دخولتسجيل الدخول

طريق الهجرتين (لماذا خلق الله الألم ؟ (١) ) | برنامج رياض الجنة | المجلس الثاني عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الإخوة في مجلس جديد من مجالس التعليق على "طريق الهجرتين وباب السعادتين" لحافظ ابن القيم عليه رحمة الله. وما زال حديثنا مستمراً في باب الحمد، والحمد جعله ابن القيم هو النظام الجامع بين الشرع والقدر، هو النظام السلوكي الذي يجمع بين الشرع والقدر؛ فالله سبحانه وتعالى محمود على قدره بكافة أشكال قدره، وعرفنا أن من أخل في مقام القدر فقد أخل بجزء من حمده لله وثنائه عليه، ويحمد ومحمود على كل شرعه أمراً ونهياً، ومن أخل بمقام الشرع فقد أخل بجزء من حمده لله سبحانه وتعالى.

لذلك قال: «فصل والمقصود بسم الله». بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين، ونجِّ عبادك المستضعفين. قال: «والمقصود بيان شمول حمده تعالى وحكمته لكل ما يحدثه من إحسان ونعمة وامتحان وبلية، وما يقضيه من طاعة ومعصية، وأنه سبحانه محمود على ذلك مشكور، مشكور حمد المدح وحمد الشكر».

أما حمد المدح فإنه محمود على كل ما خلق، إذ هو رب العالمين، والحمد لله رب العالمين. وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن إذا اقترن بواجبه. قال: «والإحسان والنعمة إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة».

قال: «وإنه سبحانه محمود على ذلك مشكور؛ حمد المدح وحمد الشكر. أما حمد المدح فإنه محمود على كل ما خلق». وجعل هذا سماه حمد المدح؛ لماذا؟ لأنه ليس في مقابل النعمة، وإنما هو على كل ما خلقه وفعله في هذا الكون حتى ولو كان ليس متعلقاً بك أنت كإنسان، فسماه حمد المدح لأنه ليس مقابل النعمة، والمدح يصح أن تمدح شخصاً على شيء لم ينلك منه خيراً أنت شخصياً.

وأما المقابل قال: «وهو حمد الشكر»، فهو أن تحمده على النعم التي أنعم بها عليك. ودائماً ابن القيم بدك تنتبه معه على مصطلحاته وتفهم أنه لا يطلق إطلاقات هكذا عبثية، ينبغي إذا أردت أن تفهم الكتاب أن تعرف ماذا قصد بهذا، وماذا قصد بهذا. فحمد المدح على كل ما خلقه وإن لم يكن فيه إنعام مباشر عليه. قال: «وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن إذا اقترن بواجبه».

نعم، قال: «والإحسان والنعمة إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والبلية إذا اقترنت بالصبر كانت نعمة، والطاعة فمن أجل نعمة، وأما المعصية فإذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضاً».

هل يمكن أن تكون المعصية نعمة؟ سؤال غريب. قال: نعم، إذا أدت إلى ما هو أعلى منها، إذا اقترنت بواجبها؛ فالمعصية نعمة من هذه الجهة. قال: «وإن كان سببها مسخوطاً مبغوضاً للرب، ولكنه يحب ما ترتب عليها من التوبة والاستغفار».

قال: «وهو سبحانه أفرح بتوبة عبده من الرجل إذا أضل رحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه، قال: فليس منها ومن الحياة فنام ثم استيقظ فإذا بها قد تعلق خطامها في أصل شجرة فجاء حتى أخذها، قال: فالله أفرح بتوبة العبد حين يتوب إليه من هذا براحلته».

فهذا الفرح العظيم الذي لا يشبهه شيء، أحب إليه سبحانه من عدمه، وله أسباب ولوازم لابد منها، وما يحصل بتقدير عدمه من الطاعات. فهذا الفرح العظيم من الله سبحانه وتعالى بتوبة العبد، هذا الفرح الذي لا يشبهه شيء، أحب إليه سبحانه وتعالى من عدمه؛ أي: أيهما أحب إلى الله، هذا الفرح أم عدم هذا الفرح؟ فالعائد في "عدمه" يعود على الفرح.

قال: «فهذا الفرح العظيم الذي لا يشبهه شيء في الوجود، من أنواع الفرح وجود هذا الفرح أحب إلى الله سبحانه وتعالى من عدم هذا الفرح، أليس كذلك؟». طيب، حتى يوجد هذا الفرح، ألا يستلزم وجود المعاصي؟ فهمتم الآن الفكرة؟ أنه هناك أمور الله يريدها أن تحصل في الوجود ولها لوازم، من لوازمها وجود شيء من الشر شئت أم أبيت. فهذا الفرح العظيم الذي لا يشبهه شيء، والذي وجوده أحب إلى الله من عدمه، حتى يوجد عقلياً يلزم من ذلك وجود العصاة والمذنبين؛ فوجود المعصية شر يسير في مقابل ما يؤدي إليه من الخير العظيم الذي يريد الله أن يحصل.

قال: «وما يحصل بتقدير عدمه من الطاعات وإن كان محبوباً له، فهذا الفرح أحب إليه بكثير، ووجوده بدون لازمه ممتنع». يعني لو أن هذا الفرح لم يحصل، لو بدنا نعتبر أن هذا النوع من الفرح معدوم، يقول هذا سيعدم إذا كان كل أعمال العباد طاعات، يعني إذا العباد لا يعصون فيتوبون، بالتالي أنت تتصور أن كل ما سنفعله طاعة؛ ممتاز، إذاً هذا الذي لا يريد الشر وعنده أزمة نفسية تجاهه ومش قادر يتصور فكرة الشر في الوجود، يقول لك لماذا لا تكون أفعال العباد كلها طاعات، ربنا مش قادر يفعلها كذا؟ نقول نعم.

لكن أنت كأنك تقول ماذا؟ لا أريد أن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة العبد، هكذا أنت تريد. لما تقول أريد أن تكون أفعال العباد كلها طاعات، أنت كأنك تقول بالجهة الأخرى إنني لا أريد أن يحصل هذا الفرح العظيم لله سبحانه وتعالى بتوبة العباد من المعاصي، فتقدير عدم هذا الفرح بأن تكون أعمال العباد كلها طاعات وإن...

كانت الطاعات محبوبة له، لكن هذا الفرح لله سبحانه أحب إليه بكثير من تلك الطاعات. ووجوده لهذا الفرح بدون لازمه وهو المعاصي ممتنع، فله من الحكمة إذا في تقدير أسبابه وموجباتها حكمة بالغة ونعمة سابقة سبحانه وتعالى.

قال: هذا بالإضافة إلى رب جل جلاله، وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفًا على أسباب لا يحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار، كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه، وإن كان من الابتلاء والامتحان باعتبار صورته ونفسه، والرب محمود على الأمرين. فإن اتصل بالذنب الآثار المحبوبة لرب سبحانه من التوبة والإنابة والذل والانكسار فهو عين مصلحة العبد، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية.

الكلام السابق كان بالنسبة إلى الرب قضية الفرح العظيم، وأنها تستوجب وجود المعاصي من العبيد. وكذلك بالنسبة إلى العبد، وجود المعاصي وهي أيضًا شر، قد تكون طريقًا إلى تحقيق كمالات عبوديته. أنت قد تعبد الله عز وجل بدون معاصي سنوات، لكن لا تكون عبادتك على مستوى معين من الاستحضار القلبي، وبمجرد ذنب واحد يقدره الله عليك، فتشعر معه بالندم والألم، فيعيد تصورك وتفكيرك بالدار الآخرة وتخويفك من النار وإجلالك لله؛ هذا الشر اليسير كان السبب أيضًا في تكميل مقامات عبوديتك، وبدونه ما كانت ستكتمل أو ما كانت ستصل إلى هذه المرتبة.

فأصبح وجود الشر وهو المعاصي مهمًا بالنسبة إلى الرب لوجود الفرح، ومهمًا بالنسبة إلى العبد لإكمال مقامات عبوديته. إذًا لا تبقى تعترض لماذا خلق الله الشر؟ لأن هذا الشر وهو الآن في صورة المعاصي هو أحد أسباب حصول الفرح الإلهي، والذي يريد الله أن يحصل، ولوازم تكميل مقامات العبودية لكثير من الناس، ولا تكمل في حقهم إلا بهذا.

قال: وإن لم يتصل به ذلك. وقال: والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية. يعني صحيح الذنب نقص في البداية من حيث النظرة الأولية، الذنب نقص، لكن إذا نظرت إلى عواقبه ومالاته وأنه أدى إلى اكتمال، فالأمور جيدة، وصحيح من هذه الجهة أن هذا الذنب كان لصالحك وليس ضدك.

قال: وإن لم يتصل به ذلك، فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الزكية الطاهرة في الملأ الأعلى. يعني إذا الذنب لم يؤدِ إلى ارتقاء وتوبة واستغفار، هنا الذنب مصيبة من البداية، وهو من خبث النفس وشرها وعدم استعدادها لمجاورة الأرواح الزكية. ومعلوم أن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها ومساكنة من تليق مساكنته ومجاورة الأرواح الخبيثة في المحل الأسفل.

يقول: ومعلوم أن هذه النفس الإنسانية الأصل فيها -إذا لم يتم تزكيتها- هو الشر، صحيح، ظلومًا جهولًا، فالإنسان الأصل فيه الشر والخبث تمامًا، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل. إذا لم يقم الإنسان بالتوبة والاستغفار، فإن هذه النفس التي فيها الظلم والجهل في أصل خلقتها لابد وأن تخرج منها هذه الطباع من القوة إلى الفعل؛ ليترتب على ذلك الآثار المناسبة له ومساكنة من تليق مساكنته ومجاورة الأرواح الخبيثة في المحل الأسفل. فإما أن تبقى هذه النفس مع خبثها وشرها، وإما أن تزكو بالأعمال الصالحات؛ إذا زكت سكنت الأرواح العلوية، وإذا لم تزكُ فإنها ستمشي مع مقتضى طباعها ويظهر أثر ذلك في مساكنتها للأرواح السفلية. فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأة له.

قال: والرب محمود على ذلك أيضًا، كما هو محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان والإنعام القابلين له، فما كل أحد قابلاً لنعمته تعالى، فحمده وحكمته يقتضي ألا يودع نعمه وإحسانه وكنوزه في محل غير قابل لها. والرب محمود على ذلك أيضًا، وهو أنه لا يضع إنعامه وإحسانه في النفوس الخبيثة؛ الله يُحمد على ذلك، إذ ليس من الحكمة ولا من الكمال أن تضع إحسانك في مكان لا يليق، فمما يُحمد عليه الرب أنه لا يضع إحسانه في نفس خبيثة لا تليق بذلك الكمال.

هذا تتميم للكلام السابق؛ لما قال: فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك -أي مهيأة لمساكنة الأرواح الخبيثة بطبعها- فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأة له. ما معنى هذا الكلام؟ ما هي الأسباب هنا؟ المعاصي. يقول: فإن هذه النفوس -وهو الآن يتكلم عن نفسك- نفوس تتزكى وتنمو بالمعاصي وتكتمل، لأن الله سبحانه وتعالى رآها قابلة للصلاح فأعطاها من فضله فأعانها على التوبة والاستغفار، وأن تكون المعاصي بالنسبة لها سبيلًا إلى الرقي والاكتمال، هذا نوع من النفوس. وفي نفوس حرمها من فضله فبقيت مع ما تستوجبه طباعها من الشر والخبث.

