دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حياكم الله أيها الإخوة في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين للإمام الحافظ ابن القيم رحمه الله. وما زلنا نعيش في مراتب العبودية التي يتحدث عنها ابن القيم رحمه الله، والمعاني العظيمة لهذا الباب، وكيف يطرقه الإنسان طرقاً صحيحاً على جادة أهل السنة والجماعة. في الدرس الماضي تكلمنا عن قضية التوجيه؛ كيف يجمع الإنسان بين القضاء والقدر وبين الشرع اللي هو الأمر والنهي، وبينا كلام الفرق المتنوعة في ذلك، وكيف قسمهم إلى قدرية مجوسية، وقدرية مشركية، وقدرية إبليسية، وأن هؤلاء كلهم أخطأوا في الموقف بين القضاء والقدر والشرع اللي هو الأمر والنهي، وكيف عصم الله سبحانه وتعالى أهل السنة والجماعة الذين تمسكوا بالوحي بكلام النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يتأثروا بأقوال خارجة عن دائرة الإسلام بل بقوا متمسكين بالأثر القديم ففهموا كيف يجمعون بين الشرع من جهة وبين القدر من جهة أخرى. نكمل اليوم الحديث في هذه القضية، قال: «وإنما يتبين».

قال في فصل جديد أظن وصلنا إليه، أنا قفست ربما قليلاً. نعم، واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر، صفحة 155 من هذه النسخة، قال: واعلم.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنفين وللسامعين واجعلنا من عبادك المخلصين. قال: واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواص الخلق وألباب العالم، وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسميات وجحد حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلال، فإن القدرية تؤمن بلفظ القدر، ومنهم من يرده إلى العلم، ومنهم من يرده إلى الأمر الديني ويجعل قضاءه وقدره هو نفس أمره وناهيه، ويفسر مشيئة الله لأفعال عباده بأمره لهم بها، وهذا حقيقة إنكار القضاء والقدر.

يعني يقول: المهم ليس فقط المهم أن تؤمن بالألفاظ، بل يجب أن تؤمن بالفحوى والمعاني أيضاً، فهناك كثير من طوائف الضلال آمنت بلفظ قدر شرع حكمة لكن أعطته معاني وتفاسير ليست صحيحة، فمثلاً القدر القدرية المجوسية اللي هم المعتزله مثلاً تؤمن بلفظ القدر كلفظ تؤمن به، لكن ما معناه عندهم؟ منهم من قال: القدر هو فقط العلم، ولم يجعلوا القدر يتضمن المشيئة؛ ومنهم من يرده إلى الأمر الديني، منهم من يقول: القدر هي المشييئة الدينية وليست المشيئة الكونية، ويجعل قضاءه وقدره الذين قالوا: القضاء والقدر هو نفسه نفس المشيئة الدينية، جعلوا القضاء والقدر هو نفس الأمر والنهي؛ أن الله قضى أن تصلي يعني أمر أن تصلي، قضى أن نصوم كتب عليكم الصيام، ففسروا القضاء والقدر بمعنى ما أمرنا به وما نهانا عنه، وليس أن هناك قضاء وقدر كوني، ويفسر مشيئة الله لأفعال عباده بالمشيئة الدينية فقط، لأن القدرية المجوسية اللي هم المعتزلة إنما يؤمنون فقط ماذا؟ بالمشيئة الدينية أنه في أمر ونهي، وهذا ما أمر الله به وما شاءه الله يعني ما أمر به وما نهى عنه هو الذي لم يشأ، بس هذا تفسير شاء ولم يشأ، ما شاء يعني ما أمر وما لم يشأ يعني ما نهى عنه، وهذا تفسير قاصر وخلل كبير في فهم مفهوم القدر، فحتى لو قلت: أنا مؤمن بالقدر، لكن فسرت تفسير مغلوط أنت ما آمنت به.

وكذلك الحكمه فإن الجبرية تؤمن بلفظها وتجحد حقيقتها، فإنهم يجعلونها مطابقة علمه تعالى لمعلومه، وارادته لمراده، فهي عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وارادته، والقدرية النفاه لا يرضون بهذا بل يرتفعون عنه طبقه، ويثبتون حكمه زائده على ذلك، لكنهم ينفون قيامها بالفآعل الحكيم، ويجعلونها مخلوقا من مخلوقاته، كما قالوا في كلامه وارادته. فهؤلاء.

بس هنا يعني التنبيه ربما في الدرس الماضي ورد معنا تفسير الحكمة لما قال في الصفحة، وين ورد تفسير الحكمة؟ صفحة 193. نسختك مختلفة عن هذه النسخة التي بين يدي، ست أصل لها. صفحة كم؟ 193 في آخرها، وهي الغاية المحمودة. بذلك بالحكمة، آه، آية والله صفحتك يا سبحان الله. في منتصف صفحة 193 من هذه الطبعة، طبعة عالم عطاءات العلم، لما قال في تفسير الحكمة كما يقول نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها لما أراد أن يفسرها يقول: وليست عبارة عن مطابقه علمه لمعلومه، وقدرته لمقدوره. يعني لو لو كانت كما قال هنا ومراده لأرادته، كان ربما أكثر مناسبة بين قدرته ومقدوره، يعني المطابقه بين العلم والمعلوم والإرادة والمراد، هذا هو الذي يفسرون به الحكمة. تمام، يعني أنا استغربت من قضية إدخال القدرة في هذا وإن كان قد يكون له وجه، لكن الذي يظهر لي أنه في هذه الصفحة الكلام أدق لما قال: وكذلك الحكمة فإن الجبرية تؤمن بلفظها وتجحد حقيقتها، وأنهم يجعلونها مطابقة العلم للمعلوم والإرادة للمراد، لم يدخل القدرة داخله هنا في تفسير الحكمة الحكمة لديه.

فالمهم، قال: فهي عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته، والقدرية النفاة لا يرضون بهذا بل يرتفعون عنه طبقة ويثبتون حكمة زائدة على ذلك، لكنهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم، ويجعلون. زي ما قلنا المعتزلة أفضل من الجبرية في هذا المقام، اللي هو المعتزلة هم القدرية النفاة الذين ينفون القدر، أفضل من الجبرية في هذا المقام، فإن الجبرية بماذا يفسرون الحكمة؟ يقولون: نؤمن بلفظ الحكمة، لكن الحكمة عندهم مجرد أن يطابق العلم المعلوم تمام والإرادة المراد، القدرية النفاة قالوا: أحسن علوا رتبة فقالوا: لا الحكمة شيء أعلى من مجرد مطابقه العلم للمعلوم. ممتاز، بس شو مشكلتهم المعتزلة؟ أنهم أثبتوا حكمة لا تقوم في ذات الله، فبقول لهم: حتى هذه الطريقه برضه غير مجدية، لأن الحكمة التي لا تقوم في ذاته في الحقيقة إذا لا تنسب له.

