فهذا هو الفقر الصحيح المطابق للعقل والفطره والشرع. ومن خرج عنه وانحرف الى احد الطرفين زاغ قلبه عن الهدى وعطل ملك الملك الحق وانفراده بالتصرف والربوبيه عن اوامره وشرعه وثوابه وعقابه. قال وحكم هذا الفقير المضطر الى خالق في كل طرفه عين وكل نفس انه ان حرك بطاعه او نعمه شكرها وقال هذا من فضل الله ومنه وجوده فله الحمد. وان حرك بمبادئ معصيته صرخ ولجا واستغاث وقال أعوذ بك منك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك.
فان تم تحريكه بالمعصيه التجا التجاء اسير قد اسره عدوه وهو يعلم انه لا خلاص له من اسره الا بان يفتكه سيده من الاسر، ففكاكه في يد سيده ليس في يده منه شيء البته ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياه ولا نشورا. فهو في اسر العدو ناظر الى سيده وهو قادر على تخليصه قد اشتتدت ضرورته اليه وصار اعتماده كله عليه. قال سهل: انما يكون الالتجاء على معرفه قدر الابتلاء، وعلى قدر معرفه الابتلاء تكون المعرفة بالمبتلي سبحانه وتعالى نعم.
قال ومن عرف معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «وأعوذ بك منك» وقام بهذه المعرفه شهودا وذوقا واعطاها حقها من العبوديه فهو الفقير حقا، ومدار الفقر الصحيح على هذه الكلمه فمن رزق فهمها فهم سر الفقر المحمدي. فهو سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه وهو الذي يعيذ من نفسه بنفسه. نعم كثير من الناس يجهل معنى هذا الدعاء: اللهم أعوذ بك منك، يقول ابن القيم هذه الكلمه هي مدار الافتقار الى الله سبحانه وتعالى فعليك ان تتدبرها حق التدبر ما معنى انك تعوذ بالله منه؟
يقول فهو سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه، أعوذ بك منك أفر إلى قضائك من قضائك، أفر إلى قضائك المليء بالخير والرحمة ومن قضاء فيه شر وضرر وما شابه ذلك نعم. قال وهو الذي يدفع ما منه بما منه فالامر كله له، والحكم كله له، والخلق كله له، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وما شاء لم يستطع أن يصرفه إلا مشيئته ومن لم يشأ لم يكن أن يجلب إلا مشيئته، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو. وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله.
والتحقق بمعرفه هذا يوجب صحه الاضطرار وكمال الفقر والفاقه، ويحول بين العبد وبين رؤيه اعماله واحواله والاستغناء بها، والخروج عن ربقه العبوديه إلى دعوى ما ليس له، أن تدعي انك صاحب فضل وما شابه ذلك. وكيف يدعي مع الله حالا أو ملكه أو مقاما من قلبه وإراداته وحركاته الظاهره والباطنه بيد ربه ومليكه لا يملك هو منها شيئا نعم. قال وانما هي بيد مقلب القلوب ومصرفها كيف شاء، فالإيمان بهذا والتحقق به نظام التوحيد فمتى انحل من القلب انحل نظام التوحيد. فان تؤمن بأن كل شيء من الله وبالله وإلى الله هذا هو نظام التوحيد، لذلك ابن عباس ذكر أن القدر هو نظام التوحيد.
فاذا انحل فرطت هذه المسبحه فرط التوحيد انتهى، فلا بد أن يرى الإنسان أن كل شيء صدر منه هو بتوفيق الله وإرادة الله واختيار الله له، فيشاهد ربه في كل شيء ولا يدعي لنفسه ملكه، ولا يدعي لنفسه ذكاء، ولا يدل على الله بعبادته، ولا يمن على الله بما فعله نعم. قال فسبحان من لا يوصل إليه إلا به، ولا يطاع إلا بمشيئته، ولا ينال ما عنده من كرامته إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بتوفيقه ومعونته. فعاد الأمر كله إليه كما ابتدأ الأمر كله منه، فهو الأول والاخر وأن إلى ربك المنتهى.
ومن وصل إلى هذا الحال وقع في يد التقطع والتجريد، واشرف على مقام التوحيد الخاصي. مقام التوحيد الخاصي يعني اللي هو بيمسوه إخواننا علماء الصوفية مقام الفناء، أن خلص انت شاهدت كل شيء بالله ومن الله بس الفناء بالمعنى الصحيح تمام التجريد جردت كل شيء ونظرت أن الفاعل الحقيقي أولا وآخرا وظاهرا وباطنا هو الله نعم. قال فان التوحيد نوعان عامي وخاصي كما أن الصلاة نوعان والذكر نوعان وسائر القرب كذلك خاصيه وعاميه، فالخاصيه ما بذل فيها العامل نصحه وجهده بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها، والعاميه ما لم يكن كذلك.
نعم يعني فكل صلاة فكل عبادة هناك عبادات الخواص التي يجتهد صاحبها في إتقانها وإيقاعها على أكمل الوجوه من الخشوع والاستحضار، وهناك عبادات العوام العامية بيسميها ابن القيم يعني اللي ماشي الحال لكن ما فيها استحضار وخشوع ومراقبة ومشاهده من أولها إلى آخرها نعم. قال فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله، وتفاوتهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم بحقها باطنا وظاهرا أمر لا يحصيه إلا الله عز وجل. فالكل يقول لا إله إلا الله، المسلمون الأصل أن الجميع يصلي الأصل يعني، لكن بين فلان وبين فلان في صلاته كما بين السماء والأرض، وبين فلان وبين فلان في صيامه وفي قراءته وذكره فهذه مقامات الاجتهاد نعم.
وقد ظن كثير من الصوفية أن التوحيد الخاص أن يشهد العبد المحرك له ويغيب عن المتحرك وعن الحركة، فيغيب بشاهده عن حركته. أن يشهد العبد المحرك له وهو الله ويغيب عن المتحرك اللي هو أنت وعن الحركة التي صدرت منك، فعند الصوفية أعلى مقامات التوحيد هو أن تشاهد الله وتنسى أن نفسك كمتحرك وتنسى حتى حركاتك وأنك تصلي وأنك كذا، فكأنك خرجت من عالم الدنيا. فيغيب بشاهده سبحانه عن حركته فيشهد نفسه كأنه ايش؟ فيشهد نفسه شبحا ثانيا تجري عليه تصاريف المشيئة والقضاء والقدر، كمن غرق في البحر فأمواجه أي أمواج البحر ترفعه طورا وتخفضه طورا، فهو غائب بها عن ملاحظه حركته في نفسه قد اندرجت حركته في ضمن حركة الموج فكأنه لا حركة له في الحقيقه.
فهكذا أنت يقول إخواننا الصوفية يجب أن تصل كأنك في هذه الدنيا تحت المشيئة أي المشيئة هي التي تحرك، كأنك مع الأمواج مع الحياة فتغيب عن حركاتك وإراداتك واختياراتك لتشاهد الله سبحانه وتعالى. لكن هذا المقام مقام خطير، لأنه قد وصل ببعض الصوفية إلى نفي الإرادة الحرة للإنسان والقول بالجبر، ولذلك كذلك الصوفية هم أعلى من القول بالجبر لأنهم يرون أنه خلاص لابد أن تشاهد المشيئة والقدر وتنسى أنه لك إرادة. خلص انسى أنه لك إرادة كإنسان، كما قال ابن القيم في سياق سابق أنها قضية ما بين فرث ودم بدك تفكر فيها بدقة تشاهد المشيئة لكن لا تنفي أن الله أعطاك إرادة من خلالها تفكر وتخطط وتنجز وتعمل.
وهذا وإن ظنه كثير من القوم غاية وظنه بعضهم لازما من لوازم التوحيد، فالصواب أن وراءه ما هو أجل منه، وغاية هذا الفناء في توحيد الربوبية. يعني غاية ما وصل إليه الصوفية هو الفناء في توحيد ماذا؟ الربوبية، لأنه أنت لما تفنى في مقام القضاء والقدر وملاحظه المشيئة هذه كلها من مقامات الربوبية، لأنه القضاء والقدر من مشاهد الربوبية، أن القضاء والقدر ايش هو؟ تصرف وتدبير، وهذا مقامات الربوبية. فابن القيم ودائما هذه بتعلمها من شيخ ابن تيمية أننا أهل السنة والجماعة نركز أيضا على مقامات توحيد الألوهية، إخواننا الصوفية وأيضا المتاثرين بهذا الفكر من الأشاعرة وغيرهم دائما التركيز الأعلى على هذا المقام مقامات الربوبية، لكن يفوتهم حظهم من التركيز على مقامات الألوهية اللي هي مقامات التعبد والخضوع للعبودية لله سبحانه وتعالى.
فابن القيم يقول الصوفية أقصى ما عندهم أنهم وصلوا إلى تحرير مقامات الربوبية المشي مع المشيئة أو عدم مقاومتها، ولكن يقول هناك ما هو أعلى من ذلك وأجل. قال وهو ألا يشهد ربا وخالقا ومدبرا إلا الله، قال وهذا حق، ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفي في النجاة فضلا عن أن يكون شهوده والفناء فيه هو غاية الموحدين وغاية مطلبهم. صحيح مجرد أن تشهد توحيد الربوبية فنقول بعض كفار قريش كان يشهد بكثير من توحيد الربوبية، كانوا إذا سألتهم من خلقهم ليقولون الله، من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله. فهذا المقام يقول ابن القيم هو لا ينجي وحده من النار، لابد أن تشهد معه مقام الألوهية وليس هو غاية المحبين السائرين، لأن هناك ما هو حق الله على العبيد وهو تحقيق توحيد الألوهية.
فيقول بل الغاية التي لا غاية وراءها ولا نهاية بعدها الفناء في توحيد الإلهية، وهو أن يفنى بمحبه ربه عن محبه كل ما سواه، وبتالهه عن تاله ما سواه، وبالشوق إليه والى لقائه عن الشوق إلى ما سواه، وبالذل له والفقر إليه من جهه كونه معبوده وإلهه ومحبوبه عن الذل والفقر إلى كل ما سواه. وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه، فيرى أنه ليس في الوجود ما يصلح لذلك إلا الله. ثم يتصف بذلك حالا وينصبغ به قلبه صبغة، ثم يفنى بذلك عما سواه، فهذا هو التوحيد الخاص الذي شمر إليه العارفون والورد الصافي الذي حام حوله المحبون.
وما توصل إليه العبد صار في يد التقطع والتجريد واشتمل بلباس الفقر الحقيقي، ومزق حب الله من قلبه كل محبه، وخوفه كل مخافه، ورجاؤه كل رجاء، فصار حبه وخوفه ورجاؤه وذله وإيثاره وإرادته ومعاملته كل ذلك واحدا لواحد. فلم ينقسم طلبه ولا مطلوبه، فتعدد المطلوب وانقسامه قادح في التوحيد والإخلاص. فلما ينقسم طلبه لا الطلب والمطلوب، المطلوب هو الله والطلب هو الذي تقوم به أنت تمام، الطلب هو الذي قام بك والمطلوب هو ثمرة الطلب ونتيجة الطلب.
فيقول ومزق حب الله من قلبه كل محبه، وخوفه كل مخافه، ورجاؤه كل رجاء، فصار حبه وخوفه ورجاؤه وذله وإيثاره وإراداته ومعاملته كل ذلك واحدا يعني هو حب واحد لواحد، ومخافه واحده ما عندكش انت أكثر من خوف في قلبك، لا هو خوف واحد وتقصد به من واحدا وهو الله. هو رجاء واحد فقط الذي عندك ومن ترجو به الله، هو حب واحد الذي في قلبك ومن تحب به الله، فهذا معنى قوله فلم ينقسم طلبه ولا مطلوبه.
فهو الطلب هنا كانه يقصد الحب نفس الحب والخوف والرجاء والذل هذا هو الطلب هذه هي المعاني أعمال القلوب التي بنسميها فهي واحدة ما في عندك حب هون وحب حبين أو خوفين أو رجاء، لا هما شيء واحد والمطلوب بها واحد وهو الله سبحانه وتعالى فلم ينقسم لا طلبه ولا مطلوبه، فهو عمل قلبي واحد لا يتعدد لمطلوب واحد لا يتعدد نعم. قال فتعدد المطلوب وانقسامه قادح في التوحيد والإخلاص.
نعم لما تكون تخاف الله وتخاف من سواه، أو ترجو الله وترجو من سواه، طبعا المراد أن ترجو من سواه وتخاف من سواه خوفا أو رجاء أو محبة تقدح في مقام الحب الإلهي والخوف الإلهي. كون الإنسان يخاف من السبع هذا خوف جبلي لا إشكال فيه، كون الإنسان يخاف من الأمراض يخاف من حوادث الدهر لا إشكال فيه، كذلك كون الإنسان يحب زوجته وما شابه هذا لا إشكال فيه. وإنما الإشكال في الحب الذي يتعارض مع حب الله، فكما قال الإمام السعدي رحمه الله عليه أن محبه الله لها أسباب ولها ثمار. متى نقول إن حبك لهذا المخلوق أصبح يعارض حبك لله؟ إذا أصبح حبك لهذا المخلوق أسبابه وثماره تتعارض مع حب الله. أنت لماذا تحب الله كأسباب مثلا الله عز وجل لأنه خالقك وموجدك ومنعم عليك بالنعم.
التي لا تعد ولا تحصى. فما ثمار محبتك لله؟ أن تعبده وأن تتعلق به، فإذا أعطيت شيئاً من المخلوقين المحبة بهذا المعنى -أي جعلت أسباب محبتك لهذا المخلوق أنك أصبحت تراه المنعم الكلي المفاعل الكلي لك، أو أصبحت ثمار محبتك لهذا المخلوق أنك تخضع له وتتعلق به- نقول: اه، الله، هذه محبة ليست جبلية، هي محبة شركية. بخلاف المحبة الجبلية: إنسان يحب زوجته ويحب أولاده. فمحبة الله لها أسباب سببتها، ولها ثمار توجبها، فهذه المحبة بهذه الأسباب والثمار لا تكون إلا لله.
نفس الشيء قس عليها باقي أعمال القلوب: الخوف من الله له أسباب سببت أنك تخاف منه، وله ثمار ينتجها هذا الخوف. فإذا هذا الخوف بأسبابه وثماره أعطيته لبشر لمخلوق، هنا نعم أنت أشركت في الخوف مع الله. أما إذا لا، شفت سبعاً، أنا لا أعتقد فإنا لا أخاف من السبع لأنه الفاعل الحقيقي في الوجود، ولا أخاف من السبع باعتباره مالكاً لأمري وزمامي، وإنما أخاف منه لشكله والقدرات التي عنده فقط، ولا أرى أن خوفي منه يجعلني أخضع له ودائماً أتذكره ودائماً أقدم له القرابين، صح؟ فلاحظ أن الخوف الجبلي والرجاء الجبلي والمحبة الجبلية لا إشكال فيها؛ لأن أسبابها وثمارها تختلف عن الخوف العبادي والرجاء العبادي خلينا نسميهما والمحبة العبادية. فالإشكال الذي يتكلم عنه العلماء أن تعطي المحبة العبادية والخوف العبادي لبشر لمخلوق، هنا نعم ضر هذا في توحيدك.
إذاً فلا بد من توحيد الطلب والإرادة، وتوحيد المطلوب والمراد. نعم قال: وانقسام الطلب قادح في الصدق والإرادة. فلا بد من توحيد الطلب والإرادة وتوحيد المطلوب والمراد. فإذا غاب بمحبوبه عن حب غيره، وبمذكوره عن ذكر غيره، وبمألوهه عن تأله غيره، صار من أهل التوحيد الخاص، وصاحبه مجرد عن ملاحظته ومحبوبه أو إيثاره أو معاملته أو خوفه أو رجائه.