قالوا: معلوم أن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها، ولا بد من أن يخرج ذلك منها من القوة إلى الفعل. كيف يخرج الخبث من النفس من القوة إلى الفعل؟ بالذنوب. ما هي الذنوب؟ هي فعليًا خروج الخبث المستكن في النفس من القوة إلى الفعل. وإذا خرجت هذه الذنوب إلى الفعل من النفوس الخبيثة، سيترتب على ذلك الآثار المناسبة لها وهي أن يعاقبها الله ويسكنها مع الأرواح السفلية في الجحيم.

يقول: فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك. خلص، هذه نفوس طبيعتها عفنة، في نفوس بشرية طبيعتها عفنة. أنت تمشي في الحياة وعندما تشاهد هذا الكون والأخبار وترى المشاهدات، فعلاً ترى أن بعض النفوس عفنة، يعني تستغرب من كمية العفون التي فيها والشر الذي فيها، فتفهم أن الله سبحانه استخرج هذه العفونة منها بمعاصيها وذنوبها لينزل ما تستحقه من الجحيم ومساكنة الأرواح السفلية. فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك، أي للعفونة، فمن الحكمة أن تستخرج منها هذه العفونة بالأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأة له.

النفوس إذا كانت مهيأة لذلك، أي لمساكن الأرواح الخبيثة في العالم السفلي في الجحيم، هذه النفوس إذا كانت مهيأة للجحيم فلا بد من حكمة أن يستخرج منها أسباباً تقودها إلى ما هي مهيأة له. هذه الأسباب هي الذنوب والمعاصي، فأصبحت الذنوب والمعاصي أيضاً -وهي من الشر لكنه شر جزئي- ففعله من الحكمة حتى تقاد هذه النفوس إلى ما يناسبها من مساكن العالم السفلي، ولا يليق بها سوى ذلك. فالرب محمود على تقدير الذنوب والمعاصي على هذه النفوس الخبيثة، كما هو محمود على إنعامه على النفوس الزكية؛ لأن كل نفس عوملت معها بما تستوجبه وبما تستحقه، والله يعلم كل شيء، ويعلم ما الذي يصلح لهذا وما الذي يصلح لهذا.

قال: ولا يبقى إلا أن يقال، فما الحكمة في خلق هذه الأرواح التي هي غير قابلة لنعمته؟ أحسنت، يعني هنا ابن القيم هو منتبه للإشكال الجدلي الذي سيحصل: طب لماذا لم يخلق الله جميع النفوس تقبل الزكاة؟ العقل الذي ستفكر فيه سيقودك إلى السؤال الأخير: طب لماذا خلق الله نفوساً لا تقبل الزكاة ونفوفاً مهيأة للعالم السفلي؟ أليس الله قادراً أن يخلقها، وكان قادراً أن يخلق جميع النفوس محلها قابل للإنعام والإحسان؟

فماذا يقول؟ قال: «فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية»، وهو أن خلق الأضاد والمتقابلات وترتيب آثارها عليها هو موجب ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته. وإن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية؛ إنه هو أراد في النهاية أن يخلق نفوساً خبيثة، وهو قادر أن يجعلها كلها من النفوس السوية، لكنه أراد حتى تُحصر قضية التقابل بين المتضادات، أراد سبحانه أن تقوم سوق الدنيا على وجود الخير والشر والصراع بينهما، وأن هناك إحساناً لأوليائه وعقاباً لأعدائه، وموجب هذه الأسماء والصفات هو طبيعة هذا الكون الذي أراد الله أن يقوم عليه، تستوجب وجود خلق نفوس خبيثة.

وهنا يقف العقل مسلماً لله سبحانه وتعالى: لماذا خُلقت تلك النفوس الخبيثة؟ ولماذا سُيئت؟ وليس صاد، يعني دائماً قلت لك في منطقة معينة في العقل البشري لا يمكن إلا أن يقف مذعناً، والعقل لا يستطيع أن يستوعب ما بعدها. هناك منطقة معينة في القدر نحن نستطيع أن نفهم ما في وسعنا أن نفهمه، لكن عليك أن تثق بأن العقل الإنساني سيبقى عاجزاً عن إدراك بعض المساحات في باب القدر، وهي مساحات غيبية، ولكن يُستدل على الحكمة فيها بما نراه من الحكمة في عالم الشهود.

لما رأيت حكمة الله في عالم الشهود في خلقه لعيني، وبما في داخل العين من البصيلات، وبما رأيت حكمة الله في الأذن وفي خلق الجسد، وبما رأيت حكمة الله في ملايين الأشياء، فهذا من قبيل الاستدلال بالشاهد على الغائب. فاستدل بحكمة الله المشهودة على حكمة الله في الأمور الغيبية في باب القدر، والتي مهما حاول العقل أن يصل إليها سيعود عاجزاً، غير قادر إلا أن يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].

هذه منطقة في القدر ينبغي المصير إليها، لكنه مصير واعٍ. الفرق بيننا وبين أدبيات المذاهب الفكرية الأخرى أننا لما نصل إلى مرحلة الاستسلام أمام مساحات في القدر، نصل إليها وصولاً واعياً فاهماً، ليس وصول التسليم العبثي أو التسليم الذي لا أدري ما وراءه. أنا تسليمي واعٍ أن هذه المساحة الغيبية فيها حكمة قطعا؛ فإن الذي يرى حكمة الله في كل شيء في مساحة الشهود، لا يمكن أن يقول إن كل مساحة الشهود بملايين الحكم، ثم هو سبحانه عاجز أن تكون له حكمة في مساحة الغيب!

لما يكون عندك رجل حكيم فرضا، ورأيت حكمته في ملايين التصرفات والأفعال؛ ذهبت إلى الغابات وذهبت إلى البحار وذهبت إلى الجبال ونظرت في المعادن ونظرت في السماء، فرأيت ملايين الحكم التي لو جلست طول حياتي وأنا أحاول أتفهمها وأعدها لما استطعت إحصاءها على الإنسان، ثم تذهب لتشكك في حكمته في المساحة الغيبية التي لم يستطع العقل الوصول إليها؟ هذا إجحاف وظلم من الإنسان لله سبحانه وتعالى.

قال: وأيضاً فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن، فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن ينكرها بقلبه ويده ولسانه، أو بقلبه ولسانه فقط، أو بقلبه فقط، ومأمور أن يجاهد أربابها. شوف، هذه الصفحات الأربع التي قرأناها إلى الآن يمكن تفردها في قضية أن الشر أنواع في الوجود؛ هناك الشر على صورة بلاء، وهناك الشر الذي على صورة معاصي. لماذا خلق الله هذه المعاصي؟ هذه الصفحات تجيب على ذلك.

سعى ابن القيم لاستيعاب كل هذه القضايا؛ المعاصي سبب في ظهور الفرح الإلهي، المعاصي سبب في تكميل النفس الإنسانية في مقامات العبودية، المعاصي سبب في حصول مراد الله في النفوس الخبيثة بأن تُعذب، وهذا بحد ذاته حكمة، والمعاصي تؤدي إلى ظهور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذه تعود إلى فكرة أن الله يريد أن يخلق المتضادات، ويريد أن يوجد الأشياء: الحق والباطل. فقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي الحق الذي يستدعي وجود باطل؛ كيف سيكون أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر إذا لم يوجد هناك باطل وذنوب ومعاصي؟

فهذا من تتميم الكلام السابق، فإن هذه الحوادث -التي هي المعاصي- نعمة في حق المؤمن، فإنه إذا وقعت فهو مأمور أن ينكرها بحسب طاقته، ومأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان، فيترتب له من الإنكار والجهاد من مصالح قلبه ونفسه وبدنه ومصالح دنياه وآخرته. والمقصود بالقصد الأول هو إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته، فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أوليائه غاية الحكمة. ركز: «فاستعمال أعدائه حتى تكمل النعمة على أوليائه غاية الحكمة»، هذا موطن حكمة وليس موطن جهل وعبث كما يزعم الطرف الآخر.

قال: وكان في تمكين أهل الكفر والفسوق والعصيان من ذلك إيصال أوليائه إلى الكمال الذي يحصل لهم بمعادة هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والموالاة فيه والمعادة فيه، وبذل نفوسهم وأموالهم وقواهم له؛ فإن تمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة، وإنما تكون المحبة صادقة إذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ورئاسة وقوة في مرضاة محبوب به وتقربه إليه، فإن بذل له روحه كان هذا أعلى درجات المحبة.

ولن يحصل هذا إلا بوجود الفاجرين، لن يظهر مشهد الحب العظيم لله من البشر؛ يقول لك أعلى درجات الحب لله أن تفني روحك من أجله. كيف تريد أن تفني روحك من أجله إذا لم يكن هناك كفار؟ تخرج لسطح العمارة وتنتحر! هذا ليس الفناء، أو بطريقة الفناء الصوفي أن تدخل في مرحلة الاستغراق ومرحلة اللامشهودية، إنما هي أن تجاهد في سبيل الله وتبذل النفس والمهاجرة، وهذا يستدعي وجود أهل المعصية والكفر والفجور الذين ستقاتلهم، فهذا من حكم وجود الشرور والمعاصي.

ومن المعلوم أن من لوازم ذلك التي لا يحصل إلا بها أن يخلق ذواتًا وأسبابًا وأعمالًا وأخلاقًا وطبائع تقتضي معاداة من يحبه ويؤثر مرضاته، هذا هو اللازم؛ أن يخلق هذا النوع من الأشرار. وعند ذلك تتحقق المحبة الصادقة من غيرها؛ فكل أحد يحب الإحسان والراحة والدعة واللذة، ويحب من يوصل إليه ذلك ويحصله له، ولكن الشأن في أمر وراء ذلك، وهو محبته سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أكره شيء إلى النفوس وأشق عليها مما لا يلائمها.

فعند حصول أسباب ذلك، يتبين من يحب الله لذاته ويحب ما يحب، ممن يحبه لأجل مخلوقاته فقط؛ من المأكل والمشرب والمنكح والرئاسة، فإن أعطي منها رضي وإن منعها سخط وعتب على ربه، وربما شكاه وربما ترك عبادته.

لن تظهر تميز محبتك لله عن محبتك لغيرك، عن محبتك للأكل والشرب، إلا إذا كان هناك خلق للمكروه. كل إنسان يحب الإحسان، وكلنا نحب من يوصل إلينا ذلك؛ فلو أعطيتك الآن مليون دينار، ستحبني وستحب المليون دينار، وستحبني لأني أعطيتك المليون دينار. ولكن الشأن ليس هذا النوع من المحبة الذي يريده الله لنفسه من أوليائه وعباده، لأن هذا هو الوضع الطبيعي للإنسان أن يحب من أحسن إليه، أما هو سبحانه فيريد محبة ما يحبه الله ولو كان مكروهًا إلى نفسك؛ فالموت والقتل كُتب عليكم، والقتال كره لكم.

الله يريد أن يستخلص منك يا أيها الإنسان نوعًا من المحبة والعبودية، وهو أن تحبه وتحب ما يحبه ولو كان مكروهًا إلى نفسك. هذا هو الكلام العالي؛ أن تحب الله لأنه أعطاك عينًا وأذنًا وزوجة وبيتا، هذا شيء طبيعي وحالك كحال غيرك، لكن أن تحب الله وتحب ما يحبه الله ولو كان على خلاف هوى النفس، هذا هو الشأن، هذه هي المحبة الصادقة المتفانية.