فيقول: ويثبتون حكمة زائدة، لكنهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم، ويجعلون الحكمة مجرد مخلوق من مخلوقات الله على طريقته في القول بأن القرآن مخلوق، المعتزلة بقول القرآن مخلوق، لأنهم لا يريدون قيام صفة الكلام في ذات الله، فكذلك الحكمة مخلوقة لأنهم لا يريدون أن يجعلوا أن هناك صفة تقوم في ذات الله. طيب، ايش مشكلتهم؟ أنهم يرون أن القول بقيام الصفات في ذات الله يؤدي إلى تعدد الآلهة اللي بسموه تعدد القدماء، هذه حقيقه من النظريات الغريبه جداً جداً، كيف يمكن لبعض العقلاء أن يتكلموا بها أنه كان الصفة عبارة عن ذات جديدة؟ فإذا قلت: إن الله تقوم به رحمة وحكمة وخلق وكأنك تثبت آلهة كثر، وهذا والله من غريب الأقوال التي خرجت في تاريخ الإسلام.

نعم، قال: فهؤلاء كلهم أقروا بلفظ الحكمة وجحدوا معناها وحقيقتها، وكذلك الأمر والشرع، فإن من انكر كلام الله وقال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول ولا يحب شيئاً ولا يبغض شيئاً، وجميع الكائنات محبوبة له، وما لم يكن فهو مكره له، ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب، ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب والبر والفجور والسجود للأصنام والشمس والقمر والنجوم وبين سجود له، ولم يكلف أحداً ما يقدر عليه، بل كل تكاليفه تكليف ما لا يطاق ولا قدرة للمكلف عليه البتة.

ولم يكلف أحداً ما يقدر عليه، بل كل تكاليفه تكليف ما لا يطاق، هي مرت معنا في بلغة الوصول الذين يقولون إنه كل التكاليف ما دام أنا مجبر عليها فهو تكليف بما ايش؟ بما يطاق، صحيح. يعني أنت لما تقول: إن الله أجبر العباد على اختياراتهم وعلى أفعالهم، إذاً فعلياً هم يكلفهم بما ايش؟ بما يطيقون، ومرت معنا قضية أنه هل القدرة مقترنة بالفعل ولا قبل الفعل، وأن من قال: إن القدرة مقترنة بالفعل ماذا يلزمه؟ أن الله كلفنا بما لا نطيق، لأنه أنا إذا حصلت القدرة لما تكون مقارنة مع الفعل فهذا لا يكون إلا في لحظة فعله، هذا لا يكون إلا في لحظة الفعل وهو أصلاً التوفيق له، المهم فبالتالي هذا معنى قوله: بل كل تكاليفه تكليف بما لا يطاق ولا قدرة للمكلف عليها البتة، لماذا؟ لأنه مجبر جبراً ولا يملك إرادة ولا بسموها الاستطاعه السابقة له.

نعم، قال: ويجوز أن يعذب رجالاً إذ لم يكونوا نساءً، ويعذب نساءً إذ لم يكونوا رجالاً، وسوداً حيث لم يكونوا بيضاً وعكسه. ويجوز، عند هؤلاء يجوز أن يعذب الله الرجل ليش أنت مش امرأة، ويعذب الله المرأة ليش أنت مش رجل، ويعذب الأسود ليش أنت مش أبيض. نعم.

ويجوز أن يظهر المعجزة على أيدي الكذابين. طبعا هذا قد يكون من إلزامهم بأنهم يقولون ذلك، هل هم يصرحون بذلك؟ إلا إذا قال من حيث الجواز، من حيث الجواز نعم هم يقرون بالجواز العقلي لأنه تصرف في ملكه ولا له أن يتصرف في ملكه كما يشاء. نعم.

ويجوز أن يظهر المعجزة على أيدي الكذابين، ويرسل رسولاً يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور. قال: ولا ريب أن هذا يرفع الشرائع والامر والنهي بالكلية، ولولا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل، ولكن.

يعني يقول: الشيء الوحيد الذي لا يجعلنا نقول بتكفير هؤلاء أنهم متناقضون، أحدهم يتكلم كلام هو لا يعرفه وإلى ما يؤدي هذا الذي يجعلك كإنسان كعالم كمستقيم تتروى في إطلاق أحكام التكفير على هؤلاء، وإلا لو هؤلاء التزموا بهذه اللوازم لانسلخوا من الدين الرسل.

نعم، قال: ولكن مشى الحال بعض المشي بتناقضهم، وهو خير لهم من طرد اصولهم والقول بموجبها. نعم، اللي هو ايش؟ إنه تجي تقول له: كلامك يلزم منه أنك تنكر الشرع، قال لك: لا أنا ما بنكر الشرع، هس هو اقر بكلام باطل ويلزم منه الكفر وابطال الشرائع، لكنه ما اقر باللازم وبقي مؤمناً به فصار كلامه متناقضاً، بس بقول لك: التناقض خير له من أن يطرد لازمه، لأنه لو طرد لازمه لكفر. شوف التناقض دفع عنه الكفر وإلا لو أطلق اللوازم ومشى عليه لكفر.

نعم، قال: والمقصود أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والامر والنهي والوعد والوعيد حقيقة الإيمان إلا اتباع الرسل وورثتهم. قال: والقضاء والقدر منشأ عن علم الرب وقدرته، ولهذا قال الإمام أحمد: القدر قدرة الله.

إذاً والقضاء والقدر منشأ عن ايه؟ عن علم الرب وعن قدرته، لماذا هناك قضاء وقدر؟ ولماذا الرب يختص بالقضاء والقدر؟ لأن القضاء والقدر أربع مراتب: علم، كتابة، مشيئة، وخلق، هذه المراتب الأربع يجمعها صفتان من صفات الله: العلم والقدرة، لأن الخلق والمشيئة تحتاج لقدرة، والعلم والكتابة تحتاج لعلم، فإذاً القضاء والقدر منشأ عن صفتين من صفات علم وقدرة، ولذلك قال الإمام أحمد: القدر قدرة الله، ما معنى ذلك؟ أن القدر إنما هو ناشئ عن ايش؟ عن صفة القدرة لله أنه من كان قادراً وهو الذي يشاء وهو الذي يخلق.

تم. قال: واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد غاية الاستحسان، وقال: إنه شفى بهذه الكلمه وأفصح بها عن حقيقة القدر. قال: ولهذا كان المنكرون للقدر قدر فرقتين، قال: فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة، وتب هؤلاء أوائلهم الذين كانوا في زمن ابن عمر، والذي سئل عنهم ابن عمر قال لما قيل له إنه خرج في حديث صحيح مسلم لما خرج معبد وغيرهم أن خرج من جهتنا أقوام ينفون القدر ويقولون إن الأمر أنف، فقال ابن عمر: أخبرهم أنني بريء منهم أنهم راوا مني. هؤلاء كذبوا بالعلم السابق ونفته.