وصاحب توحيد الربوبية في قيد التجريد عن ملاحظة فاعل غير الله، وهو مجرد عن ملاحظة وجوده هو؛ كما كان صاحب الدرجة الأولى مجرداً عن أمواله، وصاحب الدرجة الثانية مجرداً عن أعماله وأحواله. نعم، صاحب الدرجة الأولى في الفقر كان مجرداً عن المال فلا يرى قبضاً ولا بسطاً، بينما صاحب الدرجة الثانية في الفقر -إذا بتذكرهوا- كان مجرداً عن ايش؟ عن النظر إلى أعماله وأحواله، فينظر إلى السبق. وعلى تعريف إذا بتذكروا الهروي نعم قال: وصاحب الفناء في توحيد الألوهية مجرد عن سوى مرادي محبوبه وأوامره، قد فني بحبه وابتغاء مرضاته عن حب غيره وابتغاء مرضاته. وهذا هو التجريد الذي سمت إليه همم السالكين، فمن تجرد عن ماله وحاله وكسبه وعلمه، ثم تجرد عن شهود تجريده فهو المجرد عندهم حقاً. وهذا هو تجريد القوم الذي عليه يحومون وإياه يقصدون، ونهايته عندهم التجريد بفناء وجوده وبقائه بموجوده بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، ولا غاية عندهم وراء هذا ولعمر الله.
ونهايته عندهم التجريد بفناء وجوده -يعني فناء وجودك أنت كمخلوق- وبقائه بموجوده نعم بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل. يفنى من لم يكن اللي هو أنا وغيري من المخلوقات، ويبقى من لم يزل وهو الله. ولا غاية عندهم وراء هذا، ولعمر الله أن وراءه كما قلنا تجريداً أكمل منه ونسبته إليه كتفلة في بحر. يعني التجريد الذي يتكلم عنه الصوفية وهو أن كما قلنا أن تنسى نفسك وحركاتك وتفقد ترى الله، ماشي جزاكم الله خير بارك الله فيكم. ألا تقودكم مش هذا إلى الحلول والاتحاد؟ جميل بس في هناك ما هو أعلى منه، وهذا الذي تتكلم عنه الصوفية أنه غاية التجريد هو تفلة في بحر التجريد الحقيقي الذي سيتكلم عنه وأشار إليه قبل قليل وشعرة في ظهر بعير بالنسبة للتوحيد. التجريد والفناء الحقيقي الذي يتكلم عنه أهل السنة نعم.
قال: وهو تجريد الحب والإرادة عن الشوائب والعلل والحظوظ، فيتوحد حبه كما توحد محبوبه، ويتجرد عن مراده من محبوبه بمراد محبوبه.
إذاً لاحظ الصوفية غاية ما يتكلمون عنه هو أنه أنت تنسى نفسك وحركاتك وتشاهد الله فاعلاً مدبراً حاكماً قاضياً. قولهم جميل، لكن ابن القيم يقول: هناك ما هو أعلى من هذا. يعني هذا ليس أعلى مقامات التعبد، بل ما هو أعلى. يعني أنتم فقط تريدون مشاهدة الله باعتباره فاعلاً في الكون، هذه مقامات الربوبية. لا، نحن نبحث عن ما هو أعلى من ذلك، وهو أن التجريد في مقامات الألوهية، في مقامات أعمال القلوب، وهو ايش؟ الحب والخوف والرجاء. هذا أعلى مما تتكلمون فيه. أنتم فقط تتكلمون عن أنك ترى الفاعل في الكون، جزاكم الله خير، لكن أين الكلام عن تجريد حبك لله من الحظوظ والشوائب؟ تجريد الإرادة التي تقوم في قلبك أن يكون الله هو مرادك فقط، محبوبك فقط، تخاف منه فقط. تحرير هذه المقامات أعلى وأعلى.
قال: وهو تجريد الحب والإرادة عن الشوائب التي تدخل فيها والعلل وحظوظ النفس، فيتوحد حبه كما توحد محبوبه، ويتجرد عن مراده وحظوظ النفس، ويتجرد عن مراده من محبوبه بمراد محبوبه منه. أنت ماذا تريد من محبوبك؟ بدك من الله عز وجل أنه يعطيك السيارة ورزق وراتب وحياة رغيدة وزوجة جميلة وكذا، تتجرد عن مرادك من محبوبك بحثاً عن مراده هو منك. هذا أعلى. الانسان الذي ينظر في علاقته مع الله فرق والله كبير بين إنسان يعبد الله وهو ينظر إلى ماذا يريد هو من الله أن يعطيه ويحقق له أمانيه، وبين من يعبد الله وهو يبحث عن ماذا تريد أنت يا ربي مني؟ أي ماذا تريد أن أفعل الآن في هذه اللحظة وفي هذا المقام؟ فرق هائل بين هذا وهذا في العبودية نعم.
قال: بل يبقى مراد محبوبه منه هو نفس مراده. نعم هنا إلى أن يصبح مراد محبوبك منك هو مرادك. يعني كأنك تفنى عن مراداتك وماذا تريد من الله أن يحقق لك، وتبحث عن مراده؛ فإذا عرفت مراده منك أصبح مراده منك هو مرادك أنت منه. ولذلك لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به، أن قد تساعد في هذا نعم.
قال: وهنا يعقل الاتحاد الصحيح وهو اتحاد المراد. هذا هو الاتحاد الصحيح، مش اتحاد ابن عربي. الصوفية لما كثير منهم غلى في الفناء الذي يتكلمون عنه، وهو الفناء في مقامات الربوبية، قاد بعضهم ذلك كابن عربي وابن سبعين وغيرهم إلى القول ماذا؟ بالاتحاد. والاتحاد الكفري وهو أن الله هو الكون والكون هو الله. لكن أهل السنة والجماعة يقولون: نحن عندنا اتحاد شرعي. وهو الذي سمت إليه الهمم. ما هو الاتحاد الشرعي الذي سمت إليه الهمم؟ هو أن يتحد مرادك مع مراد الله، بحيث يكون ما تريده أنت هو ما يريده الله منك. قلنا: هذا هو الاتحاد الصحيح المقبول الذي نسعى إليه، أن الإنسان يتطور ويتقدم في مقاماته الإيمانية إلى أن يصل إلى هذه المرحلة أو قريب منها على الأقل. يعني نحن لا ندعي أن هذه المرحلة سهلة، أي والله أن فعلاً تتجرد من حظوظ نفسك وتقول: أنا مرادي هو مرادك فاتحاد مرادي مع مرادك، هذه صعبة جداً ولكنها يعني مقامات عاليه على الأقل أن تعرفها وتحاول أن تسير إليها نعم.
قال: فيكون عين مراد المحبوب هو عين مراد المحب. وهذا هو غاية الموافقة وكمال العبودية، ولا تتجرد المحبة عن العلل والحظوظ التي تفسدها إلا بهذا.
نعم، لا تتجرد المحبة عن الحظوظ إلا إذا وصلت إلى هذا الاتحاد. يعني هذا هو التجرد الحقيقي للمحبه عن كل الشوائب والعلل: أن يكون مراده هو مرادك نعم.
قال: فالفرق بين محبة حظك ومرادك من المحبوب وأنك إنما تحبه لذلك، وبين محبة مراد المحبوب منك ومحبتك له لذاته وأنه أهل أن يحب. قال: واما فرق -أظنها مش ففرق هي مش فالفرق- أظنها ففرق بين محبة حظك ومرادك من المحبوب وأنك إنما تحبه لذلك، وبين محبة مراد المحبوب منك ومحبتك له لذاته وأنه أهل أن يحب. يعني فرق بين أن تحب الله لأنه يسر لك وظيفة ممتازة، ويسر لك منصب اجتماعي حلو، رزقك زوجة على منوال ما تريد؛ فانت هنا تحبه لأنه أعطاك جزاك الله خير، لكن ليس هذا هو الحب الصافي من الشوائب والعلل. بل هناك المحب الأعلى هو من أحب الله أن يحب مراد الله منه.
قال: ففرق بين محبة حظك ومرادك من محبوبك وأنك إنما تحبه لحظك لما أعطاك لما نلت منه، وبين محبة مراد المحبوب منك أنك لا، أنت تحب الصلاة والصوم والذكر وقراءة القرآن هذه مش حظوظك هذا ما أراده محبوبك منك، وبين أن تحب مراد المحبوب منك ومحبتك له لذاته ولأسمائه وصفاته ولأنه أهل أن يحب. حتى ولو لم ينعم عليك بنعمة من نعم الدنيا فرضا -يعني نعتبر أن الله جعلك معدماً فقيراً بلا زوجة ولا سكن ولا مال ولا أهل- فتبقى تحبه كامل الحب. لماذا؟ لأنك تحب الصلاة والصيام والذكر التي هي مراده، وتحبه لأنه أهل أن يحب، وتحبه لذاته. فرق بين هذا المحب وهذا المحب. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبقى حبه لله في هذه المقامات، فلما أعطي خزائن الدنيا أو خير بين خزائن الدنيا وبين أن يكون آي يعني يعيش فقيراً كفافاً -خلينا نقول- يعيش كفافاً كما أراد، اختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيش الكفاف؛ لأنه لا يريد لشيء من هذه الأمور الدنيوية أن تدخل، فأراد المقام العالي، وهو أن يكون حبه لله قائماً على أنه يحب الله عز وجل لمراد الله منه، ويحب الله عز وجل لأنه أهل أن يحب، ويحب الله عز وجل لذاته وأسمائه وصفاته.
فهذا حب الصديقين. هذا الحب هو الصافي الذي لا يوجد فيه علل، بخلاف حب أكثر الناس لله فإنه حب مدخول، يعبد الله على حرف، يحب الله إذا أعطى، ويسخط على الله إذا منعه، يحب الله عز وجل إذا كانت الدنيا ميسرة، ويعترض على الله ويكون قلبه منزعجاً من ربه إذا رأى الدنيا معسرة. بالتالي الإنسان ينتبه لهذه المقامات ويحاول أن يجاهد نفسه، ويعلم أن حبك لله لا يقوم على مقدار ما ينعم به عليك من النعم الدنيوية. إن حبك لله حقيقة إذا تريد تكون صادق يجب أن لا يتاثر -خلينا نقول- أو لا يكون معيار تأثره مقدار النعم الدنيوية، فيزيد مع النعم الدنيوية ويقل إذا قلت، بل ينبغي أن تشاهد مقاماً أعلى في الحب نعم.
قال: وأما الاتحاد في الإرادة فمحال، كما أن الاتحاد في المريد محال؛ فالإرادتان متباينتان، وأما مراد المحب والمحبوب.
إذاً الاتحاد يكون في المراد وليس في الإرادة ولا في المريد. عندك مراد، يعني ما أراده الله منك نعم يمكن أن يتحد مرادي فيصبح مراد الله، أما الإرادة نفسها فلا يمكن أن تتحد إرادتي مع إرادة الله؛ لأن إرادة الله إرادة إله وأنا إرادتي إرادة مخلوق. وكذلك المريد، المريد هو الله، فلا يجوز أن اقول والله اتحد المريد مع... لأنه أنا هو، المريد هو ذاته منفصلة عن ذاتي. فالاتحاد ليس اتحاد مريد ولا اتحاد إرادة، وإنما اتحاد مراد نعم.
قال: وأما مراد المحب والمحبوب إذا خلصت المحبة من العلل والحظوظ فواحد. فالفقر والتجريد والفناء من واد واحد، وقد جعله صاحب منازل السائرين من قسم النهايات وحده بأنه الانخلاع...
إذاً فقول لك: فالفقر بصورته الأخيرة الختامية والتجريد والفناء كله يعني من واد واحد، يعني بنفس المعنى أو كله يعني يأتي من نفس الطريقة؛ لأن الصوفية يعني يحاولون التفريق بين الفقر وبين التجريد وبين الفناء ويكثرون المصطلحات وكلها من واد واحد متقاربة نعم.
قال: وقد جعله صاحب منازل... صاحب منازل السائرين أبو إسماعيل الأنصاري الذي مر معنا الذي عرف الفقر هو... صاحب هو الذي عرف لنا الفقر وجلسنا معه نعم.
قال: جعله من قسم النهايات وحده بأنه الانخلاع عن شهود الشواهد، وجعله على ثلاث درجات: الدرجة الأولى تجريد الكشف عن كسب اليقين، والثانية تجريد عين الجمع عن درك العلم، والثالثة تجريد الخلاص من شهود التجريد.
هذا هم يجعلون التجريد مقاماً من مقامات العبودية، كيف الفقر مقام من مقامات العبودية؟ التوبة مقام من مقامات العبودية؟ التجريد كذلك، الفقر جعلوه مقاماً من مقامات نفس الشيء. التجريد يجعلونه مقاماً من مقامات العبودية ويقسمونه ثلاثة أقسام. مش الفقر قسمناه ثلاثة أقسام؟ فقر الزهاد وفقر... نفس الشيء هم يقسمون التجريد إلى ثلاث درجات: الدرجة الأولى تجريد الكشف عن كسب اليقين، الدرجة الثانية الأعلى منها تجريد عين الجمع عن درك العلم، والدرجة الثالثة هي تجريد الخلاص من شهود التجريد.
تمام، أحياناً بتحس أنت الكلام صار فيزياء، بس الأمور طيبة يعني هي كلماتهم شوي عالية ويستخدمون مصطلحات معينة. الآن ابن القيم سيعلق فيقول:
فقوله في الأولى تجريد الكشف عن كسب اليقين: يريد كشف الإيمان ومكافحته للقلب. وهذا وإن حصل باكتساب اليقين من أدلته وبراهينه، فتجريد أن يشهد سبق الله تعالى بمنته لكل سبب ينال به يقين أو إيمان، فيتجرد كشفه لذلك عن ملاحظة سبب أو وسيلة، بل يقطع الأسباب والوسائل وينتهي نظره إلى المسبب.
إذاً ما معنى تجريد الكشف عن كسب اليقين؟ تمام. تجريد الكشف عن كسب اليقين ويقول: الكشف، الانكشاف، أن ينكشف لك الله سبحانه وتعالى -طبعاً انكشافاً قلبياً- قال: كشف الإيمان ومكافحته للقلب. قال: هذا وإن حصل باكتسابك أنت لليقين، وبذلك عن وسائل اليقين. وهذا وإن حصل باكتساب اليقين من أدلته وبراهينه -مش أنت بتتحاول تبحث عن اليقين في وجود الله-...
سبحانه وتعالى أدلة وبراهين تبحث أكثر وأكثر وأكثر، كما فعل العزير، وكמה طلب إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: 260]. هؤلاء يريدون ماذا؟ أن يصلوا إلى عين اليقين، فأنتم كلما اكتسبت الأدلة اليقينية أكثر وأكثر، سيحصل لك انكشاف أكثر وأكثر. هذا وإن حصل باكتساب اليقين من أدلته وبراهينه، فالتجريد أن يشهد سبق الله بمنته لكل سبب ينال به يقين أو إيمان، فيتجرد كشفه لذلك عن ملاحظة سبب أو وسيلة، بل يقطع الأسباب والوسائل، وينتهي نظره إلى المسبب، تمام!