وأشق شيء على النفس هو القتل في سبيل الله، وحتى يحصل ذلك القتال في سبيل الله لا بد أن توجد أسبابه، وما هي أسبابه؟ خلق الكفار والفجار حتى يحصل مشهد الجهاد، حتى يحصل مشهد القتل. فعند حصول أسباب ذلك، وهو وجود الكفار والفجار والعصاة، يتبين من يحب الله لذاته ولذات الله ويحب ما يحبه الله، ممن يحب الله لأجل مخلوقاته فقط؛ من يحب الله لأن الله أعطاه طعامًا.

في هذه المواقف يتميز من يعبد الله على حرف؛ باختصار، من يحب الله لأنه ربنا أعطاني وزوجني، ومن يحب الله لأنه يستحق الحب حتى ولو حصل أنني اعتقلت وتكالبوا وقتلت وحصل ما حصل. وفي ناس لا تعبد الله إلا على النعمة، لكن إذا حصل من العذاب والبلاء يعبد الله على حرف، من الناس من يقول آمنّا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة، يعني ما عاد يتعبد الله في هذا المقام؛ فلا بد إذا كان من خلق... هذا تطبيق ما في سورة العنكبوت: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2].

هذه ملاحظة جيدة من ابن القيم، ونلاحظ أن القرآن أخبرنا أن هناك مقاصد يريد الله أن تحصل في الوجود الإنساني، من هذه المقاصد أن الله يريد أن يظهر من يحبه لذاته وليس من يحبه حب منفعة ومصلحة. وحتى يحصل هذا الأمر والمقصود الإلهي، يحتاج إلى خلق الشرار والفجار ويتسلطون على الأبرار، ليعرف من يحب الله لذاته ومن كان يحب الله حب منفعة ومصلحة.

وهذه قضية جميلة فعلها ابن القيم، وهي أن القرآن والسنة تعطيك مقاصد الوجود الإنساني. وحاولوا -وهذه ممكن من شخص يتكلم فيها في بحث حقيقي فقهي أو عقدي أو تزكوي- أن يتتبع مقاصد الخلقة إذا صح التعبير؛ ما هي مقاصد الخلقة البشرية؟ إن الله سبحانه وتعالى يريد أن يظهر مقتضى أسمائه وصفاته، يريد أن يظهر من يحبه لذاته، هذه اسمها مقاصد الخلقة، وهذه المقاصد تستلزم وجود شر.

وبالنسبة للنظر الإلهي، وجود هذه المقاصد هو من أجل الخلقة البشرية، فلا يأتي هنا سؤال: هل يمكن أن يخلق الله عالمًا سوى هذا العالم؟ لأن الإجابة ستكون أن هذا الوجود له مقاصد. نعم، الله قادر أن يخلق عالمًا غير هذا العالم، لكن في النهاية هذا السؤال خطأ؛ لأن هناك مقاصد أراد الله أن توجد، ومن فرحته من معرفة من يحبه، وهذه المقاصد تستلزم وجود الشر اليسير لتحصيل هذه المقاصد العظمى، التي وجودها أحب إلى الله من عدم وجود ذاك الشر اليسير.

فلما تأتي وتقول لي: أكان الله قادرًا أن يوجد غير هذا العالم، وأن يوجد عالمًا ما فيه أشرار؟ فإنك كأنك تقول: هل كان الله قادرًا أن يوجد هذا العالم بدون مقاصده؟ نقول: الله قادر أن يوجد عوالم أخرى، لكن المقاصد المطلوبة للإله تستلزم عقلًا ومنطقًا وجود هذا العالم بهذه الطبائع. فلما تقول: لماذا لم توجد هذا العالم بغير هذه الطبائع؟ كأنك تقول: لماذا لا توجد مقاصد أخرى لهذا الوجود؟ ولكن المقاصد الأخرى هي التي ستولد ذلك العالم الذي تحلم به؛ أنت تحلم بالمدينة الفاضلة تبعت الفارابي، ونقول نعم، هذه المدينة الفاضلة تبعت الفارابي هي باختصار كأنك تقول للإله: أريد مقاصد أخرى للوجود غير المقاصد التي وضعتها. نعم، الله قادر أن يوجد تلك المقاصد الأخرى.

لكن ليس أنت كعبد من تشترط على الرب، ما هي المقاصد التي يريدها في الوجود؟ الله هو الذي يضع مقاصد الوجود، وهذه المقاصد هي التي استلزمت وجود الشر اليسير. أما أن تقترح على الله مقاصد أخرى في الوجود، فأنت مسكين مغفل؛ من أنت حتى تقترح على الله مقاصد الوجود؟

والهدف من الخلق هو النشوء، من أنت؟ أنت عبد مسكين ما ليس لك إلا أن تقول: خلقتني وأنا عبدك. قال: «فلولا خلق الأضداد، وتسليط أعدائه، وامتحان أوليائه بهم، لم يستخرج خالص العبودية من عبيده الذين هم عبيده، ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه، والمعاداة فيه، والحب فيه، والبغض فيه، والعطاء له، والمنع له، ولا عبودية بذل الأرواح والأموال والأولاد والقوى في جهاد أعداء ونصرته، ولا عبودية مفارقة الناس أحوج ما يكون إليه عبده لأجله وفي مرضاته، فلا يتحيز إليهم وهو يرى محاب نفسه وملاذها بأيديهم، فيرضى بمفارقتهم ومشاقتهم وإيثار موالاة الحق عليهم، فلولا الأضداد والأسباب التي توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار».

قال: «وأيضًا فلولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد، لم تحصل له فضيلة الصبر، وجهاد النفس، ومنعها من حظوظها وشهواتها محبة لله وإيثارًا لمرضاته وطلبًا للزلفة لديه والقرب منه».

فكرة أخرى مثلاً من الأفكار المتناسبة في هذا السياق، هو أن بعض الناس يقول: يا رب، لماذا خلقت فينا الشهوة للنساء؟ وهذه التي تدمر حياتي، هذه التي تفعل بي الأفاعيل، هذه تجعلني أنظر في الجوال وفي الجامعة وتعبت، يا أخي لماذا ربنا خلق فينا هذه الغرائز؟ وكذلك المرأة نفس الشيء. فيأتي الجواب: نعم، هذه الغرائز وإن كانت بالنسبة لك في ظاهرها جلبت لك الشر وفيها من الشر ما فيها، لكنها في النهاية لولا هذه الغرائز لما حصلت أحد مقاصد الإله الوجودية.

ما هي؟ إنه يريد أن يرى الصابرين، يريد أن يرى مشهد الصبر من عباده وجهاد النفس. الله يريد أن يراك وأنت تجاهد نفسك، الجهاد الكبير، ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: 6]. هذا مقصد إلهي، فاحتاج إلى وجود قوة الشهوة وقوة الغضب فيك، يريد أن يراك وأنت تمنع نفسك من حظوظها وشهواتها، هكذا تكتمل مقامات العبودية لله سبحانه وتعالى.

لأن بعض الناس يظن أن العبودية هي فقط أنه يذهب يصلي في المسجد، ويصوم رمضان، ويزكي، ويعمل بعض العبودية. لا يا أخي، أنت لم تفهم بعد كثيرًا من مقامات العبودية التي يريد الله عز وجل أن يراها، والتي استلزمت رؤيتها منطقًا وعقلاً وجود الشر، تري ويظهر ويبرز من كثير من مظاهر العبودية التي هي مطلوبة أيضًا.

أيضًا فلولا ذلك لم تكن هذه النشأة الإنسانية إنسانية بل كانت ملكية؛ فإن الله سبحانه خلق خلقه أطوارًا، فخلق الملائكة عقولًا لا شهوات لها ولا طبيعة تتقاضى منها خلاف ما يراد منها من مادة نورية لا تقتضي شيئًا من الآثار والطبائع المذمومة، وخلق الحيوانات ذوات شهوات لا عقول لها. قال: «وخلق الثقلين الجن والإنس، وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة المقتضية لآثار مختلفة بحسب موادها وصورها وتركيبها».

وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء، وهم المعرضون للثواب والعقاب، ولو شاء سبحانه لجعل خلقه على طبيعة واحدة وخلق واحد ولم يفاوت بينهم، لكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة، وموجب الربوبية، ومقتضى الإلهية.

قال: «ولو كان الخلق كله طبيعة واحدة ونمطًا واحدًا، لوجد الملحد مقالًا وقال: هذا مقتضى الطبيعة. ولو كان فاعلاً بالاختيار، لتنوعت أفعاله ومفعولاته».

شوف، الفكرة جميلة؛ يقول لو كان الخلق كلياته باتجاه واحد، كله يسير بنفس الطريقة والآلية في التفكير، ولا يوجد فيه متضادات، لوجد الملحد حجة له في قوله إن هذا الكون هو وليد الطبيعة ولا يوجد إله مختار فاعل له. لأن وجود إله مختار أكثر ما يظهره في هذه الخلقة هو وجود الحق والباطل والخير والشر، هذا أكثر ما يدل على وجود اختيار. لأنه الشيء الذي لا اختيار إذا ولد شيئًا يولده بنمط معين، الإله الذي لا عقل له ولا إرادة ينتج دائمًا بنفس النمطية.

خلق المتضادات في هذا الوجود هو من أكثر المظاهر الدالة على وجود خالق. فيقول سبحان الله، وجود الشر مع الخير أيضًا من فوائد الدلالة على وجود الله؛ ليكون دليلًا من أدلة وجود الله. تقول لي لماذا خلق الله الشر والذنوب والمعاصي؟ هذه الحكم لقطع أدلة الملحدين. وجود الشر يقطع أدلة الملحدين حتى لا يقول: والله هذا العالم هو مقتضى الطبيعة، لأن الطبيعة تمشي بنمط واحد بطريقة واحدة، فوجود أشياء مختلفة يعني أن هذا ليس وليد الصدفة.

«ولو كان فاعلاً بالاختيار، لتنوعت أفعاله ومفعولاته»، ولفعل شيئًا وضده، وشيئًا وخلافه. وكذلك لولا شهود هذه الحوادث المشهودة لوجد الملحد أيضًا مقالًا، وقال: لو كان لهذا العالم خالق مختار لوجدت فيه الحوادث على حسب إرادته واختياره. كما روي عن الحسن أو غيره: «كان أصحاب محمد ﷺ يقولون: جل ربنا القديم، لو لم يتغير هذا الخلق، لقال الشاك في الله: لو كان لهذا العالم خالق، لحادثت بينه وبين ليله إذ جاء نهار، وبين نهاره إذ جاء ليل، وبين صحوه إذ جاء غيم، وبين غيمه إذ جاء صحو».

أي لم يتركه على صفة واحدة، بل لتعاهده بالتغيير والإصلاح، بخلاف الأشياء الجامدة؛ لو كان وليد الطبيعة فالطبيعة جامدة ما عندها قدرة على التغيير والإحداث والتطوير. فوجود التغيير والإحداث، ليل نهار، صبح مساء، صيف شتاء، هذا التغيير كله وجود إله فاعل مختار.

قال: «ولهذا يستدل سبحانه في كتابه بالحوادث تارة، وباختلافها تارة، إذ هذا وهذا مستلزم لربوبيته وقدرته». كما أن الله يستدل بالخلق على وجوده، كذلك يستدل بتغير الأمور واختلافها؛ أنه ليل ونهار، يوجل الليل في النهار ويوجل النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت. فهنا استدلال ليس بأصل عملية الخلق كعملية، بل الاستدلال بالاختلاف والتنوع على وجود الله. فالله يعرفنا بوجوده أحيانًا بدليل الحدوث، وأحيانًا بدليل الاختلاف في عملية الحدوث، فهذا دليل وهذا دليل، وكله يدل على القدرة والاختيار ووقوع الكائنات بمشيئته، فتنوع أفعاله ومفعولاته من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه.

ولهذا سبحانه خلق النوع الإنساني أربعة أقسام، أحدها لا من ذكر ولا أنثى، وهو خلق أبيهم وأصلهم آدم. الثاني خلقه من ذكر بلا أنثى. يعني المخلوقات الإنسانية هناك مخلوق خلقه الله من البشر بدون وجود ذكر ولا أنثى هو آدم.

قال الثاني: خلقه من ذكر بلا أنثى كخلق أمهم حواء من ضلع من ألاضلاع آدم من غير أن تحمل بها أنثى أو يشتمل عليها بطن. وهذا يدل على أن ابن القيم يثبت أن حواء خلقت من ضلع آدم؛ لأنه هذه المسألة بتعرف فيها نقاش في الدائرة، يعني ما معنى أنها خلقت من نفس آدم؟ هل من الضلع نفسه ولا من يعني في بعض الناس شوي بتفلسفوا في بعد هذه القضايا، فهذا يدل على أن ابن القيم يثبت أنها خلقت من الاضلاع نعم.

قال الثالث: خلقه من أنثى بلا ذكر لخلق المسيح عيسى بن مريم نعم، صلى الله على نبينا وعليه. الرابع: خلق سائر النوع الانساني من ذكر وأنثى. فلو سئلت لماذا هذا التنوع؟ لأن هذا التنوع من دلائل وجود الفاعل المختار صاحب الإرادة نعم.

قال: وكل هذا ليدل عباده على كمال قدرته ونفوذ مشيئته وكمال حكمته، وأن الأمر ليس كما يظنه أعداؤه الجاحدون له الكافرون به، من أن ذلك أمر طبيعي لم يزل هكذا ولا يزال، وأنه ليس لنوع أب ولا أم، وأنه ليس إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وطبيعة تفعل ما يرى ويشاهد، ولم يعلم هؤلاء الجهال الضلال أن الطبيعة قوة وصفة فقيرة إلى محلها، محتاجة إلى حامل لها، وأنها من أدل الدلائل على وجود من طبعها وخلقها وأودعها الأجسام وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة.

قال: فالطبيعة مخلوق من مخلوقاته، ومملوك من ممالكه، وعبيده مسخرة لأمره منقادة لمشيئته. ودلائل الصنعة وأمارات الخلق والحدوث وشواهد الفقر والحاجة شاهد عليها بأنها مخلوقة مصنوعة، لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف في ذاتها ونفسها فضلا عن اسناد الكائنات إليها.

قال والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبية والملك، وهو أيضا من موجبات الحمد، فله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه. وأيضا فإن مخلوقاته هي موجبات أسمائه وصفاته، فلكل اسم وصفة أثر لابد من ظهوره فيه واقتضائه له، فيمتنع تعطيل آثار أسمائه وصفاته كما يمتنع تعطيل ذاته عنها، وهذه الآثار لها متعلقات ولوازم يمتنع ألا توجد كما تقدم التنبيه عليه.

وأيضا فإن تنويع أسباب الحمد أمر مطلوب لرب محبوب له، فكلما تنوعت أسباب الحمد تنوع الحمد بتنوعها وكثر بكثرتها، ومعلوم أنه سبحانه محمود على انتقامه من أهل الإجرام والإساءة كما هو محمود على إكرامه لأهل العدل والإحسان. كأنه يقول: لو كان الخلق لا معاصي فيه ولا ذنوب لفات جزء من حمد الله سبحانه وتعالى، والله يريد أن تنويع أسباب حمده، كما يحمد على وجود أهل الطاعة يحمد على وجود أهل، يعني كما يحمد على إثابة الطائعين هو سبحانه يريد أن يحمد على عقاب العاصين.

فكيف سيحمد على عقاب العاصين بدون وجود أهل المعصية؟ ويريد أن يحمد على ذلك، فهذا من مقاصده سبحانه تنويع أسباب الحمد نعم. قال: فهو محمود على هذا وعلى هذا مع ما يتبع ذلك من حمده على حلمه وعفوه ومغفرته وترك حقوقه ومسامحة خلقه بها والعفو عن كثير من جنايات العبيد؛ لأنه برضه الناس يظن أنه خلص قضية ذنوب معناتها في عقوبه، لا أيضا في مشاهد لأهل المعصية من الحلم والعفو أيضا يريد أن يحمد على حلمه، يريد أن يحمد على عفوه، وهذا يستلزم عقلا في طبيعة الأمور وجود المعاصي والذنوب، يعني كيف يحلم ويعفو على من لم يخطئ؟ ما هو منطقا وعقلا هذا لا يوجد.

فنبههم باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذي عفا عنه، وأنه لو عاجلهم بعقوبته وأخذهم بحقه لقضي إليهم أجلهم ولما ترك على ظهرها من دابة، ولكنه سبقت رحمته غضبه وعفوه انتقامه ومغفرته عقابه، فله الحمد على عفوه وانتقامه وعلى عدله وإحسانه، ولا سبيل إلى تعطيل أسباب حمده ولا بعضها، فليتدبر اللبيب هذا الموضع حق التدبر وليعطه حقه يطلعه على أبواب عظيمة من أسرار القدر، ويهبط به على رياض منه معشبة وحدائق مونيقة، والله الموفق الهادي للصواب نعم.

قال: وأيضا فإن الله سبحانه نوع الأدلة الداله عليه والتي تعرف عباده به غاية التنوع، وصرف الآيات وضرب الأمثال ليقيم عليهم حجته البالغة، ويتم بذلك عليهم نعمته السابغة، ولا يكون لأحد بعد ذلك حجة عليه سبحانه، بل الحجة كلها له والنعمة كلها له والقدرة كلها له فأقام عليهم حجته. ولو شاء لسوى بينهم في الهداية كما قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: 149] فأخبر أن له الحجة البالغة وهي التي بلغت إلى صميم القلب وخلطت العقل واتحدت به فلا يمكن العقل دفعها ولا جحدها.

ثم أخبر أنه سبحانه قادر على هداية خلقه كلهم ولو شاء لفعله لكمال قدرته ونفوذ مشيئته، ولكن حكمته تأبى ذلك وعدله يأبى تعذيب أحد وأخذه بلا حجة، فأقام الحجة وصرف الآيات وضرب الأمثال ونوع الأدلة، ولو كان الخلق كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأمور ولا تنوعت هذه الأدلة والامثال، ولا ظهرت عزته سبحانه في انتقامه من أعدائه ونصر أوليائه عليهم ولا حججه التي أقامها على صدق أنبيائه ورسله. ولا كان للناس آية في فئتين التقتا: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين، ولا كان للخلق آية بقية ما بقيت الدنيا في شأن موسى وقومه وفرعون وقومه وفلق البحر لهم ودخولهم جميعا فيه ثم أنجى موسى وقومه لم يغرق منهم أحد وأغرق فرعون وقومه لم ينجو منهم أحد، فهذا التعرف إلى عباده وهذه الآيات وهذه العزة والحكمة لا سبيل إلى تعطيلها البته ولا توجد بدونها اه وجود شيء من الشرط نعم.

قال: وأيضا فإن حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام والإهانة والإثابة والعقوبة والغضب والرضا والتولية والعزل وإعزاز من يليق به العز وإذلال من يليق به الذل، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب﴾ [آل عمران: 26-27] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29] يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويكشف غما، وينصر مظلوما، ويأخذ ظالما، ويفك عانيا، ويغني فقيرا، ويجبر كسيرا، ويشفي مريضا، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويعطي سائلا، ويذهب بدولة ويأتي بأخرى، ويداول الأيام بين الناس، ويرفع أقواما ويضع آخرين، يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها، فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتاخر، بل كل منها قد أحصاه كتابه وجار به قلمه ونفذ فيه حكمه وسبق به علمه. فهو المتصرف في الممالك كلها وحده تصرف ملك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك، لا ينازعه في ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض، فتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة، فلا يخرج تصرفه عن ذلك.

وفي تفسير الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث الحماني قال: حدثنا إسحاق بن سليمان عن معاوية بن يحيى عن يونس بن ميسرة عن أبي إدريس عن أبي الدرداء أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29] فقال: سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين».

وفيه أيضا بإسناده عن عبد الله بن مسعود: إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولانهار، نور السماوات من نور وجهه، أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة، تعرض عليه أعمالكم بالامس ثلاث ساعات من أول النهار فيطلع منها على ما يكره فيغضب، فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش فتسبح حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكه، وينفخ جبريل في القرن فلا يبقى خلق لله في السماوات ولا في الأرض إلا سمعه إلا الثقلين، ويسبحونه ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة، فتلك ست ساعات، ثم يدعو بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات يصوركم في الارحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، فتلك تسع ساعات، ثم يدعو بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فتلك اثنتا عشرة ساعة. ثم قرأ عبد الله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29] ثم قال: هذا شانكم وشأن ربكم عز وجل. وذكره الطبراني في المعجم الكبير من وجه آخر.

قال: وهذا من تمام تصرفه في ملكه سبحانه، فلو قصر تصرفه على وجه واحد ونمط واحد لم يكن تصرفا تاما. والمقصود أن الملك والحمد في حقه متلازمان، فكل ما شمله ملكه وقدرته شمله حمده، فهو محمود في ملكه وله الملك والقدرة مع حمده، فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته. ولهذا يحمد سبحانه نفسه عند خلقه وأمره لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده، فهو محمود على كل ما خلقه وامر به حمدين: حمد شكر وعبودية، وحمد ثناء ومدح، ويجمعهما التبارك، فتبارك الله يشمل ذلك كله، ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].

فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح، والطرق إلى العلم به في غاية الكثره، والسبل إلى اعتباره في ذرات العالم وجزئياته وتفاصيل الأمر والنهي واسعة جدا؛ لأن جميع أسمائه تبارك وتعالى حمد، وصفاته حمد، وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله في انتقامه من أعدائه حمد، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد، والخلق والأمر إنما قام بحمده ووجد بحمده وظهر بحمده وكان لغاية هي حمده، فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله. فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، وسريان حمده في الوجودات وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالابصار والبصائر.

فمن الطرق الدالة على شمول معنى الحمد وانبساطه على جميع المعلومات مع معرفة أسمائه وصفاته، وإقرار العبد بأن للعالم إلها حيا جامعا لكل صفة كمال واسم حسن وثناء جميل وفعل كريم، وأنه سبحانه له القدرة التامة والمشيئة النافذة والعلم المحيط والسمع الذي وسع الأصوات والبصر الذي أحاط بجميع المبصرات والرحمة التي وسعت جميع المخلوقات والملك الأعلى الذي لا يخرج عنه ذرة من الذرات والغنى التام المطلق من جميع الجهات والحكمة البالغة المشهود أثرها في الكائنات والعزة العالية بجميع الوجوه والاعتبارات والكلمات التامات النافذات التي لا يجاوزهن بر ولا فجر من جميع البريات.

وأنه واحد لا شريك له في ربوبيته ولا في إلهيته، ولا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وليس له من يشركه في ذرة من ذرات ملكه أو يخلفه في تدبير خلقه أو يحجبه عن داعيه ومؤمليه وسائله أو يتوسط بينهم وبينه بتلبيس أو فرية أو كذب كما يكون بين الرعايا وبين الملوك، ولو كان كذلك لفسد نظام الوجود وفسد دله باسر، فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فلو كان معه آلهة أخرى كما يقوله أعداؤه المبطلون لوقع من النقص في التدبير وفساد الأمر كله ما لا يثبت معه حال ولا يصلح معه وجود.

ومن أعظم نعمه علينا ومن استوجب به حمد عباده له أن جعلنا عبيدا له خاصة، ولم يجعلنا نهبا منقسمين بين شركاء متشاكسين، ولم يجعلنا عبيدا لإله نحتته الأفكار لا يسمع أصواتنا ولا يبصر أفعالنا ولا يعلم أحوالنا ولا يملك لعابديه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا تكلم قط ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا ترفع إليه الأيدي ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا يصعد إليه الكلم الطيب ولا يرفع إليه العمل الصالح. وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مماسا له ولا بائنا ولا مستويا على عرشه ولا هو فوق عباده ولا عاليا عليهم، وحظ العرش منه حظ الحشوش والأخلية، ولا تنزل على الطريقه الجهمية أن الله عز وجل في كل مكان، فحظ العرش منه كحظ دورات المياه والعياذ بالله، وانت إذا قلت أن الله في كل مكان إذ هو كما هو موجود في العرش موجود قسم منه في الحشوش والعياذ بالله نعم.

ولا تنزل الملائكة من عنده بل لا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يقرب منه شيء ولا يقرب من شيء، ولا يحب ولا يحب ولا يلتذ المؤمنون بالنظر إلى وجهه الكريم في دار الثواب بل ليس له وجه يرى ولا له يد يقبض بها السماوات وأخرى يقبض بها الأرض، ولا له فعل يقوم به ولا حكمة تقوم به، ولا كلم موسى تكليما ولا تجلى للجبل فجعله دكا هشيما، ولا يجيء يوم القيامة لفصل القضاء ولا ينزل كل ليله إلى سماء الدنيا فيقول لا أسأل عن عبادي غيري، ولا يفرح بتوبه عبده إذا تاب إليه، ويجوز في حكمته تعذيب أنبيائه ورسله وملائكته وأهل طاعته اجمعين من أهل السماوات والأرض وتنعيم أعدائه من... يعني هو يعني هي الأمور أيضا المستنكره، والحمد لله الذي لم عرفنا عليه ولم يجعل معبودنا... الحمد لله من النعم أن معبودنا لا يجوز في حكمته تعذيب أنبيائه، هذا تبع للكلام.

الحمد لله أن معبودنا ليس هو الذي يوجد في الحشوش وفي كل الأماكن، والحمد لله أن معبودنا ليس هو الذي لا ينزل، والحمد لله أن معبودنا ليس هو الذي في حكمته تعذيب الأنبياء والرسل. هذا رد على من؟ على الفكر الأشعري وغيره ممن يرون أن الله عز وجل له أن يعذب أنبياءه وأوليائه دون أن يصدر منهم شيء، هذا ليس الإله الذي نعلمه بأسمائه وصفاته.

قال: والكل بالنسبة إليه سواء، ولا فرق البتة إلا أنه أخبر أنه لا يفعل ذلك، فامتنع للخبر بأنه لا يفعله لا لأنه في نفسه مناف لحكمته. قال: ومع ذلك فرضاه عين غضبه وغضبه عين رضاه ومحبته كراهته وكراهته محبته. وهذا كله أقوال بدعية طبعا هكذا يقولون.

إن هو إلا إرادة محضة ومشيئة صرفة يشاء بها لا لحكمة ولا لغاية ولا لأجل مصلحة، ومع ذلك يعذب عباده على ما لم يعملوه ولا قدرة لهم عليه، بل يعذبهم على نفس فعله الذي فعله هو وينسبه إليهم على قول الجبرية، ويعذبهم إذا لم يفعلوا فعله ويلومهم عليه، ويجوز في حكمته أن يعذب رجالا إذ لم يكونوا نساء، ونساء إذ لم يكونوا رجالا، وطوالا إذ لم يكونوا قصار، وبالعكس، وسودا إذ لم يكونوا بيضا، وبالعكس، بل تعذيبه لهم على مخالفته هو من هذا الجنس، إذ لا قدرة لهم البتة على فعل ما أمروا به ولا ترك ما نهوا عنه.

قال: فله الحمد والمنة والثناء الحسن الجميل إذ لم يجعلنا عبيدا لمن هذا شأنه فنكون مضيعين ليس لنا رب نقصد، ولا صمد نتوجه إليه ونعوله، ولا إله نعول عليه، ولا رب نرجع إليه، بل قلوبنا تنادي في طرق الحيرة: من دلنا؟ من دلنا؟ وجمع علينا ربا ضائعا لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مبين له ولا محيث له ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء، ولا كلم أحدا ولا يكلمه أحد، ولا ينبغي لأحد أن يذكر صفاته ولا يعرفه بها، بل يهجرها بلسانه فلا يتكلم بها، وبقلبه فلا يعقلها.

وينبغي له أن يعاقب بالقتل أو الضرب والحبس من ذكرها، أو أخبر عنه بها، أو أثبتها له، أو نسبها إليه، أو عرفه بها. بل التوحيد الصرف جحدها وتعطيله عنها ونفي قيامه بها واتصافه بها، وما لم تدركه عقولنا من ذلك فالواجب نفيه وجحده وتكفير من أثبته واستحلال لدمه وماله أو تبديعه وتضليله وتفسيقه. وكلما كان النفي أبلغ كان التوحيد أتم؛ فليس كذا، فليس كذا، وليس كذا، فليس كذا.

هذا كله طريق أهل البدع أنهم يعتمدون على النفي في صفات الله: ليس قائما، ولا مكانا، ولا متحيزا، ولا جهة، ولا ولا... كل وصفهم لله هو وصف فقط بالنفي. يقول: ليس هذا هو إلهنا الذي نعرفه بكماله وجلاله. فلله العظيم أعظم حمد وأتمه وأكمله على ما من به من معرفته وتوحيده. عليك أن تحمد الله أنك عرفته على طريقة أهل السنة ولم تعرفه على طريقة أهل البدع الذين شوهوا ربهم ومعبودهم.

قال: أبلغ في التوحيد من قولنا هو كذا وهو كذا. قال: فلله العظيم الأعظم حمد وأتمه وأكمله على ما من به من معرفته وتوحيده والاقرار بصفاته العلى وأسمائه الحسنى، واقرار قلوبنا بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، إله الأولين والآخرين، لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الجلال، منعوتا بنوعوت الكمال، منزها عن أضدادها من النقائص والتشبيه والمثال.

فهو الحي القيوم الذي لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم، مالك السماوات والأرض الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا باذنه، والعالم بكل شيء الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم فلا تسقط ورقة إلا يعلمه ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطلع عليها الملك، ويععلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليها القلب البصير، الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة وأعضائها ولحمها وددمها ومخها وعروقها، ويرى دبيبها على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى ما تحت الأرضين السبع كما يرى ما فوق السماوات السبع.

السميع الذي قد استوى في سمعه سر القول وجهره، وسع سمعه الأصوات، فلا تختلف عليه أصوات الخلق ولا تشتبه عليه، ولا يشغله منها سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا تبرمه كثرة سؤال السائلين. قالت عائشة: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانه ليخفى علي بعض كلامها، فانزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِعَ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: 1].

القدير الذي لكمال قدرته يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويجعل المؤمن مؤمنا والكافر كافرا والبر والفاجر فاجرا، وهو الذي جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إليه ويهدون بأمره، وجعل فرعون وقومه أئمة يدعون إلى النار. ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء سبحانه أن يعلمه إياه، ولكمال قدرته خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب، ولا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته بل هو في قبضته أين كان، وإن فر منه فإنما يطوي المراحل في يديه، كما قيل: وكيف يفر المرء عنك بذنبه إذا كان يطوي في يديك المراحل.

ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك والظهير والشفيع بدون إذنه إليه. ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السماوات والأرض، ولم تسعه أرضه ولا سماواته ولا تحط به مخلوقاته، بل هو العالي على كل شيء، الظاهر فوق كل شيء، وهو بكل شيء محيط.

لا تنفذ كلماته ولا تبيد، بل لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادا وأشجار الأرض أقلام فكتب بذلك الميداد وتلك الاقلام لنفد الميداد وفنيت الاقلام ولم تنفد كلماته، إذ هي غير مخلوقة، ويستحيل أن يفنى غير المخلوق بالمخلوق، ولو كان كلامه مخلوقا -كما قاله من لم يقدر حق قدره ولا أثنى عليه بما هو أهله- لكان أحق بالفناء مداد هذه الاقلام، لأنه إذا كان مخلوقا فهو نوع من أنواع مخلوقاته، ولا يحتمل المخلوق فناء هذا المداد وهذه الاقلام وهو باق غير فان.

وهو سبحانه يحب رسوله وعباده المؤمنين ويحبونه، بل لا شيء أحب إليهم منه، ولا أشوق إلى لقائه، ولا أقر لعيونهم من رؤيته، ولا أحظى عندهم من قربه. وانه سبحانه له الحكمة البالغة في خلقه وأمره، وله النعمة السابغة على خلقه، وكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، وأنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وأفرح بتوبة عبده من واجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فواتها واليأس منها.

وأنه سبحانه لم يكلف عباده إلا وسعهم وهو دون طاقتهم، فقد يطيقون الشيء ويطيق عليهم بخلاف وسعهم، فانه ما يسعونه ويسهل عليهم وتفضل قدرهم. بخلاف وسعهم فانه ما يسعون، لم يكلف عباده إلا وسعهم وهو دون طاقتهم تماما. فقد يطيقون الشيء -يعني الوسع- هذا أسهل من الطاقة.

قال: وهو دون طاقتهم؛ ليه؟ فقد يطيقون الشيء ولكنه يكون ضيقا، بخلاف الوسع فانه ما يسعونه ويسهل عليهم. لماذا يعني الله عز وجل ما قال لا يكلف الله نفسا إلا طاقتها؟ ماذا قال؟ هي ملاحظة جميلة. قال: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. قال: لأن الوسع أسهل من الطاقة، لأنه أنا قد أكلفك طاقتك بس تفعلها وأنت في حرج ومع شيء من الجهد الزائد والمشقة الزائدة، هي طاقتك بس في مشقة زائدة.

قال لك: لا، أنا بكلفك هو شيء بيوسعك، فان ما يسعونه ويسهل عليهم وتفضل قدرهم عنه، ايش يعني وتفضل؟ بقول لك: أنت قادر عليه وزيادة، قادر عليه وزيادة. احنا في اليوم كم صلاة بنصلي؟ خمس صلوات، مع أنه لو كلفنا بسبعة وثمانية وعشرة نحن قادرين وزيادة، لكن ما أعطانا إلا ما يسهل علينا سبحانه، ولم يكلفنا حد الطاقة بل ما هو أسهل منه.

وأنه سبحانه لا يعاقب أحدا بغير فعله، ولا يعاقبه على فعل غيره، ولا يعاقبه بترك ما لا يقدر على فعله، ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه. وأنه سبحانه حليم كريم جواد ماجد محسن ودود صبور شكور، يطاع فيشكر ويعصى فيغفر. لا أحد أصفر على أذى سمعه منه، ولا أحب إليه المدح من، ولا أحب إليه العذر منه، ولا أحد أحب إليه الإحسان منه.

فهو محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين، جميل يحب الجمال -طيب، يحب كل طيب نظيف، يحب النظافة- عليم يحب العلماء من عباده، كريم يحب الكرماء، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، بر يحب الأبرار، عدل يحب أهل العدل، حيي ستير يحب أهل الحياء والستر، عفو غفور يحب من يعفو عن عباده ويغفر لهم، صادق يحب الصادقين، رفيق يحب الرفق، جواد يحب الجود وأهله.

رحيم يحب الرحماء، وتر يحب الوتر. يحب أسمائه وصفاته، ويحب المتعبدين له بها، ويحب من يسأله بها ويدعوه بها، ويحب من يعرفها ويعقلها ويثني عليه بها ويحمده ويمدحه بها، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه، ولا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين». وفي حديث آخر صحيح: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم».

ولحبته لأسمائه وصفاته أمر عباده بموجبها ومقتضاها، فأمرهم بالعدل والإحسان والبر والعفو والجود والصبر والمغفرة والرحمة والصدق والعلم والشكر والحلم والأناة والتثبت. ولما كان سبحانه يحب أسمائه وصفاته كان أحب خلقه إليه من اتصف بالصفات التي يحبها، وأبغضهم إليه من اتصف بالصفات التي يكرهها. فانما أبغض من اتصف بالكبر والعظمه والجبروت لأن اتصافه بها ظلم، إذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه لمنافاتها لصفات العبيد وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية ومفارقته لمنصبه ومرتبته وتعديه طوره وحده.

وهذا بخلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والإحسان والصبر والشكر، فانها لا تنافي العبودية، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته، إذ المتصف بها من العبيد لم يتعد طوره ولم يخرج بها من دائرة العبودية.

المقصود أنه سبحانه لكمال أسمائه وصفاته موصوف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص، له كل ثناء حسن، ولا يصدر عنه إلا كل فعل جميل، ولا يسمى إلا بأحسن الأسماء، ولا يثنى عليه إلا بأكمل الثناء. وهو المحمود المحبوب المعظم ذو الجلال والإكرام على كل ما خلقه وقدره، وعلى كل ما أمر به وشرعه.

ومن كان له نصيب من معرفة أسمائه الحسنى واستقرى آثارها في الخلق والأمر راى الخلق والأمر منتظمين بها أكل إنتظام، وراى سريان آثارها فيهما، وعلم بحسب معرفته ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله وما لا يليق، فاستدل باسمائه على ما يفعله وما لا يفعله، فانه لا يفعل خلاف موجب حمده وحكمته.

وكذلك يعلم ما يليق به أن يأمر به ويشرعه مما لا يليق به، فيعلم أنه لا يأمر بخلاف موجب حمده وحكمته. فإذا رأى في بعض الأحكام جورا وظلما أو سفها وعبثا أو فسادا أو ما لا يوجب حمدا وثناء فليعلم أنه ليس من أحكامه ولا دينه.

وهذه قاعدة جميلة وعظيمة حقيقة في باب الفقه وأنت تفتي يا طالب العلم، وأنت تحاول أن تفعل ملكتك الفقهية، حاول أن تستحضر هذا البعد العقدي، وهو أن أي حكم من الأحكام وأي فتوى تستظهرها ترى فيها نوعا من الجور أو الظلم أو السفه أو العبث أو المفسدة فليعلم أنه ليس من أحكام الله ولا دينه.

وهذه ربما تناقشنا فيها في مرات كثيرة قضية أنه مثلا ياتيك شخص فيقول: لا إشكال عند الله سبحانه وتعالى أن يفني الآلاف المؤلفة من البشر المسلمين والملايين من أجل مثلا تطبيق حكم واحد من الأحكام. تمام! كما تجد في بعض اطلاقات المتحمسين أو الدعويين اليوم عنده شيء من الاندفاع، فتقول: هل هذه فتوى صحيحه؟ يعني فرق بين من يتكلم باندفاعية ومن يتكلم بموجب أسماء الله وصفاته.

شوف كيف ابن القيم يأخذك إلى هذا البعد العالي، أنه الإنسان لما ينظر في فتوى ينظر غير الأدلة التفصيلية الجزئية المتعلقة بهذه المسألة، ينظر في موجب كمالات الإله، لأنه مدى إدراكك وتعمقك في فهم كمالات الإله يعينك على ضبط الفتوى.

شوف هذا الملحظ، مدى فهمك وإدراكك للمالات الإلهية هو يجعلك تعرف ما الذي يليق وأن يكون حكما لله وما الذي لا يليق. ولا تحتاج أن البصيرة في الأسماء الحسنى والصفات العلى، فأي حكم من الأحكام رايت فيه جورا وظلما أو سفها وعبثا أو مفسدة زائدة عن المعقول أو ما لا يوجب حمدا وثناء فليعلم أنه ليس من حكم الله ولا من دينه وإن زعم صاحب الفتوى أن هذا دين الله. لكن أقول: هذا ليس موجب أسماء الله وصفاته وكمالاته.

هذا ملحظ مهم في الفتوى جميل، نعم، وإن الله بريء من هذا الحكم ورسوله، فإن الله إنما يأمر بالعدل لا بالظلم، وبالمصلحة لا بالمفسدة، وبالحكمة لا بما هو عبث وسفه. جميل.

قال: وإنما بعث رسوله بالحنيفية السمحة لا بالغضة والشدة، وبعثه بالرحمة لا بالقسوة، فإنه أرحم الراحمين، ورسوله رحمة إلى العالمين، ودينه كله رحمة، وهو نبي الرحمة، وأمته الأمة المرحومة، وذلك كله موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الحميدة؛ فلا يخبر عنه إلا بحمده، ولا يثنى عليه إلا بأحسن الثناء، كما لا يسمى إلا بأحسن الأسماء.

قال: وقد نبه سبحانه على شمول حمده لخلقه، وأمر بأن حمد نفسه في أول الخلق وآخره، وعند الأمر والشرع، وحمد نفسه على ربوبيته للعالمين، وحمد نفسه على تفرده بالألوهية وعلى حياته، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق بكماله من اتخاذ الولد وشريك وموالاة أحد من خلقه لحاجة إليه، وحمد نفسه على علوه وكبريائه، وحمد نفسه في الأولى والآخرة، وأخبر عن سريان حمده في العالم العلوي والسفلي، ونبه على هذا كله في كتابه وحمد نفسه عليه؛ فنوع حمده وأسباب حمده، وجمعها تارة وفرقها أخرى، ليتعرف إلى عباده ويعرفهم كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه، وليتحبب إليهم بذلك ويحبهم إذا عرفوه وأحبوه وحمدوه.

قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2-4]. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1]. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: 1-2]. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: 1].

وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: 1]. وقال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 70]. وقال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 65].

في بدايات السور؛ في سورة الفاتحة تعلق الحمد بربوبية الله سبحانه وتعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بما يشمله ذلك من وضع الشرائع وتقدير الأقدار. ثم في السورة الثانية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ﴾ تعلق الحمد بالخلق، والخلق يشمل كل ما جهة القدر. في السورة الثالثة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ وهذا يشمل كل جهة الشرع. ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ما يتعلق بالملك؛ والملك لاحظ أنه كان ابن القيم كثيراً هو في سياق القدر، مالك كل شيء فهو المتصرف في كل شيء، وهذا جانب القدر أو الربوبية، ثم عاد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فكرة الخلق، والخلق يدل على ماذا؟ على ربوبية وقدر.

وقال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 17-18].

قال: وأخبر عن حمد خلقه له بعد فصله بينهم والحكم لأهل طاعته بثوابه وكرامته، والحكم لأهل معصيته بعقابه وإهانته. قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: 75].

قال: وأخبر عن حمد أهل الجنة له، وأنهم لم يدخلوها إلا بحمده، كما أن أهل النار لم يدخلوها إلا بحمده. فقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43]. ودعواهم فيها ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10].

وقال عن أهل النار: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: 74-75]. وقال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 11]. قال: وشهدوا على أنفسهم بالكفر والظلم، وعلموا أنهم كانوا كاذبين في الدنيا، مكذبين بآية ربهم، مشركين به، جاحدين لإلهيته، مفترين عليه، وهذا اعتراف منهم بعدله فيهم وأخذهم ببعض حقه عليهم، وأنه غير ظالم لهم، وأنهم إنما دخلوا النار بعدله وحمده، وإنما عوقبوا بأفعالهم وبما كانوا قادرين على فعله وتركه لا كما يقول الجبرية.

قال: وتفصيل هذه الجملة مما لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به ولا إلى التعبير عنه، ولكن بالجملة فكل صفة عليا، واسم حسن، وثناء جميل، وكل حمد ومدح، وتسبيح وتنزيه وتقديس، وجلال وإكرام، فهو لله عز وجل على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها.

وتفصيل هذه الجملة عن الكلام في لماذا يحمد الله وأسباب الحمد؛ وهذا باب لا نهاية له ولا حصر له، فأخذها بالجملة الآن. بعد أن أطنب واستطرد في ذكر موجبات الكمال الإلهي، يقول لك في النهاية الكلام هذا يطول ولا ينتهي.

قال: وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه به فهو محامد له وثناء وتسبيح وتقديس؛ فسبحانه وبحمده، لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه خلقه. فله الحمد أولاً وآخراً حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده.

قال: فهذا تنبيه على أحد نوعي حمده وهو حمد الصفات والأسماء. قال: والنوع الثاني حمد النعم والآلاء، وهذا مشهود للخليقة برها وفاجرها، مؤمنها وكافرها، من جزيل مواهبه وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته بهم وبره ولطفه وحنانه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ورحمة العالمين، وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق، بل ابتداء منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه.

ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفها بعد وقوعها، ولطفه تعالى في ذلك بإيصاله إلى من أراده بأحسن الألطاف، وتبليغه من ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهدايته خاصته وعباده إلى سبل السلام، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع، وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح.

قال: وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وأعطاهم قبل أن يسألوه، وتحبب إليهم بنعمه مع غناه عنهم، وتبغضوا إليه بالمعاصي وفقرهم إليه، ومع هذا كله فاتخذ لهم داراً وأعد لهم فيها من كل ما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين، وملاها من جميع الخيرات، وأودعها من النعيم والحبرة والسرور والبهجة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ثم أرسل إليهم رسلاً يدعونهم إليها، ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها، ورضي منهم باليسير في هذه المدة القصيرة جداً بالإضافة إلى بقاء دار النعيم، وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشرة، وإن أساءوا واستغفروه أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جنوه من السيئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات.

وذكرهم بآلائه وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منهم بهم وإحساناً لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم لا بخلاً منه عليهم، وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، وأوصاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال، ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال، وصرف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم من غضبه.

ويخاطبهم بألطف الخطاب ويسميهم بأحسن أسمائهم، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: 8]. ﴿يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: 53]. ﴿قُل لِّعِبَادِيَ﴾ [إبراهيم: 31]. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ [البقرة: 186]. فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22]. كذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: 3]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر: 5]. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: 1]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: 73].

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50]. فتحت هذا الخطاب: إني عاديت إبليس وطردته من سمائي وباعدته من قربي إذ لم يسجد لأبيكم آدم، ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريته من دوني وهم هم أعداء لكم! فليتأمل اللبيب مواقع هذا الخطاب وشدة لُصوقه بالقلوب والتباسه بالأرواح، وأكثر القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف والنصيحة البالغة.

وأعلم عباده سبحانه أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل وأفضل المنازل وأجل العلوم والمعارف؛ فقال تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7]. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 26-28].

قال: ويتنصل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنة والتهمة التي ينسبها إليه من لم يعرفه حق معرفته ولا قدره حق قدره، من تكليف عباده ما لا يقدرون عليه ولا طاقة لهم بفعله البتة، وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به. "متنصل" يعني يبرئ نفسه سبحانه وتعالى من أن يفعل هذه الأمور، أن أكلفكم ما لا تطيقون، أن أعذبكم وأنتم تشكرونني.

قال: وخلق السماوات والأرض وما بينهما لا لحكمة ولا لغاية، قال: وإنه لم يخلق خلقه لحاجة منه إليهم، ولا ليتكثر بهم من قلة، ولا ليتعز بهم من ذلة، ولا ليستعين بهم، فهو سبحانه لم يفعل ذلك من أجل هذه الأمور، بل قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن خلقهم جوداً وإحساناً ليعبدوه، فيربح هم كل الأرباح، قولهم: أحسنت لأنفسكم.

قال: ولما أمرهم بالوضوء والغسل من الجنابة الذي يحط عنهم أوزارهم، ويدخلون به عليه، ويرفع به درجاتهم، قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]. وقال في الأضاحي والهدايا: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 37]. وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: 267]. يقول سبحانه: إني غني عما تنفقون، أن ينالني منه شيء، حميد مستحق للمحامد كلها، فإنفاقكم لا يسد منه حاجة ولا يوجب له حمداً، بل هو الغني بنفسه، الحميد بنفسه وأسمائه وصفاته، وإنفاقكم إنما نفعه لكم وعائدته عليكم.

قال: ومن المتعين على من لم يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب وجلالته ولطف موقعه وجذبه للقلوب والأرواح ومخالطته لها، أن يعالج قلبه بالتقوى.

إن الإنسان الآن جالس معنا قرأ كل هذا الكلام الجميل، وهذا استحضار من ابن القيم لآثار الأسماء وآثار الإنعام، ولم يجد حلاوة له في قلبه ولا تحركاً لمشاعره وأحاسيسه، يقول لك ابن القيم: إذاً تحتاج أن تعالج قلبك. يعني ابن القيم يحسن إدراك المشاكل النفسية والقلبية عند الإنسان؛ كل هذا الاستلطاف وكل هذا السرد الجميل البهي لموجبات الأسماء والصفات والكمالات والإنعام إذا ما حرك مشاعرك وأحاسيسك ولم يجذب قلبك، عالج قلبك بالتقوى؛ في معاصي في ذنوب تحرمك من مشاهدة هذا الجمال وهذا الكمال وهذا الإنعام. وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التي حالت بينك أيها الإنسان بين هذا القلب وبين حظه من ذلك، ويتعرض إلى الأسباب التي يناله بها، من قراءة القرآن، من التدبر في الكون، من صدق الرغبة واللجأ إلى الله أن يحيي قلبه ويزكيه ويجعل فيه الإيمان والحكمة؛ فالقلب الميت لا يذوق طعم الإيمان ولا يجد حلاوته ولا يتمتع بالحياة الطيبة لا في الدنيا ولا في الآخرة، أسأل الله العافية.

ومن أراد مطالعة أصول النعم فليسم سرح الفكر في رياض القرآن. "فليسم" أي من السوم، فليسم: يعني أطلق، سرح الفكر، كيف لك أطلق دوابك في هذا المرعى؟ يقول لك أطلق بسوم مش الدواب، أطلق فكرك، كأن الفكر هو مجموعة من الغنم أنت ستجعلها تسوم في رياض القرآن؛ كما قلت لك، القرآن هو أساس حصول هذه المطالعة القلبية، وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه وتعرف بها إلى عباده من أول القرآن إلى آخره، حتى خلق النار وابتلاءهم بإبليس وحزبه؛ يعني حتى هذه الأمور طالع فيها النعم؛ يقول فليطالع النعم حتى في خلق النار، طالع النعمة فيها، حتى في ابتلائك بإبليس طالع النعمة فيها، وتسليط أعدائهم عليهم وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى، لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها، مخالفة الأهواء ومحاربة أعدائه، فلله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها.

فلله على أوليائه أتم نعمه وأكملها في كل ما خلقه من محبوب ومكروه، ونعمه ومحنه، وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه بأعدائه وإكرامه لأوليائه، وفي كل ما قضاه وقدره. وتفصيل ذلك لا تفي به أقلام الدنيا وأوراقها، ولا قوة للعباد، وإنما هو التنبيه والإشارة.

كل ما نذكره غيض من فيض من نعم الله سبحانه، ومن استقرأ الأسماء الحسنى وجدها مدائحه وثناء؛ تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغها، وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها. ومع ذلك فلله سبحانه محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر، ولا هزت في الضمائر، ولا لاحت لمتوسم، ولا سنحت في فكر.

ففي دعاء أعرف الخلق بربه سبحانه وتعالى وأعلمهم بأسمائه وصفاته، قال: «أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني».

وفي الصحيح في عريض الشفاعة، أنه لما يزل بين يدي الله قال: فيفتح علي من محامده بشيء لا أحسنه الآن. وكان يقول في سجوده: «أعوذ برضاك من سخطك، وبفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك»، لا أحصي هذا موطن الشاد؛ لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك، ولا يحصي أحد من خلقه ثناء عليك. فله أسماء وأوصاف وحمد وثناء لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ونسب ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور في بحر.

فإن قيل: كيف تصنعون بما يشاهد من أنواع الابتلاء والامتحان، والآلام للأطفال والحيوانات، ومن هو خارج عن التكليف ومن لا ثواب ولا عقاب عليه؟ وما تقولون في الأسماء الدالة على ذلك من المنتقم والقابض والخافض ونحوها؟

قيل: قد تقدم من الكلام في ذلك ما يكفي، بعضه لذيذ الفطرة السليمة والعقل المستقيم. وأما من فسدت فطرته وانتكس قلبه وضعفت بصيرة عقله، فلو ضرب له من الأمثال ما ضرب فإنه لا يزيده إلا غمًا وتحيرًا. ونحن نزيد ما تقدم إيضاحًا وبيانًا، إذ بسط هذا المقام أولى من اختصاره.

فنقول: كأنه لما تكلم عن الشر المتعلق بالمعاصي والذنوب، أراد الآن أن يتكلم بنوع من البسط عن الشر المتعلق بالبلاءات، اللي هو آلام الأطفال والحيوانات وما يصيبهم، فيقول لك هذا الشر ليس له علاقة بالذنوب والمعاصي، فأعطنا ما هي الحكمة فيه؟

طبعًا هو أشار إلى شيء من ذلك؛ خلق المتضادات كما يخلق الصحة يسلبها، فهذا جزء منه داخل في المفهوم الكبير في قدرة الله على التنوع؛ كما يخلق الصحة يخلق المرض، وهذه من الأمور المتقابلة. لكنه سبحانه وتعالى أيضًا له حكم تفصيلية يمكن استحضارها في هذه المقامات.

ورأى ابن القيم أن بسط الكلام في هذا المقام أولى من اختصاره، لكن في النهاية هذه فكرة جيدة، سيبقى من يريد الجدل؛ لذلك قال: «فمن انتكس قلبه وضعفت بصيرته، لو ضربت له كل الأمثال وأتيت بكل الأدلة، خلص هو لا يريد الاهتداء». ففي بعض الناس القضية ليست قضية عجزنا عن الاستدلال بقدر ما هي عماة عن النظر، فهو لا يريد أن يبصر الأمور كما هي.

فإذا قلت له يا أخي في دليل كذا وكذا، لماذا خلق الله الشر؟ لماذا كذا؟ يبقى يفرض فرضيات واحتمالات ولا يريد أن يهدا ليفكر ليستقر، هو يريد فقط المشاغبة والتشغيب على أدلتك.

يقول ابن القيم في بسط هذا المقام: قد علمت أن جميع أسماء الرب جل جلاله حسنى، وصفاته كمال، وأفعاله حكمة ومصلحة، وله كل ثناء وكل حمد ومدح وكل خير، فمنه وله وبيده، والشر ليس إليه بوجه من الوجوه، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه، وإن كان في مفعولاته فهو خير بإضافته إليه، وشر بإضافته إلى من صدر عنه. فتمسك بهذا الأصل ولا تفارقه في كل دقيق وجليل، واجعله أُخْيَتَك التي ترجع إليها وتعتمد عليها.

الأُخْيَة هي كما قلنا الخشبة أو الوتد الموجود في الأرض ويدور حوله الحصان أو الحمار أو ما شابه ذلك، فقول لك هذا أصل عام إياك أن تتزحزح عنه، وهو كمال الله في أسمائه وصفاته وأفعاله، وأنه كله خير، فمنه وله وبيده، والشر ليس إليه لا في ذاته ولا في صفاته. وإن كان في مفعولاته شيء من الشر، فهو بالإضافة إلى فعل الله له خير، وإنما شريته بالنسبة إلى ذلك المخلوق المعين. فتمسك بهذا الأصل ولا تفارق، واعلم أن لله خصائص في خلقه ورحمة وفضلًا يختص به من يشاء، وذلك موجب ربوبيته وإلهيته وحكمته.

فإياك ثم إياك أن تصغي إلى وسوسة شياطين الإنس والجن والنفس الجاهلة الظالمة، أنه هل سوى بين عباده في تلك الخصائص وقسمها بينهم على السواء؟ فإن هذا عين الجهل والسفه من المعترض به. قال: وقد بينا فيما تقدم أن حكمته تأبى ذلك وتمنع منه، ولكن اعلم أن الأمر قسمة بين فضله وعدله، فيختص برحمته من يشاء ويقصد بعذابه من يشاء، وهو المحمود على هذا وهذا.

فالطيبون من خلقه مخصوصون بفضله ورحمته، والخبيثون مقصودون بعذابه، ولكل واحد قسمة من الحكمة والابتلاء والامتحان، وكل مستعمل عمل فيما هو له مهيأ وله مخلوق، وكل ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين، فإنه تعالى خلقهم للخيرات فهم لها عاملون، واستعملهم فيها، فلم يدركوا ذلك إلا به، ولا استحقوه إلا بما سبق لهم من مشيئته وقسمته.

فلذلك لا تضرهم الأدواء ولا السموم، بل متى وسوس لهم العدو أو اغتالهم بشيء من كيده أو مسهم بشيء من طيفه تذكروا، فإذا هم مبصرون. وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، وإذا واقعوا معصية صغيرة أو كبيرة عاد ذلك عليهم رحمة وانقلب في حقهم دواء، وبدل حسنه بالتوبة النصوح والحسنات الماحية.

لأنه سبحانه عرفهم بنفسه وبفضله، وبأن قلوبهم بيده وعصمتهم إليه حيث نقض عزماتهم وقد عزموا ألا يعصوه، وأراهم عزته في قضائه وبره وإحسانه في عفوه ومغفرته، وأشهدهم نفوسهم وما فيها من النقص والظلم والجهل، وأشهدهم حاجتهم إليه وافتقارهم وذلهم، وأنه إن لم يعفُ عنهم ويغفر لهم فليس لهم سبيل إلى النجاة أبدًا.

فإنهم لما أعطوه من أنفسهم العزم ألا يعصوه وعقدوا عليه قلوبهم، ثم عصوه بمشيئته وقدرته، عرفوا بذلك عظيم اقتداره وجميل ستره إياهم وكريم حلمه عنهم وسعة مغفرته لهم وبرد عفوه وحنانه. وهذا ربما شرح لمعنى قول السلف الذي نقوله: «عرفت الله بفسخ العزائم».

عرفت الله فسخ العزائم، فإنهم لما أعطوا -لاحظ ماذا قال-: من أنفسهم العزم، قالوا خلاص، أنت اليوم بتصحى تكون جتك عالي، أنه أنا عصيت البارحة في الليل ما بدي أعصي، اليوم تكون عزمت على ألا تعصي وعقدت قلبك على ذلك، ثم بعد ذلك إذا أنت تعود فتعصي بنفس المعصية، هنا تعرف بذلك عظيم قدرة الله سبحانه، وجميل ستره، وكريم حلمه، وسعة مغفرته، وبرد عفوه، وحنانه وعطفه، وأنه حليم ذو أناة لا يعجل، كم مرة وعدت وفسخت، كم مرة وعدت وفسخت.

ورحيم، وإنه حليم ورحيم، سبقت رحمته غضبه، وإنهم متى رجعوا بالتوبة إليه وجدوه غفورًا رحيمًا حليمًا كريمًا، يغفر لهم السيئات ويقيلهم العثرات، ويودهم بعد التوبة ويحبهم، مع أنك عصيت الله قبل أيام لكنك الآن تبت، ربنا يحبك. فتضرعوا إليه حينئذ بالدعاء، وتوسلوا إليه بذل العبيد وعز الربوبية، فتعرف سبحانه إليهم بحسن إجابته، وجميل عطفه، وحسن امتنانه في أن ألهمهم دعاءه، ويسرهم للتوبة والإنابة، وأقبل بقلوبهم إليه بعد إعراضها عنه، ولم تمنعه معاصيهم وجناياتهم عن عطفه، أو من عطفه عليهم وبره لهم وإحسانه إليهم، فتاب أن يتوبوا إليه، وأعطاهم فتاب.

أنا هذه شاك في الكلمة: "فتاب"، أظنها "فأثاب". قبل أن يتوبوا إليه، إلا إذا كان يقصد بالتوبة مطلق الرجوع، يعني أن رجع إليهم قبل أن يتوبوا إليه، هل يقصد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: 118]؟ ممكن هذه القضية، "فتاب" بمعنى أنه كما أراد أن يتوب عليهم قبل أن يختاروا التوبة، فبهذا المعنى نعم، أراد أن يتوب عليهم، فلما تاب هيأهم للتوبة، فلما تابوا إليه واستغفروا وأنابوا، تعرف إليهم تعرفًا آخر.

فعرفهم رحمته وحسن عائدته، وسعة مغفرته، وكريم عفوه، وجميل صفحته، وبره وامتنانه وكرمه وسرعة مبادرته. لا، نحن إلى الآن ما تكلمنا لا عن أمور الأطفال ولا شيء، رجعنا للمربع الأول، مربع الكلام عن شر الذنوب والمعاصي، وهذا يعطيك أنه في مساحة من التكرار في كلام ابن القيم نوعًا ما؛ الكتاب حصل فيه تكرار، ولكن ابن القيم يبرر هذا التكرار أنه من أهم الأمور التي ينبغي أن تبقى يعاد ويزاد في تأثيرها لمحو كل ما يمكن أن يعلق من القلب تجاهها. ويبرر هذا التكرار، وإن كان الكتاب يمكن أن يختصر في اعتقادي بأكثر من ذلك، ويتم جمع الأفكار في مكان واحد، لذلك أنت اليوم لو واحد ألف كتابًا معاصرًا سيعتبر هذا النوع من الحشو في طريقة المعاصرين: أنه لماذا تكرر نفس الكلام في سياقات كثيرة وتعيد نفس الفكرة؟ لكن طريقة المتقدمين في التصنيف ربما تختلف عن الطريقة المعاصرة، ولكل زمان أحكامه.

قال: وسرعة مبادرته قبولهم بعد أن كان منهم ما كان من طول الشرود وشدة النفور والإضياع في طرق معاصيه. قال: وأشهدهم مع ذلك حمده العظيم، وبره العميم، وكرمه في أن خلا بينهم وبين المعصية فنالوها بنعمته وإعانته، ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من الهلاك والفساد الذي لا يرجى معه صلاح، بل تداركهم بالدواء الشافي، فاستخرج منهم داءً لو استمر معه لأفضى إلى الهلاك.

قال: ثم تداركهم بروح الرجاء، فقذفه في قلوبهم، وأخبره أنه عند ظنونه به. ولو أشهدهم عظيم الجناية وقبح المعصية وغضب الله ومقته على من عصاه فقط، لأورثهم ذلك المرض القاتل والداء العضال من اليأس من روحه والقنوط من رحمته، وكان ذلك عين هلاكهم، ولكن رحمهم قبل البلاء، وفي حشو البلاء، وبعد البلاء، وجعل تلك الآثار التي تجلبها معصيته من المحن والبلاء والشدائد، رحمة له، وسببًا إلى علو درجاتهم ونيل الزلفى والكرامة عنده.

فأشهدهم بالجناية عز الربوبية وذل العبيد، ورقاهم بآثارها إلى منازل قربه ونيل كرامته، فهم على كل حال يربحون عليه ويتقلبون في كرمه وإحسانه؛ فكل قضاء يقضيه للمؤمن فهو خير له، يسوقه به إلى كرامته وثوابه، وكذلك عطاياه الدنيوية منه عليهم، فإذا استرجعها أيضًا منهم وسلبهم إياها، انقلبت من عطايا الدنيا إلى عطايا الآخرة، كما قيل: إن الله ينعم على عباده بالعطايا الفاخرة، فإذا استرجعها كانت من عطايا الآخرة.

جميل هذا الكلام، الله يعطيك العطايا الفاخرة في الدنيا، فإذا استرجعها أصبحت أيضًا عطية لكنها مدخرة إلى الآخرة؛ يعطيك الله الولد فإذا سلبه منك أصبح من عطايا الآخرة، يعطيك المال فإذا سلبه منك أصبح من عطايا الآخرة، وهكذا. والرب سبحانه قد تجلى لقلوب المؤمنين العارفين، وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه، ومضاء مشيئته وعظيم سلطانه، وعلي شأنه وكرمه وبره وإحسانه، وسعة مغفرته ورحمته، وما ألقاه في قلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية من ذلك، وما وراءه مما لم تحتمله قواهم، ولا يخطر ببال ولا يدخل في خلد ما لا نسبة لما عرفوه إليه؛ يعني كل هذا لا نسبة له، هناك ما وراء ذلك من عظمة الله بحيث يكون كل ما عرفناه هو قطرة في ذلك البحر العظيم.

فاعلم أن الذين كان قسمهم أنواع المعاصي والفجور وفنون الشرك، نحن قلنا الله عز وجل قسم الناس بين رحمته وعدله؛ الذين كانوا باتجاه العدل وليس باتجاه الرحمة، الذين كان قسمهم وقدرهم أن يكونوا من أهل المعاصي والفجور، وأن يكونوا من أهل الكفر والشرك والتقلب في غضبه وسخطه، قلوبهم وأرواحهم شاهدة عليهم بالمعاصي والكفر، مقرين بأن له الحجة عليهم، وأن حقه قبلهم، أن هؤلاء خبائث، ولا يدخل النار منهم أحد إلا وهو شاهد بذلك، مقر به، فاعترفوا معترف اعتراف طائع مختار لا مكره مطهد؛ فهذه شهادتهم على أنفسهم، وشهادة أوليائه عليهم، والمؤمنون يشهدون له فيهم بشهادة أخرى لا يشهد بها أعداؤه ولو شهدوا بها.

قال: فيشهدون بأنهم عبيد عبيده وملكه، وأنه أوجدهم ليظهر بهم مجده، وينفذ فيهم حكمه، ويمضي فيهم عدله، ويحق عليهم كلمته، ويصدق فيهم وعيده، ويبين فيه سابق علمه، ويعمر بها ديارهم ومساكنهم التي هي محل عدله وحكمته. قال: وشهد أولياؤه عظيم ملكه، وعز سلطانه، وصدق رسله، وكمال حكمته، وتمام نعمته عليهم، وقدر ما اختصهم به، ومن أي شيء حماهم وصانهم، وأي شيء انصرف عنهم، وأنه لم...

يكن لهم إليه وسيلة قبل وجودهم يتوسلون بها إليه، ألا يجعله من أصحاب الشمال وأن يجعله من أصحاب اليمين، وشهدوا له سبحانه بأن ما كان منه إليهم وفيهم مما يقتضيه إتمام كلماته؛ الصدق والعدل وصدق قوله، وتحقيق مقتضى أسمائه، فهو محض حقه، وكل ذلك منه حسن جميل، له عليهم أتم حمد وأكمله وأفضله، وهو حكم عدل وقضاء فصل، وإنه المحمود على ذلك كله، فلا يلحقه منه ظلم ولا جور ولا عبث، بل ذلك محض الحكمة ومحض الحمد وكمال أظهره في حقه وعز أبدأه وملك أعلنه ومراد له أنفذه.

كما فعل بالبدن وضروب الأنعام أتم بها مناسك أوليائه وقرابين عباده، وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام إهلاكًا وإتلافًا. ها هنا بدأ بقضايا آلام الحيوانات، فيقول: «ولذلك عيد الحكمة ومحض الحمد وكمال أظهر في حقه وعز أبدأه ومراد له؛ كما فعل بالبدن وضروب الأنعام حيث أجاز لنا ذبحها يكون في ذبحها مظهر من مظاهر التنسك، وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام إهلاكًا وإتلافًا».

فأعداؤه الكفار المشركون المجاهدون به أولى أن تكون دمائهم قرابين أوليائه وضحايا المجاهدين في سبيله، كما قال حسان بن ثابت: «يتطهرون يرونه قربانهم»، في دماء من علقوا من الكفار فهو قربان إلى الله.

وكذلك لما ضحى خالد القسري بشيخ المعطلة الجعد بن درهم يوم الأضحى، فلما أكمل خطبته قال: «ألا يا ناس ضحوا، قبض الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ إذ زعم أن الله لم يكلم تكليمًا ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعدون كبيرًا»، ثم نزل فذبحه، وكان ضحيته، ذكر ذلك البخاري في كتاب خلق الأفعال.

قال: فهذا شهود أوليائه من شأن أعدائه، ولكن أعداءه في غفلة عن هذا لا يشهدونه ولا يقرون به، ولو شهدوا هذه الشهادة لله كما شهد بها المؤمنون لأدركوا حنان الله ورحمته بهم، ولكن لما حجبوا عن معرفته ومحبته وتوحيده وإثبات أسمائه وصفاته، ووصفه بما يليق به، وحُجبوا عن تنزيهه عما لا يليق به، صار هؤلاء الأعداء أسوأ حالًا من الأنعام، وضُربوا بالحجاب وأُبعدوا عنه بأقصى البعد، وأُخرجوا من نوره إلى الظلمات، وغُيبت قلوبهم عن كماله وجلاله وعظمته في غيابات الجهل، ليتم عليهم أمره وينفذ فيهم حكمه، والله عليم حكيم.

ننتهي ونخف اليوم عند هذا القدر، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.