نعم، قال: وفرقة جحدت كمال القدرة وأنكرت أن تكون أفعال العباد مقدرة لله تعالى، وصرحت بأن الله لا يقدر عليها، فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب تعالى، وأنكرت الأخرى كمال علمه، وقابلتهم الجبرية فحافظت على إثبات القدرة والعلم، وأنكرت الحكمة والرحمة، ولهذا كان مصدر الخلق والامر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته، ولهذا يقرن تعالى بين الاسمين والصفتين من هذه الثلاث كثيراً، كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: 6]، وقال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية: 2]، وقال حميم، وقال في حميم فصلت بعد ذكر تخليق العالم: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: 12].

حميم فصلت اللي هي سورة فصلت نعم. ذلك تقدير العزيز العليم، وذكر نظير هذا في الأنعام فقال في سورة الأنعام فقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: 96].

قال: فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضي ألا يخرج موجود عن قدرته، وارتباطه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه، وارتباطه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب تعالى، وكذلك ارتباط أمره بعلمه وحكمته وعزته.

قال: فهو عليم بخلقه وعمره وأمره، حكيم في خلقه.

إذاً باب القضاء والقدر وباب الشرع الأمر والنهي كلاهما مرتبط بالعلم والعزة والحكمة، هذا الذي يريد الوصول إليه، أنه سواء باب القضاء والقدر أو باب الشرع والأمر والنهي كلاهما منبثقان عن علم، العلم ينبثق عنه القضاء والقدر وينبثق عنه الشرع، والعزة ينبثق عنه ماذا أيضاً القضاء والقدر وينبثق عنه أيضاً الشرع لأن هو قادر أن يأمر وينهى، وكذلك الحكمة ينبثق عنه القضاء والقدر لأنه الحكمة في قضائه وقدره وكذلك الحكمة في تشريعات أوامره ونواهيه.

طلاب. قال: ولهذا كان الحكيم من اسمائه الحسنى، والحكمة من صفاته العلى، والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة، والرسول مبعوث بها، مبعوث بالكتاب والحكمة، والحكمة هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي تتضمن العلم.

هذه مرت معنا أنه الحكمة إذا قرنت بالقرآن: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34] كما.

قال الشافعي وغيره: الحكمَة إذا اقترنت بالقرآن فالمراد بها السُنّة النبويّة. نعم، قال: والحكمة هي سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تتضمن العلم بالحق والعمل به والخبر عنه والأمر به، فكل هذا يُسمّى حكمة. وفي الأثر: الحكمَة ضالة المؤمن. وفي الحديث: إنَّ من الشعر لحكمةً. فكما لا يخرج شيء مقدور عن علمه وقدرته ومشيبته، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده، وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمداً استحقه لذاته، وأصدر عنه خلقه وأمره؛ فمصدر ذلك كله عن الحكمة، فإِنكار الحكمة إنكار لحمده في الحقيقة. نعم.

قال رحمه الله: فصل وإنما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة في كل ما خلقه الله وأمره، وبيان أنه كله خير من جهة إضافته إليه سبحانه. فكل ما خلقه الله في باب القدر هنا، أو أمره في باب الشرع، ففيه الحكمة. إذاً، وإنما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة سواء في باب القضاء والقدر، وكذلك بيان الحكمة في باب ما أمر به في باب الشرع الأمر والنهي؛ أن تبيّن الحكمة هنا والحكمة هنا، ونبين أن كل شيء هو خير من جهة إضافته إليه سبحانه. كل ما قدره الله هو خير بالنسبة لفعل الله؛ حتى خلقه لإبليس، حتى خلقه للمشركين، حتى خلقه أو لأفعال العباد التي فيها معاصي، هذه كلها خير بالإضافة إلى الله، فلا يفعل الله إلا الخير، وإن كانت هي كمفعولات كنتائج قد تكون خير لسين، شر على صاد، لكن بالنسبة إلى الله الشر ليس إليه سبحانه وتعالى.

فكل فعل فعله، وكل خلق خلقه؛ كخلق الكفر لأبي لهب، وخلق الإيمان لأبي بكر؛ كخلق لهذه الأمور كله خير بالنسبة إليه سبحانه، وانه من تلك الإضافة أي من إضافته إلى الله كل خلقه وأمره خير وحكمة. وأن جهة الشر في هذه الأمور هي من جهة إضافتها إلى العبد، كما قلنا: فالكفر هو ضار بأبي جهل، إنه رح يؤدي إلى جهنم والعياذ بالله، ضار بأبي لهب، بس بالنسبة إلى الله كخلقه الكفر في أبي جهل هذا خير في محصلته وفي نتيجته، لأن وجود أبو جهل أدى إلى وجود المقارعة له والجهاد ضده وقتل من قتله من الصحابة واستشهاد من قتل على يده، أليس كذلك؟ فهو خير في محصلته بالنسبة إلى إضافته إلى الرب، فلو قلت: لماذا خلقت يا رب الكفر في أبي جهل؟ يقول: لخير سبحانه. لكن هذا الكفر اللي في أبي جهل بالنسبة إلى أبي جهل لهذا الشخص هو شر له. فهمتم التفريق بين إضافة الشيء إلى الله وبين إضافته إلى العبد؟ طيب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في دعاء الاستفتاح: «لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك». نعم.

قال: فهذا النفي يقتضي امتناع إضافة الشر إليه تعالى بوجه، فلا يضاف إلى ذاته، ولا صفاته، ولا اسمائه، ولا أفعاله. فان ذاته تعالى منزهة عن كل شر، وصفاته كذلك إذ كلها صفات كمال ونعوت جلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وأسمائه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة واحسان وعدل لا تخرج عن ذلك البتة، وهو المحمود على ذلك كله، فيستحيل إضافة الشر إليه. قال: وتحقيق ذلك أن الشر ليس إلا الذنوب وعقوباتها.

كما الآن لو أردنا أن نقول: ما هو الشر؟ الشر يقول هو الذنوب ونتائج الذنوب وعقوباتها. تمام، الشر هو الذنوب ونتائجها، سواء نتائجها الدنيوية وآثارها الدنيوية أو آثارها الأخروية، هذا هو الشر. كما في خطبة الحاجة قال عليه الصلاة والسلام: الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا اللي هي المعاصي، وسيئات أعمالنا، السيئات هنا ليست بمعنى ما يفعله العبد، لا، السيئة هنا بمعنى العقوبة، يعني وعقوبات افعالنا.

كثيراً ما يحتج ابن القيم، وأظن أخذها من ابن تيمية، في تفسير الشر بهذا الحديث بخطبة الحاجة، أنه النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من أمرين: من شرور الانفس وهي معاصيها، أن النفس هي التي تولد المعاصي والذنوب، ومن سيئات الاعمال يعني من نتائج هذه الاعمال وهي العقوبات التي فقالها في السابق، فتضمن ذلك الاستعاذة من شرور النفوس ومن سيئات الاعمال وهي عقوباتها.