فكأنك تجرد الكشف الذي وصلت إليه عن ماذا؟ هذه قريبة من الفكرة التي ذكرناها في المرتبة الثانية من الفقر؛ اللي هو أن تنظر إلى السبق، أنه إذا حصل لك كشف فتنتظر إلى ماذا؟ إلى أن سبق الله عز وجل في القضاء والقدر أنه كتب لك هذا الكشف، وتتجرد عن ماذا؟ عن الأسباب والوسائل التي أنت اتخذتها للوصول إلى هذا الانكشاف. الآن أنت ليس من السهولة أن تصل إلى مقامات الانكشاف وأن تشاهد الله عز وجل حقاً؛ أكيد أنت بذلت أسباباً وجهوداً، ونظرت في براهين وأدلة حتى حصل لك هذا الترقي في المقام، فحصل لك الكشف، لكن هم الصوفية ماذا يقولون؟ يجب أن تصل لمرحلة أن تجرد هذا الكشف عن مشاهدة ماذا؟ عن كسب باليقين. ألم أنت اكتسبت اليقين؟ فلما اكتسبت اليقين ارتقيت حتى صار عندك كشف، لازم خلاص تنسى أنك بذلت أسباباً وبحثت حتى اكتسبت اليقين الذي أوصلك للكشف، خلاص شاهد ماذا؟ شاهد أسبقية الله، وشاهد الله عز وجل دون أن تشاهد الكسب الذي أنت اكتسبته حتى وصلت إلى اليقين؛ ووصولك لليقين هو الذي ساقك إلى مقامات الكشف.
هذا هو التركيز دائماً عند الصوفية في كلامهم عن أعمال القلوب؛ هو أن لا تنظر إلى الأسباب، لا تنظر إلى الوسائل، لا تنظر إلى الأدوات، وانظر فقط إلى النتيجة، وانظر إلى الله، وافْنِ في حبِّه، وانسى أي جهد وأي بذل صدر منك سابقاً. فيقول: وهذا الانكشاف وإن حصل باكتساب اليقين من أدلته، فالتجريد أن يشهد سبق الله تعالى بمنته، تماماً! أن الله هو منّ عليك أن حصل لك هذا الانكشاف لك، فالتجريد أن يشهد سبق الله تعالى بمنته؛ منّ عليك لكل سبب ينال به يقين أو إيمان، يعني هو الذي منّ عليك أنه أعطاك هذا الدليل الذي به وصلت إلى اليقين، ولو شاء الله أن يحجب عنك هذا الدليل الذي يوصل إلى اليقين لحجبه عنك، فتشاهد سبق الله وقدر الله أن منّ عليك بكل سبب ينال به اليقين، فيتجرد كشفه لذلك عن ملاحظة ماذا؟ سبب معين أو وسيلة معينة، بل يقطع الأسباب والوسائل، وينتهي نظره إلى المسبب وهو الله سبحانه وتعالى، فتشاهد الله عز وجل، وتشاهد أنه هو الذي منّ عليك بالأسباب أيضاً، أنه هو الذي منّ عليك بالأسباب والوسائل.
وأما جهدك والفعل الكبير الذي فعلته والجهاد الكبير الذي جاهدت به حتى وصلت، فهذا تقطعه، ويعني تغلق دونه النظر. وهذا نعم، شيخنا بس العبارة يعني: تجريد الكشف الذي حصل لي عن كسب اليقين، ايش يعني كسب اليقين؟ عن الكسب الذي أنت فعلته، فلا تعود تشاهد كسبك. مش أنت كسبت اليقين؟ أنت لا تشاهد كسبك لليقين ولا لجهدك الذي فعلته، وإنما تشاهد الله، أسبقية الله، أنه هو أعطاني الكشف وهو الذي أعطاني ومنّ عليّ بالوسائل التي أنا اكتسبت بها اليقين، فلا أرى باختصار جهدي، وإنما أرى فعله. ها، باختصار: لا أرى جهدي في كسب اليقين، وإنما أرى فعله أنه هو المانع أولاً وآخراً لي، الاسم الأول والاخر كمان اللي مر معنا، يعني عن كسب اليقين من ذاته. نعم، أنه أنا كسبت اليقين.
الله قال: وهذا إن أُريد به تجريدها عن كونها أسباباً، فتجريد باطل وصاحبه ضال، وإن أُريد به تجريدها عن الوقوف عندها ورؤية انتسابه وانتسابها إليه وصدورها منه، وأن اليقين إنما كان به وحده، فهذا تجريد صحيح. ايش هو الفكرة؟ أن الصوفية بعضهم هذا الكلام ضيع فيه، فصار يظن أن قصد صاحب منازل السائرين أن تنفي كون هناك أسباب للوصول لليقين! فيقول: إذا كان مقصدكم نفي وجود أسباب للوصول إلى اليقين، فهذا تجريد باطل، وهذه على قاعدة الأشاعرة وغيرهم في ماذا؟ في عدم القول بالسببية، تمام! عدم القول بماذا؟ بالسببية. فيقول: وهذا وإن إذا أراد به الصوفية تجريدها عن كونها أسباباً لليقين؛ الله عز وجل وضع في هذا الوجود أدلة وبراهين هي أسباب لليقين، فالذي يريد أن يقول أن هذه الأدلة والبراهين التي وضعها الله في الوجود لا، هذه ليست أسباباً لليقين، فنقول له: لا، أنت هيك بدأت تضيع، هذا كلام غير صحيح؛ أن أنفي كونها أسباباً لليقين هذا غير صحيح.
الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: 190-191]. يقول لك: هي آيات، هي براهين، هي أدلة لأولي الألباب الذين يذكرون الله، فإذا وصل الحال ببعضهم أن ينفيها؛ أن هناك أدلة وبراهين توصل لليقين، فهذا يقول ابن القيم: تجريد باطل، مش صحيح هذا الكلام، وصاحبه ضال؛ لانه يريد أن ينفي الأسباب التي وضعها الله أسباباً.
وأما أن يُريد بهذا التجريد أن تجريد نفسك عن الوقوف عندها؛ أنه لا، أنا مؤمن أنها أسباب، لكن لا أريد أن أتوقف عندها باعتبارها أنها هي المؤثرة بذاتها، بل أنظر إلى أن الله هو الذي سخرها لنا ودبرها لنا كسباب موصله إليه، وأن اليقين إنما كان به وحده بتوفيقه سبحانه. يعني أنا بذلت السبب، لكن بالتأكيد هل إذا بذلت السبب ضرورة سيحصل المسبب؟ لا، بعض الناس ينظر في الكون ولا يهتدي إلى الله، فتؤمن في النهاية أن الهداية بهذه الأسباب هي محض فضل الله ومنته، فإذا قصدت بالتجريد عن هذه الأسباب أن تتجرد عن الوقوف عندها، وأن تتيقن أن الهداية في النهاية كانت بتوفيق الله، فهذا تجريد صحيح لا إشكال فيه، ولكن على صاحبه إثبات الأسباب، ها! لازم تثبت الأسباب.
لكن نعم، أنني لا أرى أنها بذاتها تقود، وأن إنتاجيتها متوقفة على إرادة الله وتوفيق الله، فهذا لا إشكال فيه، بل هو مقام صحيح؛ فإن نفى الأسباب عن كونها أسباباً فسد تجريده، اللي بينفي الأسباب هذا ينتفي تجريده. طيب، فهمنا إذاً ما معنى أول مرتبة عنده من مراتب التجريد؟ تجريد الكشف عن ملاحظة كسبك، ها! وتجريد الكشف عن كسب اليقين، أن ترد مقامات الإيمان اللي وصلت إليها وانكشافها للقلب عن ماذا؟ عن المجهود الذي أنت حضرتك بذلته، فتنسى مجهودك وتلاحظ خالقك.
ثانياً، وقوله في الدرجة الثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم. لما كانت الدرجة الأولى تجريداً عن الكسب، وانتهاءً إلى عين الجمع الذي هو الغيبة بتفرد الرب بالحكم عن إثبات وسيلة أو سبب، اقتضى تجريداً آخر أكمل من الأول.
طيب، الآن الجمع في المفهوم الصوفي يعني، الآن بعضهم طبعا يفسر بتفسير صحيح، بعضهم يفسر بتفسير خاطئ، وكثير للأسف يفسر بتفسير خاطئ. الجمع كما قلت أنت ابتداء، كنت ترى ايش؟ إبراهيم والشيخ وعمر ومسد وعبديب، كنت ترى أشياء متفرقة، وكنت ترى سبحانه وتعالى، الآن الجمع هو أن هذه الأشياء المتفرقة كلياتها خلص ما تعود تشاهدها. الآن عندهم الجمع، مصطلح الجمع والفرق؛ الفرق عندهم في الأصل أن تفرق أنه هناك خالق ومخلوق، تمام! وانه هناك إله وهناك مخلوقات متفرقة. فهو بقول لك اللي بيتقدم في الايمان لازم يصل وصل لمرحلة الجمع؛ كيف تجمع؟ انك تنسى الفرق بين الخالق والمخلوق.
هسه هاي ممكن تفسر بشكل صحيح وممكن تفسر بشكل مدمر كفري، اللي هو الوصول إلى ابن عربي وغيرهم. ابن عربي وغيرهم لما قالوا بالاتحاد، الذي أوصلهم للاتحاد فكرة الجمع الصوفي، أنه خلص ما تعود ترى هذه الأشياء المتفرقة؛ جبل وسماء وبحر وسين وصاد، هذا كله تفرق، لازم تجتهد في الإيمان حتى تنسى هذه الأشياء المتفرقة المبثوثة في الوجود، وتجمعها كلها في فاعل واحد، وتجم... نعم، وتجمعها كلها في فاعل واحد هو الله، فهذا بيسموه مقام الجمع، جمعت.
الآن هو ماذا يقول؟ تجريد عين الجمع عن درك العلم. لما كانت الدرجة الأولى تجريداً عن الكسب، أنه زي ما حكينا أنك تتجرد عن ملاحظة كسبك، وانتهاءً إلى عين الجمع، ها! كأنك أنت تجردت عن كسبك وفعلك فجمعت أن كل ما حصل بك من الانكشاف واليقين كله بالله سبحانه وتعالى، ومن، جمعت الامور كلها في مركزية واحدة، مركزية الإله. طيب، أكمل. الذي هو الغيبة بتفرها، شوف! انتهاء، تجريداً عن الكسب، وانتهاءً إلى عين الجمع، مش عندنا عين اليقين؟ عين الجمع الذي هو ايش؟ عين الجمع الغيبة بتفرد الرب بالحكم عن إثبات وسيلة أو سبب، هذه المرحلة الأولى، والآن عم بقول لك: أنت المرحلة الأولى لازم توصلك لمرحلة الجمع، تجريد الكشف عن كسب اليقين هي لازم توصلك لايش؟ لمرحلة عين الجمع.
شو هو عين الجمع؟ اللي هو اللي حكينا أن تغيب بتفرد ربك، يعني أن تنشغل بهيك أن تغيب، يعني أن تنشغل بتفرد رب ربك عن ملاحظة أي سبب أو وسيلة، مش هيك حكينا؟ فما تعود تنشغل برؤية الأسباب والوسائل، بل خلاص، غبت مع الله. أن تغيب وتنشغل بتفرد الرب الحكم والفعل في الوجود عن إثبات وسيلة أو سبب، طبعا إذا أنت، مش أن تنفي الوسائل والأسباب، أن تنشغل بالله عن إثبات الوسائل، بس لازم تضلك مؤمن بها؛ لانك إذا نفيت الوسائل وأن لا في شيء اسمه وسائل، قال لك في المقال قبل قليل: وهذا خطأ وضلال ضلال. المهم، فعين الجمع هو أن تنشغل بالله عن ملاحظة الأسباب الموصلة إليه، خلينا نقولها كذا.
ثم قال: قال اقتضت تجريداً آخر أكمل من الأول، وهو تجريد هذا الجمع عن علم العبد به. اه! طيب هنا شوية صارت الأمر فيها، أنت توصل للمرحلة، الآن المرحلة الأولى كان هدفها أن نصل إلى ايش؟ يعني إلى عين الجمع. المرحلة الثانية، ما توصل لعين الجمع، بقول الصوفية: لازم في المرحلة الثانية الجهد اللي لازم تبذله أنك تنسى انك وصلت له، أو تنفي علمك به. أنت الآن وصلت لعين الجمع، صح؟ الآن جزاك الله خيراً، أنت وصلت لعين الجمع، الآن الفناء الثاني أن تفنى عن علمك بماذا؟ بعين الجمع. لا، لسه في شي ثالث (ما راح تتساق)، يعني أنا أعتقد هاي العبارات شوية تقصقص الأمر، وتطالب الإنسان بشيء متعب، وليس هذا هو مقام النبي عليه الصلاة والسلام.
يعني لم يكن يشير إلى أصحابه إلى هذه المقامات بهي الطريقة، أنك تصل، قال: التجريد الثاني: تجريد هذا الجمع الذي وصلت إليه؛ جزاك الله خيراً، أنت الآن وصلت أنك منشغل بالله عن ملاحظة الأسباب، لكن أنا الآن مدرك، مدرك أني أنا منشغل بالله منقطع عن الأسباب، بنقول لك: هذا الإدراك برضه شيل لنا إياه، إدراكك أنك منشغل بالله وأنك ما عادت تنظر إلى الأسباب، علمك بهذا لازم تجرد عنه وتشيله. طيب، خلينا نكمل.
قال: فالأولى تجريد عن رؤية السبب والفعل، والثانية تجريد عن العلم والإدراك، شف شو قال: تجريد عن إدراك، هذا الإدراك بدك تمحيه. نعم. قال: وهذا يقتضي أيضاً تجريداً ثالثاً أكمل من الثاني، وهو تجريد التخلص من شهود التجريد. التجريد الثالث هذا خلاص، اللي وصل له عندهم هو أعلى أو أعلى مقامات التجريد، أن تتخلص من ماذا؟ من علمك بالعلم، أن تتخلص، خلي أسأل من العبارة: تجريد الخلاص من شهود التجريد، أنك ما تعود تلاحظ أنك بتجرد، أنك ما تعود تلاحظ أنك تقوم بعملية تجريد، أن تتجرد عن ملاحظتك لتجريدك.
مش أنت في المرحلة الثانية تجردت عن العلم بمقام الجمع؟ الأعلى والأعلى أن تتجرد عن ملاحظة ماذا؟ أنك قمت بالتجرد، وهذا كما قلت، هذا يعني ابن القيم ينقله عن صاحب منازل السائرين، لكن الأمور لا تحسب بهذه الطريقة، وهذا ليس هو المقام المحمود، واخواننا الصوفية بعضهم أضاعوا وقتهم في هذا الكلام، يعني بعضهم فعلا أضاعوا وقته، وصارت وسوسة هذه الأذكار؛ لأنها متعبة، وليست هي مقامات الصحابه الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام لم يوجه أحداً إلى أنه: أنسى نفسك أنه أنت كذا، تجرد أنه أنت، هذا ليس هذا مطلوباً. وأعلى مقامات العبودية هي مقامات النبي صلى الله عليه وسلم، ولن يأتي أحد بأفضل من مقامات النبي صلى الله عليه وسلم في التعبد.
نعم، قال: وصاحب هذا التجريد الثالث في عين الجمع قد اجتمعت همته على الحق، وشُغل به عن ملاحظة جمعه وذكره وعلمه به، قد استغرق ذلك قلبه، فلا سعة فيه لشهود علمه بتجريده ولا شعوره به، فلا التفات له إلى تجريده، ولو بقي له التفات إليه لم يكمل تجريده. يعني أقول لك: إذا أنت ضليتك تنظر لنفسك أنك بتجرد، لسه أنت مش مجرد. نعم.
