلص، رؤية وجه الله آيتين بالنسبة له أنهت المشهد، الذي يبحث عن رؤية وجه الله لا يحتاج إلى تذكير متكرر في القرآن بهذه المعاني، آيتين تكفي له ليشتاق، أما عوام الناس الذين قصار ما في ذهنهم اللذات الحسية فهذا كرر الله لهم ذكر اللذات الحسية في الجنة في أكثر من موطن في أكثر من سورة لأن هذا قصار ما يمكن أن يفكر به.
قال: بل اللذة والنعيم التام في حظهم من الخالق تعالى أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وابن حبان والحاكم في صحيحيهما: «أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك»، سماها لذة صحيح، وأسألك لذة النظر، إذن النظر إلى وجه الله فيه لذة قلبية معرفية.
قال: في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، ولهذا قال تعالى في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: 15-16]، فقال فعذاب الحجاب من اعظم انواع العذاب الذي يعذب به اعداؤه، ولذة النظر إلى وجهه الكريم اعظم انواع اللذات التي ينعم بها اولياؤه، ولا تقوم حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظه من رؤيته وسمع كلامه ودنو منه وقربه، يعني حظهم من سائر المخلوقات من الحور العين ومن أنهار الجنة و و حظهم منها لا يقوم مقام حظهم من رؤية وجه ربهم سبحانه وسماع كلامه.
قال: وهذان الأصلان ثابتان بالكتاب والسنة وعليهما أهل العلم والإيمان، ويتكلم فيهما مشايخ الطرق العارفون، هذان الأصلان وهما أن صلاح القلب في الدنيا إنما يكون بالعبادة، وأن كمال اللذة في الآخرة إنما يكون برؤية الله والوصول إليه، هذان الأصلان هما اللذان يتكلم عنهما أهل العلم والمعرفة وحتى من مشايخ الطرق العارفون بالله حقا.
وعليهما أهل السنة والجماعة وهما من فطرة الله التي فطر الناس عليها، ويحتجون على من ينكرهما بالنصوص والآثار تارة، وبالذوق والوجد تارة، وبالفطرة تارة، وبالقياس والأمثال تارة، يعني الدليل على هذين الأصلين نصوص الكتاب والسنة، ثانيا الذوق والوجد، يعني الإنسان بتجربته الشخصية هو أصلا فعلا يشعر أن صلاح قلبه يكون بالعبادة، أنه كلما ابتعد عن الله فسد قلبه، يعني هذه مش دائما دليلها لا بد يكون من الكتاب والسنة، تجربتك أنت الشخصية مع العبادة هي تجعلك فعلا بالذوق والوجد أنه أنا أخي الكريم لما أكون في حالة تعبدية متقدمة بشعر أن حياتي مطمئنة، لما أقصر في أورادي في قرآني في صلاتي في صلاة الفجر ببلش أشعر أنه هيك في ضيق وكركبة في الحياة.
كذلك قال الفطرة، الفطرة يعني هي بحد ذاتها تقودك، الفطرة جائعة فهي تشعرك أنه لابد أن أتعبد لهذا الإله، الفطرة تشعر بالافتقار فهي دليل على حاجة القلب للتعبد، كذلك بالقياس والأمثال تارة، تمام، يعني من خلال القياس على الأمور التي تشبه هذه القضايا، وقد ذكرنا مجموع هذه الطرق في كتابنا الكبير في المحبة الذي سميناه المورد الصافي والظل الضافي.
هذا الكتاب الذي يظهر أنه إلى الان غير موجود يعني لم يتم الحصول على يعني لم يظفروا بنسخه خطية له، هذا من كتب ابن القيم المفقودة، هذا غير كتاب روضة المحبين، هذا كتاب اسمه المورد الصافي والظل الضافي، كتاب يقول كبير كتبه في المحبة وأنواعها محبة الله وأقسامها، وذكر فيها الدليل على هذين المقامين من النصوص والآثار ومن الذوق والوجد ومن الفطرة ومن الأمثال، لكنه كما قالوا لم يظفر به إلى الآن.
قال في المحبة وأقسامها وأنواعها وأحكامها وبيان وجوب تعلقها بالإله الحق دون ما سواه، وقد ذكرنا من ذلك ما يزيد على مائة وجه، سبحان الله.
وقال: ومما يوضح ذلك ويزيده تقريرا أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع، بل ربه سبحانه الذي خلقه ورزقه وبصره وهداه وأسبغ عليه نعمه وتحبب إليه بها مع غناه عنه ومع تبغض العبد إليه المعاصي مع فقره إليه، فإذا مسه الله بضر فلا كشف له إلا هو، وإذا أصابه بنعمة فلا راد لها ولا مانع، كما قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 107]، وقال تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2]، فالعبد لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن الله، فالامر كله لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.
هذا مما يؤكد أن الله ينبغي أن يكون هو المطلوب لذاته، وهو أن أي مخلوق تتعلق به فهذه المخلوقات لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا فضلا أن تملكه لغيرها، وبالتالي إذا مسك الضر فلا كشف له إلا هو وإذا أصابه نعمة فلا راد لها ولا مانع، فالعبد لا ينفع ولا يضر غيره ولا يعطي ولا يمنع إلا إذا أذن الله له بذلك، فالامر كله.
لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، هو مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء. نعم، المتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع والخفض والرفع، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، ألا له الخلق الأمر تبارك الله رب العالمين.
قال: وهذا الوجه أظهر لعموم الناس من الوجه الأول، ولهذا خطبوا به في القرآن أكثر من الأول. ما هو الوجه الأول؟ الوجه الأول هو الذي ذكرناه من أن العبادات هي غذاء القلب وصلاحه وقيمومته وديمومته. فأنت لما تعبد الله تعبده من أجل ماذا؟ من أجل أن آخذ وجبة الغذاء لقلبي، أنا محتاج للعبادة مفتقر إليها لأن بها صلاح قلبي وسكينته.
هذا الوجه لا يظهر إلا لمن خبر العبادة وعاش معها ورزقه الله الفهم، لكن أكثر الناس هو لماذا يعبد الله؟ يعبد الله من باب أنني أنا أعبد الله من أجل أن الله يشفي لي مريضي، أن الله ما يعاقبني، خاف أنه ينزل سخطه علي، فتجد أن أكثر الناس الله عز وجل لما خاطبهم في القرآن، لماذا تعبد الله؟ قال: إذا كنت في بحر وأحاطت بك، من الذي ينجيك؟ الله. صحيح، هو الذي يسيركم في البر والبحر، اللي هي عفوا آيات سورة النمل: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَمِ إلهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرُم بينَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَمِ إلهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمِ إلهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: 62-64].
صحيح، حسة في هذه الآيات أنت تشعر أن الله عز وجل يقود الناس إلى عبادته من أجل أنه هو الذي يجيبهم إذا ابتلوا، وهو الذي يكشف عنهم البأساء والضراء، ويعطيهم ويهديهم، فهو يدلهم على العبادة من هذا الوجه أنه أنا الذي أقضي لكم الحوائج، وأنا الذي أعطيكم إذا سألتم، وأرفع عنكم الضر إذا ابتليتم، فعليكم أن تعبدوني. هذا الوجه هو الذي يفهمه عامة الناس، لكن في هناك وجه أعلى للعبادة وهو أنه إيش؟ إنه اعبدوني لأن العبادة هي نظام القلب ولان بها صلاح اللي هي الوجه الأول.
فأكثر الناس هو يعبد الله حقيقة من أجل قضاء حوائجه، يعني مصلحة خلينا نسميها بالعبارة التسليكية، لكن في هناك أولياء وأصفياء والأناس الأخيار، نسأل الله أن يكون منهم، هم الذين وصلوا إلى معرفة أن أنا لا أعبد الله فقط من أجل أن الله يشفي لي مريضي، ونجحني في الامتحان، ويزوجني من فلان، يعني إلى آخره هذا. نعم، يعني الله هو الذي يحقق، ولكن عبادتي لله يجب أن تسمو لأصبح أفهم أنني أعبد الله لان هذه العبادة هي غذاء قلبي، هي راحة نفسي، بها أنسي وسكني، ولا يمكن أن يصلح قلبي ويطمئن إلا بها، فلذلك أنا أحتاج إلى العبادة.
فهمت كتب الفرق بين هذا الوجه وهذا الوجه، فيقول: وهذا الوجه أظهر لعموم الناس، وهو أن تعبد الله لأنه يحقق لك النفع ويرفع عنك الضر ويجلب لك الخير، هو أظهر لعموم الناس من الوجه الأول أنه لو نظرت نزلت إلى الشارع ستجد أن الناس قل قليل جداً منهم من يعرف الوجه الأول، إذا قلت للشخص لماذا تعبد الله قليلاً تجد الإجابة لأنني أشعر أن العبادة بها نظام حياتها لا أسعد إلا بها، هذه قلة من يدركها.
قال: لكن من تدبر القرآن تبين له نعم، قال: تبين له أن الله سبحانه يدعو عباده بهذا الوجه إلى الأول. الله عز وجل يدعو عباده بهذا الوجه اللي هو الوجه الثاني ليسوقهم إلى الوجه الأول، يعني يطلب منهم أن يعبدوه، لان يطلب منهم أن يعبدوه لأنه يرفع عنهم الضر ويحقق لهم المنافع، يعني يا سيدي خط حقق هذه الخطوة أولاً، تمام، ثم ننتقل إلى الوجه المرحلة الأعلى منها وهي أن تصبح تعبد الله لأن العبادة هي غذاء القلب، يعني كأنها خطوة بعد خطوة، خليني أحقق لك الخطوة الأولى وهي أن تعبد الله لحاجتك له، ثم تنتقل للخطوة الثانية وهي أن تعبد الله لأنك تشعر أن العبادة هي غذاء القلب وروحه.
قال: فهذا الوجه، هذا الوجه الثاني، أن تعبد الله لأنه يجلب الخير ويدفع عنك الضر يقتضي التوكل على الله والاستعانه به والدعاء له ومسألته دون ما سواه، لأنه هذا الوجه هو فعلياً أنت تعبد الله من أجل مقامات الربوبية، صح أنه يا رب أعطيني، يا رب بدي أتزوج، يا رب بدي وظيفة، يا رب ارفع عني البلاء، فأنت هنا تعبد الله وتسأله أن يقضي لك حوائجك الدنيوية، فمن هذا الباب عبدته، ولكنه يقتضي أيضاً هذا نعم.
قال: فهذا الوجه يقتضي التوكل على الله والاستعانة به والدعاء له ومسألته دون ما سواه، ويقتضي أيضاً محبته وعبادته لإحسانه إلى عبده وإسباغ نعمه عليه، فهذا أيضاً طبعاً من يعبد الله لأنه يحقق له ما يريده، ولانه يعلم أن الله هو الذي سيكشف عنه الضر دون ما سواه، وأيضاً سيحب الله، لكنه سيحبه أين من أنواع المحبة؟ محبة الإنسان لمن أحسن له، أنت تشعر حتى وإن كنت في هذه المرتبة الثانية اللي هي مش أعلى المراتب لكن تشعر أنك تحب الله لأنك لأنه أحسن إليك، فلما دعوته أن يعطيك شيء أو كذا أعطاك إياه، ولما دعوته أن يزوجك وأعطاك أمرك، ففي هناك محبة، لكن المحبة رابطها ماذا؟ إحسان إليك وإسباغ النعم عليك، فعبدته من هذا الوجه وأحببته من هذا الوجه، فإذا عبده وأحبه وتوكل عليه من هذا الوجه، دخل رويداً رويداً في إيش؟ في الوجه الأول.
أنت إذاً فانت في الوجه الثاني كأنك عبدت الله لأنك تريد منه الإحسان والإنعام فأحسن إليك فأحببته، وهذا جيد، مطلوب أصلاً، هذا مطلوب إخواني، مش شيء أقول هذا، هذا مقام قد نكون نحن ما زلنا في هذه المقامات أصلاً، لكن رويداً رويداً ستصبح تنتقل إلى أنه أنا اريد شيء أعلى، لا أريد أن أبقى في مقام أن أعبد الله فقط من أجل الإحسان والإنعام، بل أريد أن أعبد الله لأنني أصبحت أرى بعيني وبقلبي أن هذه العبادة هي الأنس والراحة والطمأنينة بغض النظر عما ياتيني من النعم من الله سبحانه وتعالى.
طيب قال: شوف هذا المعنى العظيم الذي سيذكره، فإذا عبده وأحبه وتوكل عليه من هذا الوجه، دخل في الوجه الأول، وهذا كمن نزل به بلاء عظيم وفاقة شديدة أو خوف مقلق فجعل يدعو الله ويتضرع إليه حتى فتح له من لذيذ مناجاته له وباب الإيمان به والانابة اليه ما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولاً، لكنه لم يكن يعرف ذلك أولاً حتى يطلبه ويشتاق إليه، فعرفه إياه بما أقامه له من الأسباب التي أوصلته إليه.
هذه أحد أسباب أن الله يقدر علينا البلايا، الله يقدر على عبده البلايا، من أسباب ذلك أن هذه البلايا تدفعك إلى أن تدعو الله عز وجل أنه يا رب اكشف عني المرض، يا رب يسر لي العمل، فإذا يسر لك العمل وكشف عنك المرض وحققت لك الأماني، ماذا تفعل؟ تكون مسروراً بذلك، أحياناً قد تدعو ولا يستجيب الله عز وجل لك الدعاء ابتداء، لماذا؟ لأنه يريد بك خيراً في باب آخر وهو أنك تصر على دعاء المسألة، فإذا بدعاء المسألة يفتح لك أبواباً من دعاء العبادة والثناء على الله عز وجل حتى يرجو بعضهم تنقضي مسألته وحاجته حتى يبقى باب الثناء على الله واللذة التي وجدها في الثناء على الله مستدامة مستمرة، فكيف الله ساقك إليه؟ ساقك إلى لذة الدعاء وإلى لذة الثناء من خلال بلاء أصابك في حياتك.
فالبلاء له خير وله هدف وله فكرة، البلاء لمن احسن فهمه، لمن احسن فهمه والتعامل معه، خير عظيماً، بل قد يكون كما قلت هو بوابتك إلى الجنة، إلى جنة الدنيا قبل جنة الآخرة، لأن البلاء سيدفعك إلى الدعاء، فإذا دعوت برفع هذا البلاء الاستمرار في الدعاء سيجعلك تفكر أنه بيخليني أثني على الله في هذا الدعاء، فإذا بهذا الثناء يفتح لك من أبواب معرفة الله عز وجل وتعظيمه وإجلاله ما ينسيك المسألة التي أتيت لتسأل بها، وإذا أنت غارق في إجلالك لله وتعظيمك لله وإنابتك لله والتأمل في حق الله عز وجل.
فهذا معنى قوله: وهذا كما نزل به بلاء عظيم وفاقة شديدة أو خوف مخلق فجعل يدعو الله ويتضرع إليه حتى مع كثره الدعاء، مع كثرة الدعاء فتح له من لذيذ مناجاته له وباب الإيمان به والإنابة ما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولاً، يصبح أن تبقى هذه الحالة الإيمانية التي تشعر بها أثناء الدعاء أحب إليك من أن تقضى حاجتك التي افتتحت الدعاء من أجلها، لكنه لم يكن يعرف ذلك أولاً، أنت ما كان عندك تذوق لمناجاة الله حتى دفعك الله إلى هذا المقام دفعاً وأزك إليه أزاً من خلال البلاء الذي ابتلاك به، فكم من بلاء كان فيه إيش منحه للعبد؟ نعم.
قال: والقران مملوء من ذكر حاجة العباد إلى الله دون ما سواه، ومن ذكر نعمائه عليهم، ومن ذكر ما وعدهم به في الآخرة من صنوف النعيم واللذات، وليس عند المخلوق شيء من هذا، فهذا الوجه يحقق التوكل على الله وشكر له ومحبته على إحسانه. هذا الوجه اللي هو الوجه الأول، عفواً الوجه الثاني تمام؟ القرآن لو أعطيت تستقرائه هو مملوء بذكر أنك يا انسان تحتاج الله أن يكشف عنك الضر، أن يجيب لك الرزق، أن يكشف عنك المرض، فجل القرآن يدل على هذه المعاني لأنها هي الأسهل هي الأيسر، ويريك في المقابل القرآن أن البشر لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، وأن الأصنام لهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها، تمام أفك إلهة دون الله تريدون؟ الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، مش هيك إبراهيم كان يخاطب قومه؟ عرفهم أن حاجتكم إلى الله في هذه الأمور ينبغي أن تدفعكم إلى عبادته وحده لا شريك له، فالأنبياء خاطبوا أقوامهم ابتداء بأي مقام؟ بالمقام الثاني، لأنه أسهل على العامة أن يفهموه، بعدين بتنتقل ومع فئة معينة ممكن تنتقل معهم للخطاب الأعلى، وهي أن العبادة هي روح القلب وسعادته وأنسه.
نعم، قال ومما يوضح ذلك ويقويه أن تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته المعينة له على عبودية الله ومحبته وتفريغ قلبه له. يعني لاحظ هذا الكلام، في قيد جميل، أن تعلق العبد بما سوى الله متى يكون مضراً؟ إذا أخذت القدر الزائد، أنه ابتداء الإنسان يحب زوجته، يحب أولاده، يحب والديه، الإنسان يحب المال، يحب أن يكون له بيت، هذه إذا أخذتها بالقدر الطبيعي الصحيح هذه ما فيها مشكلة ولا تتعارض مع محبة الله، لكن متى تصبح معارضة ونداً لمحبه الله؟ إذا تجاوزت إلى القدر الزائد، إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته المعينة له على عبودية الله، فأنت عندما تحب زوجتك وأولادك ووالديك أو تحب المال ينبغي أن تكون هذه المحبة وهذه الرغبة هذا الشيء هي وسيله أصلاً توصلك إلى الله عز وجل وإلى تحقيق مقامات العبودية.
فكما قلنا محبة المال، محبة الزوجه، محبة الأولاد، محاب مقصودة لغيرها وليس لذاتها، فينبغي أن تكون موصلة إلى عبودية الله وتفريغ القلب له، فإنه اقرأ، فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجته ضره أو أهلكه، وكذلك من النكاح واللباس، وإن أحب شيئاً بحيث يخالطه فلا بد أن يسامه أو يفارقه، فالضرر حاصل له إن وجد أو فقد، حسن أي شيء حتى لو أحببته وحصلته فأنت ستبقى على خوف أن تفقده نعم.
فإن فقد تعذب بالفراق وتألم بالفراق والالم، وإن وجد فانه يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة، ليش؟ لأنه بيضله خايف أنه يفقده، يعني الشيء إذا فقدته تلمت لفقده، وإذا وجدته تلمت خشية أن تفقده، هي الحياة كده، يعني شيء متعب نعم.
وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء أن كل من هي قاعدة معلوم بالاعتبار والاستقراء أن كل من أحب شيئاً دون الله لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته وعذابه به أعظم من نعيمه، هذه أحفظها في الحياة. أي علاقة محرمة، أي تعلقات مرضية ستجد أن مضرته على قلبك وعلى نفسيتك وعلى حالتك واتزانك أكثر من منفعتها، تظن أن العلاقة المحرمة يا أخي شيخ بس بدي أروح فيها شوي عن حالي يعني أو بدي أخفف شوي أو حتى أنسى، يعني نقول رجعنا لقضية الجرب يعني أنت بس كالذي يحك من الجرب فقط، وإلا فعاقبتها ومضرتها أكثر من منفعتها.
تجد ذاك الشاب خاصة من من ينظر في قصص العشاق والكتب التي كتبها العلماء في أحوال العاشقين، وكيف أن أحوال لهم يجلس وينتظر وبعثت لي وما بعثت لي، قد تكونوا يعني أو قد تكونون في حياتكم قد رايتم بعض المتعلقين، سواء تعلق شاب بشاب أو فتاة بفتاة أو شاب بفتاة بغض النظر عن أشكال التعلق، كيف يكون قلبه كالمأسور، ينتظر اتصال، ينتظر هاتف، بعثت، ما أنا ما بعثت، أرسلت، ما أرسلت، حكت، ما حكت، طيب فلان ليش نسيني؟ طيب ليش ما كلمني؟ فبتشعر حتى وإن كنت محافظاً على علاقتك معه، أنت توتر، أنت قلق، أنت بتفكر، أنت مهموم تمام طيب، وهذا السجن هذا عذاب، هذه عذاب القلق والترقب والانتظار، وإذا فارقك أو غضب منك أو أرسل رسالة أزعجتك بتضلك تفكر ليش حكى؟ لماذا ما أرسل؟ وتبدأ تشعر هذه ما هي حياة بخلاف الذي ما تعلق إلا بربه.
يبادر على علاقة طبعا هذا يحافظ على علاقته مع الناس ومط، لكن علاقة متوازنة، علاقة هادئة لا تشغله ولا تبئس حياته، لذلك قال في الذي يليه، قال: ولا يزيد ذلك إيضاحاً.
إن اعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب له ضرراً من جهته، فإنه يخذل من تلك الجهة، وهذا أيضاً معلوم بالاعتبار والاستقراء، فإنه ما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة، ولا استنصر بغيره إلا خذل. أيضاً هذه قاعدة أخرى ذكرها: من تعلق بمخلوق وتوكل على مخلوق وجعل كل ثقته بأن هذا المخلوق سيحقق لي حاجتي، سيجد أنه سيخذل من جهة هذا المخلوق. وهذا أيضاً معلوم بالاستقراء، أنه ما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة، أنت توقعت مثلاً فلان ينصرك فاعتمدت عليه اعتماداً كلياً، فرق أن تجعله سبباً وبين أن تتكئ عليه، إذا اعتمدت عليه اعتماداً كلياً ستجد أنك تخذل من تلك الجهة التي طلبت منها النصرة، ومن استنصر بغير الله خذل. نعم.
قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 81-82]. هذا موطن الشاهد، ويكونون عليهم ضداً، أنتم لماذا اخذتم تعلقات من دون الله حتى تعتزوا بها؟ صدقوني ستذلون بها ويكونون عليكم ضداً، لذلك حتى في واقعنا المعاصر لاحظ كيف من يلهث للاتكاء بالغرب والاعتماد عليه، كيف أن الغرب نفسه ينقلب عليه ويذله ويدوسه ويلقيه في آخر شيء على قارعة الطريق من ركن إلى الظالمين، فإن الظالم هذا الذي ركنت إليه رجاء أن يحقق لك السعادة أو يجلب لك السعد هو نفسه سيكونون عليكم ضداً. نعم.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مَّحْضَرُونَ﴾ [يس: 74-75]. وقال تعالى عن إمام الحنفاء أنه قال للمشركين: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: 25]. يوم القيامة كيف تنقلب الصداقات إلى عداوات؟ يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً يوم القيامة، هؤلاء الذين اتكأتم عليهم يوم القيامة رح يتبراوا منكم، وقالوا: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا، ربنا آتِهم ضعفين من العذاب.
كثير من الحوارات القرآنية التي تكون بين المستضعفين وبين المجرمين، قال الذين استكبروا... قال الذين استضعفوا... لولا أنتم لكنا مؤمنين. قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين. وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً. كيف يتبرا الكل من الكل ويلعن البعض كل بعض، يعني الكفار يلعن بعضهم بعضاً، الأتباع يلعنون أسيادهم والأسياد يلعنون أتباعهم، والكل يرفع يده عن بعض، هذه التعلقات لغير الله كيف تنقلب إلى خسارات وندامات؟ نسأل الله السلامة والعافية. نعم.
قال: ولما كان غاية صلاح العبد في عبادة الله وحده واستعانته به وحده، كان في عبادة غيره والاستعانة بغيره غاية مضرته. ومما يوضح هذا الأمرويبينه أن سبحانه غني حميد كريم رحيم، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير ويكشف عنه الضر لا لجلب منفعة إليه سبحانه ولا لدفع مضرة، بل رحمة وإحساناً وجوداً محضاً، فإنه رحيم لذاته، محسن لذاته، جواد لذاته، كريم لذاته، كما أنه غني لذاته، قادر لذاته، حي لذاته، فإحسانه وجوده وبره ورحمته من لوازم ذاته، لا يكون إلا كذلك، كما أن حياته وقدرته وغناه من لوازم ذاته فلا يكون إلا كذلك.
قال: وأما العباد فلا يتصور أن يحسنوا إلا لحظوظهم، فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه ويجلبوا له منفعة ويدفعوا عنه مضرة، وذلك من تيسير الله وإذنه لهم به، فهو في الحقيقة ولي هذه النعم ومزديها ومجريها على أيديهم، ومع هذا فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحُظوظهم. وهذا ملحظ آخر، وهو أن أي انسان يحسن إليك فإنما يحسن إليك لحظ يريده منك، يعني هذا أيضاً فرق، لما قال ومما يوضح الأمر أراد أن يبين لك أن هناك فرق هائل بين إحسان الله إليك وبين إحسان الناس إليك.
ولماذا إحسان الله إليك الذي هو الوجه الثاني يقتضي أن تعبده، وأما إحسان الناس إليك لا يقتضي أن تعبدهم؟ لأن إحسان الله إليك هو إحسان لا يريد أن يجلب به سبحانه مصلحة لذاته ولا حظاً لذاته، بخلاف إحسان الناس إليك، فإن كل من احسن إليك أصلاً إنما أحسن بإذن الله له أن يحسن هذا واحد، ثانياً إنما إحسان الناس إليك من أجل حظ يريدونه منك، حتى لو كان الحظ مجرد أنه يشوفك تمام أو أن يجلس معك ويأنس بك. فوالداك يحسنون إليك لأن لهم حظ فيك، حظ بأنك ولادهم وحبيبهم فهم يأنسون بطفولتك عندما تكون طفلاً وبدعائك، ثم إذا كبرت يأنسون بك لما تكون عزوة لهم وتساعدهم وتساندهم.
وكذلك أنت حظك من والديك وحظك من مشايخك وحظك من أصدقائك، أنت تحسن لأن هناك حظ تريده من هذه العلاقة، هي هكذا الدنيا، ومش ضروري الحظ طبعا أنه يكون مال، لا، يعني مفهوم الحظ بالمفهوم الشامل، الحظ أنه أنا والله يا اخي أنس بالجلوس مع فلان فلذلك والله بدي يعني أحضر له وأساعده وأعينه، وهذا شيء طبيعي يعني هو ليس شيء مرضي أو خاطئ بل عليه إقامة الحياة الدنيا، ليتخذ بعضكم بعضاً سخرياً، كما سيشير إلى ذلك، لكن عليك أن تفهم أنه مهما شعرت أن الناس بتودك وبتحبك وبتقدم لك وبتعطيك فاعلم في النهاية أن لهم حظاً على هذا جبله الحياة الدنيا. وأما الله فهو يعطيك دون أن ينتظر منك شيء ودون أن يكون له حظ في إعطائك، أنت لا تجلب له سعادة ولا تحصل له رزقاً، حاشاه سبحانه فهو الغني. نعم.
قال: فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضه من محبته، سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر، فإذا أحبوا الانبياء والأولياء وطلبوا لقاءهم فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك. يعني حتى مثلاً لماذا أنت تحب الأولياء؟ لا تقول والله أنا أححبهم دون حظ لي، لا، أنت تحبهم من أجل أن تجلس معهم وتسمع كلامهم وترى وجوههم، فلذلك حظ في ذلك. نعم.
قال: وكذلك من أحب إنساناً لشجاعته أو رئاسته أو جماله أو كرمه فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبة، ولولا التذاذه بها لما أحب ذلك، وإن جلبوا لهم منفعة كخدمة ومال أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو ولو بالدعاء، فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل لله. فأجناد الملوك وعبيد المالك وأجراء المستأجر... وإن جلبوا له منفعة، يعني لو واحد عمل منفعة أو خدمة للشيخ أو للولي أو له أو دفعوا عنه مضرة تمام كمرض وعدو ولو بالدعاء، حتى وهو دعا لك قال لك: شيخ والله راح أروح أدعي لك إن شاء الله، وإن شاء الله ربنا رح يستجيب دعائي ويرفع عنك البأس، فراح هذا الشاب راح دعا دعا دعا وفعلاً استجيب له، حتى وهو بيدعي لك ويدعو لك لأنه له حظ فيك، أنه بده اياك مثلاً تحبه، بده اياك تقربه، فقال لك: أنا بدعي لك وكذا وكذا، لأنه في النهاية هو يريد حظاً منك أن تقربه وأن تحبه وأن توده، فهو يشعر بأنس ولذة في ذلك. طيب.
قال: فأجناد الملوك وعبيد المالك وأجراء المستأجر وأعوان الرئيس كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به، ولا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم إلا أن يكون قد علم وهذب من جهة أخرى. يعني أعوان الرئيس واللي بيشتغلوا تحت المسؤولين، هم لماذا يخدمونهم؟ عشان يأخذ راتبه آخر الشهر، يعني بدك تقنعني أنه يخدمه فقط لأنه يحبه أو عفوًا لأنه يريد، عفوًا مش يحبه لأنه يريد مصلحة حتى ذاك الشخص؟ قال: هذا نادر جداً، قال: ولا يكون إلا على من علم وهذب من جهة أخرى، يعني هي نوعية معينة من النفوس اللي بتخدم من أجل مصلحتك أنت، ليس من أجل مصلحتها هي، وإلا فعامة الناس إنما تخدم لتحقيق مصالحها. نعم.
قال: فيدخل ذلك في الجهه الدينية أو يكون فيه طبع عدل. قال: إلا أن يكون قد علم وهذب من جهة أخرى فيدخل ذلك في الجهه الدينية، يعني هذا تعذيب وتهذيب من جهة الدين. نعم. أو يكون فيه طبع عدل وإحسان من باب المكافأة والرحمة، وإلا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه. وهذا من حكمة الله التي أقام بها مصالح خلقه، إذ قسم بينهم معيشته في الحياة الدنيا ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً.
يعني هو يريد أن يقول هو مش خطأ، مش عيب أنك أنت تعمل معروف عشان تحصل مقابل وخدمة، يعني هي أصلاً هي طبيعة الحياة أنه في موظفين وفي مديرين صحيح، في مسؤولين وفي أتباع، يعني هو هكذا، وأنه عادة المسؤول يأتي بأتباع، الأتباع هذه قد تاخذ رواتب أو أمور وفي مقابلها يقدمون خدماتهم، حتى في العمل الدعوي والاسلامي وكذا تجد أنك في النهاية صعب انك تجد شخص متطوع هيك يعمل فقط من أجل الخدمة المحضة، لا يريد منفعة نفسه، تجد أنه ما في انسان بدك تشغله، هذا مصمم بده مقابل عمله مالاً وهذا ممنتج بده مقابله عمله وهكذا هي الحياة، فهذا شيء يعني طبيعة بقاء غير مرضياً، شيء طبيعي، لكن بدك تفهم إذاً أن الفرق بين العلاقة مع المخلوقين والعلاقة مع الخالق، وهذا الفكرة التي يريدها، أن العلاقة مع المخلوقين تقوم على فكرة المنافع المتبادلة، وأما العلاقة مع الخالق فانت المنتفع وسبحانه لا ينتفع بعبادتك، فلذلك ينبغي أن تعبده سبحانه وتعلق وعده لا شريك له. نعم.
طيب، نكتفي اليوم إن شاء الله بهذا القدر، ونكمل ما تبقى في الدرس القادم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل