دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الكرام في مجلس جديد من التعليق على كتاب طريق الهجرتين باب السعادتين للإمام ابن القيم رحمه الله، وما زلنا نعيش في أفيَاء معاني العبودية العظيمة التي يتكلم عنها ابن القيم رحمه الله، والتي أخذها من منبع الكتاب والسنة.

وهذه المعاني كما قلنا لابد وأن يتذاكرها الشباب وإذا ذكرها النساء لابد أن تبقى هذه المعاني حية ولا تغفل عنها؛ لأن كلما ابتعدت عن هذه المعاني القلبية لابد وأن تشعر بالضعف في سيرك إلى الله سبحانه وتعالى، فأحيوا قلوبكم بتدارس هذه المعاني. ما زال ابن القيم يتكلم لنا عن القاعدة العظيمة التي بينها سابقاً، وهي أن الإنسان لابد أن يكون مطلوبه لذاته هو الله سبحانه، وأن يستعين بالله على تحصيل الوصول إلى الله، وأن يدفع عنه التعلق بما سوى الله، وأن يستعين بالله على دفع التعلق بغير الله.

ثم تكلم لنا أن هذه القاعدة العظيمة مبنية على أمرين أصلين؛ أحدهما أن ينبغي للإنسان أن يقر أن العباّدات ومفهوم العبودية إنما هو صلاح القلب ونفعه، وليس هو من قبيل التكاليف الشاقة التي تخالف النفس، أو من قبيل العوض، أو من قبيل مجرد الوصول إلى مقامات، وإنما هو الهدف منه صلاح القلب وقوته، وأن يععلم أن كما أن العبادة هي صلاح القلب وقوته في الدنيا، فكذلك الوصول إلى الله ورؤية وجه الله والقرب من الله هو سعادته في الآخرة.

عليك أنك توسع وتنتبه لمفهوم السعادة، وإن كان هذا المعنى يقرب تيمية؛ أنه معنى متقدم نوعاً ما، وأن عامة الناس يصعب عليهم أن يدركوا هذه المعاني؛ لأنها من قبيل اللذات العقلية المعرفية، ولذلك جل الناس ما زالوا في قسم اللذات الحسية، فلذلك القرآن لما تكلم للناس عن العبادة، سواء من حيث مقاصدها في الدنيا أو من حيث ثوابها في الآخرة، تحدث القرآن عن المحسوسات، وعن الجانب الذي يفهمه أكثر الناس، وهو أنك تعبد الله لأنه يجلب لك النافع، يرفع عنك الضرور، يرفع عنك البأساء، يجيب المضطر إذا دعاه، وأنك إذا فعلت ذلك ففي الجنة هناك حور عين، هناك قصور، هناك لذائذ. فالقرآن تكلم عن أغلب الناس بالمستوى الذي يعقلونه والذي يتصورون أن يصلوا إليه.

ثم قادهم من هذا -أو قاد بعضهم حقيقة؛ لأن ليس كل الناس يرتقي، من أراد الارتقاء فانه يصل إلى معنى أعلى للعبادة- وهي أن العبادة قوت القلوب في الدنيا والوصول إلى المحبوب هو أجمل اللذات الآخرة. طيب، ثم بعد ذلك أراد أن يصنع لك مقاربة لماذا ينبغي أن تجرد في عبوديتك لله وألا تتعلق بما سوى الله، فأخبرك أن كل ما سوى الله إذا أعطاك منفعة فإنما يخدمك لحظة، وأما الله فهو الوحيد سبحانه الذي إذا أعطاك ومنحك فهو لا ينتظر منك شيئاً ولا يحصل منك حظاً. ثم عقد هذا الفصل ليؤكد هذا المعنى فقال:

قال إذا تبين هذا، ظهر أن أحداً من المخلوقين لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد منفعته بك، وقد يكون عليك في ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدل، فإذا دعوته فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه. بل قد يكون عليك في ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدل معك؛ قد يخدمك بطريقة تضرك، بعض المحبين قد يضرون محبوبهم إذا تجاوزوا في التعاون معه، قد يكون سبباً في قلق أو إشكال أو بطريقة ما يحصل ضرر عليه.

قال: وأما الرب تبارك وتعالى فهو يريدك لك ولمنفعتك لا لينتفع بك، وذلك منفعة لك محضة لا ضرر فيها، فتدبر هذا حق التدبر وراعيه حق المراعاة؛ فملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب منه منفعته لك، فانه لا يريد ذلك البتة بالقصد الأول، بل إنما يريد انتفاعه بك عاجلاً أو آجلاً، فهو يريد نفسه لا يريدك، ويريد نفع نفسه بك لا نفعك بنفسه، فتأمل ذلك فإن فيه منفعة عظيمة وراحة وأيساً من المخلوقين وسداً لباب عبوديتهم وفتحاً لباب عبودية رب العالمين.

هذا المعنى لماذا مهم جداً أن تستحضره دوماً؟ أنه أي إنسان على تواصل معك إنما يحقق منفعته بالقصد الأول، يعني هو ركز على كلمة بالقصد الأول حتى يكون فيه نوع من العدل والإنصاف في الطرح؛ هو نعم قد يريد منفعتك، بس منفعتك أنت هي بالقصد الثاني، بل بالقصد الأول هو يريد منفعته هو. نحن لا نقول إنه لا يريد أبداً أن يحقق منفعة لك، لكن في القصد الأول هو يريد منفعته، من منفعته أن يكون له يد عندك، أن يكون له معروف؛ يعني أقول والله فلان أنا أريد أكون مقرب منه فخليني أخدمه في هذه الشغلة، أو يترقب منك أن تعينه بكره في شركة، أو يعني المهم بالقصد الأول يريد منفعة من المنافع، وبالقصد الثاني نعم قد يريد أن يخدمك بطريقة ما ومنفعتك. هذا الشعور يجعلك تنفض يدك من المخلوقين ولا تتعلق بهم.

هو سيستدرك، يعني عادي بدك تعمل علاقات اجتماعية وتبني حياتك، لكن فقط حاول أنه قلبك لا يكون أسيراً لهؤلاء؛ لأنه في النهاية كل البشر مجبرون على جلب منافعهم هم فقراء، وكما أنا فقير هو فقير، فهو أيضاً يريد منفعته ويريد مصلحته، فان يتعلق قلبي بفقير مثلي وأن أعبده وأن أدعوه وأن أتوكل عليه، هذا حرمان والعياذ بالله. ينبغي أن تتوكل على الحي الذي لا يموت، الذي هو في قمة الغنى.

قال: فما أعظم حظ من عرف هذه المساله ورعاها حق رعايتها. قال: ولا يحملنك هذا على جفوة الناس وترك الإحسان إليهم واحتمال أذاهم، بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم، فكما لا تخفهم فلا ترجوهم. جميل، فنحن لا ندعو إلى قطع العلاقات بل إلى وضعها في المكان الصحيح.

قال: ومما يبين ذلك أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجتهم بك، وإن كان ذلك ضرراً عليك، فإن صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءها، فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجاتهم، بل لو كان فيها هلاك دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك.

يعني بعض الناس مستعد أنه يطلب حاجة منك حتى ولو أدى ذلك إلى هلاك دنياك وآخرتك، بعض الناس قد تضر حتى، بعض المشايخ قد تضر بعض أهل العلم بتصرفاتها بسلوكياتها وهو بيقول لك والله نحن نحبكم ونحن كذا ونحن نريد، لكنه عنده حاجة بده هو يكون يفعل شيء، يتقرب، يفعل شيء، يتكلم بشيء ما، فإذا هو يأتي بالويلات والكسرات، فبالتالي تنتبه، لا تظن أن كثرة الناس حولك يا طالب العلم أو أن هؤلاء والله بالضرورة سيكونون سعداً لك وسنداً لك، بل قد يكون كثرتهم حولك فتنة لك وضرر عليك بطريقة من الطرق.

قال: وهذا إذا تدبره العاقل علم أنه عداوة في صورة صداقة. هذا الصديق الذي يخدمك فيضرني، والله هي عداوة في صورة صداقة، يعني ايش استفد منها؟

قال: وانه لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة، فهم يريدون أن يصيروك كالكير؛ تنفخ بطنك وتعصر أضلاعك في نفعهم ومصالحهم، بل لو أبيح لهم أكلهم لجزروك كما يجزروك الشاة، وكم يذبحونك كل وقت بغير سكين لمصالحهم، وكم اتخذوك جسراً ومعبراً لهم إلى أوطارهم وأنت لا تشعر، وكم بعت آخرتك بدنياهم وأنت لا تعلم، وربما تعلم.

وربما بعض الناس لا، هو يعلم أنه يبيع آخرته لدنيا الناس، بس هو خلاص متلذذ بالمنفعة التي تصل إليه منهم ومستعد أن يبيع آخرته من أجله.

وكم بعت حظك من الله بحظوظهم منك ورحت صفر اليدين، وكم فوتوا عليك من مصالح الدارين وقطعوك عنها وحالوا بينك وبينها، وقطعوا عليك طريق سفرك إلى منازلك الأولى ودارك التي دعيت إليها، وقالوا: نحن أحبابك وخدمك وشيعتك وأعوانك ونسعى في مصالحك، وكذبوا والله، إن هم إلا أعداء في صورة أولياء، وحرب في صورة مسالمين، وقطاع طريق في صورة أعوان. فواغوثاه ثم واغوثاه بالله الذي يغيث ولا يغاث. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُم﴾ [التغابن: 14].

من أزواجكم وأولادكم؛ تظهر لك المحبة وهي صادقة إنما تحب لك، لكن طريقتها في المحبة أو طريقة أولادك في المحبة تجعلك تجبن عن العمل لدين الله، تجعلك تترك كثيراً من أمر الله إرضاءً لهم، فهل هؤلاء هم فعلاً هل هذه الزوجة التي لحبها لك تجعلك تتباطأ عن الخير وعن البذل، هل هذه محبتها نافعة ولا ضارة؟ ضارة. هذا الابن الذي لتعلقه بك -كما يقال جاء في الحديث الأولاد مجبنة مبخلة- الذي جعلك تبخل وتجبن، هل هذا نفعك ولا ضرك؟ فيقول لك إن الله عز وجل يقول: ﴿إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ هذه العلاقات المقربة كثير منها قد يكون علاقات ضارة سامة، إن من أزواجكم وأولادكم عدواً، فما بالك من أصدقائك وأصحابك؟ شيء طبيعي يكون في علاقات سامة وإن كانت في الظاهر صداقة وأخوة وكذا بس فيها ضرر علي، يجب أن أحسن. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9].

قال: فالسعيد الرابح من عامل الله فيهم ولم يعاملهم في الله، وخاف الله فيهم ولم يخفهم في الله، وأرضى الله بسخطهم ولم يرضهم بسخط الله، وراقب الله فيهم ولم يراقبهم في الله.

السعيد الرابح من عامل الله فيهم، شو يعني عامل الله فيهم؟ يعني أحسن العمل. تمام، عامل الله أي أحسن العمل لله. عامل الله يعني أحسن العمل من أجل الله. ولم يعاملهم في الله، ايش يعني لم يعاملهم في الله؟ يعني لم يحسن العمل من أجلهم. فيقول لك: أحسن العمل لأجل الله ولا تحسن العمل لأجل الناس.

فأنا لما -يعني فرق بين كأنها حالات متقابلة- في ناس بتحسن عبادتها، أحسن العمل لـ- لاحظ ولم يعاملهم في الله، كيف يعني لم يعاملهم في الله؟ لم يعاملهم في الله أنك تقوم بأمر عبادية من أجل الناس، هذا معنى أنك عاملت الناس في امور هي تتعلق بدين الله.

تتعلق، هذا ليش عملته هذا الموقف أو هذه الكلمه أو هذا المققطع الذي نزلته أو هذا الريلز وهذا المنشور أو كذا هذا شيء يتعلق بالله، لماذا عملته أنت؟ لما نزلت هذا المقطع أو هذا المنشور أو ظهرت بهذه الكلمة، هل أنت عاملته لله ولا عاملت به الناس حتى يقولوا والله فلان ما شاء الله واعظ، فلان متكلم، فلان يتحدث في قضايا الأمة، فلان ما شاء الله يا اخي ذكي. هناك من يفعل أمور دينية لكنه يعامل بها الناس، هذا مذموم. وهناك لا، من يعامل الله فيهم، اللي هو الذي يحسن إلى الناس ويكرم الناس بس من أجل الله. وهذه حالات متعاكسه، فرق بين أن تعمل -هنا أمور عبادية تعامل بها الناس- أو العكس أمور تحسن فيها إلى الناس من أجل الله، فيقول لك: عامل الله فيهم.

فأنا لما أفعل معك موقف وأحسن إليك أنا أعمل الله فيك، أنا عم بتعامل مع الله من خلال إصلاح شأنك، مساعدتك، رفعتك، ولا أعكس ولا أعاملك في الله. فلما يكون شيء متعلق بدين الله، كما قلت لك، نشر منشور أو شيء أو عمل إسلامي، أو لا أعا- ما بعمل مشانك حتى تقول والله فلان ما شاء الله عليه أو فلان كذا وكذا، فينبغي أن -يعني- تنتبه لهذي المعادلة؛ إذا أحسنت إلى الناس فعامل الله في إحسانك إليهم، وإذا عملت لدين الله فاحذر أن تعمل لدين الله من أجل الناس.

قال: وخاف الله فيهم ولم يخفهم في الله، وأرضى الله بسخطهم ولم يرضهم بسخط الله، وراقب الله فيهم ولم يراقبهم في الله. شايف؟ وخاف الله فيهم، أنا أخاف ربنا مشان هيك ما باذيك، أنا أخاف الله عشان هيك ما بضرك، وأما العكس فمذموم، وهو أن تخافهم فيما هو من حق الله، فلا آمر بالمعروف ولا أنهى عن المنكر لأني أخاف الناس، أصلح ولا كذا لأني بستحي من نظرة الناس إلي، لا احذر من هذا المعنى.

قال: وآثر الله عليهم ولم يؤثرهم على الله، وأمات خوفهم ورجاءهم وحبهم من قلبه وأحياء حب الله وخوفه ورجاءه فيه، فهذا هو الذي تكتب عليهم وتكون معاملتهم لهم كلها ربحاً بشرط أن يصبر على أذاهم ويتخذه مغنماً لا مغرماً، وربحاً لا خسراناً. قال أبو-

عليك أن ترى أن أذى الناس مغنم، وتكون معاملته لهم كلها ربحاً بشرط أن يصبر على أذاهم؛ شيء طبيعي أن الناس ستؤذيك، ويتخذ هذا مغنماً خلص يقول: الحمد لله، يعني هذا طريق سلكه قبل الأنبياء والصالحون والأولياء والكل أوذي، فيتخذ هذا الأذى مغنماً يحتسبه عند الله، وربحاً لا خسراناً.

ومما يوضح الأمر أن الخلق لا يقدر أحد منهم أن يدفع عنك مضرة البتة إلا بإذن الله ومشيئته وقضائه وقدره، فهو في الحقيقة الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: 107]. قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: «واعلم أن الخليقة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك». قال: وإذا كانت هذه حال الخليقة فتعليق الخوف والرجاء بهم ضار غير نافع.

فصل: وأجماع هذا انك إذا كنت غير عالم بمصلحتك ولا قادر عليها ولا مريد لها كما ينبغي، فغيرك أولى.

أن يكون عالماً بمصلحتك، ولا قادراً عليها، ولا مريداً لها.

طبعاً هذا في الجملة، هذا كلام في الجملة أنه أحياناً مثلاً قد يكون ولد صغير لا يعرف مصلحته، لكن أبوه بيعرف مصلحته، فهذا الكلام مش بالتفصيل يعني ليس على إطلاقه، يريد أن يقول: عموماً إذا أنت نفسك لم تكن عالماً بمصلحتك، فمن باب أولى أن الناس لا تكون على دراية بمصلحتك. لكن هذا كما قلنا في العموم، اقرأ أنه قد يكون بعض المشايخ أعلم بمصلحة الطالب من الطالب، وقد يكون الأب أعلم بمصلحة الولد من الولد، لكن في الجملة إذا أنت نفسك مش عارف مصلحتك بقول لك يعني فالناس ما بقول أنها مش عارفه مصلحتك، نعم.

والله سبحانه هو يعلم ولا تعلم، ويقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله لا لمعاوضة ولا لمنفعة يرجوها منك، ولا لتكثر بك، ولا لتعزز بك، ولا يخاف الفقر، ولا تنقص خزائنه على سعة الإنفاق، ولا يحبس فضله عنك لحاجة منه إليه واستغناء به بحيث إذا أخرجه أثر ذلك في غناه، وهو يحب الجود والبذل والعطاء والإحسان أعظم مما تحب أنت الأخذ.

طبعاً إلا أن يكون يريد ابن القيم يعني هذا فقط رجوع أنك إذا كنت غير عالم بمصلحتك، أن الله عز وجل خرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً، ثم بدأنا رويداً رويداً نعرف مصالحنا، فكذلك البشر الذين أنت تتعلق بهم من باب أولى أنهم خرجوا لا يعرفون مصلحتك، لأنهم خرجوا لا يعرفون مصالحهم فمن باب أولى أنهم خرجوا لا يعرفون مصلحتك.

فهذا نعم هذا مضطرد هذا لا استثناء فيه، إذا كان يقصد هذا المعنى: أنك خرجت إلى الدنيا ولا تعلم مصلحتك، ولا قادر عليها، واللي علمك وأعطاك وكذا الله سبحانه، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78]. فأي تعلق أنت تتعلق بمين من المخلوقين؟

طيب وهذا المخلوق الذي تتعلق به هو خرج إلى الدنيا لا يعرف مصلحته هو، والله علمه، فمن باب أولى أنه لا يعرف مصلحتك أنت، قال: لا يعرف مصلحتك فتتعلق بشخص هو لا يعرف مصلحتك أصلاً، وإنما قد يتعلمها تعلماً من باب السؤال عنك والاستفسار عن أحوالك.

فهو يعطيك عجز المخلوقين الذين يتعلق بهم الإنسان بخلاف الله عز وجل، فعلم الله بأرك وما يصلحك وعلم أزلي ليس علماً حادثاً تجدد له بعد أن لم يكن، نعم.

قال: وهو يحب الجود والبذل والعطاء والإحسان أعظم مما تحب أنت الأخذ والانتفاع بما سألته، فإذا حبسه عنك فاعلم أن هناك أمرين لا ثالث لهما: أحدهما أن تكون أنت الواقف في طريق مصالحك، وأنت المعوق لوصول فضله إليك، وأنت حجر.

إذاً هذه قاعدة: الله يحب الجود، ويحب لك الخير، ويحب أن يمنعك ويحب أن يعطيك، فإذا حبس هذا الجود عنك فهذا بأحد أمرين: الأمر الأول أن تكون أنت من وقفت في طريق وصول جود الله إليك بسبب معاصيك وذنوبك، نعم.

قال: وأنت حجر في طريق نفسك، وهذا الأمر هو الأغلب على الخليقة، فإن الله سبحانه قضى فيما قضى به أن ما عنده لا ينال إلا بطاعته.

ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، يعني لا تكن مصراً على المعاصي ثم تقول يا رب ليش ما أعطيتني؟ فإن الله قضى فيما قضى أن ما عنده لا ينال إلا بطاعته، وإذا أعطى أناساً مع أنهم مقيمون على معصيته فهذا استدراج والعياذ بالله وخذلان، نعم، وأنه ما استجلب نعم الله بغير طاعته، ولا استديمت بغير شكره، ولا عوقت وامتنعت بغير معصيته.

وكذلك إذا أنعم عليك ثم سلبك النعمة فانه لم يسلبها لبخل منه ولا استئثار بها عليك، وإنما أنت السبب في سلبها عنك، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ علِيمٌ﴾ [الأنفال: 53]. فما أزيلت نعم الله بغير معصيته، إذا كنت في نعمة فرعها فإن الذنوب تزيل النعم، فآفتك من نفسك وبلاؤك منك، وأنت في الحقيقة الذي بالغت في عداوتك وبلغت من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدو منك، كما قيل: ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه.

ومن العجب أن هذا شأنك مع نفسك وأنت تشكو المحسن البريء، وأنت تشكو المحسن البريء عن الشكاية وتتهم أقداره وتعاتبها وتلومها، فقد ضيعت فرصتك وفرطت في حظك، وعجز رأيك عن معرفة أسباب سعادتك وإرادتها، ثم قعدت تعاتب القدر بلسان الحال والقال.

بلسان الحال ولسان القال إن كثير من الناس إذا لم يوفق إلى الطاعة وإذا لم يرشد إلى الاستقامة يبدأ يشكو القدر، يقول: يا أخي ربنا عز وجل كتبني فاجر، الله عز وجل لا يريد لي الخير، لماذا تشكو القدر؟ لماذا لا تتهم نفسك؟ أنت من جلست حجر عثرة في طريق وصول السعادة إليك، نعم.

قال: فانت المعني بقول القائل: وعاجز الرأي مضياع لفرصته حتى إذا فات أمر عاتب القدر.

نعم الإنسان العاجز، عاجز الرأي هو الذي يضيع الفرصة، يفتح له باب خير وباب من أبواب الاستقامة فيعرض عنها وينشغل بتوافه الأمور وبالنظر للحرام، فإذا مات قلبه وفقد معاني العبودية أصبح يقول: الله عز وجل لا يريدني، ربي أهانا.

انت الذي ضيعت، فلا تعلق فشلك على القدر، أنت الذي ضيعت الفرصة التي فتحت أمامك، قال: ولو شعرت بدائك وعلمت من أين دُهيت ومن أين أُصبت لما أمكنك تدارك ذلك.

فكر بأمراض قلبك، حاسب نفسك، ولكن قد فسدت الفطرة وانتكس القلب والعياذ بالله، وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه، فأعرضت عن أصل بلائك ومصيبتك منه، وأقبلت تشكو من كل إحسان دقيق أو جليل وصل إليك، فمن تشكو؟ الله؟

فإذا شكوته إلى خلقه كنت كما قال بعض العارفين وقد راى رجلاً يشكو إلى آخر ما أصابه ونزل به: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟

وإذا عرضك مصيبة فاصبر لها صبر الكريم فإنه بك أرحم، وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم.

وإذا علم العبد حقيقة الأمر وعرف من أين أوتي، ومن أي الطرق أغير على سرحه، ومن أي ثغرة سرق متاعه وسلب، عندئذ استحيى من نفسه على الأقل إن لم يستحيي من الله أن يشكو أحداً من خلقه أو يتظلمهم، أو يرى مصيبته وآفته من غيره.

بعض الناس ممكن مش يشكر الله، ممكن يصير يقول: يا أخي ما هم اليوم ما بيسمحوا لنا نتعلم، يا أخي ما هم اليوم كذا وكذا مضيقين. بعض الشباب أو بعض الإخوة والأخوات يكون ضعيف في سير إلى الله، قد نكون عندنا هذا الضعف وكذا، لكن إذا قلت: يا فلان طيب ليش ما تتعلم؟ لماذا لا تقوي علاقتك بالقران؟ يبدأ ايش يقول لك: ما هم ما بدهم إيانا نتعلم، طيب ما هو في كذا يا أخي طلع الفساد اللي عمله يا أخي انت ايش ظلك تعلق شماعات وتشكو الواقع حتى وترفع وتقول أنه فلان وهذا منعني.

انت سر إلى الله سبحانه وتعالى، لا تبقى تعلق فشلك وعدم سيرك إلى الله على وجود العوائق التي في الطريق، ما هو شيء طبيعي في عوائق، فبالتالي يقول: إذا علم العبد حقيقة الأمر وأنه إنما أوتي من نفسه ومن تقصيره استحى من نفسه أن يشكو أحداً من خلقه، أو يتظلمهم، أو يرى مصيبته وآفته من غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]. نعم.

وقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]. هذا يعني حتى يقول: استحى من نفسي أن يشكو أحداً من خلقه، يعني لما تصاب مصيبة ويسلط الله عليك حتى الظالم.

يقول: يصبر الإنسان العاقل الذي يصاب بمصيبة بتسلط مثلاً ظلم عليه أو أذى الناس له، لا يبدأ ينشغل بالقضاء والقدر ويعترض أو يقول: هذا فلان وفلان، لا، يبدأ يعرف أن هذا فلان لماذا الله سلطه علي؟ هذا فلان لماذا الله عز وجل جعله يظلمني؟ أكيد أنا في آفة في داخلي بسببها سلط هذا الظالم أو هذا الفاسد أو ما يعني يفكر بطريقة أخرى، ما يبقى شغله فقط أن يشكو هذا الرجل أو كذا الظالم أو هذا الفاسد، إنما يرى مصيبته وآفته من نفسه وليس من غيره: أنه أنا بسبب معاصي سلط هؤلاء علي، نعم.

هذا ومن المخاطب بهذا الخطاب؟ وقال تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]. قال: فإن أصررت على اتهام القدر وقلت: فالسبب الذي أصبت به وأتيت به ودهيت منه قد سبق به القدر والحكم.

الآن سيبدأ في مسألة كبيرة سيعطيل الكلام فيها حقيقة، سيعطيل الكلام فيها جداً، وهي مسألة الاحتجاج بالقدر كما قلنا على ماذا؟ على أفعاله التي يقوم بها من المعاصي والذنوب والمنكرات، بل حتى الكفر والفجور، الاستدلال بالقدر على قبح ما يصدر منه، وأنه هذا سبق به القدر ومكتوب علي يا شيخ وأنا ما بستطيع أخرج عن هذا وانتهينا، فهنا سيطيل النفس في ذلك يقول:

قال: وكان في الكتاب مستوراً، فلا بد منه على الرغم مني، وكيف لي أن أنفك منه وقد أودع الكتاب الأول قبل بدء الخليقة، والكتاب الثاني قبل خروجي إلى هذا العالم؟

الكتاب الثاني الذي يكتبه الملك وأنت في بطن والدتك ياتي فيكتب رزقك وأجلك وعملك وشقي أو سعيد، مش كتابة تكون على أكثر من مرتبة وعلى أكثر من مرحلة، نعم.

قبل خروجي إلى هذا العالم وأنا في ظلمات الأحشاء حين أمر الملك بكتب رزق والاجل والسعادة والشقاوة، فلو جريت إلى سعادتي ما جريت حتى بقي بيني وبينها شبر لغلب علي الكتاب فأدركتني الشقاوة، فما حيلة من قلبه بيد غيره يقلبه كيف يشاء ويصرفه كيف أراد إن شاء يزيغه أزاغة، فهو الذي يحول بين المرء وقلبه، وهو الذي يثبت قلب العبد إذا شاء ويزلزله إذا شاء، فالقلب مربوب مقهور تحت سلطانه لا يتحرك إلا بإذنه ومشيتة.

أعلم الخلق بربه صلوات الله وسلامه عليه: «ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أزاغه أزاغه». ثم قال: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك». وكانت أكثر يمينه: «لا، ومقلب القلوب».

طيب، كما قلت لكم الآن سيبدأ الشيخ ابن القيم رحمه الله عليه بسرد أدلة من يحتج بالقدر، فسيذكر كل الأدلة من الكتاب والسنة التي تثبت القدر، وهي حق، وهي حق، لكن الإشكال أين؟ توجيهها وطريقة إسقاطها على واقع ذلك المذنب العاصي، وكيف أنه لا يجوز أن يحتج بالقدر على معصيته، فسيقول لك أصحاب الذنوب يحتجون بالقدر، وسيطيل الاحتجاج بالقدر، خذ هي أربعين صفحة في أدلة القدر اقرأ.

وقال بعض السلف: مثل القلب مثل ريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح ظهراً لبطن، فما حيلة قلب هو بيد مقلبه ومصرفه، وهل له مشيئة بدون مشيئته؟ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29].

وروى عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. وغلام جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بلى، بلى والله يا رسول الله إن عليها لأقفالاً ولا يفتحها إلا الذي أقف قفلها.

هذا موطن الشاهد أن هذا قدر، ولا يفتحها إلا الذي أقف قفلها، نعم.

فلما ولي عمر بن الخطاب طلبه ليستعمله، وقال: لم يقل ذلك إلا من عقل. يعني من إدراك أن الأمور بيد الله، نعم.

قال: وقال طاووس: أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر. وقال أيوب السختياني: أدركت الناس وما كلامهم إلا أن قضي أن قدر. وقال: إن الناس كانت في حياتها ايش تقول؟ إذا ربنا قدر إن شاء الله بنسوي، إذا ربنا قضى إن شاء الله بنعمل، مش هيك الناس تحكي؟ كله هذا إرجاع للقضاء والقدر، نعم.

وقال عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29]. قال: كتب الله أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة، قال: والملائكة تستنسخ ما يعمل بنو آدم يوماً بيوم، فذلك قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

تستنسخه من اللوح المحفوظ إلى الصحف التي بين أيديها، فهذه كتابة اسمها كتابة الملائكة في الصحف، وهذه الكتابة هي التي تقبل التبديل والتغيير: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: 39]، مما في هذه الصحف التي في أيدي الملائكة، نعم.

وفي الآية قول آخر: أن استنساخ الملائكة هو كتابتهم لما يعمل بنو آدم ما بعد أن يعملوه.

هذا تفسير آخر: أننا نستنسخ ما كنتم تعملون، أي بعد عمله، وهذه وظيفة الملكين اللذين على اليمين والشمال تماماً، نعم.

وقد يقال وهو الأظهر أن الآية تعم الأمرين، فيأمر الله ملائكته فتنسخ من أم الكتاب أعمال بني آدم ثم يكتبونها عليهم إذا عملوها، فلا تزيدوا على ما نسخوه من أم الكتاب ذرة ولا تنقصوها.

وقال علي بن أبي

طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق الخير والشر، فخير الخير السعادة وشر الشر الشقاوة. وفي صحيح مسلم عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما آتاهم به نبيهم وثبتت به الحجة؟ قال: قلت: لا، بل فيما قضي عليهم ومضى. قال: أفيكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت فزعاً شديداً، وقلت: إنه ليس شيء إلا.. إنه ليس شيء إلا خلقه وملكه، ولا يسأل عن يفعل وهم يسألون. فقال: سددك الله، إنما سألتك لأحذر عقلك؛ أن رجلاً من مزينة أو جهينة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى، أو فيما يستقبلون مما آتاهم به نبيهم؟ قال: «فيما قضي عليهم ومضى». فقال الرجل: ففيما العمل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خلقه الله لأحدى المنزلتين فسيستعمله لها». وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8].

وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]، قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها. هذا أحد تفاسير الآية.

وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: 30]. قال ابن عباس: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمناً وكافراً، ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: 2]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمناً وكافراً. كل هذه أدلة على القدر.

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]، قال: يحول بين المؤمن والكفر ومعاصي الله، ويحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة الله. وقال ابن عباس ومالك وجماعة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]، قالوا: خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: 13]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: 99]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: 35]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: 112]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف: 37]، أي نصيبهم مما كتب لهم. وقال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: 12]، قال الحسن وغيره: الشرك والتكذيب.

وهذا يدل أن الله هو الذي جعلهم مشركين مكذبين، فهذه قدرت بدلالات الآيات على القدر كيف تؤخذ.

وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: 7]. قال محمد بن كعب القرظي: رقم الله عز وجل كتاب الفجار في أسفل الأرض، فهم عاملون بما قد رقيم في ذلك الكتاب، ورقم كتاب الأبرار فجعله في عليين، فهم يؤتى بهم حتى يعملوا ما قد رقم، معنى كتب، فهم يؤتى بهم حتى يعملوا ما قد رقم عليهم في ذلك الكتاب. وهذا قدر.

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]، بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ. إذاً، ابن عباس يثبت القدر؛ لأنه قال: تبت يدا أي هلكت يداه بسبب ما جرى من القلم في اللوح المحفوظ، يعني أن الله قدره من أهل النار في اللوح المحفوظ، وأنه سيعمل بأعمال أهل النار، فكل ما صدر من أبي لهب جرى عليه سابقاً في اللوح المحفوظ مما كتب عليه.

وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 9]، سد قال عن الحق، فهذا سد عن الحق، وهم الله هو الذي حَرَمهم من الحق، هذا قدر. وفي قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الأنعام: 25]، قال: كالجبة فيها السهام. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]، قال: أضله في سابق علمه. وقال في قوله حكايةً عن عدوه إبليس: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: 16]، قال: أضللتني. وقال في قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 161-162]، قال: من قضيت له أنه صَالِ الجحيم. قضيت له قدر.

وقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألا يعصى لم يخلق إبليس. وقد فصل لكم وبين لكم: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾. وقال وهيب بن خالد، حدثنا خالد قال: قلت للحسن: أهذه خُلِق آدم يعني للسماء أم للأرض؟ قال: بل للأرض. قال: قلت: أرأيت لو اعتصم من الخطيئة فلم يعملها أكان تُرك في الجنة؟ قال: سبحان الله، كان له بد من أن يعملها. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ [الأنبياء: 73]، سبحان الله، كان له بد من أن يعملها، يعني كان له بد من ألا يعملها هذا هو المراد، لا يمكن؛ لأنه خلاص قُدِّر أن آدم سيُعصي وسينزل.

وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: 73]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: 41]، وقال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. كلمة جعل تدل هنا على وجود قدر، يعني نحن الذين جعلنا، والله يتكلم عن نفسه بضمير الجمع نحن من جعلناهم أئمة، جعلناهم للمتقين إماماً، فهذا الجعل من الله دليل على وجود القدر السابق، أي أئمة يهتدى بنا ولا تجعلنا أئمة ضالين يدعون إلى النار.

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الانعام: 28]، اعتبار أنه لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه لجريان القدر أنهم يفعلون هذه الأفعال. ونقلب اعتبار، وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: 110]، نقلب فنسب التقريب إلى نفسه سبحانه. وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 111].

وقال زيد بن أسلم: والله ما قالت القدرية كما قال الله عز وجل، ولا كما قال رسوله، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]، وقالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَمْتَنَا﴾ [البقرة: 32]، وقال شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُنَا﴾ [الأعراف: 89]، وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43]، وقال أهل النار: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: 106]، وقال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: 39].

وقال مجاهد في قوله عز وجل: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13]، قال: مكتوب في عنقه شقي أو سعيد. وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: 41]، يقول: ومن يرد الله ضلالته فلم تغن عنه شيئاً.

وذكر الطبري وغيره من حديث سويد بن سعيد عن سوار بن مصعب عن أبي حمزة عن مقسم عن ابن عباس قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم بسط يده اليمنى فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من الله الرحمن الرحيم لأهل الجنة بأسمائهم وأسباب آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمل أولهم على آخرهم، لا ينقص منه ولا يزاد فيهم، فرغ ربكم. وقد يسلك باهل السعادة طريق الشقاء حتى يقال: كأنهم هم، بل هم هم، ما أشبههم بهم، بل هم! فيردهم ما سبق لهم من الله من السعادة فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها قبل موته بفواق ناقة». سبحان الله. «وقد يسلك الناس يسلك بهم طريق الشقاء حتى يقال: هذول اهل النار خلاص هم يعني هؤلاء هم الضلال، قبل أن يموت بفواق ناقة، والفواق هي الفترة بين الحلبتين للناقة»، يعني ساعتين ثلاث قبل أن يموت بفواق ناقة يقلب ويتوب ويعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. والعكس بالعكس؛ شاب من أهل الخير صلاح من طلاب العلم حتى يقال نفس الشيء: هم هم، هذول هم الأولياء، هذول هم المشايخ ما شاء الله عنهم، هؤلاء الذين يعني يستمطروا بدعائهم، فيسبق عليه الكتاب قبل أن يموت بأيام أو ساعات فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.

قال: «وقد يسلك باهل الشقاء طريق السعاده حتى يقال»، قد يسلك بأهل الشقاء يعني من كتب الله لهم الشقاء في الدنيا ابتداء، قد يظهر عليه أنه من أهل السعادة ومن طلاب العلم ومن أهل الخير ومن أهل الصلاح. قال: «حتى يقال: كأنهم هم، بل هم هم، ما أشبههم بهم، بل هم! فيردهم ما سبق لهم من الله فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، ولو قبل موته بفواق ناقة». فصاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة وإن عمل بعمل أهل النار، وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار وإن عمل بعمل أهل الجنة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بخواتيمها».

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواء سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]، وفي قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: 35]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: 125]، وقوله: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 111]، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: 13]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: 99]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: 8]، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: 28]، ونحو هذا من القرآن، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعه على الهدى، فأخبره الله عز وجل أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، ويقول: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4]. ثم قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 2]، ويقول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128].

وفي صحيح مسلم عن طاوس: أدركت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر. وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس». وفي صحيح مسلم أيضاً عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء».

وفي صحيحه أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان».

وفي صحيحه أيضاً عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النذر لا يقدر لابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره، ولكن النذر يوافق القدر فيخرج ذلك من البخيل ما لم يكن يريد أن يخرجه».

وفي حديث جبريل وسؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره».

وفي الصحيحين حديث ابن مسعود في التخليق وفيه: «والذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».

ذكر الطبري عن الحسن بن علي الطوسي قال: حدثنا محمد بن يزيد الأسفاطي البصري المحدث البصره قال: رايت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت: يا رسول الله حديث عبد الله بن مسعود، حدثني الصادق المصدوق أعني حديث القدر، فقال: «أي والله الذي لا إله إلا هو حدثت به». رحم الله عبد الله بن مسعود حين حدث به، ورحم الله زيد بن وهب حين حدث به، ورحم الله الأعمش حين حدث به، ورحم الله من حدث به قبل الأعمش، رحم الله من يحدث به بعد الأعمش.

قال: وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: «الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره». قال: وقد روي حديث تقدير السعادة والشقاوة في بطن الام من حديث عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعائشة أم المؤمنين، وحذيفة بن أسيد، وأبي هريرة. وحذيفة بن أسيد يعني هذا هو المشهور ولا أعرف لماذا حركة سيد أنها، وحذيفة بن أسيد وأبي هريرة.

قال: وقال أبو الحسن علي بن عبيد الحافظ: سمعت أبا عبد الله بن أبي خيثمة يقول: سمعت عمرو بن علي الفلاس يقول: انحدرت من سر من رأى إلى بغداد في حاجة لي، فبينما أنا أمتي في بعض الطريق إذا بجمجمه قد نخرت فأخذتها فإذا على الجبهة مكتوب: شقي، والياء مكسورة إلى خلف. وهؤلاء كلهم أئمة الحفاظ ذكره الطبري في السنة. يعني كيف أنه يعني مكتوب على جبهته أنه شقي خلاص، يعني مكتوب له بالشقاء وهذا قدر.

قال: وفي الصحيحين حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة». فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل..».

السعادة. ﴿وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِن أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَيُسَرُّ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ﴾، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 5-10].

قال: وفي الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أَعُلِمَ أَهْلُ الجَنَّةِ مِن أَهْلِ النَّارِ؟ قال: «نَعَمْ». قيل له: ففيما يعمل العاملون؟ قال: «نَعَمْ، كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ».

وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا! عصفور من عصافير الجنة، لم يدرك السوء ولم يعمل. قال: «أو غير ذلك، إن الله تعالى خلق للجنة أهلا وخلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا وخلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم».

وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا».

وفي مسند الإامم أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره». وفي لفظ: فجعلهم في ظلمة واحدة، فأخذ من نوره فألقاه على تلك الظلمه، فمن أصابه نور اهتدى ومن أخطاه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله.

قال: وذكر راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي قتادة السلمي: سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خلق الله آدم وأخرج الخلق من ظهره، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي». قال: قيل: على ما نعمل؟ قال: «على مواقع القدر». وذكر: على ما قدر لكم.

قال: وذكر أبو داود في كتاب القدر عن عبد الله بن مسعود أنه مر على رجل فقالوا: هذا هذا، ونالوا منه. فقال عبد الله: أرأيتم لو قطعتم يده أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له يدا؟ قالوا: لا. قال: فلو قطعتم رجله أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رجلا؟ قالوا: لا. قال: فلو قطع رأسه أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رأسا؟ قالوا: لا. قال: فكما لا تستطيعون أن تغيروا خلقه لا تستطيعون أن تغيروا خلقه؛ إن النطفة إذا وقعت في الرحم بعث الله إليه ملكا فيكتب أجله وعمله ورزقه وشقي أو سعيد.

هذه إشارة إلى أنه برضه في أخلاق تكون في طبيعة الإنسان صعب يغيرها؛ بعض الطبائع التي ينشأ عليها الإنسان، كان ابن مسعود يقول هذا، خلاص صعب تغيره، هذا هيك طبائعه، نفسيته، طريقة تعامله. الأصل قد تهذب، قد تشذب، بس هو يريد أن يقول: خلاص يعني أحيانا بعض الناس لما يصير عمره خمسين وستين وكذا بقول لك: هو هكذا من يوم ما ولدت، تصبح عملية تغيير هذه الطباع فيه صعبة جدا، فيحال على ذلك على القدر أنه خلاص انتهت يعني هذا قدره.

قال: وذكر فيه عن ابن مسعود مرفوعا: «إنما هو اثنتان: الهدي والكلام، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وإن كل ما هو آت قريب، وإن الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره».

وقال ابن وهب: قال أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عبد الرحمن بن هنيدة حدثه أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله أن يخلق النسمة»، قال: قال ملك الارحام: معرضا يا معرضا؟ قال: يا ربي، ذكر أم أنثى؟ فيقضي الله أمره، ثم...

معرضا، ظاهر أنها كما قال بعض الحواشي من التعريض. فيقضي الله أمره ثم يقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله أمره، ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها. أو هو قد يكون معرضا من العرض؛ أنه يعني معرضا على طريقة العرض: يا رب اكتب كذا أو كذا، ليس من التعريض يعني، في بعض النسخ بالتعريض، ولكن الذي يظهر لما يعني التعريض ليس مناسبا في هذا المقام أن يفسر به.

قال ملك الارحام: معرضا، كأنه نوع من أنواع العرض، يعني سائلا يا رب ماذا أفعل؟

وقال الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره سواء. قال الزهري: وحدثني عبد الرحمن بن هنيدة عن ابن عمر مثل ذلك.

قال: وذكر أبو داود أيضا عن عائشة ترفعه: «أن الله حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكا فيدخل على الرحم فيقول: أي رب ماذا؟ فيقول: غلام أو جارية -أو ما شاء الله أن يخلق في الرحم- فيقول: أي رب، أشقي أم سعيد؟ فيقول: شقي أو سعيد. فيقول: أي رب، ما أجله؟ فيقول: كذا وكذا. وما شاء الله أن يخلق في الرحم مثلا توأم؛ ممكن غلام وجارية، أو جاريتين، أو غلامين، حتى ما حدا يقول شو الخيار الثالث يعني ولا أو جاريتين أو ما شاء الله، يعني قد يكون توأما وهكذا، قد تكون أكثر. فيقول: أي رب ما خلقه؟ فيقول كذا وكذا. قال: فيقول: يا رب ما خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا».

قال: فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم؛ خلائقه يعني طبائعه أعماله.

قال وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي تميم الجيشاني عن أبي ذر: أن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليله آتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب تعالى في راحته فيقول: يا رب، عبدك ذكر أم أنثى؟ فيقضي له ما هو قاض.

اشهنا هذا الحديث طبعا هذه قضية سيعالجها ابن القيم؛ قضية الأربعين يوما، هل هي أربعون يوم نطفة ثم أربعون يوم علقة ثم أربعون يوم مضغة ثم بعد ذلك تكتب الأمور، ولا تكتب بعد الأربعين الأولى؟ ابن القيم له وجهة نظر معينة في الجمع بين هذه الأحاديث المتعارضة في قضية متى تكون الكتابة البطنية، هل هي بعد الأربعين الأولى أو بعد، وإن أما هناك أربعون نطفة، أربعون علقة، أربعون مضغة، ثم يكتب بعد الأربعين الثالثة؟

الان ظاهر هذا الحديث أن الكتابة تكون بعد الأربعين الأولى، بمكث في الرحم أربعين ليلة آتاه الملك النفوس فسأل الرب، أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاق بين عينيه. قال أبو تميم وزاد أبو ذر من فاتحة سورة التغابن خمس آيات، قرأ أبو ذر من بداية سورة التغابن خمس آيات.

وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن كعب بن علقمة عن عيسى بن هلال عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين يوما جاءها ملك فاختلجها ثم عرج بها إلى الرحمن عز وجل فقال: اخلق يا أحسن الخالقين، فيقضي الله فيها بما يشاء من أمره، ثم تدفع إلى الملك، فيسأل الملك عن ذلك، فيقول: يا رب، أسق أم تم؟ -يبين له- ثم يقول: يا رب، واحد أو توأم؟ -يبين له- ثم يقول: يا رب، ذكر أم أنثى؟ -يبين له- ثم يقول: يا رب، أناقص الأجل أم تام الأجل؟ -يبين له- ثم يقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ -يبين له- ثم يقول: يا رب، أقسم رزقه مع خلقه؟».

أقسم يعني أحسم، أحسم يعني أقطع بعض يعني احسم.

قال: «فالذي نفسي بيده ما ينال من الدنيا إلا ما قسم له، فاذا أكل رزقه قبض». وفي صحيح مسلم: بس تخلص رزقك من الآجال والهذا يقبضك الله إليه.

قال وفي صحيح مسلم عن حذيفه بن أسيد قال: يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربع أو خمس وأربعين ليلة فيقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟». أيضا في حديث حذيفة أن الملك يكون بعد أربعين أو خمس وأربعين على شك فيسأل فيقول: أشقي أو سعيد؟ فيكتبان. فيقول: يا رب، أذكر أنثى؟ فيكتبان. قال: «ويكتب عمله وأثره ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص».

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ورفع الحديث قال: «أن الله وكل بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة؟ أي رب علقة؟ أي رب مضغة؟ فاذا أراد الله أن يخلق خلقا قال الملك: أي رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب ذلك، فيكتب ذلك في بطن أمه».

وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه الروح ويبعث إليه الملك فيؤامر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد».

ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير وهذه الكتابة في الطور الرابع من أطوار التخليق عند نفخ الروح فيه، وفي الأحاديث التي ذكرت آنفا أن ذلك في الأربعين الأولى قبل كونه علقة ومضغة. وفي رواية صحيحة: «إذا مر بنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليه ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها». وفي رواية أن ذلك يكون في بضع وأربعين ليلة.

فصل: قال الجمع بين هذه الروايات: أن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة، وأنه يقول: يا رب، هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة، في أوقاتها، فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بامر الله تعالى وهو أعلم بها منه.

يعني أول قضية: أن الملك يكون ملازما لهذه النطفة في لحظة تقلبها في الرحم، فإذا صارت علقة يقول: يا رب صارت علقة، إذا صارت مضغة يقول: يا رب صارت مضغة، فكانه يراعيها حبه حبه كما يقولون حتى تنمو ويخبر ربه بذلك، وإن كان الرب أعلم بالملك، أعلم من الملك بما يحصل لهذه النطفة، وهو سبحانه عليم بكل شيء، ولكن هذا يدلك على مدى اللي بسموها الاعتناء والإحاطة، وأن كيف هذا الخلق وهذا الكون عظيم عظيم وبدقة، وأن هذه الأجنة أيضا لها ملائكة خلقت لمراعاتها.

قال: ولكلام الملك وتصرفه أوقات؛ أحدها حين يخلقها الله نطفة، ثم ينقلها علقة، وهو أول أوقات علم الملك بأنه ولد، لأنه ليس كل نطفة تصير ولدا، وذلك بعد الأربعين الأولى في أول الطور الثاني. ولهذا والله أعلم بعد لما النطفة بعد أن يعني في هناك نطفة تدخل على الرحم لكن سبحان الله لا تصبح بويضة مخصبة، فإذا يعني النطفة جلست المدة الطبيعية لها واندمجت مع رحم المرأة وفي بويضتها، إذا تحولت إلى العلقة عندئذ نستطيع نقول إننا بدأنا بالتخليق الحقيقي، قبل ذلك في احتمالية أن هذا الحمل، حمل كاذب، الحمل الكاذب، نحن شو بسموه العواهم أو حمل غير صحيح يعني غير مكتمل أصلا من البداية.

قال: ولهذا والله أعلم وقعت الإشارة إليه في أول سورة، في أول سورة أنزلها على رسوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العسق: 1-2]. فإذا إذ خلقه من علقة هو أول مبدأ الإنسانية، وحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته.

ثم للملك فيه تصرف آخر في وقت آخر، وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره وجلده وعظمه ولحمه وذكورته وأنوثته، وهذا إنما يكون في الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيه.

ابن القيم من المصرين على أنه هي ثلاث أربعينات؛ هذا منهجه على ظاهر ما يفهم الناس من حديث ابن مسعود أنه هي أربعون بعدين أربعون بعدين أربعون، بل هو يقطع بذلك، ويقطع أن العلقة تجلس أربعين يوم، المضغة بأربعين، ويرى أن أي قول آخر غير صحيح.

لكن أنا كثير ربما ناقشته وأشرت إلى القضية أن هذا الكلام الذي يقوله لا، ليس مقطوعا به، بل الأظهر كما يقول الأطباء المعاصرون أنه أطوار التخلق الأولى هي تكون ضمن الأربعين الأولى، يعني طور النطفة والعلقة والمضغة هي ضمن الأربعين الأولى وليست هي ثلاث أربعينات؛ يعني هذا ما يقوله الطب وهذا ما تشير إليه بعض الروايات، روايات الأربعين، ورواية ابن مسعود عرفنا كيف نفهمها ضمن روايات الأربعين: «إن أحدكم خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك»، أن المثلية هنا ليست مثلية في العدد، أربعون ثم أربعون ثم أربعون، وإنما مثلية في ماذا؟ في اجتماع الخلق وفي الهيئة، لكن ابن القيم له رأي آخر على ظاهر أحادیث ابن مسعود.

قال: وهذا إنما يكون في الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيه، لأن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره. قال: فها هنا تقديران وكتابتان؛ التقدير الأول عند ابتداء تعلق التخليق في النطفة، وهو إذا مضى عليها أربعون ودخلت في طور العلقة، ولهذا في إحدى الروايات: «إذا مر بنطفة اثنتان وأربعون ليلة».

إذا، ابن القيم يرى أن الملك أن الملك سيتدخل مرتين بتقديرين وكتابتين.

التقدير الأول، وهو بإذن الله كل شيء. التقدير الأول بعد الأربعين الأولى إذا مضى عليها أربعون ودخلت في طور العلقة، والتقدير الثاني والكتابة الثانية. التقدير الأول والكتابة الأولى، نستطيع أن نقول: التقدير الأول أظن كلمة الكتابه الأولى تكون محذوفة هنا كأنه سقطت. التقدير الأول والكتابة الأولى تكون بعد الأربعين الأولى من لما تتحول النطفة إلى علقة، ولهذا جاء في إحدى الروايات: «إذا مر بالنطفة أربعون ليلة». والتقدير الثاني والكتابة الثانية إذا كمل تصويره وتخليقه بعد الأربعين، ثم أربعون، ثم أربعون.

قال: فالتقدير الأول تقدير لما يكون للنطفة بعد الأربعين، والتقدير الثاني تقدير لما يكون للجنين بعد تصويره. قال: ثم إذا ولد قدر مع ولادته كل سنة ما يلقاه في تلك السنة، وهو ما يقدر ليلة القدر من العام إلى العام، فهذا التقدير أخص من التقدير الثاني، والثاني أخص من الأول. يعني كأنه يرى أن قضية يا رب أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ عمله أن الملك يطلبها من الله مرتين. هيك طريقة ابن القيم في الجمع بين الأحاديث؛ يطلبها من الله أن يكتبها بعد الأربعين الأولى، ثم يعود فيطلب من الله أن يكتبها بعد الأربعين الثالثة، غير هي الكتابة السنوية التي تقول لك كل سنة في ليلة القدر. هو رأى أن هذه الطريقة الصحيحة للجمع بين الأحاديث، أنه في أحاديث ظاهرها أنه يقول: يا رب، ذكر، أنثى، شقيق أو سعيد بعد الأربعين أو اثنين وأربعين يوماً كذلك، وفي بعض الأحاديث أنه يسألها من الله بعد الأربعين الثالثة.

فهو إذاً أولاً؛ رأي ابن القيم مبني على أنها ثلاث أربعينات. هي المقدمة الأولى عنده أن هي ثلاث أربعينات، وأن حتى يجمع بين الأحاديث ولا تكون متضاربه كما قال لك للجمع بين الروايات نقول: أن هذه الأسئلة يسألها الملك لله بعد الأربعين الأولى، ثم يسألها لله بعد الأربعين الثالثة، لذلك قال: تقديران وكتابتان. ثم إذا ولد قدر مع ولادته كل سنة ما يلقاه في تلك السنة، فهذا التقدير الثالث الذي يكون كل سنة، وأخص من التقدير الثاني. التقدير الثاني هو الذي يكون بعد الأربعين الثالثة، والتقدير الثاني الذي هو بعد الأربعين الثالثة أخص من الأول، فجعل الأول الذي يكون بعد الأربعين الأولى كأنه هو الأصل، ثم الثاني الذي يكون بعد الأربعين الثالثة هو الفرع، ثم الذي يكون كل سنة هو فرع الفرع. نعم، لكن لم يظهر لي لماذا نجعل الثاني أخص من الأول إذا كانت نفس المسألة.

قال: ونظير هذا أيضاً أن الله سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. ثم قدر مقادير هذا، هذا التقدير القديم الأزلي. نعم. قال: ثم قدر مقادير هذا الخلق حين خلقه وأوجده، ثم يقدر كل سنة في ليلة القدر ما يكون في ذلك العام، وهكذا تقدير أمر النطفة وجانها يقع بعد تعلقها بالرحم وبعد كمال تصوير الجنين، وقد تقدم ذلك تقدير شأنها قبل خلق السماوات والأرض، فهو تقدير بعد تقدير.

قال: ونظير هذا أيضاً رفع الأعمال وعرضها على الله؛ فإن عمل العام يرفع في شعبان كما أخبر به الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال، قال: فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم. ويعرض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرض عمل اليوم في آخره. قال: والليل في آخره، كما في حديث أبي موسى الذي رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل».

فهذا هو حتى لا تستشكل فكرة لماذا يكون تقدير بعد تقدير؟ مش الأول كافي؟ يقول لك هذا له نظير أيضاً في باب عرض الأعمال على الله، فالأعمال تعرض على الله في شعبان، في ليلة النصف من شعبان تعرض أعمال طول السنة، وفي ثم تعرض أيضاً أسبوعياً كل اثنين وخميس، ثم تعرض يومياً كذلك؛ عمل الليل يعرض على الله وعمل النهار يعرض على الله. فكما أن الأعمال تعرض على الله أكثر من عرض وكل عرض له طبيعته وما فيه، فكذلك التقدير لا مانع أن يكون كتقدير عام لكل، ثم تقدير أخص، ثم تقدير أخص، فهذه فكرة لها نظير في الشريعة.

قال: فهذا الرفع والعرض اليومي أخص من العرض يوم الاثنين والخميس، والعرض فيهما أخص من العرض في شعبان، ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل كله وعرض على الله وطويت الصحف، وهذا عرض آخر. وهذه المسائل العظيمة القدر هي من أهم مسائل الإيمان بالقدر، فصلوات الله وسلامه على كاشف الغمة هذه الأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

نعم، بس هنا نعم نعم ظهر لي فكرة قلت لكم: لماذا جعل التقدير الثاني الذي بعد الأربعين أخص من التقدير الذي... أنا قلت: لماذا جعل التقدير الذي بعد الأربعين الثالثة أخص من التقدير الذي بعد الأربعين الأولى؟ وهنا انتبهت الآن للنص، سبحان الله غفلت عنه، لما قال فالتقدير الأول في صفحة سبع وخمسين لما قال: فالتقدير الأول الذي هو بعد الأربعين الأولى، تقدير لما يكون للنطفة بعد الأربعين الأولى، فهذا يشمل ما يكون لها للاربعين الثانية للاربعين الثالثة ثم إلى ما بعد ذلك. وأما التقدير الثاني الذي يكون بعد الأربعين الثالثة هو يشمل ما سيحصل لها بعد الأربعين الثالثة إلى قيام الساعة مثلاً، فبالتالي أيُّهما أوسع؟ الأول أوسع من الثاني، ليه؟ لانه شمل شهرين زيادة؛ يعني التقدير الذي بعد الأربعين الأولى شمل ما يكون للأربعين الثانية، للأربعين الثالثة، ثم إلى قيام الساعة. أما التقدير الذي يكون بعد الأربعين الثالثة هو يشمل ما سيكون بعد الثالثة إلى قيام الساعة، فلذلك الثاني أخص من الأول، لأن الأول عنده زيادة شهرين، فيه زيادة شهرين.

نعم، طيب نكمل إلى أين انتهينا إن شاء الله؟ قال: فان قيل فما تقولون في قوله: «إذا مر بالنطفة اثنان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، أجله، فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك». وهذه بعض ألفاظ مسلم في الحديث.

وهذا يوافق الرواية الأخرى: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة، قال: فيقول: يا رب، أشق أم سعيد؟». ويوافق الروايات الأخرى أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك، وهذا يدل على أن تصويرها عقيب الأربعين الأولى. يعني في هناك روايات كثيرة فعلا تدل على أن التصوير والتخلق يكون بعد الأربعين الأولى، وهذا كما قلت يعني الطب الحديث يسير مع هذا.

قيل: لا ريب أن التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع في الأربعين الثالثة، لا يقع عقيب الأولى، هذا أمر معلوم بالضرورة. قال: فإما أن يكون المراد بالأربعين في هذه الألفاظ الأربعين الثالثة وسمى المضغة فيها نطفة اعتباراً بأول أحوالها وما كانت عليه، أو يكون المراد بها الأربعين أو يكون المراد بها الأربعين الأولى وسمى كتابة تصويرها وتخليقها وتقديره تخليقاً اعتباراً بما يؤول، فيكون قوله صورها وخلق سمعها وبصرها أي قدر ذلك وكتبه وأعلم به ثم يفعله بعد الأربعين الثالثة، أو يكون المراد به الأربعين الأولى وحقيقة التصوير فيها، فيتعين حمله على تصوير خفي لا يدركه إحساس.

يعني هو يقول: نحمل الأحاديث التي فيها أن التصوير بعد الأربعين الأولى على تصوير خفي، والأحاديث أن التصوير يكون بعد الأربعين الثالثة على التصوير والتخليق الظاهر البين. طبعا هذا كله تأويلات من ابن القيم عليه رحمة الله لمحاولة الجمع.

فإن النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة، وحينئذ يكون أول مبدأ التخليق هو... أصلاً هو ابن القيم مصر على نقطة ماذا؟ أنه هي النطفة ستبقى نطفة أربعين يوماً، هذه هي المشكلة عنده فيقول لك: خلص، ما هي بعد الأربعين رح تصير علقة، كيف يكون في تخليق ولساتنا في طور العلقة؟ فهي الإشكال الأول هو ماذا؟ هو جزمية ابن القيم عليه رحمة الله أنه هي تمكث نطفة أربعين يوماً. هي النقطة نعم. فيكون مع هذا المبدأ مبدأ التصوير الخفي الذي لا يناله الحس، ثم إذا مضت الأربعون الثالثة صورت التصوير المحسوس المشاهد، فأحد التقديرات الثلاثة متعين ولا بد ولا يجوز غير هذا البتة، إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم. وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وادل على القدرة، والله أعلم بمراد رسول. التقدير الثالث أنه بعد الأربعين الأولى في تصوير خفي، وبعد الأربعين الثالثة التصوير والتخليق الواضح، ويرى أن هذا أفضل التأويلات.

غير أنا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم واللحم إنما يكون بعد الأربعين الثالثة، والمقصود أن كتابة الشقاوة والسعادة وما هو لاق عند أول تخليقه، يعني وهذا مراد الحديث في النهاية.

قال: ويحتمل وجهاً رابعاً، وهو أن النطفة في الأربعين الأولى لا يتعرض إليها ولا يعتنى بشأنها، فاذا جاوزتها وقعت في أطوار التخليق طوراً بعد طور، ووقع حينئذ التقرير والكتابة. فحديث ابن مسعود صريح بأن وقوع ذلك بعد الطور الثالث عند تمام كونها مضغة، وحديث حذيفه بن أسيل وغيره من الأحاديث المذكورة إنما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين ولم يوقت فيها البعدية بل أطلقها.

اه، الرأي هذا احتمال رابع؛ أن نقول الحديث الذي عين أن الكتابة بعد الأربعين الثالثة حديث ابن مسعود هو حددها بالضبط أنها بعد الأربعين الثالثة، والأحاديث التي تقول إنه كتب بعد أن الملك يأتي بعد أربعين يوماً أو بعد اثنين وأربعين يوماً هذه أطلقت. ايش يعني؟ أليست الكتابة بعد الأربعين الثالثة هي وقعت بعد الأربعين الأولى؟ فلما يأتي أحاديث يقول لك: إن الملك سيأتي بعد الأربعين فيكتب، هي لا تتعارض. من لما أقول: إن الملك جاء بعد أربعين ثم أربعين ثم أربعين فكتب؛ لأن كتابته بعد الأربعين الثالثة هي ضمنياً وقعت بعد الأربعين الأولى، فلا يتعارض. أقول لك والله أنا كتبت مثلاً افترض هكذا، أقول لك: أنا لم اكتب هذا، الكَتَبَة بعد أسبوع، وأكون فعلياً كتبت بعد ثلاثة أسابيع. هل إذا قلت لك: أنا كتبت بعد أسبوع يتعارض مع قولي كتبت بعد ثلاثة أسابيع؟ لا يتعارض، لماذا؟ لأن كتابتي بعد ثلاثة أسابيع هي وقعت بعد الأسبوع، هي وقعت بعد الأسبوع ضمناً. فهذا تحليل آخر رابع للمشهد، يعني أنه ما في تعارض، أن هي نفس المدة، هي وقعت الكتابة بعد الثالثة، لكن في أحاديث نص على أنها بعد الثالثة، وفي أحاديث اكتفى النبي عليه الصلاة والسلام في قول أنها وقعت بعد الأربعين الأولى.

قال: ولم يوقت فيها البعدية بل أطلقها، وقد قيدها ووقتها في حديث ابن مسعود، والمطلق في مثل هذا يحمل على المقيد بلا ريب. فجعله من قبيل حمل المطلق على المقيد.

قال: فأخبر بما يكون للنطفة بعد الطور الأول من تفاصيل شأنها وتخليقها وما يقدر لها وعليها، وذلك يقع في أوقات متعددة وكله بعد الأربعين الأولى وبعضه متقدم على بعض، كما أن كونها علقة متقدم على كونها مضغة. قال: وكونها مضغة متقدم على تصويرها، وتصويرها متقدم على نفخ الروح، ومع ذلك فيصح أن يقال: إن النطفة بعد الأربعين تكون علقة ومضغة ويصور خلقها وتركب فيها العظام والجلد ويشق لها السمع والبصر وينفخ فيها الروح ويكتب شقاوتها وسعادتها. وهذا لا يقتضي وقوع ذلك كله عقيب الأربعين الأولى من غير فصل.

قال: وهذا وجه حسن جداً، والمقصود أن تقدير الشقاوة والسعادة والخلق والرزق سبق خروج العبد إلى دار الدنيا، فأَسْكنه الجنة والنار وهو في بطن أمه. سبحان.

قال: وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: نعود إلى أحاديث القدر واستحضاره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة». الحديث في صحيح البخاري، كتب دلالة القدر.

وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كان له بطانتان؛ بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله». وفي سنن ابن ماجه من حديث... عن... الشاهد: «والمعصوم من عصم الله». هذه أمر بالقدر.

قال: عن عدي بن حاتم أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عدي، أسلم تسلم». قلت: وما الإسلام؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها وحلوها ومُرها». وفي صحيح البخاري من حديث الحسن عن ابن تغلب قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم مال فأعطى قوماً ومنع آخرين، فبلغه أنهم عتبوا فقال: «إني أعتي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إليّ من الذي أعطي؛ أعطي أقواماً لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير». الحديث.

وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء». وفي الصحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد...

قيل يا رسول الله: أفيّ خُلقان يحبهما الله؟ الحلم والأناة؟ قال: «أخُلقان تخلقت بهما أم جُبلت عليهما؟» قال: بل جُبلت عليهما. قال: «الحمد لله الذي جبلني على خُلقين يحبهما الله».

وقال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جَفَّ القلم بما أنت لاق». رواه البخاري تعليقاً. وذكر البخاري أيضاً عن ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61]، قال: سبقت لهم السعادة.

وفي سنن أبي داود وابن ماجه، من حديث عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبي بن كعب وزيد بن ثابت رضي الله عنهم: أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار. وقاله زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي سنن أبي داود عن أبي حفص الشامي، قال عبادة بن الصامت: يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ربي وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات على غير هذا فليس مني».

وفي الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقيع الغرقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ومعه مخصرة، فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من النار أو الجنة، إلا قد كتب شقية أو سعيدة». فقال رجل من القوم: يا نبي الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان من أهل السعادة... فمن كان من أهل السعادة أيكوننا إلى السعادة؟ ومن كان من أهل الشقوة... وإن كان من أهل الشقوة أيكونن إلى الشقاوة؟ قال: «اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون للسعادة، وأاما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة». ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 5-10].

وفي السنن الأربعة عن مسلم بن يسار الجهني: أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: 172]، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون». قال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا خلق الععبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار».

وفي الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والططيب». قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وذكر الطبري من حديث مالك بن عبد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: «لا تكثر همك، ما يقدر يكن وما ترزق يأتيك».

وذكر عن طارق بن شهاب عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت داعياً ومبلغاً وليس إلي من الهدى شيء، وخلق إبليس مزيناً وليس إليه من الضلالة شيء».

وقال ابن وهب: قال أخبرنا عبد الرحمن بن سلمان عن عقيل عن عكرمه عن ابن عباس قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم فسمع ناساً من أصحابه يذكرون، فقال: «انكم قد اخذتم في شعبتين بعيدتي الغور، فيهما هلك أهل الكتاب من قبلكم». قال: ولقد أخرج يوماً كتاباً فقال: «هذا كتاب من الله الرحمن الرحيم، فيه تسمية أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمل على آخرهم، لا ينقص منه أحد، فريق في الجنة وفريق في السعير».

وفي الترمذي عن ابن عباس قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: «يا غلام، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، رفعت الأقلام وجفت الصحف، لو جاهدت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو جاهدت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً». وفي بعض روايات الحديث عن غير الترمذي: «فلو أن الناس اجتمعوا على أن يعطوك شيئاً لم يقدره الله لك لم يقدروا عليه، ولو أن الناس اجتمعوا على أن يمنعوك شيئاً قدره الله لك وكتبه لك ما استطاعوا، فاعبد الله بالصبر مع اليقين».

وقال علي بن الجعد: ثنا عبد الواحد بن سليم البصري عن عطاء بن أبي رباح قال: سألت عبادة بن الصامت كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: جعل يقول: يا بني اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تعبد الله وحده وتؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتي، كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير هذا دخلت النار. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. فقال: وما أكتب؟ قال: فجرى تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد».

وذكر الطبري من حديث بقية، حدثنا أبو بكر العنسي عن يزيد بن أبي حبيب ومحمد بن يزيد، قال: حدثنا نافع عن ابن عمر قال: قالت أم سلمه: يا رسول الله، لا تزال نفسك في كل عام وجعة من تلك الشاة المسمومة التي أكلتها؟ قال: «ما أصابني من شيء منها إلا وهو مكتوب علي وآدم في طينته».

وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله». وفي صحيحه أيضاً عن زيد بن أرقم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم آت نفسي تقواها وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها». وفي صحيحه أيضاً عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: «اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئ الأخلاق، لا يصرف عني سيئها إلا أنت». وهذا كله قدر.

وفي الترمذي والمسند من حديث عمران بن حسين: أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أباه هذا الدعاء: «اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي». ورواى سفيان، ودل على أن الله هو الذي يلهم: ألهمني رشدي، إذاً وكله من الله.

وروى سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال: قام عمر بن الخطاب بالجابية خطيباً، فقال في خطبته: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وعنده الجاثليق يسمع ما يقول، قال: فنفض ثوبه كهيئة المنكر، فقال عمر: ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، يزعم أن الله لا يضل أحداً. قال: كذبت يا عدو الله، بل الله خلقك وهو أضلك، وهو يدخلك النار إن شاء الله، أما والله لولا ولث عهد لك لضربت عنقك، إن الله خلق الخلق فخلق أهل الجنة وما هم عاملون، وخلق أهل النار وما هم عاملون. (ولث عهد يعني بقية عهد كما قال). قال: هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه.

وذكر الطبري عن أبي بكر الصديق قال: خلق الله الخلق فكانوا في قبضته، فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنة بسلام، وقال لمن في يده الأخرى: ادخلوا النار ولا أبالي، فذهبت إلى يوم القيامة.

وقال ابن عمر: جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرايت الزنا بقدر الله؟ قال: نعم. قال: فإن الله قدره علي ثم يعذبني؟ قال: نعم يا ابن اللخناء، أما والله لو كان عندي انسان لأمرت أن يجا... أنفك.

وذكر عن علي رضي الله عنه أنه ذكر عنده القدر يوماً، فأدخل إصبعيه السبابة والوسطى في ففرق بهما باطن يديه وقال: أشهد أن هاتين الرقمين كانتا في أم الكتاب. (يعني كأنه وضع اصبعيه السبابة والوسطى في فمه ثم خط بهما خطاً هكذا بريقه على باطن يده وقال: أشهد، شايف هذول الخطين؟ ما كتبتهم إلا وهما مكتوب في السابق وفي قدر الله أنني سأرقمها). وذكر عنه أيضاً أنه قال: أن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقيناً غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويقر بالقدر كله.

وذكر البخاري عن مسعود أنه قال في خطبته: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. وقال ابن مسعود: لأن أعض على جمر أو أقبض عليها حتى تبرد في يدي أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن. وقال: لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر ويعلم أنه ميت وأنه مبعوث من بعد الموت. وقال الأعمش عن خيثمة عن ابن مسعود: أن العبد ليهم بالأمر من التجارة والاماره حتى يتيسر له، فنظر الله إليه من فوق سبع سماوات فيقول للملائكة: اصرفوه عنه فاني إن يسرته له أدخلته النار. قال: فيصرفه الله عنه. قال: فيقول: من أين دهيت؟ أو نحو هذا، وما هو إلا فضل الله عز وجل.

وذكر الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضا شديداً فأغمي عليه فأفاق فقال: أغمي علي؟ قالوا: نعم. قال: إنه أتاني رجلان غليظان فأخذ بيدي فقال: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين. فانطلقا به فتلقاهما رجل فقال: أين تريدان به؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين. فقال: دعاه فإن هذا ممن سبقت له السعاده وهو في بطن أمه. (سبحان الله).

قال وقال ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه قال: ألا أسمعت ابن عباس يقول: العجز والكيس بقدر. وقال مجاهد: قيل لابن عباس أن ناساً يقولون في القدر، قال: يكذبون بالكتاب، لئن اخذت بشعر أحدهم لأنضونه، إن الله عز وجل كان على عرشه... (أنزعنه يعني). إن الله عز وجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فانما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.

وقال ابن عباس أيضاً: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضاً للتوحيد، ومن وحد الله وآمن بالقدر كانت العروة الوثقى لا انفصام لها.

وقال عطاء بن أبي رباح قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس، أرايت من صدني عن الهدى وأوردني دار الضلالة والرد، ألا ترى قد ظلمني؟ فقال: إن كان الهدى شيئاً كان لك عنده فمنعكه فقد ظلمك، وأن كان الهدى هو له يؤتيه من يشاء فلم يظلمك، قم لا تجالسني.

وقال عكرمه عن ابن عباس: كان الهدهد يدل سليمان على الماء، فقلت له: وكيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ عليه التراب؟ (يعني كيف الهدهد يدل سليمان على الماء وهو يمكن يضحك عليه بسهولة يعني؟) قال: ينصب له الفخ يكون عليه التراب وما بينتبه فهو ضعيف الانتباه، فكيف دل سليمان على الماء؟ فقال: أعضك الله بهن أبيك، إذا جاء القضاء ذهب البصر. قالوا: يا فلان، ترى الهدهد بصير ويعرف الهداه في الطرقات لكن خلص قضية الفخ هذه قدر. مش بقول لك: إذا جاء القدر ذهب البصر؟ بتلاقي الواحد شاطر شاطر بس مثلاً خلص مكتوب يعمل حادث سير، لو كان أتقن رجل لحادث للسيارات وقيادتها إذا مكتوب حادث سير ستسوى عينه. (صح، فيقول يعني هل إذا رجل ضرب سيارته وفعل حادث المق ما بيعرف يسوق؟ لك لا، إذا جاء القائ مش شرط، قد يكون من أكثر الناس دراية بالسواقة والقيادة ومحترف ويسوق في سيادة مسابقات السيارات لكن يقع في حادث سير على طريقة الهدهد يعني إذا جاء القدر ذهب البصر).

قال وقال الامام أحمد باسناده عن أبي يحيى مولى بني عفراء قال: أتيت ابن عباس ومعي رجلان من الذين يذكرون القدر أو ينكرونه، فقلت: يا ابن عباس ما تقول في القدر فإن هؤلاء يسألونك عن القدر: أزنى وإن سرق وإن شرب؟ قال: فحسر قميصه حتى أخرج...

منكبيه وقال: يا أبا يحيى، لعلك من الذين ينكرون القدر ويكذبون به؟ والله لو أعلم أنك منهم أو هذين معك لجاهدتكم! إن زنى فبقدر، وإن سرق فبقدر، وإن شرب الخمر فبقدر.

قال: وصح عن ابن عمر أن يحيى بن عمر قال له إن أناساً يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف! فقال: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء.

أنف يعني مستأنف.

قال: أنستأنف يعني نحن من يعني نفعل ثم الله عز وجل يسجل، ما في شيء سابق نعم.

قال: إن ابن عمر منهم بريء وأنهم براء منه. وقد تقدم قول أبي بن كعب وحذيفه وابن مسعود وزيد بن ثابت: لو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلَم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإن مت على غير ذلك دخلت النار.

وتقدم قول عبادة بن الصامت: لن تؤمن حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. ونقلت هذات عن أبي السواري عن الحسن بن علي قال: قضي القضاء وجف القلم، وأمور تقضى في كتاب قد خلى.

وقال عمرو بن العاص: انتهى عجب إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه، ويرى في عين أخيه القذاة فيعيبها ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها، ويكون في دابته الضغن فيقومها جهده ويكون في نفسه الضغن فلا يقومها. وقال أبو الدرداء: ذروة الإيمان أربع: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب.

وقال الحجاج الأسدي: سألنا سلمان: ما الإيمان بالقدر؟ فقال: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال سلمان أيضاً: إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار يوم القيامة، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال والشقوة والسعادة، فمن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير، ومن علم الشقاوة فعل الشر ومدارس الشر. يعني فعل الشر ومدارس الشر هو من علم الله السابق بأن فلان شقي تماماً، وبالتالي سيفعل أفعالها للشقاء.

فمن علم السعادة إذا قلنا من علم العلم أصبح هو المشير، يعني فمن علم السعادة أي من أعلام السعادة، من مؤشراتها: فعل الخير ومجالس الخير. ومن أعلام الشقاء: فعل الشر ومدارس الشر. وإن كانت أنا اعتقادي تحتمل أكثر من ضبط، يعني لأنه قال: إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار خلق يوم القيامة فكتب الآجال والأرزاق والأعمال والشقوة والسعادة تماماً. فمن علم السعادة يعني مما يدخل فيما علمه الله من سعادة الإنسان أن يفعل الخير ومجالس الخير، فهذا كله بعلم الله السابق. ويمكن أن تقول: من علم السعادة أي من أعلامها أن يفعل الخير ومجالس الخير، هذا قد يعود إلى اختلاف في ضبط كلمة: هل من علم السعادة ولا من أعلامها؟ والمؤدى في النهاية واحد إن شاء الله.

وقال جابر بن عبد الله: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره، ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطاه لم يكن ليصيبه. وقال هشام عن أبيه عن عائشة: أن الععبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة وانه عند الله لمكتوب من أهل النار.

والآثار في ذلك أكثر من أن تذكر، وإنما أشرنا إلى بعضها إشارة. إنما إشارة، كل هذا الذي سبق إشارات من ابن القيم بالأحاديث والآثار والآيات التي تدل على إثبات القدر. وكان هناك طرف شخص معين يريد أن يحتج بهذه الآثار: أن القدر قضية عظمى لا يمكن الانفكاك عنه، فلا تقل لي لماذا عصيت، ولا تقل لي لماذا فعلت، فإن هذا كله من القدر! انظر الأحاديث والآثار التي تتكلم عن القدر وكيف هو يحيط بحياة الإنسان ويحكم ولا يمكن الانفكاك عنه. هل تنفي هذا؟ حاشا أن ينفي الإنسان القدر، لكن كما قلنا: الاشكال هو في كيف يتعامل الإنسان مع القدر، وكيف يسقط هذه النصوص على واقع حياته؟ هذا إن شاء الله ما سنتكلم عنه وسيجيب عن ابن القيم ونناقشه في مجلس قادم. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.