قال: ووراء هذا كله تجريد نسبة هذا الت... نعم، ابن القيم بعد ما بخلص كل كلامهم بيقول: شايفين كل كلامكم اللي حكيتوه، وهذه المقامات كلها عبارة عن شعرة في بحر التجريد الحقيقي، وعبارة عن تفلة -زي ما قال- في بحر التجريد الحقيقي، وهو تجريد الحب والإرادة عن التعلق بسوى الله، وتجريده الحب والارادة عن العلل والشوائب والحظوظ التي هي مرادات النفس؛ فيتجرد الطلب والحب عن كل تعلق يخالف مراد المحبوب سبحانه، فهذا تجريد الحنيفية، هذا هو التجريد الذي يجب أن تتكلموا فيه. هذاك وإن كان ها، ممكن نمشي لكم، أهم شيء ما تدخلو في معاني كفرية وشركية، لكنكم تتعبون أنفسكم في هاي التفاصيل والتدقيقات وكذا، وتنسون كلاماً عن تجريد الحب لله، وتجريد الإرادة لله، وأن تتخلص من حظوظ النفس وأهوائها، قال: فهذا هو توحيد الحنيفية.
فصل. ولما كان الفقر إلى الله عز وجل هو عين الغنى به، فافقر الناس إلى الله أغناهم به، وأذلهم له أعزهم، وأضعفهم بين يديه أقواهم، وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله، وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضَاة الله، كان ذكر الغنى بالله مع الفقر إليه متلازمين متناسبين. فنذكر فصلاً نافعاً في الغنى العالي.
نعم، لما ذكر في الفصل الماضي الافتقار إلى الله، سيعقد هذا الفصل للكلام عن الغنى بالله. الفصل الماضي كان الهدف أن يبين لك الافتقار إلى الله وأنه أساس الخلق، وأنه علة العلة الأساسية، وأن ما سواه من الحدوث والإمكان هي أدلة عليه. مش هذا كان بداية الكتاب؟ فيقول: لما كان الفقر إلى الله سبحانه وتعالى، كلما ازددت افتقاراً إلى الله كلما ازددت غنىً به، كلما ازددت افتقاراً إلى الله وشعورك بهذا الافتقار إلى الله كلما ازددت غنىً به.
فالافتقار إلى الله هو عين الغنى بالله، فافقر الناس إلى الله هو أغناهم بالله، وأذلهم لله هو أعزهم بالله، وأضعف الناس بين يدي الله -أي انسان يستشعر ضعفه بين يدي الله- هو أقوى الناس بالله. فهي أمور متلازمة: كلما ازددت افتقاراً بين يدي مولاك كلما ازداد غناك به، وكلما ازددت ذلاً بين يدي مولاك وخضوعاً كلما ازددت عِزّاً به، وكلما ازددت ضعفاً وشعوراً بالضعف بين يدي مولاك كلما ازددت قوةً به.
قال: وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله، وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضَاة الله. كلما الإنسان مقت نفسه وجهلها وعرف واعتراف: أنني إنسان جهول ظلوم، كلما كان ماذا؟ أعلم بالله وأقرب إلى مرضَاة الله. فإذا عرفت هذه القاعدة، كان ذكر الغنى بالله مع الفقر إليه متلازمين، فناسب أن يعقد هذا الفصل الغنى بعد ذكر فصل الفقر.
واعلم أن الغنى على الحقيقة لا يكون إلا لله؛ الغني بذاته عن كل ما سواه. وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر، كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع؛ فكما أن كونه مخلوقاً أمر ذاتي له، فكونه فقيراً أمر ذاتي له. نعم مرعَاه أن كل ما سوى الله كما أنه مخلوق وهذا أمر ذاتي في كل ما سوى الله، فكله فقير وهذا الفقر أمر ذاتي لا يبحث له عن علة، كما قلنا هو في الأصل هكذا.
قال: وغناه أمر نسبي إضافي عارض له؛ فانه إنما استغنى بأمر خارج عن ذاته، فهو غني به فقير إليه. ولا يوصف بالغنى على الإطلاق إلا من غناه من لوازم ذاته، فهو الغني بذاته عما سواه، وهو الأحد الصمد الغني الحميد. والغنى قسمان: غنى سافل، وغنى عال.
فالغنى السافل: الغنى بالعواري المستردة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، وهذا أضعف الغنى. هذا غنى أهل الدنيا.
قال: فإنه غنى بظِلّ زائل. كل هذه النساء والبنين كلها ظِلّ زائل. وعارية ترجع عن قريب إلى أرّبابها. سيستعيرك الله اياها وسياخذها منك. فإذا الفقر بأجمعه بعد ذهابها وكان الغنى بها كحلم فانقضى، ولا هَمَّ أضعف من هم من رضي بهذا الغنى الذي هو ظل زائل. وهذا غنى أرّباب الدنيا الذي فيه يتنافسون، واياه يطلبون، وحوله يحومون. ولا أحب إلى الشيطان وابعد من الرحمن من قلب ملان بحب هذا الغنى وبالخوف من فقده.
قال بعض السلف: إذا اجتمع ابليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء: مؤمن قتل مؤمناً، ورجل يموت على الكفر، وقلب فيه خوف الفقر. وهذا الغنى محفوف بفقرين؛ فقر قبله وفقر بعده، وهو كالغفوة بينهما. فحقيق بمن نصح نفسه ألا يغتر به ولا يجعله نهاية مطلبه، بل إذا حصل له جعله سبباً لغناه الأكبر وسيلةً إليه، ويجعله خادماً من خدمه لا مخدماً له، وتكون نفسه أعز عليه من أن يعبدها لغير مولاه الحق أو يجعلها خادمة لغيره.
يعني إياك أن تصبح خادماً للغنى الدنيوي، بل اجعله هو الذي يخدمك. بعض الناس إذا كسب المال يصبح خادماً للمال، وبعض الناس إذا كسب الزوجات أو النساء يصبح خادماً لهن. بقول لك: الغنى الدنيوي لا تجعل نفسك خادماً له، بل اجعل الغنى الدنيوي هو خادماً لك بمعنى أن يقودك إلى الله سبحانه وتعالى.
فصل. فلذلك الغنى الدنيوي محفوف بفقرين؛ فأنت قبل أن تحصله مفتقر إليه، وبعد أن تحصله سيزول عنك فتعود إلى الافتقار ولو على ساحة قبرك. فقبله فقر وبعده فقر، هذا إذن ليس مقاما يشمر إليه. هذا الغنى السافل الغنى الدنيوي ليس مقاما يشمر إليه.
وأما الغنى العالي، فقال شيخ الاسلام الهروي -يقصد هنا طب مش ابن تيمية، شيخ الاسلام الهروي صاحب منازل السائرين، الذي هو ابن القيم كثيرا ما يعتمد على تعريفاته في أعمال القلوب- قال: هو على ثلاث درجات.
نبدا الآن وهي طريقة الهروي في منازل السائرين عموماً: أي عمل من أعمال القلوب لازم يعطيه ثلاث مراتب؛ الفقر أعطاه ثلاث مراتب، التجريد قبل شوي أعطاه ثلاث مراتب، الآن الغنى رح يعطيه ثلاث مراتب الغنى الإيماني. طيب نشوف ايش هذا الغنى.
قال: الدرجة الأولى غنى القلب، وهو سلامته من السبب ومسالمته للحكم وخلاصه من الخصومة. والدرجة الثانية غنى النفس، وهو استقامتها على المرغوب وسلامتها من المسخوط وبراءتها من المראيا. والدرجة الثالثة الغنى بالحق، وهو ثلاث مراتب: شهود ذكره إياك، والثانية دوام مطالعه أوليته، والثالثة الفوز بوجوده.
قلت: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم -طبعا لاحظ عموماً أن كلامهم يدندن حول مع أنه يعني الهروي رحمه الله عليه من كان مدافعا عن السنة في جل عمره، وليس من سادات الصوفية اللي بتفكر أنهم مرخبطين، لا، الهروي من سادات الصوفية الأفاضل، وإن كان اتهم أنه يقول بالاتحاد لكن كما قال ابن رجب في ذيل الطبقات إن من قرأ كُتُبَه بالاتحاد وانه يقول بقول ابن عربي لم يفهم كلامه ولا يقول بالاتحاد، لكن كلامه يوهم ذلك-.
كل كلامه هنا في منازل السائرين قد يفهم منه أنه يشلبك قضايا الاتحاد، الاتحاد الخطأ، لكن هو لا يقول بالاتحاد الخطأ فيما يظهر لي، بل هو كان شديدا على الأشعرية. هذا الهروي كان سليطاً عليهم شديداً، ولذلك يسمى بشيخ الإسلام، وكان مدافعاً عن أهل الحديث -يرفع راياتهم- وعن الحنابلة، فمقاماته في الدفاع عن العقيدة عالي. لكن كما قلت: كلامه في الزهديات والرقائق جعل البعض يسيء الاعتقاد فيه وأنه الرجل لعله بلخبط ولعله يقول، لكن أنا لا أعتقد ذلك، خاصة أنه لا ينسجم مع مواقفه العقدية. مواقفه العقدية صارمة في الدفاع عن عقيدة السلف عموماً، فالقول بأنه يقول بالاتحاد بعيد جداً في اعتقادي. لكن الكلام الذي يقوله هو اللي بخليه الناس تفهمه خطأ، ولو كان كلامه أفصح من ذلك وأبين لنجا من ذلك. دائما الإنسان يتعود أنه ما العبرة ليس في فذلكة الكلام ولا في تغميضه، وإنما الكلام السهل الميسور هذا دائما أفضل وأجلى.
قلت: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». كثرة العرض يعني كثرة الأمتعة والأثاث والسيارات. ولكن الغنى غنى النفس، ومتى استغنت النفس استغنى القلب.
ولكن الشيخ قسم الغنى إلى هذه الدرجات بحسب متعلقه فقال: غنى القلب سلامته من السبب، ومسالمته للحكم، وخلاصه من الخصومة. ومعلوم أن هذا شرط في الغنى لا أنه نفس الغنى، بل وجود المنازعة والمخاصمة وعدم المسالمه مانع من الغنى. قال: فهذه السلامة والمسالمه دليل على غنى القلب لا أن غناه بها نفسها.
نعم، هو يقول لك: إن فرق بين الغنى وبين دليل الغنى. فيقول: سلامته من السبب -لاحظ التركيز أيضا دائما على قضية القضاء والقدر عندهم- يعني هو إذا بتلاحظ كلامه يحوم حول سلامته من السبب، تمام؟ أنك لا تلاحظ الأسباب، ومسالمته للحكم، أنك تكون متصالح مع القضاء والقدر، وخلاصتك من الخصومة، ألا تنازع الله في قضائه. عادة بركزوا على مقامات القضاء والقدر.
فابن قيم ايش بيقول له؟ هذا هو مش غنى القلب، هذا يدل على غنى القلب. يعني هل غنى القلب هو نفس خلاصة من الخصومة ومسالمته للحكم الإلهي وتسليمه للقدر، هل هو نفس الغنى ولا هذا دليل أنك استغنيت بالله؟ يقول: هذا دليل أنك استغنيت بالله وليس هو نفس غنى بالله، وهذا يعني مناقشة في الألفاظ.
قال: وإنما غنى القلب بالدرجة الثالثة فقط كما سياتي بيانه، فإن الغني إنما يصير غنيا بحصول ما يسد فاقته ويدفع حاجته، وفي القلب فاقه عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدها إلا فوزه بحصول الغني الحميد الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء وإن فاته فاته كل شيء.
فكما أنه سبحانه الغني على الحقيقة ولا غني سواه، فالغنى به هو الغنى على الحقيقة ولا غنى بغيره البته، فمن لم يستغني به عما سواه تقطعت نفسه على السوى حسرات، ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة وحضره كل سرور وفرح، والله المستعان.
وإنما قدم الشيخ الكلام على غنى القلب على الكلام على غنى النفس لأن كمال صلاح النفس وغناها بالاستقامة من جميع الوجوه وبلوغها إلى درجة الطمأنينة لا يكون إلا بعد صلاح القلب.
واصلاح النفس متقدم على اصلاح القلب، هكذا قيل، وفيه ما فيه، لأن صلاح كل منهما مقارن لصلاح الآخر. ولكن لما كان القلب هو الملك، وكان صلاحه صلاح جميع رعيته، كان أولى بالتقديم. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله. فالاصل إذا صلح القلب صلحت النفس تبعا له.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب».
والقلب إذا استغنى بما فاض عليه من مواهب ربه وعطاياه السنية، خلع على الأمراء والرعية خلعاً تناسبها؛ فخلع على النفس خلع الطمأنينة والسكينة والرضا والإخبات، فأدت الحقوق سماحةً لا كظماً بل بانشراح ورضا ومبادرة. وذلك لأنها جانست القلب حينئذ ووافقته في أكثر أموره، واتحد مرادهما غالباً، فصارت له وزير صدق بعد أن كانت عدواً مبارزاً بالعداوة.
فلا تسأل عما أحدثت هذه المؤازرة والموافقة من طمأنينة ولذة عيش ونعيم هو رقيقة من نعيم أهل الجنة. هذا ولم تضع الحرب أوزارها فيما بينهما، بل عدتها وسلاحها كامل متوار، لولا قوة سلطان القلب وقهره لحاربت بكل سلاح. فالمرابطة على ثغري الظاهر والباطن فرض معين مدة أنفاس الحياة.
يعني لا تظن أن النفس الأمارة بالسوء ستسلم بأريحية، بدك تضلك ترابط. هي النفس ممكن تخضع القلب، لكن لا يعني ذلك أنها ألقت سلاحها. وتنقطع الحرب محمود عواقبها للصابرين، وحظ الهارب الندم.
وخلع على الجوارح خلع الخشوع والوقار، وعلى الوجه خلعة المهابة والنور والبهاء -الخلع تطلق على الملابس أو الأكسية التي يلبس بها الشيء دائماً، كانوا السلاطين يقول: وخلى عليه خلعة، لما يأتي بقصيدة هيك يثني على السلطان- وعلى اللسان خلعة الصدق والقول السديد الثابت والحكمة النافعة، وعلى العين خلعة الاعتبار في النظر والغض عن المحارم، وعلى الأذن خلعة استماع النصيحه واستماع القول النافع للعبد في معاشه ومعاده، وعلى اليدين والرجلين خلعة البطش في الطاعات أين كانت بقوة وأيد، وعلى الفرج خلعة العفه والحفظ فقد العبد وراح يرفل في هذه الخلاع هذه الأكسية ويجر لها في الناس أذيالاً وأرداناً، مسرور بها يتبختر بها.
فغنى النفس مشتق من غنى القلب وفرع عليه؛ فإذا استغنى القلب سرى الغنى من القلب إلى النفس. وغنى القلب بما يناسبه من تحققه بالعبودية المحضة، التي هي أعظم خلعة تخلع عليه، فيستغني حينئذ بما توجبه هذه العبودية له من المعرفة الخاصة والمحبه الناصحة الخالصة، وبما يحصل له من آثار الصفات المقدسة وما تقتضيه من الأحكام والعبوديات المتعلقة بكل صفة صفة على الانفراد ومجموعها قائمة بالذات.