وعلى هذا فالاضافة على معنى اللام من باب إضافة المتغيرين، أو يقال: المراد السيئات من الأعمال. فعلى هذا -الآن اللي بتعرفوه الأضافة هل لها ثلاث أوجه في اللغة؟ الاضافة معنى اللام وبمعنى من وبمعنى في، هي اخذناها حتى في الآجرومية- فيقول: إضافة السيئات للأعمال، سيئات أعمالنا، هل التقدير سيئات في أعمالنا، ولا السيئات من أعمالنا، ولا سيئات لأعمالنا؟ قال: وعلى هذا فالاضافة على تقدير اللام والتقدير سيئات لأعمالنا، حتى لا يقول: هو ماذا أراد بهذا؟ يقول لك البعض: أن السيئات هي نفس الأعمال، فكيف أضافها لبعضها؟ نقول له: أنت فاهم السيئات خطأ هنا، أنت فاهم السيئات هي نفسها الذنوب، لا، إذا أنت فسرت السيئات بأنه أحمق واحد إذا زنى الزنا سيئة بس برضه نتيجة الزنا وعقوبة الزنا اسمها سيئة.

فبعض شراح الحديث فهم أن السيئات المراد بها في الحديث هي نفس الأعمال قال: السيئات هي الزنا، شرب الخمر، فقال: طب إذاً لماذا أضاف السيئات إلى الأعمال مع أنه السيئات هي نفس الأعمال، والأصل في الإضافة أنها تكون في على تغاير، لا يضاف الشيء إلى نفسه؟ فيقول: لا، الإضافة على معنى اللام التقدير السيئات لأعمالنا وهما متغيّران، ليه؟ لأنه السيئة هنا ليست العمل، السيئة هنا هي عقوبة العمل، فإذاً هنا في تغاير بين المضاف والمضاف إليه، فالإضافة على معنى اللام التقدير سيئات لأعمالنا ومن باب إضافة المتغيرين، لأن السيئة هي العقوبة والعمل هو العمل.

أو يقال توجيه آخر: المراد السيئات من أعمالنا، فعلى هذا ستكون الإضافة بمعنى من، وهي من باب إضافة النوع إلى جنسه، آه هذا على رأي شراح الحديث، لا، أن السيئات هنا ليست العقوبات، هذا رأي آخر ليس هو الذي يتبناه ابن القيم، بس هو يقول لك محتمل عموماً أن نقول: لا، السيئات هي الأعمال الخبيثة، وإضافة السيئات بالتالي إلى الأعمال هنا إضافة بمعنى من، لأنه الأعمال تشمل الأعمال الصالحة والاعمال الناف السيئة، فالمراد إذاً هنا التخصيص، يعني نعوذ بك من السيئات من أعمالنا، فإن أعمالنا منها ما هي صالحة ومنها ما هي طالحة، فنحن لا نستعيذ من الأعمال الصالحة، وإنما نستعيذ من السيئات من أعمالنا الأعمال الطالحة، بس هنا راحت الفكرة اللي بده يحكيها ابن القيم بس هو ذكرها من باب أنه في ناس بتحكي بهذا وهو محتمل.

لكن ابن القيم هو يرى أن الإضافة بمعنى اللام، وأن هنا الأعمال في هذا الحديث المراد بها الأعمال الطالحة فقط، لأنه على تفسير ابن القيم كلمة الأعمال هنا فقط الأعمال الطالحة ونستعيذ بالله من عقوبات أعمالنا. طيب، إيش هي الأعمال اللي لها عقوبات؟ الطالحة، الصالحة ما لها عقوبات بالعكس لها ثوابات، فعلى تفسير ابن القيم الأعمال هنا خاصة بالأعمال السي الطالحة ونعوذ بالله من نتائج الأعمال الطالحة. رأي آخر لبعض شراح على الحديث: لا، أن الأعمال هنا تشمل الصالحة والطالحة، وأنه خصصها بالطالحة بكلمة السيئات فاستعاذ من سيئات من أعمالنا عموماً، كمل.

ويدل على الأول وهو أن المراد بالسيئات هنا لا المراد بها العقوبات قوله تعالى: ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر: 9]، اه أنه يوم القيامة الملائكة إيش بتدعي أو أن الملائكة اليوم بماذا تدعو لنا؟ أنه يقيهم السيئات. تدعو أن الله يوم القيامة يقينا السيئات. طيب كيف الله يوم القيامة يقينا السيئات؟ السيئات خلص اللي صار صار ولا، قال: ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أكمل الآية حتى تفهم السياق، ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته، كيف يقيك الله السيئات يومئذ اللي هو يوم القيامة؟ طب ما هو يوم القيامة خلص في عمل، فما معنى ومن تق السيئات؟ إذاً أكيد السيئات هنا ليست الأعمال السيئة، المراد بالسيئات هنا العقوبات، يعني ومن تق عقوبات يومئذ فقد رحمته، والا لا معنى أن تقول يوم القيامة: يا رب الذي تقيه الأعمال السيئة يوم القيامة فقد رحمته، سيقول لك: هو يوم القيامة ما في لا أعمال سيئة ولا أعمال صالحة جزاء لا عمل، مش هيك يقولون؟ نعم.

قال شيخنا رحمه الله ابن تيمية: نعم، وهذا أشبه، لأنه إذا أريد السي إذا أريد السيئات من الأعمال، فان أريد ما وقع منها فالاستعاذة إنما تكون من عقوباتها، إذ الواقع لا يمكن رفعه، وإن استعاذ منها قبل وقوعها لئلا يقع فهذا هو الاستعاذة من شر النفس. ابن تيمية إذا لا قلت لكم ابن القيم أخذ هذا المعنى من ابن تيمية، ابن تيمية يضعف التفسير الثاني للحديث السابق، أنه الإضافة بمعنى من وأن التقدير نعوذ بك من السيئات من أعمالنا، ابن تيمية يرى ضعيف، ليه؟ شوف كيف هذا التحليل في الأدعية، لماذا يرى ابن تيمية أنه السيئات ينبغي أن تفسر بالعقوبات وأن تفسيرها السيئات بالأعمال السيئة ليس مناسباً للحديث؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لأنه إذا أريد السيئات من الأعمال على القول الثاني فهنا ماذا سيلزم من ذلك؟

الآن السيئات من الأعمال احتمالين، أن أريد ما وقع من هذه السيئات وحصل وانتهى، فالاستعاذة لا تكون من نفس السيئات من الأعمال لأنها صارت وحصلت وأنت ستستعيذ من ايش؟ يعني شو فائدة شخص عصى وفعل معصية شو فائدة يقول: يا رب استعيذ بك من هذه المعصية التي فعلتها وحصلت؟ إذاً أنت لن تستعيذ منها لأنها حصلت، أنت تستعيذ من ايش؟ من عقوبتها، فيقول لك: الاستعاذة من السيئات من الأعمال، أما إذا يراد السيئات التي وقعت وحصلت فلا يمكن أن تستعيذ منها نفسها لأنها وقعت خلص راحت صحيح، فالاستعاذة ستكون من عقوباتها، إذ الواقع لا يمكن رفعه بعد أن يقع خلص حصل وانتهى، وإذا كان المراد الاستعاذة السيئات من الأعمال قبل وقوعها فهذا هو نفسه اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا فصار الكلام في تكرار، لأنه السيئات التي لم تقع لم تقع هي كيف تقع من شر النفس فكانك كررت والتكرار يجب أن ينزه في كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا بالتالي يرجح أن المراد بالسيئات ليس الأعمال وإنما المراد بالسيئات العقوبات حتى يكون الكلام فيه تنوع صحيح، ويكون الحديث يشمل الاستعاذة من شرور النفس وهي التي تولد المعاصي، ومن عقوبات بعد ذلك تلك المعاصي ونتائجها، فيكون الكلام شاملاً جامعا. نعم.

وأيضاً فلا يقال في هذه التي لم توجد بعد سيئات أعمالنا، فانها لم تكن بعد أعمالاً فضلاً عن أن تكون سيئات. بس ممكن الواحد يقول لك: هذا من باب المجاز يعني باعتبار أنها ستكون، لكن ابن تيمية يقول لك: الأعمال التي لم تقع أيضاً الأمور التي لم تقع إذا قلنا أن المراد الاستعاذة من السيئات من الأعمال التي لم تحصل يقول: هذه لا تسمى سيئات بعد، قال: فإنها لم تكن بعد أعمالاً فضلاً عن أن تكون سيئات. هسه ممكن هذا كما قلت لك على سبيل التجوز، وأضاف الأعمال إلينا سيئات أعمالنا يقتضي وجودها. اه هذا ملحظ آخر، أنه قوله ومن سيئات أعمالنا كلمة أعمالنا، إضافة الأعمال إلينا ظاهرها أن هذه الأعمال وجدت وانتهت، فتفسير سيئات الأعمال أنك تستعيذ من سيئات أعمالنا التي لم توجد بعد نقول: ضعيف من حيث اللغة، لأن إضافة الأعمال إليك تقول والله أنا أتبرأ من عملي أو من سيئات عملي، عادة هذا لا يستعمل إلا إذا كان العمل حصل وانتهى وليس لم يوجد بعد. قال: إذ ما لم يوجد بعد هو ليس من أعمالنا حتى نضيفه إلينا وما زال في حيز العدم. قال: إلا أن يقال من سيئات الأعمال التي إذا عملناها كانت سيئات، وهذا في نوع من التجوز الذي يرى أن الأصل لا يحمد الكلام عليه. نعم.

قال: ولمن رجح التقدير الثاني أن يقول العقوبات ليست لجميع الأعمال بل للمحرمات منها، والاعمال أعم، وحملها على المحرمات خاصة خلاف ظاهر اللفظ، بخلاف ما إذا كانت الإضافة على معنى من فتكون الأعمال على عمومها والسيئات بعضها، فتكون السيئات على عمومها والأعمال على عمومها. الآن ما كأنه هذا من باب الدفاع عن أصحاب القول الثاني الذين يقولون: المراد بالسي السيئات لا هي الأعمال السيئة، وأن التقدير أننا نستعيذ بك من السيئات من أعمالنا.

هؤلاء ماذا سيقولون؟ سيقولون لابن تيمية ولابن القيم: تفسيركم السيئات بالعقوبات في عليه مشكلة، ما هو وما هي المشكلة؟ أن العقوبات لا تكون لجميع الأعمال، لأن الأعمال الخطأ منها ما هو مكروه ومنها ما هو محرم، صح؟ الآن المكروه هل عليه عقوبة؟ في أصول الفقه المكروه لا يعاقب على فعله. فيقول: الأعمال السيئة منها ما هي مكروهة، يعني الأعمال الخطأ منها ما هي مكروهة، منها ما هي محرمة، صحيح، والعقوبات إنما تكون فقط على المحرم منها، فيقولون: العقوبات ليست لجميع الأعمال الخاطئة بل المحرمات فقط، بس كلمة الأعمال جاءت عامة، ها: نعوذ بك من عقوبات أعمالنا. كلمة أعمالنا تشمل كل عمل غلط سواء كان مكروه ولا محرم، أنتم لما قلتوا السيئات هي العقوبات كأنكم خصصتم عموم كلمة الأعمال بأنها الأعمال المحرمة فكأن الحديث صار نعوذ بك من عقوبات.

أفعالنا المحرمة، مع أن كلمة أعمالنا أوسع من هيك، تشمل المحرمة والمكروهة؛ فقول تفسير السيئات بالعقوبات سيؤدي بنا إلى أن نخصص كلمة أعمالنا بالأعمال المحرمة دون المكروهة، مع أنه الأصل أننا لا بدنا نعمل لا محرم ولا مكروه. إذًا العقوبات ليست لجميع الأعمال، بل للمحرمات منها فقط، وكلمة الأعمال في الحديث أعمالنا نكرة مضافة إلى معرفة فتفيد العموم، صحيح جميع أعمالنا الخاطئة وحملها على المحرمات خاصة سيكون خلاف ظاهر اللفظ؛ لأن ظاهر لفظ أعمالنا عام يشمل كل عمل خاطئ، سواء كان محرمًا أو مكروهًا.

بخلاف ما إذا جعلنا الإضافة على طريقتنا بمعنى من، وأن التقدير نعوذ بك من السيء من أعمالنا، أن كلمة أعمالنا هنا ستشمل الأعمال الصالحة والطالحة، المندوبة والواجبة، المحرمة والمكروهة. قال: فتكون الأعمال على عمومها؛ فنحافظ على عموم كلمة الأعمال، والسيئات ستكون عندئذ بعضًا من هذه الأعمال، نعوذ بك السيئات من عموم أعمالنا، فتكون السيئات على عمومها، والأعمال على عمومها؛ حافظنا على العمومين، كلمة السيئات تشمل كل عمل سيء، وكلمة أعمالنا تشمل كل عمل، سواء كان سيء ولا مش سيء، فحافظنا على جميع العموم وحافظنا على ظاهر النص. هذه ترجيح أصحاب القول الثاني.

قال: ويترجح أيضًا بأن الاستعاذة تكون قد اشتملت على أصول الشر كله، وهي شر النفس؛ أصول الشر هو من شر النفس الكامن فيها نعم، الذي لم يخرج إلى العمل، وشر العمل الخارج الذي سولتْه النفس. فالاول، إذًا له وجهة نظر أنه من قال لكم إن في تكرار في حديث؟ بل نحن إذا استعذنا من شرور أنفسنا نحن نستعيذ من الشر الكامن، ومن سيئات أعمالنا نستعيذ من الشر الظاهر، فاستعذنا من الشر الكامن وهو شر النفس، والشر الذي ظهر وهي الأعمال. وهذه وجهة نظر.

فالأول شر الطبيعة والصفة التي في النفس، والثاني شر العمل؛ شر العمل المتعلق بالكسب والإرادة. ويلزم من المعافاة من هذين الشرين المعافاة من موجبهما وهو العقوبة. وإذا استعذنا من شر النفس وشر الأعمال الظاهرة يلزم من ذلك أننا استعذنا مما يوجب ذلك وهي العقوبة باللزوم نعم؛ فتكون الاستعاذة قد شملت جميع أنواع الشر بالمطابقه واللزوم، بدلالة المطابقه بالنسبة للشر الباطن والشر الظاهر، وبدلالة الالتزام بالنسبة إلى العقوبة. هذا معنى بالمطابقه واللزوم: بدلالة المطابقه بالنسبة لشر النفس وشر العمل، واللزوم باعتبار الموجب الذي سينتج عنهما نعم. وهذا هو اللائق بمن أوتي جوامع الكلم؛ فإن هذا من جوامع كلمه البديعة العظيمة الشأن التي لا يعرف قدرها إلا أهل العلم والإيمان.

يعني نلاحظ أنه الخلاف شديد بين الرايين، يعني برضه الراي الآخر لهم مرجحات قوية، وإن كان قد يكون ابن تيمية وابن القيم يميلون للأول، لكن القول الثاني برضه له قوته، وهو أن المراد السيئات لا الأعمال السيئة من عموم أعمالنا، وأن تكون الإضافة بمعنى من نعم.

قال: وإذا عرف هذا، وأنه ليس في الوجود شر إلا ذنوب وموجباتها، وكونها ذنوبًا ناشئ من نفس العبد، فإن سبب الذنب الظلم والجهل هما من نفس العبد. إذا عرف هذا وهو أن ليس في الوجود شر، نحن نرجع الآن فكرة الشر نحن رحنا عنها في حفلة ورجعنا الآن أن الشر قلنا ما هو الذنوب وعقوباتها؟ طيب، سبب الذنب نرجع جعل ما هو سبب الذنب الظلم والجهل في الإنسان. ﴿وَعَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72] هكذا الإنسان كإنسان. وأن الله عز وجل ما قال إن الكافر ظلوم جهول، خاطب الإنسان باعتبار أن الأصل في الإنسان أنه عنده ظلم وجهل، وهما من نفس العبد نعم.

قال: كما أن سبب الخير والحمد العلم والحكمة والغنى وهي أمور ذاتية للرب تعالى. قال: فذات الرب تعالى مستلزمه للحكمة، هذا معنى قوله فان سبب الذنب الظلم والجهل وهما من نفس العبد، شأن من نفس العبد يعني أمور جبل عليها ابتداء، كما أن سبب الخير هو العلم والحكمة وهي أمور ذاتيه للرب نعم. فذات الرب تعالى مستلزمة للحكمة والخير والجود، وذات العبد مستلزمة في اصلها للجهل والظلم. شوف هذه فلسفة ابن تيميه وابن القيم كثيرًا ما يركزون على هذه الأفكار، ويدققون ويعمقون فيها في طبائع الإنسان، فمثلا في بداية الكتاب أن الإنسان مستلزم للفقر.

الآن فكره أخرى أيضًا بدك تفهمها: أن الإنسان كإنسان مستلزم للظلم والجهل إذا لم يتهذب ويتعلم، فالاصل في الإنسان نفس الشيء. كذلك الإنسان خلق هلوعًا؛ ترى كثيرًا ما ذكر أي صفة في القرآن علقت على الإنسان، فاعلم أن الأصل أنها هي صفة ذاتية: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19-21]. فالإنسان جبل على نقائص من الفقر والظلم والجهل والهلع. ما الذي يهذبها ويرتقي ويحسن حال الإنسان؟ الإيمان. أنت تحتاج للأيمان حتى يقوم هذه النفس الظلومة الجهولة نعم.

قال: وما فيه من العلم والعدل فانما حصل له بفضل الله عليه، وهو أمر خارج عن نفسه، أمر خارج عن اصل الطبيعه الانسانيه نعم. فمن أراد الله به خيرًا أعطاه هذا الفضل، فصدر منه موجبه من الإحسان والبر والطاعة، ومن أراد به شرًا أمسكه عنه وخلاه ودواعي نفسه وطبعه وموجبها. فإذا أنت عندما تنظر في كثير في الساحه اليوم في السوشيال ميديا وفي الحياة، حتى في كثير ممن ينتسب إلى العلم أو الدين أو أنه يزعم أنه من طلاب العلم وما شابه ذلك، يا أخي تستغرب يا أخي لماذا في عنده جهل أو ظلم؟

صحيح، فنقول ترى هذه طبائع النفوس، يعني هذه النفوس لم تزكى فبقيت مع طبيعتها؛ وأن الأصل في الإنسان أنه يظلم الآخرين ويظلم نفسه، ويجهل كثير من الأمور، فالإنسان يتعامل وفق الظلم والجهل إلا من زكاه الله بالععلم والنفع والبصيرة والحكمة، وذلكم فضل الله يؤتيه من يشاء نعم.

قال: فصدر منهم موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح، وليس منعه لذلك ظلمًا منه تعالى، فانه فضله، وليس من منع فضله ظالمًا لا سيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به. فالله عز وجل إذا أمسك عنك الفضل هو لم يظلمك، هو تركك مع طبيعتك، تمام، هو لم يظلمك لم يحرمك شيئًا هو من حقك، وحرمك من الفضل، وإنما تركك مع طبيعة نفسك خاصة، لا سيما إذا كان هذا المنع من الفضل هو ماذا؟ لمحل لا يستحق هذا الفضل ولا يليق به نعم.

قال: وأيضًا فإن هذا الفضل هو توفيقه وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده ويوفقه ويعينه ولا يخلي بينه وبين نفسه، وهذا محض فعله وفضله، وهو سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لهذا الفضل ويليق به ويثمر فيه ويزكو به. وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53]. قال: فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يعرف قدر هذه النعمة ويشكرها؛ فإن أصل الشكر هو الاعتراف بأنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلاً بها لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضًا، ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه فقد كفرها.

قال: ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ويحبه ويرضى به وعنه لم يشكرها أيضًا، ومن عرف النعمة وعُرِف المنعم وأقر بها بالنعمة والمنعم، وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه واستعمل هذه النعمة في محاب الله وفي مراضيه، فهذا هو الشاكر حقًا من جمع كل هذه الأمور نعم.

قال: فلا بد في الشكر من علم القلب وعمل يتبع العلم وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له. كما في صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة».

قال: فقوله أبوء لك بنعمتك علي يتضمن الإقرار والإنابة إلى الله بعبوديته؛ فإن المباءة هي التي يبوء إليها الشخص يرجع إليها. هذا معنى يبوء يعني يرجع تمام. قال: أي يرجع إليها رجوع استقرار، والمباءة هي المستقر، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» أي ليتخذ مقعده من النار مباءة يلزمه ويستقر فيه، لا كالمنزل الذي ينزله ثم يرحل.

قال: فالعبد يبوء إلى الله عز وجل بنعمته عليه ويبوء بذنبه، فيرجع إليه بالاعتراف بهذا وبهذا رجوع مطمئن إلى ربه منيب إليه، ليس رجوع من أقبل عليه ثم أعرض عنه، بل رجوع من لا يعرض عن ربه، بل لا يزال مقبلا عليه إذ كان لا بد له منه؛ فهو معبوده وهو مستعانه، لا صلاح له إلا بعبادته، فإن لم يكن معبوده هلك وفسد، ولا يمكن أن يعبده إلا باعانته. وفي الحديث: «مثل المؤمن مثل الفرس في آخيتِه يجول ثم يرجع إلى آخيتِه» اللي هي ايش؟ الوتد اللي بيكون مربوط فيها اسمها الآخية، ضله يلف ويبقى ايش لا يستطيع أن يبتعد عنها، يبقى يدور ويررجع إليها تمام، لا يستطيع أن يشرد.

قال: كذلك المؤمن يجول ثم يرجع إلى الإيمان. فقوله أبوء يتضمن أني وإن جلت كما يجول الفرس؛ إما بالذنب وإما بالتقصير في الشكر، فإني راجع منيب أواب إليك رجوع من لا غنى له عنك. وذكر النعمة والذنب؛ لأن العبد دائما يتقلب بينهما، فهو بين نعمة من ربه وذنب منه هو. كما في الأثر الإلهي: ابن آدم، خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد، كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وكم تتبغض إلي بالمعاصي وأنا فقير إليك، ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح.

وكان في زمن الحسن البصري شاب لا يرى إلا وحده، فسأله الحسن عن ذلك فقال: إني أجدني بين نعمة من الله وذنب مني، فأريد أن أحدث للنعمة شكرًا وللذنب استغفارًا، فذلك الذي شغلني عن الناس أو كما قال. فقال له: أنت أفقه عندي من الحسن.

قال: فالخير كله من الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّه وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: 7-8]. وقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17]. وقال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]. وهؤلاء المنعم عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69].

قال: فالنعم كلها من نعم الدين والدنيا، وثواب الأعمال في الدنيا والآخرة من نعم الله ومنه وفضله على عبده. وهو تعالى وإن كان أجود الأجودين وأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فانه أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، لا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقه بها، ولا يناقض جوده ورحمته وفضله حكمته وعدله.

لو رأى العقلاء أحدًا منهم قد وضع قضية وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، إحدى القضايا الفكرية الأساسية التي يقوم عليها الطرح ابن القيم وابن تيمية في موضوع القضاء والقدر؛ حتى لا يعترض أن الله عز وجل يعلم الاماكن اللائقة بكل شيء، فلا تقل لماذا أعطى فلان وحجب فلان، هي إحدى الأفكار الأساسية في فهم لماذا اختار الله فلان ولم يختار فلان نعم.

قال: ولو رأى العقلاء أحدًا منهم قد وضع المسك في الحشوش والأخلية؛ حشوش يعني دورات المياه نعم، ووضع النجاسات والقاذورات في مواضع الطيب والنظافة، لاشتد نكيرهم عليه والقدح في عقله، ونسبوه إلى السفه وخلاف الحكمه. وكذلك فهنا يعني هذه إحدى القضايا: لماذا يوفق الله إنسان إلى الطاعة، بينما إنسان يقدر عليه الشر والذنوب والمعاصي؟ لأنه هو هذا السؤال أصلا كل الفكرة هي يعني متعلقة بهذه القضية؛ قضية الذنوب والمعاصي وبعض الناس يحتج بها بالقدر صحيح، أو يحتج عليها بالقدر فيقول لك لماذا ربنا عز وجل جعل فلان يعصي وجعل فلان يطيع؟ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] الله أعلم حيث يجعل الطينة الطيبة؛ هذا في طينة طيبة فوفقه إلى الطاعة، وذلك مكان يليق بالطاعة لا يليق بالطاعة فتركه مع مقتضى نفسه وهو الظلم والجهل.

ها لأن فلان الله عز وجل رأى طينة طيبة فيه خير، فجاء وفقه وأعطاه من فضله فوفقه إلى الطاعة، وفلان كان طينة خبيثة فحجب فضله عنه فتركه ومقتضى النفس وهو الظلم والجهل، فوقع في الذنوب والمعاصي، وهذا تصرف يقبله العقلاء. فإن الإنسان لو وضع مسكًا في دورة المياه، ايش تقول عنه يا اخي ايش يسوي؟ وكذلك العكس لو واحد وضع قاذورات في مكان كله بخور وطيب، بتقول هذا ايش يسوي؟ كذلك فالأשיاء يجب أن توضع في أماكنها ولو فعل ذاك شخص.

ذلك لاشتد النكير عليه والقدح في عقله، ونسب إلى السفه وخلاف الحكمة. وكذلك لو وضعت العقوبة موضع الإحسان والإحسان موضع يقتضي العقوبة لسفه. لو واحد أخطأ فكافأته، ايش بقولوا عنك الناس؟ سفيه. ولو واحد أحسن فعاقبته رح يقولوا أيضاً هذا ليس بحكمة، كما قال القائل:

وضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى

أن تضع الكرم في مكان يستحق السيف والعقوبة هذا ضرر، كما أن وضع السيف اللي هي العقوبة في مكان يستحق الندى والكرم ضرر. وكذلك لو وضع الدواء موضع الغذاء، والغذاء موضع الدواء، والاستفراغ حيث يكون اللائق به عدمه، نعم، والامساك حيث يليق الاستفراغ، وكذلك وضع الماء موضع الطعام، ووضع الطعام موضع الماء، وأمثال ذلك مما يخل بالحكمة.

بل لو أقبل على الحيوان البهيم يريد تعليمه ما لم يخلق له من العلوم والصنائع. فمن بهرت حكمته العقول والألباب كيف ينبغي له أن يضع الأشياء في غير مواضعها اللائقة بها؟

ومن المعلوم أن أجل نعمة على عبده نعمة الإيمان به ومعرفته ومحبته وطاعته والرضا به والإنابة إليه والتوكل عليه والتزام عبوديته. ومن المعلوم أيضاً أن الأرواح منها الخبيث الذي لا أخبث منه، ومنها الطيب، وبين ذلك. وكذلك القلوب منها القلب الشريف الذكي، والقلب الخسيس الخبيث. وهو سبحانه خلق الأضداد، كما خلق الليل والنهار، والبر والبحر، والحر والبرد، والداء والدواء، والعلو والسفل، وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لاستقرار هذه النعم فيها وإيداعها عندها ويسكو بذرها فيها، فيكون تخصيصه لها بهذه النعم كتخصيص الأرض الطيبة القابلة للبذر بالبذر. فليس من الحكمة أن يبذر البر في الصخور والرمال والسباخ، وفعل ذلك غير حكيم. سباخ الأراضي الملحية هذه مرت معنا في الفقه، نعم.

فما الظن ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرَة في المحال التي هي أخبث المحال؟ فالله عز وجل أعلم حيث يجعل رسالاته أصلاً وميراثاً، فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة وتعظيم المرسل والقيام بحقه وصبره على أوامره وشكره لنعمه والتقرب إليه ومن لا يصلح لذلك. وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله والقيام بخلافتهم وحمل ما بلغوه عن ربهم.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فرأى قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب أهل الأرض فاختصه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبتهم. وفي أثر إسرائيلي أن الله تعالى قال لموسى: أتدري لما اخترتك لكلامي؟ قال: لا يا رب. قال: لأني نظرت في قلوب العباد فلم أر فيها أخضع من قلبك لي، أو نحو هذا.

فالرب سبحانه إذا علم من المحل أهلية لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده حبب إليه ذلك ووضعه فيه وكتبه في قلبه ووفقه له وأعنه عليه ويسر له طرقه وأغلق دونه الابواب التي تحول بينه وبين ذلك، ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره وتربيته أعظم من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذي هو أحب شيء إليه، فلا يزال يعامله بلطفه ويختصه بفضله ويؤثره برحمته ويمده بمعونته ويؤيده بتوفيقه ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به.

فيزداد العبد به معرفة وله محبة وإليه إنابة وعليه توكلاً، ولا يتولى معه غيره ولا يعبد سواه. وهذا هو الذي عرف قدر النعمة وعرف المنعم وأقر بنعمته وصرفها في مرضاته، فاقتضت حكمة الرب تعالى وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر في هذا القلب بذر الإيمان والمعرفة وسقاه ماء العلم النافع والعمل الصالح وأطلع عليه من نور شمس الهدايه وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة، فأنبتت أرضه الزاكية من كل زوج كريم. كما في الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والععلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، واصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به».

فمثل القلوب بالأرض التي هي محل النبات والثمار، ومثل الوحي الذي وصل إليها من بارئها وفاطرها بالماء الذي ينزله على الأرض. فمن الأرض أرض طيبة قابلة للماء والنبات، فلما أصابها الماء أنبتت ما انتفع بها به الآدميون والبهائم أقوات المكلفين وغيرهم، وهذه بمنزلة القلب القابل لهدى الله ووحيه المستعد لذكائه وثمرته ونمائه وهذا خير قلوب العالمين.

ومن الأرض أرض صلبة منخفضة غير مرتفعة ولا رابية، قابلة لحفظ الماء واستقراره فيها، ففيها قوة الحفظ وليس فيها قوة النبات، فلما حصل فيها الماء أمسكته وحفظته فورده الناس لشربهم وشرب مواشيهم وسقوا منها زرعهم، وهذا بمنزلة القلب الذي حفظ الوحي وضبطه وأداه إلى من هو أفهم له منه وأفقه منه فيه وأعرف بمراده، وهذا في الدرجة الثانية.

ومن الأرض أرض قيعان، وهي المستوية التي لا تنبت؛ إما لكونها سبخة أو مالحة يعني، أو رمالاً ولا يستقر فيها الماء لأنها مستوية. تخيل الأرض مستوية الآن، في أرض منخفضة زي الوديان هذه بتجمع مي بس ما بتصلح للزرع تمام، قابله لحفظ الماء ولكنها لا تصلح للزرع ليس فيها قوه النبات، هذه هي لا تنتفع بس بتنفع الناس هي الأرض الثانية.

الأرض الثالثة القيعان، طبعا كلمة القيعان كمان نبه بالحجر بتطلق عليها حالتين، القاعة تطلق على الأرض المنخفضة في بعض سياقات اللغة، وتطلق في سياقات أخرى على الأرض المستوية. قاعاً صفة، فكلمة القاع أحياناً البعض يقول لك القاع الشيخ مش هي الأرض المنخفضة أحياناً نعم في بعض سياقات اللغة تطلق على الأرض المنخفضة اللي هي الثانية، بس في هذا الحديث لا هنا أطلقت على القاع الأرض المستوية الملساء تماماً.

هكذا فالماء لو أجى عليها ما ببرك في مكان يبرك فيه حتى يصير مستنقعات، ما في منطقه منخفضة نوعاً ما يبرك، فهذه الأرض المستوية تماماً التي لا تنبت لأنها سبخة أو رملية ولا يستقر فيها الماء، لأنه ليس فيها جور إذا وقع عليه الماء ذهب ضائعاً، لم تمسكه لشرب الناس ولم تنبت به كلأً، غير قابلة لحفظ الماء ولا بنبات العشب. وهذا حال أكثر الخلق وهم الأشقياء الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأساً. ومن كان بهذه المثابه فليس من المسلمين.

فلا بد لكل مسلم أن يزكو الوحي في قلبه، فينبت من العمل الصالح والكلم الطيب ونفع نفسه وغيره بحسب قدرته. فمن لم ينبت قلبه شيئاً من الخير البته فهذا من أشق الأشقياء.

فصلوات الله وسلامه على من الهدى والبيان والشفاء والعصمة في كلامه وفي أمثاله. لذلك هو في الحديث بعد أن ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الأراضي الثلاث، الأرض التي قال طيبة قبلت الماء وأنبتت، وأجادب أمسكت الماء فانتفع الناس لكن هي لم تنتفع، والارض الثالثة القيعان. لما ذكر ثلاث أراضي، عاد فقال: «فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به» هذه الأرض الطيبة، «ومثل من لم يرفع في ذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» الحالة الثانية هي تشمل الأرض الأجادب والارض القيعان، فحتى لو أنت نفعت غيرك إذا أنت ما أنتفعت أنت داخل تحت من لم يرفع بذلك رأساً. فهي ثلاث أراضي، لكن قسمتها النهائية من حيث الأثر الديني قسمين؛ يا انسان انتفع، يا انسان ما انتفع.

فقضية وهذا حال ينتبه له طالب العلم، أنه يخشى طالب العلم أن يكون من الأراضي الأجادب، اللي هو عم بينفع الناس وهو نفسه مش عم ينتفع، اللي هو عم يشتغل بتعليم الناس ولكنه لما ينظر في قلبه وصلاح نفسه أموره لا تسير على خطاه، يعلم الناس شيء ويفعل خلافه، يجهر بأشياء ويعلمها ويرشد إليها، واقع الحياة ليس بذلك، فهذا لم يرفع بذلك رأساً.

فإن تقبل هدى الله ليس هو أن تعلم الناس ابتداءً يا طالب العلم، يا أيها المسلم. أن تقبل هدى الله أنه أنت نفسك تنتفع أولاً بالععلم تصلح حياتك، لذلك كان السلف يقولون كان أحدهم إذا شرع في الطلب سرعان ما يظهر ذلك على سمته وهديه ودله، هو ينبغي أن ينتفع بعلمه ثم ينفع الناس. ونسأل الله الهدى والسداد، ونكمل إن شاء الله في المجلس القادم، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.