قال: وهذا أمر تضيق عن شرحه عدة أسفار، بلحظ حظ العبد منه علماً وإرادةً كما يدخل أصبعه في اليم، بل الأمر أعظم من ذلك. والله عز وجل أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها. فهو يقول لك: هذا الغنى إذا فتح الله عز وجل عليه لك قوة له، فيستغني حينئذ بما توجبه هذه العبودية له من المعرفة الخاصة لله والمحبة الخالصة، وبما يحصل له من آثار فهمه لصفات الله سبحانه، وما تقتضيه كل صفة من صفات الله من الأحكام والعبوديات المتعلقة بصفة العزة وصفة القوة الإلهية وصفة الرحمة الإلهية، بما تقتضيه إذاً وما تقتضيه هذه الصفات العلى من الأحكام والعبوديات المتعلقة بكل صفة صفة على الانفراد ومجموعها.
إنه كأن كل صفة على الانفراد لها عبوديات، وإذا اجتمعت مع بعضها لها عبوديات أخرى. إذاً، وما تقتضيه من الأحكام والعبوديات المتعلقة بكل صفة صفة على الانفراد وعلى مجموعها، قائمة بذاته سبحانه وتعالى، وعلى مجموعها وهي قائمة بالذات المقدسة؛ وهذا أمر تضيق عن شرحه عدة أسفار. يعني أن نتكلم عن صفات الله سبحانه، كل صفة ماذا تستوجبه من العبوديات والخضوع والمعاني وما تقيمه، ثم نتكلم بعد ذلك عن مجموع هذه الصفات حال كونها قائمة بالذات، ماذا استوجبت أيضاً من مقامات؟ هذا يقول لك باب عظيم من معرفة الله سبحانه، معرفة خاصة، عشان نكسب معرفة خاصة، مش أي واحد يتكلم في هذه المعرفه، وكل إنسان يفتح له فيها على قدر وعائه: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: 17]. كل واحد قلبه وعقله واد، ويفهم من هذا على سعة واديك، فاللهم فهمنا.
نعم، قال: فإذا استغنى القلب بهذا الغنى الذي هو غاية فقره، استغنت النفس غنى يناسبها، وذهبت عنها البروده التي توجب ثقلها وكسلها واخلادها إلى الأرض. دائماً القلب هو يعني هو معدن، والنفس معدن آخر في علم السلوك. فالنفس ابتداء هي تمثل لك الطالب الشقي المتمرد في الصف تماماً. إذا بدي هيك أصور لك إياه، هم يمثلون دائماً النفس، كيف عندك طالب في الصف متمرد شقي بدك تروضه حتى يصير بني آدم بيفهم وهادي ويصير متزن؟ فالنفس هو ذاك الطالب الأمار بالسوء، العامل مشاكل، العامل دربكة، العامل... فبقول لك إذا أنت جبت أي أستاذ صف ناجح... خلينا نقول أستاذ الصف هو القلب هنا. أستاذ الصف إذا كان ناجح ومتزن وهادئ وبيعرف يدير الأمور وعنده من الصلاة ما عنده، بلش شوي شوي هذا الأستاذ يدرب هذا الطالب المتمرد إلى أن هذا الطالب يعني يخنع ويهدا ويصبح متزن. لكن إذا كان الاستاذ هو نفسه فاسد، لا تيجي تقول للطالب المتمرد تعال اصلح نفسك، ما بقول لك أنت جايب لي أستاذ فاسد، يعني أنا كيف بدي أسير إنسان، أنا أصلاً يعني أنا كطالب في من العلل ما في، من الإشكالات ما في، إذا ما جبت لي واحد يربيني، جبت لي واحد مثلي من جنسي، أستاذ ما... يعني سيبقى الأمر على حاله إذا ما ساء. فهذا الذي يريد ابن القيم أن يوصله، لماذا ابتدئ بالقلب قبل النفس؟ لماذا صاحب منازل السائرين ابتدأ بغنى القلب ثم انتقل منه إلى غنى النفس؟ يريد أن يقول لك إن غنى القلب، أن القلب إذا استغنى، هذا سيؤثر ولا بد على النفس، فتبدأ النفس تهدأ وتتروض ويصبح هذا الطالب المتمرد طالباً نجيباً متزناً ممتازاً.
قال: فإذا استغنى القلب بهذا الغنى الذي هو غاية فقره، استغنت النفس غنى يناسبها، وذهب عنها ايش؟ البرودة التي توجب دائماً النفس ثقيلة كسولة، الطالب هذا اللي حكينا عنه، واخلادها إلى الأرض وتحب الملذات والشهوات. هكذا النفس، والآن إذا صلح القلب ستبدأ النفس تصلح، فيصير للنفس ايش؟ حرارة توجب حركتها هذه النفس وخفتها في أوامر الله وفي طلبها الرفيق الأعلى، وصارت برودتها في شهواتها وحظوظها ورعوناتها.
قال: وذهبت أيضاً عنها اليبوسة المضادة للينها وسرعة انفعالها وقبولها، فإنها إذا كانت يابسة قاسية كانت بطيئة الانفعال بعيدة القبول لا تكاد تنقاد. فاذا صارت برودتها حرارة، ويبوستها رطوبة، وسقيت بماء الحياة الذي أنزله الله على قلوب أنبيائه، وجعلها قراراً ومعيناً له، ففاض منها على قلوب اتباعهم، فأنبتت من كل زوج كريم؛ فحينئذ انقادت بزمام المحبة إلى مولاها الحق، مؤدية لحقوقه، قائمة بأوامره، راضية عنه مرضية له بكمال طمأنينتها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28]. هكذا فسر هنا معنى راضية مرضية، يعني أنت تكون راضية عن الله، وهذه النفس اصبحت أيضاً مرضية لله.
وهذه النفس المطمئنة، ولذلك دائماً شو بقول لك؟ هناك النفس الأمارة بالسوء، بعدين مع الشغل عليها بتصير لوامة، مع قمة خضوعها تصبح مطمئنة. فانت أيها الإنسان، يا أيها السائل إلى الله، أنت تريد الوصول إلى النفس المطمئنة، وهي التي رضيت عن ربها ورضي الله عنها.
قال فلنرجع إلى كلامه، فقوله في الدرجة الأولى وهو غنى القلب إنه سلامته من السبب؛ أي من الفقر إلى السبب وشهوده والاعتماد عليه والركون إليه والثقة به. فمن كان معتمدا على سبب غنيا به واثقا به لم يطلق عليه اسم الغني، لأنه فقير إلى الوسائط، بل لا يسمى صاحبه غنيا إلا إذا سلم من عله السبب استغناء بالمسبب بعد الوقوف على رحمته وحكمته وتصرفه وحسن تدبيره. فلذلك يصير صاحبه غنيا بتدبير الله عز وجل، فمن كملت له السلامه من علة الاسباب...
إذا هذا أول اللي هو الان عاد ليشرح ما هو غنى القلب، اللي هي الدرجة الأولى. فجعل أول علامة من علامات غنى القلب سلامته من السبب، اللي هو عدم ملاحظه الاسباب التي تكلمنا عنه مرارا وتكراراً. نعم، ولا تشعر أنه أنا مفتقر للطبيب، أنا مفتقر للدواء، أنا مفتقر للأستاذ، أنا مفتقر للدكتور، أنا مفتقر لا... دائماً تذكرك أنك مفتقر إلى الله، وأن هذه الاسباب وإن كانت أسباباً، لكن ينبغي ألا أشاهدها وأشاهد من الذي سخرها أسباباً، هيك لا تقف عندها، وقف عند من سخرها أسباباً. نعم، فمن كملت له السلامه من عله الاسباب، ومن عله المنازعه للحكم بالاستسلام له والمسالمة؛ أي بالانقياد لحكمه الذي حصل الحكم القدري يقصد هنا وأيضا يعتمد الحكم الشرعي. نعم، أي بالانقياد لحكمه الذي حصل الغنى للقلب بوقوفه على حسن تدبيره ورحمته وحكمته. قال: فإذا وقف العبد على حسن تدبيره واستغنى القلب به، لم يتم له الاستغناء بمجرد هذا الوقوف إن لم ينضم إليه المسالمة للحكم وهو الانقياد له، فإن المنازعة للحكم إلى حكم آخر دليل على وجود رعونة الاختيار، وذلك دال على فقير صاحب الاختيار إلى ذلك الشيء المختار، ومن كان فقيرا إلى شيء لم يريده الله عز وجل.
قال: فان منازعة الله في حكمه إلى حكم آخر أنت تريده، دليل على وجود لسه أنه لك حظ، لسه فيك رعونة، لسه لك حظوظ في الاختيار. وهذا هو الدال أنك ما زلت فقيراً، فهذا دال على فقر صاحب الاختيار. هذا الإنسان الذي ينازع الله في أحكامه، هو فقير إلى ذلك الشيء الذي يريد أن يختاره لنفسه منازعا به حكم ربه، ومن كان فقيرا إلى شيء لم يرده الله له لم يطلق عليه اسم الغني، لا أنت لست غنيا. إذا لم يطلق عليه اسم الغني بتدبير الله، فلا يتم الغنى بتدبير الرب لعبده إلا إذا سالمت حكمه، وهذه المسالمه يجب أن تكون لحكمه القدري ولحكمه الشرعي لكليهما بعد الوقوف على حسن تدبيره سبحانه، ثم يبقى عليه بعد ذلك الجمله الأخيرة...
قال: الخلاص من معنى آخر، وهو مخاصمة الخلق بعد الخلاص من منازعة الرب، فإن مخاصمة الخلق دليل على فقره إلى الأمر الذي وقعت فيه الخصومة من الحظوظ العاجلة، وإن كان فقيراً إلى حظ.
جميل، إذا هنا قصد بالمخاصمة ليس مخاصمة الأقدار، بل مخاصمة البشر تماماً. الجملة الثالثة: أن تخلص من المخاصمة أن تخاصم الخلق، ترفع بين... تكون بينك وبين الناس مشاكل على ميراث، ومشاكل على قطع أراضي، ومشاكل في التجارات، ومشاكل. قال: إن مخاصمة الخلق في الأرزاق والدنيا بعد أن تخلص من منازعة الرب، نعم، فان مخاصمة الخلق قال: دليل على فقره إلى الأمر الذي وقعت فيه الخصومة من الحظوظ العاجلة؛ السيارات والزوجات. من كان فقيرا إلى حظ من الحظوظ يسخط لفوته ويخاصم الخلق عليه، لا يطلق عليه اسم الغني حتى يسلم الخلق من خصومته لكمال تفويضه إلى وليه سبحانه وقيومه ومتبل تدبيره، من سلم المسلمون من لسانه ويده.
نعم، فمتى سلم العبد من علة فقره إلى السبب، ومن علة منازعته لأحكام الله عز وجل، ومن علة مخاصمته للخلق على حظوظ، استحق أن يكون غنيا بتدبير مولاه، مفوضا إليه، لا يفتقر قلبه إلى غيره، ولا يسخط شيئا من أحكامه، ولا يخاصم عباده إلا في حقوق ربه، فتكون مخاصمته لله وبالله ومحاكمته إلى الله، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغضب إلا لله، وإذا خاصم الناس فعلى حكم الله عز وجل. نعم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في استفتاح صلاة الليل: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت».
فتكون مخاصمة هذا العبد لله لا لهواه وحظه، ومحاكمته خصمه إلى أمر الله وشرعه لا إلى شيء سواه. فمن خاصم لنفسه فهو ممن اتبع هواه وانتصر لنفسه، وقد قالت عائشة: ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط. وهذا لتكميل عبوديته، ومن حاكم خصمه إلى غير الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت، وقد أمر أن يكفر به، ولا يكفر العبد بالطاغوت حتى يجعل الحكم لله وحده كما هو كذلك في نفس الأمر.
والحكم حكمان، يعني لازم تجعل الحكم لله وحده كما هو في نفس الأمر، يعني أنه هو الواقع أصلاً أن الحكم لله وحده بس أنت لازم تؤمن بهذا، يعني سو الحكم لله وحده غصبا عن الجميع في نفس الأمر، يعني غصبا عن الجميع عن المؤمن والكافر، لكن الفرق أن المؤمن يجعله أيضا هذا بيعتقد ذلك ويدين به.
نعم، قال: والحكم حكمان: حكم كوني قدري، وحكم أمري ديني. فهذا الذي ذكره الشيخ في منازل السائرين وشرحه عليه الشارحون، إنما مراده به الحكم الكوني. زي ما قلت لكم هم الصوفية بمركز ومسالمته للحكم ايش يقصد؟ الحكم القدري، بس نحن لازم نعممه، أنه يجب أن لا تنازع لا في الحكم القدري ولا في الشرعي.
نعم، قال: وحينئذ فلا بد من تفصيل ما أجملوه من مسألة الحكم والاستسلام له وترك المنازعة له، فإن هذا الإطلاق غير مأمور به ولو ممكن للعبد في نفسه. نعم، قال: بل الأحكام ثلاثة؛ حكم شرعي ديني فهذا...
لا سيقصل في قضية أنه هل الإنسان يجب وجوباً أن يصل لمرحلة أن يكون راضيا بكل أقدار الله ولا يكفي أن يصبر؟ هي مرت معنا في كتاب المنبجي في قضية أنه حينئذ فلا بد من تفصيل ما أجمله مسألة الحكم والاستسلام للحكم القدري وترك المنازعة له، فإن هذا الإطلاق غير مأمور به ولا ممكن للعبد في نفسه أن يصل لمرحلة يعني أن يكون راضيا تماماً أنه ابنه يموت، يعني أنت ممكن أنا أصبر، لكن أنه أنا أصلاً لمرحلة أنني متصالح تماماً، فهمت علي، سعيد بهذا هذه فيها نقاشات، يقول لك يعني أحيانا قد يصل أنه خلاف الجبلة، لكن أنه يؤمر بالصبر ويقول هذا أمرك يا رب وأنا راضي بما قسمته لي وإن كنت لا أحب موت ابني. هذه مقامات، لذلك يقول ولا ممكن للعبد في نفسه أحيانا أن يصل لما يريد الصوفي أن يوصلك إليه جبراً عنك.
المهم قال: الأحكام ثلاثة، حكم شرعي ديني فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم وترك المنازعة، بل الانقياد المحض. قال: وهذا تسليم العبودية المحضة، فلا يعارض بذوق ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلاً البته، وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والاذعان والقبول.
فإذا تلقى بهذا التسليم والمسالمة إقراراً وتصديقاً، بقي هناك انقياد آخر وتسليم آخر له، إرادة وتنفيذاً وعملاً، فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه به واقراره. قال: وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم من شبهة تعارض الحق وشهوة تعارض الأمر، فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات، ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات، بل اندرج خلاق تحت الأمر، واضمحل خوضه في معرفته بالحق، فاطمأن إلى الله معرفة به ومحبة له وعلماً بأمره وإرادة لمرضاته، فهذا حق الحكم الديني.
إذا الحكم الديني يجب أن يخلص من أمرين: من شبهة تعارضه، وشهوة تعارض الأمر. لابد أن تخلص من الشبهات ومن الشهوات، فلا استمتع بخلاقه كما استمتع الذين يتبعون الشهوات، ولا خاض في الباطل فتعرض للشبهات كما يفعل الذين يتبعون الشهوات.
قال الحكم الثاني: الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة. هذا الحكم الشرعي الديني إذاً يجب أن تخلص من الشهوات والشبهات فيه، نجي الآن الحكم القدري الذي يتكلم عنه أصالة الهروي، فيقول: والذي حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه، فهذا حقه أن ينازع ودافع بكل ممكن ولا يسلم البته، بل ينازع بالحكم الكوني أيضاً. فينازع حكم الحق بالحق للحق، ويدافع به وله؛ كما قال شيخ العارفين في وقته عبد القادر الجيلي.
طيب الحكم الكوني الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة والذي حكم به يسخطه ويبغضه؛ الكفار في بلاد المسلمين، تمام، احتلال اليهود لأراضي المسلمين هذا حكم قدري بالتأكيد قدر الله وجودهم، طيب الذي حكم بهذا القدر وهو الله، هل هو يحب وجودهم؟ هل هو مسرور بوجودهم أم يسخطه وجود اليهود في بلاد المسلمين ويبغضه وجود اليهود في بلاد المسلمين؟ فما موقف الإنسان من هذا القدر؟ هذا القدر، وهنا ربما يعني أظن أن ابن القيم قبل قليل لما قال في الصفحة السابقة إنه يجب أن تخلص من الاستسلام للقدر، لأنه هذه إحدى مشاكل الصوفية في مفهوم الاستسلام للقدر؛ وصل الحال إخواني بعض الصوفية أن يأتي الصليبيون إلى بلاد المسلمين ويقولون هم الصوفية في المساجد: يجب أن نحب وجودهم في بلاد المسلمين! ليه؟ لأنه القدر، والقدر يجب أن لا – شو حكى الهروي؟ – يجب أن لا ينازع وأن يسلم له، فمن استسلامك للقدر أن تحب ما حصل! ابن القيم لذلك قال في الصفحة السابقة، غير موضوع عفواً، إنه أنت اللي نحن حكينا عنه عند المنجي، لا، هو أظنه يركز على هذا المعنى أيضاً، هي قضية إنه في عندهم تشوه في مفهوم الاستسلام للقدر، الصوفية عندهم تشوه في مفهوم الاستسلام للقدر، فابن القيم يريد أن يعالج هذا التشوه، يقول لك إن كلامه ملغم، أنه يدخل فيه عندهم أن تستسلم حتى للقدر الذي لا يحب الله وجوده. طيب ليش قدره ولا يحب وجوده؟ قدره ولا يحب وجوده حتى يشوف أنت كيف بدك تعمل معاه، فإذا كان هذا القدر الذي قدره الله كونا ولكنه لا يحب وجوده شرعاً تستطيع أنت أن تدافعه وأن تواجهه بمراغمة اليهود ومدافعتهم.
ما موقف العبد من هذا؟ مسالمة القدر، قدر! لا تقول لي مسالمة القدر معناه أنت لم تفهم الشرع، وإلا النبي عليه الصلاة والسلام لماذا خاض معركة بدر وأحد؟ ولماذا قاوم في تبوك؟ لو كان على طريقة الصوفية خلص كان يقول لك: نستسلم كفار قريش واقع مفروض، ونتعامل مع الواقع المفروض. ألم يكن صلى الله عليه وسلم يجاهد القدر بالقدر ويدافع؟ ولذلك هذه قضية ننتبه لها، لماذا اليوم المؤسسات الأمريكية الكبرى هي تحاول نشر التصوف بالقوة ودعم هذا التيار بكل ما أوتيت ومحاوله فرضه على الشعوب المسلمة؟ لأنه هذا التيار، هذه نتيجة ما سيصل إليه: أن يعلم الشعوب الخنوع والذل، وخلص ارضى بالأقدار، وخلك يا اخي متصالح مع الاحتلال ومع الدول الغاصبة لبلدك وكذا، وتعامل مع الناس بحب. كما يقال المغفل ذاك قبل فترة، إنه يحب نتنياهو بس أنا أكره فعله، يعني تشوف، المهم اتصل فيهم الفلسفة هؤلاء الصوفية، يعني يقول لك: أنا أحب نتنياهو بس أكره فعله، ولا شو حكى؟ وكلمة قريبة من كذا، يريد أن يخالف الفطرة، ويريد أن ينازع نفسه ويقنع نفسه أننا كمسلمين لازم يعني نكون يعني مسالمين للبشر جميعاً وأننا نتققبل كل شيء ونحب البشر جميعاً: البوذي والبالي، ومن أين أتيت بهذه المعاني وأنت من أين بتألف هذه الأفكار؟
لكن هذا سبحان الله الشيطان الذي يزخرف للناس مثل هذه المعتقدات والأفكار، ويصور لك بعد ذلك أن هذا صلب الاستسلام للقدر، أن تؤمن بوجود، أن تحب وجود اليهودي والنصراني! فهون ابن القيم عم بيعالج معالجة خطيرة ومهمة يجب أن نفهمها لأنها كثير من الصوفية متأثر بها، أن الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة يعني أنت بتقدر يا أيها العبد أن تدافع فيه وتزاحم فيه، لك قدرة أن الآن في حكم قدري أنت ما بتقدر تعمل عمل فيه ولا شيء، والله مات ابنك شو بدك تسوي يعني بدك ترجع تحييه؟ أنت لا تملك المنازعة هنا، صحيح في أحكام قدرية لا يمكن للعبد لا إرادة أو كسب لمواجهتها، وفي أحكام قدرية لا، أنا مأمور بمواجهتها ومنازعتها وإنما يدفع القدر بالقدر.
فيقول: والذي حكم به وهو الله، هذا الحكم القدري اللي أنت تستطيع مواجهته ومدافعته، اللي حكم بهذا الحكم وهو الله أصلاً يسخط هذا الحكم القدري ويبغض هذا الحكم القدري، هو لا يريده شرعاً ولكنه قدره كونا لينظر كيف تعملون. طيب قال: فهذا النوع من الأحكام القدرية، أنا نعم أؤمن أنه قضاء وقدر إذا قصدت بالمسمامة هنا أن تؤمن أنه قضاء وقدر نعم، لكن ليس المسالمة معناه أن استسلم له وأخنع له وأقف بين يديه كالريشة، لا، بل حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن ولا يسالم البته بحيث أن خلص تتكيف معه، بل مأمور أنا بدفعه بل ينازع بالحكم الكوني أيضاً اللي هو مدافعه القدر بالقدر، فينازع حكم الحق القدر بالحق للحق لله. فانا لما أجاهد اليهود فأنت فعلياً ماذا؟ أنت تنازع حكم الله القدر بوجودهم بالحق اللي ربنا أمرك أن تفعله، هو الجهاد في سبيله، للحق لمرضاة الحق سبحانه وتعالى. هي معادلة متكاملة يجب أن تفهمها، عليها الكون: أن الله قدر وجود الشر لت، وأعطاك وسائل الخير اللي لازم تفعلها لمواجهة الشر، قدر وجود الشر صحيح، قدر وجود اليهود وقدر كذا، طبعا فعله خير لكن هو شر بالنسبة لنا، الله قدر وجود أشياء فيها شر بالنسبة لنا حتى نقوم نحن بمواجهتها بالأساليب التي أعطانا إياها مولانا فنفع، فإذا فعلنا ذلك وواجهناها أرضينا الحق سبحانه وتعالى.
نعم، كما قال شيخ العارفين في وقته عبد القادر الجيلي: الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وآنفتحت لي فيه روضة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، سبحان، والعارف من يكون منازعاً للقدر لا واقفا مع القدر. لذلك عبد القادر الجيلاني الحنبلي، الآن طبعا بتعرفوا فرقة صوفية اسمها الجيلانية لكن هؤلاء انحرفوا عن مبادئ عبد القادر الجيلاني، عبد القادر من أئمة الحنابله ومن أصحاب الحركات الإصلاحية التغييرية في العالم الإسلامي، له أثر طيب كان في إخراج يعني ما يسمى الجيل والذي كان يقاتل مع صلاح الدين الأيوبي، فكثير ممن تخرجوا من مدرسة عبد القادر الجيلاني رحمه الله عليه. فعبد القادر من أئمة الزهد والسلوك الذين يسيرون على طريقة السلف، لاحظ ايش يقول لك: الناس إذا وصلت إلى القضاء والقدر أمسكت وقالت: خلص سلم، وأنا لا أسلّم، إذا كان بإمكان المدافعة فإنازع أقدار الحق بالحق للحق، فالعارف بالله من ينازع القدر بمعنى يغير القدر بالقدر وليس هو الواقف مع القدر المستسلم له. ويتكلم هنا طبعا عن الأقدار القابلة للتغيير.
نعم، قال: فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه فتأمل قول عمر بن الخطاب وقد عتب على فراره من الطاعون فقيل له: أتفر من قدر الله؟ فقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله. نفس الكلام لما عمر قال: أفر من قدر الله اللي هو الطاعون إلى قدر الله وهو السلامة والنجاة إلى مكان آخر، فهذا مطلوب، هذه منازعة القدر.
نعم، قال: ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء له في هذا العالم إلا به ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه؟ يعني أنتم أصلاً الصوفية ترى أنتم تضحكون على أنفسكم بهذا الكلام لأنه أنتم لما تمرضوا وين بتروحوا؟ للدكتور. ولما تجوع أين تذهب؟ إلى الطعام. أليس هذا من منازعة القدر بالقدر؟ يعني في واحد لما يجوع بيقول: أنا استسلم لقدر الجوع! بيظله جوعان؟ إلا واحد فاصل يعني، لكن الإنسان العاقل يروح فوق لما يجوع، فانتم بيقول: أنتم غير مطردين، أصلا لا صلاح للعالم إلا بهي القاعدة، بقاعدة منازعة القدر بالقدر، فما حياة تستمر بدونها. الجوع بتروح بيشرب أو كل، واللي بيمرض بيروح كذا، واللي بيخاف كذا، هي الدنيا تقوم على منازعة القدر بالقدر، لكن سبحان الله في الأمور التي يكون فيها هوى بتطبقوا قاعدة أن الاستسلام للقدر، وفي الأمور، نعم.
قال: فإنه إذا جاءه قدر من الجوع والعطش والبرد سينازعه ولا بد، وترك الانقياد له ومسالمته. وترك الانقياد له ومسالمته هو هذا اللي بيرفع راية الانقياد للقدر ومسامة القدر لما يجي الجوع والبرد والعطش بينزل الراية وبيروح يأخذ بالأسباب ويدافع القدر بالقدر. قال: ودفع بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس، فقد دفع قدر الله بقدر الله وهكذا. إذا وقع حريق في الدار بتظلك قاعد في الدار بتنحرق ولا بتروح بتجيب مي بتطفيها؟ مش هذا من منازعة القدر بالقدر؟ فهو بقدر الله، فما باله لا يستسلم له ولا يسالمه ولا يتلقى حرق الدار بالإذعان، بل ينازعه ويدافعه بالماء والتراب حتى يطفئ قدر الله بقدر الله وما خرج في ذلك عن قدر الله، كله بالقدر.
نعم، وهكذا إذا أصابه مرض بقدر الله، دافع هذا القدر ونزعه بقدر آخر يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض، فحق هذا الحكم الكوني أن يحرص العبد على مدافعته ومنازعته بكل ما يمكنه، فإن غلبه وقهرك حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك، فيكون قد دفع القدر بالقدر ونازع الحكم للحكم وبهذا أمر. وبهذا أمرنا الله، بل هذه هي حقيقة الجمع بين مقام الشرع ومقام القدر.
نعم، ومن لم يستبصر في هذه المسألة حقها لزمه التعطيل للقدر أو الشرع شاء أم أبى. نعم، إنه بعض الناس يعطل القدر ويؤمن فقط بالشرع، يعني بالأسباب، وبعض الناس يكفر بالأسباب ويؤمن فقط بالقدر، يعني يقع في إشكال، لذلك المعتزلة قدرية والصوفية جبرية، تمام، هكذا هي الفكرة.
نعم، قال: فما للعبد ينازع أقدار الرب تعالى بأقداره في حظوظه وأسباب معاشه ومصالحه الدنيوية ولا ينازع أقداره بأقداره في حق مولاه وأوامره ودينه؟ وهل هذا إلا خروج عن العبودية ونقص في العلم بالله وصفاته وأحكامه؟ ولو أن عدوا للإسلام قصد، يعني زي ما حكينا أنتم في أمور الدنيا في الطعام والشراب والمرض بتنازعوا القدر بالقدر، لكن في أمور ايش الدين المتعلقة بأمور الدين والشهوات وهجوم الأعداء على بلاد المسلمين بطل عندكم منازعة قدر بقدر.
نعم، قال: ولو أن عدوا للإسلام قصه لكان هذا بقدر الله، ويجب على كل مسلم دفع هذا القدر بقدر يحبه الله، وهو الجهاد باليد أو المال أو القلب دفعاً لقدر الله بقدره، فما للاستسلام والمسالمة هنا مدخل في العبودية؟ اللهم، يعني ما حدا يقول لنا الاستسلام من العدو هو مقام من مقامات السائلين إلى اللهم، إلا إذا بذل العبد جهده في مدافعته العدو وخرج الأمر من يده، فخلص صار العدو كاتم على نفسه، فحينئذ يبقى عندئذ من أهل الحكم الثالث، وهو ايش؟
قال: وهو الحكم القدري الكوني الذي يجري على العبد بغير اختياره ولا طاقة له بدفعه ولا حيلة له في منازعته. اللي هو الحالة الثالثة، إذا حكينا الأحكام أما حكم شرعي أو حكم قدري يمكن منازعته، أو حكم قدري لا يمكن منازعته، وهذا خلص هذا اللي بده يستسلم ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا يا رب.
نعم، قال: فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة وترك المخاصمة. هذا النوع الثالث الذي لا تستطيع أن ترده، وأن يكون فيه الإنسان كالميت بين يدي المغسل، وكمن انكسر به المركب في لجة البحر وعجز عن السباحة شو بدw يسوي؟ ينتظر المكتوب وعن سبب يدنيه من النجاة، فهنا يحسن الاستسلام والمسالمة يقول هنا الاستسلام والمسالمة مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخرى سوى التسليم والمسالمة وهو ايش؟
قال: وهو أن يشهد عزة الحاكم سبحانه في حكمه وعدله في قضائه وحكمته في جريانه عليه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الكتاب الأول سبق بذلك قبل خلق الخلق، القدر يعني السابق. فقد جفى القلم بما يلقاه كل عبد، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط.
فإذاً، فإذا هناك أيضاً غير المسالمة هناك عبوديات أخرى مطلوبة في هذا المقام كما ذكر: أن تشهد عزة الله وعدل الله وحكمة الله، وأن ما أصابك لم يكن، هذه كلها مقامات تشاهد أيضاً في هذا. نعم، ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم الحكيم جل جلاله وصفه وصفة الحكمة.
نعم، قال: وأن القدر قد أصاب مواقعه وحل في المحل الذي ينبغي أن يحل فيه، فإذ هو موجب الحكمة البالغة والعلم المحيط والعزة التامة، لم يخطئ مواقع الحكمة ولم يتعد منازله التي ينبغي له أن ينزل بها. هذا الإيمان حقيقة يورث طمأنينة الإنسان أن تصل لمرحلة أنك وأنت في بلاء بفقد عزيز أو بمصيبة حلت لا يمكن أن تدفعها أن تشاهد حكمة الله فيها وأنها اختيرت بحكمة وبدقة وأنها لم تجاوز موطن الحكمة، فهذا يعطيك طمأنينة أن الله شاء شيئاً لحكمه خلاص فتسلم وترضى وتخنع، ولا تشعر باليأس والقنوط والإحباط الذي يصاب به الناس في هذه المقامات، وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه ومملكه العادل، فهو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فله عليه أكمل حمد وأتمه سبحانه، تحمد الله أكمل الحمد كماله الحمد على جميع أفعاله وأوامره وإن كان.
حظ العبد من هذا القدر الذم، فحق الرب جل جلاله منه الحمد والمدح؛ لأن موجب كماله وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وهو موجب نقص العبد وجهله وزلمه وتفريطه.
فاقتسم الرب والعبد الخطتين في هذا القدر؛ فكان لربي تعالى فيه الحمد والنعمة والفضل والثناء الحسن، وللعبد خطة الذم واللوم والإساءة واستحقاق العقوبة. استأثر الله بالمحامد والفضل، وولى الملامة الرجلا. ويشفي في هذا المقام أربع آيات: أحدها قوله تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، يعني: وأن كان حظ العبد من هذا القدر الذنب أو المصيبة، نعم؛ أن هذه المصيبة كانت بسبب ذنبك وبسبب خطيئتك، صحيح؟
فأنت، نعم، الله أنزل عليك مصيبة، هي المصيبة التي نزلت بسبب ذنبك وخطيئتك، يحمد الله عليها؛ لأن فيها كمال الحكمة، وتذم نفسك أنت عليها لما، يعني، ما الذي أوجب هذه المصيبة؟ وهي ذنوبي وخطاياي، فتلوم نفسك عليها وتلوم نفسك أن: «إيش أنا فعلت هذا الخطأ ولماذا قصرت حتى استوجبت هذه العقوبة التي هي من قدر الله؟» فحظ الله من هذه المصائب -حظ الله- ما هو؟ أن يحمد وأن يشكر، وحظ نفسك أن تلومها، أوصلتك إلى هذه المصيبه، وهذا هو معنى قوله سبحانه: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، مع أنه حتى السيئة الله قدرها لك، لكن حظ نفسك أن تلومها وحظ ربك أن تحمده حتى على هذا القدر.
والثاني أيضاً الآية الثانية: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مِّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]، فتلوم نفسك أن أوصلتك إلى هذه المصيبة، وحظ الله منها أن تحمده وتشكره عليها: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مِّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]. وكذلك قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهُمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: 36]، يعني أنت المتسبب، فإن الإنسان كفو نعم.
فمن نزل هذه الآيات على هذا الحكم علماً ومعرفة، وقام بموجبها إرادة وعزماً وتوبة واستغفاراً؛ فقد أدى عبودية الله في هذا الحكم، وهذا قدر زائد على مجرد التسليم والمسالمة، والله المستعان عليه تكلاً ولا حول ولا قوة إلا به. هكذا انتهى من تفسير غنى القلب. نعم، قوله: إنه مش دائماً المصيبة بسبب.
الآن هو هذه المدينة فيها نقاش، يعني ابن القيم في عدة الدواء ذكر: ما من مصيبة إلا بذنب تمام أو تقصير، مش يعني البعض يقول: مش ضروري ذنب مباشر، أن قد يكون إما بذنب أو تقصير لابن آدم، فإذا بدك تعمم معنى الذنب ليشمل قصور ابن آدم ونقصه في مقامات التعبد؛ الذنب بهذا المعنى يمكن أن يصح أن نقول: ما من مصيبة إلا بذنب. البعض بقول لك: لا، يعني أكثر المصائب بالذنوب، ولكن قد يصيب الله عز وجل عباده ليكمل درجاتهم تمام، فالأنبياء -لذلك قلت لك: إذا بدك تعمم مفهوم الذنب، لأنه الأنبياء مثلاً على قول كثير من أهل العلم حتى الصغائر لا يقعون فيها، وإنما يقعون في خلاف الأولى- فياتي البلاء ليكمل مقاماتهم، فإذا الذنب أو المصيبة أو البلاءات هي نتيجة النقص، هذا النقص قد يكون ذنب، قد يكون خلاف أولى، فبالنسبة للأنبياء قد يكون تكميل لمقاماتهم، تمام، وبالنسبة لأصحاب الذنوب والمعاصي هو تكفير للخطايا والذنوب وما شابه ذلك، يمكن أن يعالج الموضوع بهذه الطريقة.
قوله في غنى النفس: إن استقامتها على المرغوب، وسلامتها من المسخوط، وبراءتها من المرايا، يريد به استقامتها على الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه، وتجنبها. فإذاً المرغوب هو الأمر الديني، قال: استقامتها على المرغوب، ما هو المرغوب إذاً في كلام الهروي؟ قال: استقامتها على الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه، نعم، وتجنبها لمناهيه التي يسخطها ويبغضها، وأن تكون هذه الاستقامة على الفعل والترك تعظيماً لله وأمراً وإيماناً به واحتساباً لثوابه وخشية من عقابه.
قال: لا طلباً لتعظيم المخلوقين له ومدحهم، وهرباً من ذمهم وازدرائهم، وطلباً للجاه والمنزلة عندهم؛ فإن هذا دليل على غاية الفقر من الله والبعد منه، وأنه أفقر شيء إلى المخلوق، فسلامة النفس من ذلك واتصافها بضده دليل غناها؛ لأنها إذا أذعنت منقادة لأمر الله طوعاً واختياراً ومحبة وإيماناً واحتساباً، بحيث تصير لذتها وراحتها ونعيمها وسرورها في القيام بعبوديته؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا بلال أرحنا بالصلاة»، وقال صلى الله عليه وسلم: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة».
نعم، فإذاً هي غنى النفس: استقامتها على المرغوب -اللي هو المامورات- وسلامتها من المسخوط -يعني ابتعادها عن المنهيات- وبراءتها من المرايا -اللي هي المراءاة، لا يفعل من أجل الناس وإنما يفعل من أجل الله- هذا خلاصه الدرجة الثانية من الغنى التي عرفها الهروي.
قال: وقرة العين ما هي؟ قال: فوق المحبة جميل، فجعل النساء والطيب مما يحبه، وأخبر أن قرة العين التي يطمئن القلب بالوصول إليها، قال: وتحضره لذته وفرحه وسروره وبإجاعته إنما هو في الصلاة، التي هي صلة بالله وحضور بين يديه ومناجاة له واقتراب منه، فكيف لا تكون قرة العين وكيف تقر عين المحب بسواها؟
فإذا حصل للنفس هذا الحظ الجليل، فأي فقر تخشى معه، وأي غنى فاتها حتى تلتفت إليه؟ ولا يحصل لها هذا حتى ينقلب طبعها، ويصير مجانساً لطبيعة القلب؛ فتصير بذلك مطمئنة تصبح النفس مجانسه للقلب، هذا الطالب المتمرد يصبح مؤدباً مثله مثل معلمه. نعم، قال: فتصير بذلك مطمئنة بعد أن كانت لوامة؛ لأن هي كانت أولاً أمارة، بعدين لوامة، بعدين مطمئنة، وانما تصير مطمئنة بعد تبدل صفاتها؛ أي صفات النفس وانقلاب طباعها، لاستغناء القلب بما وصل إليه من نور الحق جل جلاله.
فجرى أثر ذلك النور الذي دخل في القلب في سمعه وبصره وشعره وبشره وعظمه ولحمه وسائر مفاصحه، وأحاط بجهاته من فوقه وتحته ويمينه ويساره وخلفه وأمامه، وصارت ذاته نوراً، فصار عمله نوراً، وقوله نوراً، ومدخله نوراً، ومخرجه نوراً، وكان في مبعثه ممن أتم له نوره، فقطع به الجسر -قطع الصراط؛ لأنه أعلى مقامات النور، كما يقول ابن القيم في مقام آخر، هو النور الذي تأخذه وأنت تمر على الصراط، أنك لن تقطع الصراط إلا بالنور- فقطع به الجسر، تقطع الصراط فوق جهنم بالنور إلى أن تصل الجنة، فقصتك مع النور تبتدئ بالدنيا وتختتم بماذا؟ بمرورك فوق الصراط.
قال: وإذا وصلت النفس إلى هذه الحال، استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي توجب اقتحام الحدود المسقوطة والتقاعد عن الأمور المطلوبة المرغوبة؛ فإن فقرها إلى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب، وأيضاً فتقاعدها عن المطلوب منها موجب لفقرها إلى الشهوات، وكل منهما موجب للآخر، وترك الأوامر أقوى لها في افتقارها إلى الشهوات؛ فانه بحسب قيام العبد بالامر تدفع عنه جوف الشهوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38] -وفي القراءة الأخرى: يدافع- فكمال الدفع والمدافعة بحسب قوة الإيمان وضعفه.
فإذا صارت النفس حرة مطمئنة غنية بما أغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب ففاض منه إليها، استقامت بذلك الغنى على الأمر المرغوب، وسلمت به عن الأمر المسخوط، وبرئت من المراءاة. ومدار ذلك كله على الاستقامة ظاهراً وباطناً، ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: 13]، وكما جاء سفيان بن عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن وصية جامعة لا أسأل عنها أحداً بعدك، فقال: «قل: آمنت بالله، ثم استقم».
نعم، الدرجة الثالثة: الغنى بالحق سبحانه، وهي التي أصلاً قسمها إلى ثلاث مراتب في داخلها. وهذه الاستقامة ترقيها إلى الدرجة الثالثة من الغنى، وهو الغنى بالحق تبارك وتعالى عن كل ما سواه. إذاً: غنى القلب فهمنا، بعدين غنى النفس، بعدين الغنى بالله، هذه أعلى درجة، الغنى بالله عن كل ما سواه وهي أعلى درجات الغنى.
فاول هذه الدرجات -وهذه الدرجة الثالثة فيها ثلاث مراتب، فأول هذه الدرجات- نعم، أن تشهد ذكر الله عز وجل إياك قبل ذكرك له، وأنه تعالى ذكرك في من ذكره من مخلوقاته ابتداءً قبل وجودك وطاعتك وذكرك؛ فقدر خلقك ورزقك وعملك، وأحسانه إليك ونعمه عليك حيث لم تكن شيئاً مذكوراً.
إذاً الغنى الثالث هو الغنى بالله، وهذا ثلاث مراتب. الأول أن تشعر بماذا؟ بغناك بالله، أن الله ذكرك قبل أن تذكره. أين ذكرني؟ ذكرني قبل أن يخلقني وقبل أن يخلق هذا العالم، لما قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كتب في اللوح المحفوظ أنه في يوم من الأيام سيأتي شخص إلى هذا العالم اسمه عمر واسمه إراهيم واسمه أديب -صحيح- هو ذكرك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة أنه سيأتي هذا الشخص وسيعيش كذا وكذا وسيكون من أعماله كذا وكذا وسيتزوج من فلانة وسيكون له أولاد وسيكون، كل خارطتك مكتوبة مقدرة، هذا أول شيء.
نعم، أن من الغنى أن تشهد ذكر الله لك قبل أن تذكرك أنت. طيب، وذكرك سبحانه أن جعلك مسلما، ذكرك سبحانه بالإسلام؛ أنه سيكون مسلماً وليس نصرانياً ولا يهودياً، فوفقك له واختارك لهذا الدين دون من خذله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]، فجعلك أهلاً لما لم تكن أهلاً له قط، يعني أنت لما سماك الله مسلماً يعني هل أنت فعلت شيئاً تستحق هذا الشيء، ولا محض اختيار وتفضل؟ أنت لم تفعل شيئاً تستحق أن يسميك مسلماً من قبل، قال: فجعلك أهلاً لما لم تكن أهلاً له قبل؛ يعني أنت ما فعلت شيئاً حتى تقول: «لا والله، أنا أهل أكون أنت يا اخي»، كتبك مسلماً قبل أن يخلقك، وإنما هو الذي أهلك بسابق ذكره لك، فلولا ذكره لك بكل جميل أولاكم لم يكن لك إليه سبيل، لم تكن لك لا الإسلام ولا لم يكن لك أي شيء.
ومن الذي ذكرك باليقظة حتى استيقظت وغيرك في رقدة الغفلة مع النوام؟ ومن الذي ذكرك أنك مسلم يقظ منتبه موحد، مع أن أكثر الناس حولك اليوم على كوكب الأرض من الغافلين سبحانه؟ نعم، قال: ومن الذي ذكرك سواه بالتوبة حتى وفقك لها، وأوقعها في قلبك، وبعث دواعيك إليها، وأحيا عزماتك الصادقة عليها حتى تبَت إليه وأقبلت عليه، فذقت حلاوة التوبة وبردها ولذتها؟ ومن الذي ذكرك سواه بمحبته حتى هاجت من قلب لواعجها، وتوجهت نحوه سبحانه ركائبها، وعمر قلبك بمحبته بعد طول الخراب، وأنسك بقربه بعد طول الوحشة والاغتراب؟
نعم، ايش يعني "ذكرك سواه"؟ يعني من الذي سواه ذكرك؟ يعني في أحد سواه ذكرك؟ آه. نعم قال: ومن تقرب إليك أولاً حتى تقربت إليه، ثم أثابك على هذا التقرب تقرباً آخر، فصار التقرب منك محفوفاً بتقربين منه تعالى؛ تقرب قبله وتقرب بعده، والحب منك محفوفاً بحبين منه؛ حب قبله وحب بعده، والذكر منك محفوفاً بذكرين.
صحيح، فالله سبحانه لما كتبك في ديوان أهل السعادة وكتبك من أهل الطاعة، هو تقرب إليك بذلك، اقترب منك أنه كتبك في اللوح قبل أن تخلق كتبك مطيعاً، أليس هذا اقتراباً منه إليك؟ ثم أنت تقربت إليه بناءً على قدره، فلما تقربت إليه بناءً على ما كتب هو اقترب منك بعد ذلك، من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، فتقربك منه محفوف بتقربين سابقين؛ تقرب قبل أن تعمل أن وفقك لهذا العمل، وتقرب بعد أن تعمل أن كافأك على هذا العمل، فكل شيء منه وإليه سبحانه.
نعم، قال: والذكر منك محفوفاً بالذكرين؛ ذكر قبله وذكر بعده، فلولا سابق ذكره إياك لم يكن من ذلك كله شيء، ولا وصل إلى قلبك ذرة مما وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقرب إليه، فهذه كلها آثار ذكره لك.
ثم إنه سبحانه ذكرك بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الانفas، فله عليك في كل طرفة عين ونفس نعم عديده، ذكرك بها قبل وجودك وتعرف بها إليك وتحبب بها إليك، ما غناه التام عنك وعن كل شيء، وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده؛ إذ هو الجواد المححسن لذاته لا لمعاوضة ولا لطلب جزاء منك ولا لحاجة دعته إلى ذلك، كيف وهو الغني الحميد؟
فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه فاعلم أنه ذكرك بها، فلتُعظم عندك لذكره لك بها؛ فانه ما حقرك من ذكرك بإحسانه، وابتداك بمعروفه، وتحبب إليك بنعمته، هذا كله مع غناه عنك.
فإذا شهد العبد ذكر ربه له ووصل شاهده إلى قلبه، شغله ذلك عما سواه، وحصل لقلبه به غنىً عالٍ لا يشبهه شيء، وهذا كما يحصل للمملوك الذي لا يزال أستاذه وسيده يذكره ولا ينساه، فهو يحصل له بشعور ذكر أستاذه له غنىً زائد على أنعام سيده عليه وعطاياه السنية له، فهذا هو غنى ذكر الله للعبد.
إذناً، فإذا شهد العبد -ها هي الفكرة أنه ايش علاقة هذا الشهود بالغنى؟ يعني ايش علاقة هذا الشهود، أن أشاهد أن الله ذكرني قبل أن أذكره، ايش علاقته بموضوع الغنى؟- هي الفقرة الأخيرة.
التي تبين، قال: فإذا شهد العبد ذكر ربه له ووصل شاهده إلى قلبه، شغله ذلك عما سواه، وحصل لقلبه به غنى عالٍ لا يشبهه شيء.
هذا كما يحصل للمملوك الذي لا يزال أستاذه وسيده يذكره ولا ينساه، فهو يحصل له بشعوره بذكر أستاذه له غنى على إنعام سيده عليه وعطاياه السنية له، فهذا هو غنى ذكر الله للعبد.
يعني أنت تخيل أنه في رجل مرموق أو شيخ أنت تحبه، عرفت أن هذا الشيخ في كل مجالس الكبيرة الخاصة والعامة يذكرك ويثني عليك، بصير عندك نوع من الشعور أنه أنا مش فقط هذا الشيخ أو الحاكم أو شيء، أنا يعني شاعر بغناء أنه هو أنعم علي بكذا، أو أنا مستغني به بمجرد أنه أنعم علي وأعطاني، بل أنا برضه في هيك شعور غنى شاعر أنه هو عم يذكرني.
بتعرف شعور البهجة والسرور والفرح أنه هو يذكرني وفي المجالس العامة والخاصة ويثني، بتشعر بك بالقوة، وبتشعر أنك غني أن ربنا بيذكرني، ربنا ذكرني مسلماً قبل أن يخلقني، ربنا ذكرني من أهل الصلاة والصيام والصدقة قبل أن يذكرني، وكلما كنت أكثر وأكثر في الأعمال الصالحة تزداد غنى، الحمد لله ربنا ذكرني أني كذا وكذا، أني رح أقرأ كتاب طريق الهجرتين في يوم من الأيام، ربنا ذكرني أني رح أسبح وأحج وكذا، ربنا ذكرني أن أكون كذا من المجاهدين الصابرين، ربنا ذكر فلان وفلان من أهل غزة أن يكونوا من الشهداء الأبرار.
تفرح، تشعر بالغنى أنه أنا من الذي ذكرني الله، ليس المخلوق وليس ملك ولا شيخ، الله ذكرني وتذكرني بهذه العبوديات وهذه المعاني دون سابقة فضل مني، فهذا بعطيك شعور داخلي هذا الذكر وشهود هذا المقام بالغنى بالله سبحانه وتعالى والفرح به والسرور به يغنيك عن كل ما سواه، فهذا هو إذا المقام الأول من الغنى بالله، غنى ذكر الله لك.
وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: «من ذكرني في نفسي ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه»، فهذا ذكر ثاني بعد ذكر العبد لربه، غير الذكر الأول الذي ذكره به حتى جعله ذاكراً، وشعور العبد بكلا الذكرين يوجب له غنى.
إذا، من ذكرني في نفسي ذكرته في نفسي، هذا الحديث ذكرته في نفسي هذا غير الذكر الأول، هسه الذكر الأول أنه ذكرك قبل أن يخلقك، وأما الذكر هذا هو الذكر الثاني وهو أنك بعد أن ذكرته في هذه الدنيا هو جزاء لك ذكرك عنده، فهذا ذكر ثانٍ بعد ذكر العبد لربه، غير الذكر الأول الذي ذكرك به الله حتى جعلك ذاكراً، فهو ذكرك ابتداء فجعلك ذاكراً، فلما ذكرته عاد فذكرك سبحانه، وشعور العبد بكلا الذكرين يوجب له غنى زائداً على أنعام ربه عليه، يعني عندك هذا غنى آخر غير غنى النعم اللي أنت مسبغ فيها، غنى أن ذكرك الله أولاً وآخراً.
وقد ذكرنا في كتاب الكلم الطيب وعمل اليوم والليلة فوائد ذكر استجلاب ذكر الله لعبده، أي من فوائد ذكرك لله أنك إذا ذكرت فانت تستجلب بذكرك لله أن يذكرك الله في الملأ الأعلى، وذكرنا قريبا من مئة فائدة تتعلق بالذكر كل فائدة منها لا خطر لها، يعني لا حصر لها، وهو كتاب عظيم نفعي جدا معروف كتاب الكلم الطيب لابن القيم، وظاهر هذا الكتاب أنه كتبه بعد كتاب الكلم الطيب.
والمقصود شعور العبد وشهوده لذكر الله له يغني قلبه ويسد فاقته، وهذا بخلاف من نسوا الله فنسيهم، نسأل الله العافية، هناك أناس نسوا الله فنسيهم، فالله أعرض عنهم ابتداء لحكمة، فجعلهم معرضين عنه، ثم عاقبهم بالنسيان، فلا يخاف، يعني هذا مقام يخلي الإنسان خايف وفرح، خايف أن يختم له بالنسيان، وفرح أنه ما زال إلى الآن من أهل الإسلام.
فإن الفقر من كل خير حاصل لهؤلاء الذين نسيهم الله، وما يظنون أنه حاصل لهم من الغنى الدنيوي أنهم معهم سيارات ومواطن، هذا هو أصلاً بالعكس من أكبر أسباب فقرهم أن جعلكم الله ممن انغمس في الدنيا وبالترف، وجعلكم من أكابر مجرميها لتمكروا فيها، ثم بعد ذلك سينساكم ويلقيكم في نار جهنم والعياذ بالله.
قال فصل: الدرجة الثانية من درجات الغنى بالله عز وجل: دوام شهود أوليته تعالى، وهذا الشهود عند أبواب السلوك أعلى مما قبله، والغنى به أتم من الغنى المذكور لأنه من مبادئ الغنى، الغنى بالحقيقة.
قال: لأن العبد إذا فتح الله لقلبه شهود أوليته سبحانه، حيث كان ولا شيء غيره، وهو الإله الحق الكامل في أسمائه وصفاته، الغني بذاته عما سواه، الحميد المجيد بذاته قبل أن يخلق من يحمده ويعبده ويمجده، فهو معبود محمود حي قيوم، له الملك وله الحمد في الأزل والأبد، لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفة الجلال، منعوتاً بنعوت الكمال، وكل شيء سواه فإنما كان به، وهو تعالى بنفسه ليس بغيره، فهو القيوم الذي قيام كل شيء به، ولا حاجة به في قيوميته إلى غيره بوجه من الوجوه.
فإذا شهد العبد سبقه بالأولوية ودوام وجوده الحق وغاب بهذا عما سواه من المحدثات، فني في وجوده من لم يكن كأنه لم يكن، وبقي من لم يزل، واضمحلت الممكنات في وجوده إلا من لم يكن اللي هم احنا المخلوقات، نعم.
يعني بالنسبة لوجود الله نعتبر نحن في حكم الفناء، فنين بالنسبة إلى وجود الله، من لم يكن كأننا لم نكن وما زلنا لم نكن، وبقي من لم يزل وهو الله، واضمحلت الممكنات اللي هو احنا، نسمى ايش ممكن؟ نحن ممكن، والله واجب الوجود، واضمحلت الممكنات وهي المخلوقات في وجوده سبحانه الأزلي الدائم، بحيث صارت هذه الممكنات المخلوقات كالظلال التي يبسطها ويمدها ويقبضها سبحانه، فيستغني العبد بهذا المشهد العظيم ويتغذى به عن فاقاته وحاجاته، استغناء إذاً بهذا المشهد، الاستغناء بشهودك اسم الله الأول.
وإنما كان هذا المشهد الثاني أفضل عندهم مما قبله من مشهد ذكر الله لك، لأن الشهود الذي قبله فيه شائبة مشيرة إلى وجود العبد، أنه أنت في المشهد السابق ماذا شاهدت؟ ذكر الله لك، فانت جعلت لنفسك وجوداً، أما هذا المشهد الثاني أنت تشاهد الله ولا تشاهد شيئاً سواه، وهذا الشهود الثاني ساتر للموجودات كلها سوى وجود الله الأول، قد اضمحلت الموجودات وفنيت فيه وصارت كأوليتها أي عدماً، وهو العدم، فأفنتها أولوية الحق تبارك وتعالى، فبقي العبد محواً صرفاً وعدماً محضاً وإن كانت آبيته متشخصه مشارا إليها، وإن كان لك وجود أنت متشخص يشار إليك زيد وعبيد، لكنها لما نسبت إلى أولوية الله اضمحلت وفنيت شخصيتك وبقي الواحد الحق الذي لم يزل باقياً، فاضمحل ما دون الحق في شهود العبد كما هو مضمحل في نفسه من حيث ابتدائه وانتهاءه.
ويقصد: وشهد العبد حينئذ أن كل شيء سوى الله باطل، وأن الحق المبين هو الله، ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكل نعيم لا محالة زائل إلا نعيم الجنة، كما استثنى النبي عليه الصلاة والسلام.
ولا ريب أن الغنى بهذا الشهود أتم من الغنى بالذي قبله، وليس هذا مختصاً بشهود أولوية الله فقط، بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات الله يستغني العبد بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها.
فمن شهد مشهد علو الله على خلقه وفوقيته لعباده واستوائه على عرشه كما أخبر به أعرف الخلق به وأعلم به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وتعبد بمقتضى هذه الصفات بحيث يصير لقلبه صمد، يعرج القلب إليه مناجياً له، مطرقاً واقفاً بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز، فيشعر بأن كلمة وعمله صاعد إليه معروض عليه بين خاصته وأوليائه، فيستحي أن يصعد إليه سبحانه من كلمة وعمله ما يخزيه وما يفضحه هناك.
ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والأحياء والتولية والعزل والخفض والرفع والعطاء والمنع وكشف البلاء وارساله وتقليب الدول ومداوله الأيام بين الناس إلى غير ذلك من التصرف في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه، فمراسيمه نافذة فيها كما يشاء، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون.
فمن أعطى هذه المشاهد حقاً، أو هذا المشهد حقه معرفة وعبودية، استغنى به، فهذا شعور بالغنى بصفات الله سبحانه، نعم.
وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض ولا في قرار البحر ولا تحت أطباق الجبال، بل أحاط بذلك كله علماً وتفصيلا، ثم تعبد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإيراداته وعزماته وجوارحه، علماً بأن حركاته الظاهرة والباطنة وخواطره وإيراداته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه، علانية له، بادية له، لا يخفى عليه منها شيء.
وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه تبارك وتعالى لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها، وسواء عنده من أسر القول وإن جهر به، لا يشغله جهر من جهر عن سمعه لصوت من أسر، ولا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها، بل هي عنده كلها كصوت واحد، كما أن خلق الخلق جميعهم وبعثهم عنده بمنزله نفس واحدة، نعم.
وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير جل جلاله الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في حندس الظلماء، ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة ومخها وعروقها ولحمها وحركتها، ويرى مد البعوضة جناحها في ظلمة الليل، وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية، فحرس حركاته وسكناته وتيقن أنه بمرأى من تبارك وتعالى ومشاهدة لا يغيب عنه منها شيء.
وكذلك إذا شهد مشهد القيومية الجامع لصفات الأفعال، وأنه قائم على كل شيء، وقائم على كل نفس بما كسبت، وأنه تعالى هو القائم بنفسه، المقيم لغيره، القائم عليه بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاء المحسن إليه وجزاء المسيء إليه، وأنه لكمال قيوميته لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يضل ولا ينسى.
وهذا المشهد من أرفع مشاهد العارفين وهو مشهد الربوبية، وأعلى منه مشهد الألوهية الذي هو مشهد الرسل واتباعهم الحنفاء، قال: وهو شهادة أن لا إله إلا هو، وأن إلهية ما سواه باطل ومحال، كما أن ربوبية ما سواه كذلك، فلا أحد سواه يستحق أن يؤله ويعبد ويصلى له ويسجد، ويستحق نهاية الحب مع نهاية الذل لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، فهو المطاع وحده على الحقيقة، والمألوه وحده، وله الحكم وحده، فكل عبودية لغيره باطلة وعناء وضلال، وكل محبة لغيره عذاب لصاحبها، وكل غنى بغيره فقر وفاقه، وكل عز بغيره ذل وصغار، وكل تكثر بغيره قلة وذلة.
فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره، فكذلك يستحيل أن يكون لهم إله غيره، فهو الذي انتهت إليه الرغبات وتوجهت نحوه الطلبات، ويستحيل أن يكون معه إله آخر، فإن الإله على الحقيقة هو الغني الصمد الكامل في أسمائه وصفاته، الذي حاجة كل أحد إليه ولا حاجة به إلى أحد، وقيام كل شيء به وليس قيامه بغيره، ومن المحال أن يحصل في الوجود اثنان كذلك، ولو كان في الوجود إلهان لفسد نظامه أعظم فساد واختل أعظم اختلال، كما يستحيل أن يكون له فاعلان متساويان كل منهما مستقل بالفعل، فإن استقلالهما ينافي استقلالهما، واستقلال أحدهما يمنع ربوبية الآخر، فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الألوهية، ولذلك وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره لصحه دلالته وظهورها وقبول العقول والفطر لها ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية.
ولذلك كان عباد الأصنام يقرون به وينكرون توحيد الألوهية، ويقولون أجعل الآهلة إلهاً واحداً مع اعترافهم بأن الله وحده هو الخالق لهم وللسماوات والأرض وما بينهما، وانه المتفرد بملك ذلك كله، فأرسل الله تعالى الرسل تذكرهم بما في فطرهم الإقرار به من توحيده وحده لا شريك له، وأنهم لو رجعوا إلى فطرهم وعقولهم لدلتهم على امتناع إله آخر معه واستحالته وبطلانه.
قال: فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاء، وهو مشهد جامع للأسماء والصفات، وحظ العباد منه بحسب حظهم من معرفة الأسماء والصفات، ولذلك كان أكمل الخلق فيه اعرفهم بالله وأسمائه وصفاته، ولذلك كان الاسم الدال على هذا المعنى هو اسم الله جل جلاله، فإن هذا الاسم هو الجامع، ولهذا تضاف الأسماء الحسنى كلها إليه، فيقال: الرحمن، الرحيم، العزيز، الغفار، والقهار من أسماء الله، لا نقول مثلاً من أسماء الرحمن، نقول هذه الأسماء من أسماء الله، إذاً الله هو الاسم الجامع لكل الأسماء الأخرى وللصفات الأخرى، ولا يقال الله من أسماء الرحمن، تقول الرحمن من أسماء الله، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: 180].
فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها، وكل مشهد سواه، فإن أي مشهد يقصد مشهد الألوهية وأنه الإله الحق وحده، هذا مشهد الألوهية تجتمع فيه المشاهد كلها، مشهد القيومية، ومشهد السميع، ومشهد البصر، كل المشاهد السابقة، فإنما هو مشهد لصفة من صفة، وكل مشهد سواه، مشهد القيومية، السمعية، البصرية، فإنه مشهد لصفة فقط من الصفات، أما الله هذا الاسم الجامع لكل الأسماء والصفات فشاهدته أعظم المشاهدات.
فمن اتسع قلبه لمشهد الألوهية وقام بحقه من التعبد الذي هو كمال الحب مع كمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية، فقد تم له غناه بالإله الحق وصار.
من أغنى العباد؟ ولسان حال مثل هذا يقول: أغنيت بلا مال عن الناس كلهم، وإن الغنى العالي عن الشيء لا به، الغنى هو أن تستغني عن الشيء ولا وليس هو الغنى به.
طبعا هذا يتعلق بأمور الدنيا، في له من غنى ما أعظم خطره وجل قدره، تضاعلت دونه الممالك فما دونها، فصارت بالنسبة إليه كالظل من الحامل له والطيف الموافي في المنام الذي يأتي به حديث النفس ويطرده الانتباه من النوم.
نكتفي اليوم بهذا القدر، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل