دخولتسجيل الدخول

المحاضرة الخامسة | التأصيل الإسلامي للدرسات النفسية

أيمن عبد الرحيمالمهندس أيمن عبد الرحيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلم الناس الخير، محمد، وبعد.

وصلنا إلى الآتي: كلام عن التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية. النقاط التي نريد تغطيتها حول التأصيل الإسلامي هي: ما هي الحاجة الحضارية والفلسفية؟

ما هي الحاجة الحضارية والفلسفية؟ لأن أي مجموعة تنتمي انتماءً معيناً، مثل البوذيين، أو الهندوس، أو المسلمين، أو اليهود، أو النصارى، أو الشيوعيين، فإنهم يسقون نسخة تنتمي لهذه الفلسفة، أو هذه الأيديولوجيا، أو هذه العقيدة من أحد العلوم.

فما الحاجة لكل هذه التوجهات أو الأيديولوجيات أو العقائد لصياغة نسخة من أحد العلوم تنتمي إلى هذه الدائرة؟ يعني ما لازمة أن أقول إنني محتاج إلى علم نفس إسلامي، أو علم نفس يهودي، أو علم نفس مسيحي، أو علم نفس شيوعي أو ماركسي؟ فالذي يسمونه أحياناً "إعادة التأصيل" هو أن شيئاً نشأ في بيئة أو في فلسفة أو ديانة أو أيديولوجيا، تأخذ نسخة منه، ثم تعيد تشكيلها عن طريق عملية فك وبناء معقدة، وإعادة بنائها داخل هذه البيئة المغايرة.

هذا السؤال يعرض لعلم النفس في دراسة لطيفة جداً، أظنها رسالة دكتوراه للدكتور محمد عز الدين توفيق، اسمها بهذا العنوان: "التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية". الرجل بدأ فيها بسؤال، وإجابة لهذا السؤال يقول: إن هناك دكتوراً اسمه فرانكل، وكان معاصراً للسجون والمعتقلات النازية التي أجراها النازيون لمعظم مخالفي الأيديولوجيا النازية؛ منهم الألمان، والغجر، والألمان المتخلفون عقلياً، والألمان المخالفون لأيديولوجية الدولة، واليهود، وأي أحد وقع تحت مقصلة النظام ووضعتهم كلهم في معتقلات كانت شديدة القسوة والضراوة.

فرانكل لاحظ الآتي: أن في ناس كثيرة جداً، في الوضع الإنساني الذي هم فيه، المفروض أن ينتحروا؛ فمن الطبيعي أن ينهي حياته لأن الوضع لا يحتمل، لكن الغريبة أن الناس مكملون تحت التعذيب والقهر. فبدأ -وهو رجل عالم متخصص- يسأل الناس: «لماذا لا تنهون حياتكم؟ ما السبب الذي يجعلكم تعيشون؟ ما السبب الذي يجعلكم تواصلون؟». فبدأ يسأل، فطلعت إجابات مختلفة؛ واحد يقول له: «عشان عيالي ومراتي»، أو «عشان أمل أن أرى عيالي»، أو «أمل أنني قد أقابل كذا»، وكل هذا أمل. وعمل كتاباً مشهوراً جداً هو: «الإنسان يبحث عن معنى».

الخلاصة التي كان يشير إليها الدكتور محمد عز الدين توفيق، هي أن هذا الرجل بدأ مدرسة كاملة في علم النفس التأصيلية لهذا الاتجاه: «المعنى المحرك للنفوس الإنسانية»، وذلك عن طريق تحليل الحالات التي وقعت. فيقول: إن هذا الرجل، طبقاً لهذا الظرف القاسي وهذه الملاحظة التي تستحق التوقف والدراسة، أنشأ وجهة نظر كاملة للتعامل مع قضايا علم النفس. فمن حق أي إنسان يقف على أرضية يراها متميزة من ناحية فلسفة الكون والرؤية الكلية للأشياء، مثل الإسلام، أن ينشئ نسخة خاصة بالدراسات الإنسانية، والدراسات النفسية، من وجهة نظر إسلامية.

طيب، السؤال هو: المسلم عندما يتعرض لعلمٍ قد نشأ بالفعل واستتب بالفعل، كيف يتعامل معه؟ لنأخذ مثالاً واقعياً مما حصل في التاريخ المعاصر. نحن نقول إننا عندما نحب أن ننسب علم النفس، فإننا ننسب معمله الذي أُسس عام 1879م. المسلمون في بقاع أرض الله الواسعة، نتصور مثلاً هنا في مصر، متى بدأنا نتعامل مع علم النفس كعلم ونؤثر النفسي وباللغة العربية وندرسه؟

تاريخياً، المعمل الأول كان عام 1879م، وفي أمريكا عام 1893م. عندنا تاريخان جميلان يمكن كتابتهما: أول كتاب درس في القصر العيني عن الأمراض العقلية باللغة العربية، كان اسمه «أسلوب الطبيب في فن المجاذيب»، سنة 1896م، للأستاذ سليمان أفندي نجاتي. أما أول كتاب يحمل اسم "علم النفس" صراحة، فكان سنة 1895م للشيخ محمد شريف سليم.

في تلك الفترة، كان معظم المهتمين ببقية العلوم هم في الأصل أزهريين، ثم تم نقلهم لقطاع فني آخر؛ فمثلاً معظمهم كانوا تربويين متخصصين في علم النفس، لما حصل تثبيت في الاهتمام بالعلوم والمدارس ومدرسة التربية، فتم إدخال مواد تربوية، ثم فصلت هذه المواد، فجاء هذا الكتاب كأول كتاب بعنوان "علم النفس" للشيخ الأزهري محمد شريف سليم عام 1895م. فواضح جداً أن التعامل العربي المسلم في ذلك الوقت كان من خلال مشايخ.

والناس دي كلها مسلمين، فبيتعامل مع الفن، يبقى يبدو إنه تعامل مبكرًا مع ده. هل تعامل مبكرًا بالتجريب ولا بالترجمة والكتابة؟ مش معنى إنه كتب معناه إنه ابتكر، ممكن يكون اطلع... فإحنا في الفترة السابقة ليها، لو إحنا هنخلي مراحل التصنيف في علم النفس المعاصر من أول فونت، نقدر نقول إن في فترة المسلم أو العربي بيطلع، ولو كان معاه لغة ثانية بيطلع على الكتابة الغربية في علم النفس، بعد كده مرحلة التعريب؛ يكتب إما ترجمة مباشرة أو كتابة تصنيف منفرد للي فهمه، زي الكتب المصنفة، وأكيد الكتب دي مش من عندياته.

في مرحلة إضافة، ومرحلة مبكرة جدًا، يعني عندنا اسم كبير جدًا اسمه الشيخ الأستاذ الدكتور عبد العزيز القوصي، 1934 كان أضاف أحد القدرات العقلية اللي هي القدرة المكانية عن طريق تجارب وخد بها درجة علمية دكتوراه من بريطانيا 1934. يعني اسمه دائمًا في المراجع تلاقوا اسم كثير جدًا، القوصي حتى في المراجع الأجنبية؛ لأنه من أوائل الناس اللي وضعت بصمة في اكتشاف قدرات عقلية جديدة لم تكن مسماة قبل ذلك، اللي هي القدرة المكانية. عبد العزيز القوصي، الكلام ده بدري قوي يعني 1934، فإحنا بنتكلم عن نشأة مبكرة.

أمال أنا بحاجة للتأصيل ليه؟ إن دي كل اللي إحنا بنقوله حاجات فردية، لكن التجريب والبحث والإضافة فين في الأصل؟ لا، في الغرب سواء في فرنسا أو بريطانيا، وبعد كده لحقت بهم أمريكا بقوة. طبعًا النشأة في ألمانيا، لكن بعد كده كعادة الألمان معظم الحاجات المعاصرة، معظمها حتى الحاجات الهندسية، تلاقيها منشأها ألماني، وبعد كده راحت في بيئة أخصب للتطوير، سواء بريطانيا أو أمريكا.

عند قدوم علم النفس بشكل موسع داخل الحضارة العربية الإسلامية، المواقف إيه؟ الدكتور محمد عز الدين توفيق بيقسم هذه المواقف إلى أربعة مواقف، بيقول في مواقف؛ موقف رافض باسم الإسلام، بيقول والله المساحة التي دخل فيها علم النفس هي أصلاً مساحة روحية بالأساس، فهي دي معارضة بالأساس، هي تتعارض الكلية مع المساحة الشرعية. يعني أنت عمال تقول لي أصل النفس كذا، أصل الغضب كذا، أصل مش عارف إيه، أمال الشرع بيقول إيه؟ لما أنت تقول لي إيه تعريف الانفعال والشعور والغضب والكبر...

قبل ما أكمل دي عايز أعرف إحنا تأصيل من عندنا، لكن أكيد كنا بنتعرض لنسات كتير خلال الفترة دي عمومًا. تأصيل إحنا بنتكلم عن فكرة الأصيل عند المسلمين، لسه لسه ما وصلناش للأصل، لا، ما هو الممارسة. إحنا قلنا خالص في اللمحة التاريخية إن ما حضر إلا واهتم بالنفس من منظور فلسفي دياني، لكن إحنا عشان كده إحنا خصصنا علم النفس الغربي بطريقة معينة بالمنهج التجريبي، ده كان اللي هو المعمل، أو قبله بشوية.

دلوقتي بتحاول تقول إيه؟ بتقول إن على قدر الأبحاث الكلام ده، ده حصل في الغرب كحجم الأكبر على الإطلاق. أنا مش قادرة أتصور فكرة إن الأمة مرت بنواتج كثيرة جدًا، يعني مافيش حد كان بيفكر هو ليه الشباب في صورة للانحراف ما بيظهر، أو السلوك ما بيتحول عليه عنه الناس مافيش حد من المشاكل يقول هو... السؤال كويس، هل الظاهرة التي أثارت الباحث الغربي لم تثر الباحث المسلم؟ لا، هنا في خصوصية إن هو ممكن تكون ما ظهرتش فعلاً بالحجم ده أصلاً في دار المسلمين. أديكي مثال لما إحنا بنذكر علم الاجتماع، نشأة علم الاجتماع... ضرورة إن عدم ظهور علم النفس عندنا إن كان خلل، لا، ما فيش احتياج كبير، ما فيش احتياج كبير.

ولما المساحة دي ظهرت بهذه الطريقة، لما التفت ليها المسلمون التفتوا ليها مبكرًا، يعني أنا لما أقول فونت عامل معمل 1879، وألاقي 1895 عندي مصنف باسم علم النفس، وعندي كتاب اسمه أسلوب الطبيب بيدرس في القصر العيني في كلية الطب، يبقى أنا الراجل مواكب ومعاصر، مافيش فروق، المساحة بسيطة جدًا خلاص. لكن طبعًا هيبان جدًا الفرق إمتى؟ لما نشوف منحنى التصاعد.

إيه سبب منحنى التصاعد؟ هو عنده دايما إحنا بنقول إن العالم على الحقيقة أو المشتغل أو الباحث مش كانت قضيته هي قضية حضارية أكبر منه. أنت بتسألني وأنا ما جاوبتش على رأيك، يعني هو أنت حد سألني وما جاوبتش؟ حد رصد لي ميزانية وأنا ما ابتكرت أو ما أبدعت؟ عبد العزيز القوصي ده لو إحنا عندنا هيئات سياسية كتير بتتبنى ده، لا، إحنا كنا ممكن في وقت قصير جدًا نبقى كتف بكتف، ليه؟ لأنه أنا لحقته بدري، أنا لحقته بدري، لكن هو اللي خلى الموضوع عنده يزيد وأنا أقف، أو أنا أصبح تابع ليه.

واحد اللي هو المظلة السياسية بقى، السياسية والحضارية اللي مخلية إن هو عنده مثلاً... معظم الأبحاث الأولى في علم النفس كانت لأسباب صناعية، زي أبحاث تيلور وبتاع المهندسين اللي عملوا الأبحاث الأولى اللي عملوا الطفرة؛ مهندسين، الأصل ليه هو مصنع بيجي يقول له إيه؟ بيقول له تعرف تخلينا ننتج أكتر ونوفر فلوس أكتر ونكسب أكتر؟ فالرجل ده عمل أبحاث، عمل طفرة بعد كده في علم النفس الصناعي، وبعد كده عمل هو عنده أسئلة كتير وعنده فلوس وبيدفع والناس شغالة وعندي أسئلة. فعشان كده هناك الثورة الصناعية بدأت عنده بدري، فطلعت له أسئلة أكتر، فبقت الأسئلة أكتر، قال لك إيه ده؟ هو ليه العمال حالتهم النفسية بتأثر جدًا من الإضاءة؟ بدأ يعمل أبحاث.

ليه أنا المظلة السياسية العامة هي اللي مخلية الأسئلة عندي أقل وأبطأ؟ لما تيجي تقارني تلاقيني أنا بطلع سلمتين وهو بينط عشرة، أنا أطلع سلم، فإنا دايما ببقى تابع ليه لسبب غير علمي مباشر. حصل في الغرب ما كانش كله توجه سياسي، يعني إحنا العلماء ما بيتحرك التصنيع والشركات ماشي، بس التحرك تجاه ظاهرة نفسية معينة في الغالب ماشي، هم اللي كانوا محركين.

فعلاً بصراحة الشركات هي اللي دايما إحنا بنقول ده، حتى بنقوله كتير في التأسيس إن الطفرة اللي حصلت في أوروبا كان المناخ السياسي العام اللي ساب الناس تشتغل، وظهور الشركات كطفرة سحبت أوروبا معظم الأسئلة العلمية، كان اللي طرحها القطاع الصناعي. عشان كده إحنا بنقول الثورة الصناعية 1760-1830 اتشكلت، الثورة الصناعية بقت كم الأسئلة اللي عند الغربي مهولة جدًا بسبب إيه؟ إن هو عنده علم الاجتماع، إحنا دايما نقول علم الاجتماع في الغرب بعد الثورة الصناعية، بعد الثورة.

وبعد الثورة الصناعية، أقول لك إن ابن خلدون كان يتكلم في فقه العمران، أي أنه كان يتكلم عن الحضارة. أما العلم الاجتماعي فيتكلم عن التغيرات الحادة والسريعة والجديدة التي طرأت بسبب الدولة القومية الحديثة والثورة الصناعية.

فواحد يقول لك: طب هو علم الاجتماع ليه ما نشقش عندنا؟ لأننا ما عندناش ثورة صناعية، فالمجتمع لو سبته 500 سنة تلاقيه متشابه بشكل كبير جداً، فكيف لك أن تطلع بقوانين وقواعد علم الاجتماع باللي بيحصل؟ بالضبط زي دلوقتي لما واحد يقول لك إحنا عايزين علم اجتماع شبكة الإنترنت. أنا مثلاً وأنا ماشي في الجامعة -وأنا الجيل قديم شوية، يعني لما دخلت الجامعة قعدت على جهاز كمبيوتر أدخل على الإنترنت سنة 99 أو 2000 أول مرة في حياتي أشوف الفيسبوك سنة 2008 أو 2009- مش قادر أتخيل إني ماشي في الجامعة ألاقي بنت بتصور مع زميلتها مثلاً، هم بيعملوا إيه؟ أو واحدة واقفة تأخذ لقطات لنفسها، ده بيتعمل به إيه؟ ده عايز حد يدرس ده ليه؟ لعل الأمر يتعلق بـ "مسرحة السلوك الإنساني"، اللي هو إحنا كلنا بنعمل "أفاتار" لأنفسنا بسبب الشبكة.

هذا التغير الحديث هو ما أدى لظهور العلوم في الغرب؛ فمثلاً في آخر خمس سنين، كم الأسماء والعلوم والأقسام التي ظهرت؟ أمر مرعب. ومن يقول لنا إننا لا نملك أسئلة هنا لأننا لا نملك المشكلة، فالمشكلة عندنا ليست في الأسئلة، بل هناك كم المليارات التي تُصرف في هذا، والقطاع الصناعي الخاص والمناخ السياسي لدراسة هذا عالي جداً. نحن في الآخر مشكلتنا في الطريقة؛ فنحن مثلاً هنا في مصر، كم واحد يدخل الإنترنت؟ لا يوصل لـ 30 مليون، وهذا رقم قليل جداً مقارنة بدول أخرى.

وعندما نقول مثلاً مشكلة المصري مع الحداثة، فأي مصري وأي حداثة بالضبط؟ الياباني مثلاً تقدر تقول مشكلته مع الآلة ومع التصنيع. أما نحن، ففي سوهاج مثلاً لدينا مواصلات "الفولجا" الموجودة من زمان جداً وما زالت تعمل.

وعندما تتسع المساحة العلمية، نجد مواقف مختلفة. هناك موقف رافض باسم الإسلام يقول إن هذه المساحة العلمية هي "زحف" أو "منازعة"، فالمفروض المنع مطلقاً؛ كمن يقول لا لتدخل السحر مثلاً. وهناك من يرفض باسم الدين، فيقولون نرفض تماماً إدخاله الحيز الإسلامي.

وعلى النقيض، نجد العماني المحض يقول لك: "أنتم ستستعبطون، هل هناك شيء اسمه علم نفس إسلامي؟". أنت تقول لي "أسلمة علم النفس"؟ عمرك سمعت عن "تهويد علم النفس" أو "بوذية علم النفس" أو "مسيحية علم النفس"؟ فمن يقول هذا هو عكس الأول؛ فالأول مسلم غارق في الديانة لدرجة أنه يرى أي شيء مخالف للدين هو شرك، مثل موقف المتشددين أحياناً مع الكيمياء، لأن الكيمياء كانت أقرب للسحر في ذلك الوقت بسبب مباحث تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، فكثير من العلماء كانوا ضد "الخيمياء" القديمة.

وهناك من يقول: "أنا لا أسمي هذا إسلاماً، لأن الذين جلبوه كفار وملحدون"، فيقولون هو مرفوض تماماً. والسبب هو: "عمرك سمعت عن تهويد علم النفس؟". كل واحد يريد أن يجعل لكل دين علماً خاصاً به، وهذا كثير جداً حتى عندنا في العالم العربي والإسلامي؛ فالفلسفة المشهورة يغلب عليها الطابع العلماني أو الماركسي، ويقولون إن محاولات الإسلاميين لإلباس كل شيء ثوباً شرعياً هي كلام فارغ وبضاعة أيديولوجية.

من جانب آخر، هناك من يرى أنه لا يوجد شيء اسمه "علم له دين"، والعلم ليس له دين، وهذا الكلام رائج لفترة طويلة، خاصة إبان فترة المدرسة الوضعية المنطقية، وكان على رأسها في مصر الدكتور زكي نجيب محمود. الوضعية المنطقية تقول إنه لا منهج إلا المنهج العلمي التجريبي، فلا منهج في العلم إلا العلم التجريبي. فنحن ندرس علم النفس بقواعد صارمة تماماً مثل الفيزياء، فالمنهج واحد والعلم واحد، وأي كلام عن إدخال فلسفة أو دين هو كلام فارغ. هو نفسه كان يقول: "أنا صوفي، لكن بمجرد أن أدخل المعمل أكون علمانياً". وهذا المنهج ظل لفترة طويلة "ترند" في مناهج البحث، حيث يجب أن يكون الباحث موضوعياً بالكلية. طبعاً هذا الكلام حالياً ليس منقوضاً بالكامل، ولكن في آخر 40 أو 50 سنة في الأبحاث، لم تعد الفلسفة هي التي تدخل معنا في الطب.

الناس اللي بتدرس طب، أسماء المصطلحات أقول لك، شكله الطحلب اللي شافه وهو في ثانية ابتدائي، شكل مش اسمه أمه، كان كذا فتأثر بيه فسمى البتاع اللي هو فكره إيه؟ أن هو الباحث مافيش حاجة اسمها بحث موضوعي؛ بحث موضوعي بيخش متأثر باللغة، متأثر بالثقافة، متأثر بالدين، ومتأثر باللي نفسه يحصل. عشان كده مناهج البحث حاليًا فيها مناهج البحث بقي من التعقيد بمكان عشان تقدر تعمل تجربة وتسمى تجربة قابلة.

ده قابلني ليه؟ لأن إحنا اتلسعنا في حاجات كتيرة جدًا، يعني مش باحث حد على هامش وبتاع. يعني مثلاً الأبحاث قعدت 30 سنة، أبحاث الذكاء الإنساني، الذكاء مقره بأنه هناك فروق دالة إحصائيًا وعلميًا بالمنهج العلمي الصارم ما بين السود والبيض، وأن السود أغبياء بالفطرة والبيض أذكى ومتوافقين بالفطرة. والعلم اللي بيقول كده مش كلام واضح، مين اللي بيقول كده؟ أعلى اسم في علم النفس في العالم عمل تجربة مرة واثنين وثلاثة، والأرقام وكل ما بتتكرر يقول لك العلم يجب أن يكون مكرر ويديك نفس النتائج، ويكرر التجارب بنفس الدقة، أربع أرقام عشرية واختبارات مقيسة ودقيقة وصادقة وثابتة، كل الكلام اللي قلبك يحبه.

وبعد كده لما ابتكرت مناهج نظر أخرى في مناهج البحث والإحصاء قال لك: "ما يكون يخرب بيته، ده هو اللي عاد التجارب، هو مش حد تاني عدوها"، طلعت كلها ملصقة وكلها غلط. اللي لفت نظرهم إيه؟ أن كل مرة لمدة 30 سنة بيطلع الرقم نفسه أربع أرقام عشرية دقة. اللي هو المعيدين حاليًا بيجيبوها عندنا في الشات، قال لك لما أنت تكون كاتب 3 سئ 2 ص تكتب له إيه ص ئ ص ئ أ س ص س عشان ما يشكش، عشان أقول لك أنت ناقل من زميلك. فاللي هو وده كان علم ومكتوب في مراجع وبيدرس أن البيض أذكى من السود وأن السود جنس متخلف.

ليه بنفي بقى أن الراجل الأبيض اللي عمل الأبحاث دي هو أبيض أصلاً وعنصري وممكن يبقى عمل كل الحاجات دي عشان هو عمل كده فعلاً؟ أمال أنا بقول يا فاطمة ركزي بقى يا فاطمة شوية، هينزل لها سحلب يا ابني. بتقول أكبر؟ أيوة، مين قال؟ ما هو ده اللي أنا بقوله يا فاطمة، بقول لك إن هم كانوا مت... ما هو كده ده معناه إن علم كبير... هو أنت محسساني إن أم اللي عملت التجربة ليه مش ماما؟ واحد تاني راجل! هات يا ابني كوباية شاي، هات شاي يا ماشي ومية يا سلمى، طب أنت هات مية وهي هتعمل شاي، ده كده مع مبني على البركة وأنا باخد كلام الناس دلوقتي وبقول علم! علمه إيه بقى ما هم هنت؟

طب ما هو ده اللي أنا بقوله يا فاطمة، أنا متبني موقفك العلمي، أنا واقف معاكي مش مع الأهلي مش مع الزمالك، أنا جاي... ما هو ده اللي إحنا بنقوله يا فاطمة، إن هم جماعة نصابين، عشان كده إحنا هنعمل أسلمة علم النفس، هو اللي بتقوله الأستاذة فاطمة، هو ده ما استقر عليه البحث العلمي فعلاً، اللي هو إيه؟ أيوة والله صحيح، لا مش بلا أن هو فك إيه أن هو أن الباحث محايد ده أسطورة، ما فيش باحث محايد، لكن أنا أضمن أن تجربة عندي بقى كم؟ كم يعني يا إخوانا؟ كم الوسائل العلمية حاليًا عشان نضمن أن اللي قدامك ده مش نصاب؟

عشان كده دلوقتي لو حد قابلك وقال لك "أثبت"، مجموعة من الباحثين على طول تقلع الشبشب وتطير وراه، في كتاب لطيف جدًا ده إهداء أجيب لك نسخة هدية في معرض الكتاب يا أستاذة فاطمة، اسمه كتاب صغير ورخيص، ما تقلقيش يا فاطمة، يا سلام أنا أجيب لك مجموعة من المجلدات. كتاب اسمه "طغيان العلم" لواحد من فلاسفة العلم المشاهير المعاصرين، بس أنا مش فاكر اسمه، ممكن حد ينبه لنا على اسمه.

بطة مبوظة البنت دي، ما تجيش معايا المحاضرة تاني. أمي زمان كانت مدرسة في المدرسة اللي أنا فيها، بس ما كان شرط أن هي ما تدرس لي، أنا الوحيد من إخواتي أمي ما درست لي، درست لكل إخواتي وهم صغيرين إلا أنا، فكنت أجيلها في ما بين الحصص وهي قاعدة. كان المفروض ده شرط جوه المدرسة، كانت مديرة صعبة ما حدش من عيال المدرسين يدخل في أوضة المدرسين عشان بقية العيال في المدرسة ما يحسش بالفرق، فكنت أفلى على الباب، أروح أديها بوسة، كنت في ثانية ابتدائي ثالثة ابتدائي تروح هتديني بوسة ترجع تاني فتقولي: "لا أنت ده كويس إن أنت ما درست لكش عشان كنت تتخوتي".

خلاص، فاسمه "طغيان العلم" ده هو سمى الظاهرة دي طغيان العلم. وفي واحد أخ لنا كان زمان كاتب مقال، بس كلام مقال قديم بس حلو قوي اسمه "ثبت علميًا: شرك العصر". شرك إيه؟ شرك العصر، يعني إيه؟ كل عصر ليه صورة من صور الشرك، ففي واحد بيعبد صنم، وفي واحد حاليًا يقول لك إيه: مجموعة باحثين أثبتوا أن المانجو العويسي أحلى من المانجو، ولو كلت مانجو عويسي كتير هيجيلك سرطان. لما الزمالك يكسب صفر إيه؟ ده أقول لك السرطان هيزيد لما لو شربت قهوة كتير هيجيلك تسلخات في عينيك! إيه؟ مين؟ أي فريق وفين وتجربة إيه اللي تاخد تعميم على 7 مليار بني آدم؟ في أي ظروف تجربة؟ كلام ده الكلام ده عند الحجة مش موجود.

الفكرة في إيه؟ في صفحة اسمها "هل تعلم" مثلاً، الاهتمام حاجة كده، لا ده اشتغالها بقى يعني حقيقة، يبقى مثال محلول لهذه البلاد. المهم الفكرة في إيه؟ اللي هي أن ده مش علم. إيه بقى؟ هنشوف دلوقتي إيه وجهة النظر الإسلامية من ده. هم من ناحية علمانية محضة من غير دين قالوا لنا إيه؟ "نحن نتواضع، ومن تواضع لله رفع". فمبدئيًا بطل نقول أصل العلم قطعت، إحنا نقول في حدود المعروف أُجريت تجارب في هذه الظروف، فإحنا عندنا تجارب وأبحاث، وعندنا كم الأبحاث اللي اتعملت في الإحصاء عشان نقول إيه؟ نسبة التعميم تقدر تعمم قد إيه؟ الدلالة، دقة الدلالة بتاعة البحث ده، أقدر أعم الشريحة اللي أنت واخدها قد إيه؟ ده يمثل قد إيه من العينة؟ إيه الملابسات والظروف؟ لأنه ظهر العلم الموجه.

العلم الموجه، إيه مرة من الحاجات المشهورة هتحبيها عندنا، ملياردير روسي راجل بيحب يشرب خمرة والدكاترة قالوا له: "قعدت تشرب خمرة بالطريقة دي صحتك هتتدهور"، طب أنا معايا...

فلوس زي ده، والعلم يطلع إن أنا صحتي تتدهور. وعجب مجموعة من الباحثين وقال لهم: ادرسوا، شوفوا الخمرة مفيدة كده ولا لا؟ قال له: هل أنت من المؤيدين لسياسته أم -عياذاً بالله- من المخالفين؟ قال له: وانظر إلى وجهي، وفي ذلك حكمة. فقال لهم: الخمرة مضرة. وعملوا أبحاث، فطلع ماذا؟ قالوا له: هي بس نسبة الصودا، يعني أنت لو قللت الصودا بنسبة... وهذا كلام ما يخرش المية، بس محتاج إحصاء.

لذلك في كتاب اسمه "Lies, Damned Lies, and Statistics"، كتاب حلو قوي، هو دايماً يقول لك: أقل درجات الكذب هو الكذب، وأعلى منه الإفك، وأعلى منه المحاماة، وأعلى منه الإعلام، وأعلى منه الإحصاء. لو قال لك بحث إحصائي، نعرف إن هو كذاب وأمه كذابة وعلتهم كذابين؛ ليه؟ لأن الإحصاء ممكن يثبت أي شيء بسبب توجيه دلالة النتائج.

نرجع تاني، حضرتك غير درجات الثقة والكلام ده، إيش أصغر درجات الثقة؟ العينة. مثلاً أنت عامل شركة كبيرة والشركة الثانية عاملة دواء، والدواء ده مستقر وهو أكثر حاجة ليها ثبات ومصداقية في كل الحالات، وبتاع احنا الدواء ده عايزين نبيعه نعمل إيه؟ نعمل تجربة ونختار عامل من العوامل اللي ما حدش يتكلم فيها أصلاً على الدواء الأولاني ونقول: ثبت أن ده أفضل من ده.

ممكن يكون قوله صح من الناحية العلمية، لكن لما يجي يتحط على المحك، هو أنت ما قلتش حاجة جديدة؟ أو أنت جبت حاجة ما تمش اختبارها في الدواء الأول؟ أو قلت: ثبت أن كذا للحوامل مؤثر جداً في انتعاش حالتها النفسية، وإحنا جبنا "إيثير" على أثره على الأجنة، وكان سبب قوته وثباته وصدقه إنه ثبت بنسبة كبيرة جداً إنه ملوش أي آثار سلبية حتى الآن على الأجنة. الكلام ده بيعطي مئات الملايين عشان تتكتب "Papers" وتنشر في مؤتمرات عالمية في مجالاتها بالفلوس.

في مقال أنا في رأيي الشخصي، لو في أستاذ دكتور محترم بدل ما يدرس مادة اسمها مناهج بحث، ياخد المقال ده طول السنة يشرحه ويغطي الأمثلة بتاعته. يطلع باحث وحش، اللي هو بتاع أخونا شادي عبد الحافظ، عارفين شادي؟ شادي ليه كتابات لطيفة جداً في "Pop Science" (علوم تقريب العلم لعامة الناس) وكذا، اسمه «كيف تصبح عالماً في 30 ثانية».

المخل هو أنه قايل وصفة ومجربها هو، ونز مائلة وبتاع، إزاي تكتب كلام فارغ؟ هو اتعمل "Software" لتوليد أوراق علمية مكتوبة بكلام ملوش أي قيمة، بس عليها هيئة وشكل وإخراج الورقة العلمية، يجربوها بـ "Generator"، يعني مكنة "Software" بتجيب كلام أي كلام ملوش أي قيمة، بس أي حد يشوفها يفتكرها فعلاً، ولو قرأها يعرف إن هي مالهاش لازمة، ويرسل بها لمؤتمرات ونسبة المؤتمرات اللي تتقبل وفي الآخر تتنشر في حاجة من أعلى المؤتمرات اللي في العالم في المجال.

خدي دي واحدة، اتنين ده هو أثبتها عشان يقول لك إن نسبة كبيرة منه "Hacks". وده الأخطر حالياً؛ في بعض الكليات في مصر وعالمياً، معظم الكليات بقى ما فيش حاجة اسمها رسالة ماجستير ولا دكتوراه تقدمها كده، تاخدها وتخش على "Software" بتاع الـ "Plagiarism" بتاع السرقات العلمية، ياخد "Copy" اللي أنت واخدها من غير إحالة، ولو واخد ومغير بتصرف هيعرف برضه عشان يعرف مدى أصالة الفكرة اللي أنت جايبها.

واحد يقول لك: إيه ده؟ طيب عرفوا منين؟ اللي حصل إن كان في باحث بيدور: أنا عايز أشوف المصادر السابقة في البحث بتاعي، أي بحث لازم أشوف الدراسات السابقة وصلت فين، فلقيت مئات الآلاف أو آلاف من الأوراق العلمية في المجال، أقرأها إزاي؟ طيب أعرف إن هي في المجال ولا لا؟ أعرف أصلاً إن الورقة دي في موضوعي ولا لا؟ فالراجل قال: طب ما أنا أطور "Software" يبحث في ملخصات الأبحاث بس، في الـ "Abstract" بس، ولما يدور يدور إزاي؟ لازم في الـ "Journal" يدور، قال: أدور على "Keywords" معينة، والـ "Keywords" ممكن ألاقيها متشابهة في أبحاث كثيرة، لا، بيكون شرط كمان خلال كل أربع خمس كلمات معدل ورود الكلمات دي عالي.

فلو قعد يطور، هو بدأ تلاقيه طبعاً دي وفرت عليه جهد كبير جداً، بس بدأ تظهر له -ده اللي أنا بقوله- ده هو التاريخ بتاع تطوير البرنامج بتاع السرقات. اللي حصل إنه فوجئ وقال: بس أنا لقيت كم أبحاث مهولة مطلعها لي متشابهة. قال له: هات يا ابني البحثين، راح مطور الـ "Algorithm" وقال له: هات لي قدر التشابه، قال له: متشابهين بنسبة 98%. قارن أثاريه، وإيه؟ أسماء كبيرة جداً دكاترة في مجالها في العالم في أمريكا وبريطانيا، طلعت نسبة 67% من الأبحاث المنشورة في أمريكا خلال سنة كذا لسنة كذا كلها مسروقة!

راح قال لك: بس، صلينا على النبي، انسى البحث اللي كنا نعمله، إحنا هنأكل عيش دلوقتي! هات يا ابني، راح مطور الـ "Algorithm" لغاية ما تم تطويره وبقى خلاص، دلوقتي في جامعات لا تقبل الرسالة إلا بأن هي تخش (على برنامج كشف السرقات)، لو قال إنها "Matched" تمام. طبعاً حالياً إحنا نقعد حافظين الجماعة، بتقولوا ترتدوا تخلوا بالكم منه، إخواني، عشان الجماعة دول لصوص.

طب في ناس دلوقتي بتعمل "Software" طوروا "Software" تدخله الرسالة بتاعتك يطلعها، هو أنت لما بتدي النسخة الـ "Word" للجهاز بيقرأ إيه؟ المفروض الكلمات دي بتتحول لكود، هو بيقرأ الكود، فييجي الثاني يخش يلعب في الكود يخليه عشوائي ما فيهوش أبداً نسبة التطابق وهو هو ما تغيرش أي حاجة وتعدي.

في مقال أنا لما افتكر بس، افتكر العدد بتاعه في "ناشيونال جيوجرافيك" اللي كان منشور في قصة اللي إحنا قلناها دي، بس طبعاً مكتوب المقال علمي ممتاز جداً بس مترجم. مقال شادي عبد الحافظ، يا ريت تقرأوا المقال، اقرأه مرة واتنين وتلاتة، والله صحيح المقال طبعاً، أوفر من إني أقول لكم اقرأوا «أشهر 50 خرافة في علم النفس»، لأن الكتاب ده المفروض يبقى كتاب مناهج بحث، ليه؟ لأنه تقريباً جامع معظم الخلل اللي بيطرأ على مناهج البحث، بس بطريقة فوق الروعة. لكن المقال طبعاً... طيب هي إحنا بنضمن؟

نحن نقول إن البحث الحقيقي الجاد قليل جداً، وأن الموثوقية في العلم أقل بكثير مما يتصوره الناس. وإن ثبت علمياً أن ما في العلم ليس قطعياً، فليس هذا شرك العصر كما يقول البعض؛ ليس الجميع كذابين، وحتى الذي يقوم بتجربة محترمة ودقيقة من الناحية العلمية يجب أن تُحترم. لا تقل لي إن كل الأبحاث لصوص، فحتى الأبحاث الصادقة، إذا طبقنا عليها مناهج البحث التجريبية وما تقوله من تعميم ودقة وضوابط إحصائية، سنجد أنه لا يوجد شيء قطعي في هذه الأبحاث.

نحن نقول إن العلم هو نموذج مصغر من خبرة الإنسان، والحاجة التي نتيقن منها بنسبة 100% في حياتنا، نحن نبني حياتنا كلها على قدر كبير جداً مما نسميه غلبة الظن. وفي الإسلام نقول: إن تعمل التجربة وتحمد الله عز وجل الذي هداك وأعطاك الذهن، ولو طلعت التجربة خاطئة فلا بأس، أكمل وانظر، ولا تقل أصل العلم ينقض الدين. التجارب قد تطلع خاطئة بعد عشرين سنة، فاحترم العلم وتكلم بإنصاف. هذا هو ما نريد قوله من الناحية الإسلامية.

أريد أن أقول شيئاً في نقطة التساؤلات؛ البعض يقول إن الغرب سبقنا لأن ليس لدينا تساؤلات. أنا أريد أن أشير إلى أننا نعيش في وضع سياسي مختل. لم يكن عندنا مشاكل صناعية كبيرة، ولم نخض حروباً بالحجم الذي خاضوه، فلم نكن بحاجة لاختبارات ذكاء مثل التي عملوها في الحرب العالمية الأولى لفلترة الجنود. التساؤلات كانت موجودة لكنها ربما اختفت بالقمع، أو أننا نعيش في وضع سياسي يجعلنا لا نطرحها.

لقد أجابنا العلم عن بعض التساؤلات، ولكننا أحياناً نجيب عنها بطرق أخرى مثل الدين. لست أقول إننا لم نشارك في الحرب العالمية الأولى، لكن ليس لدينا نفس الأسئلة التي طرحتها الدول التي شاركت في تلك الحرب. أكبر طفرة في القياس النفسي والاختبارات حدثت بسبب الحرب العالمية. الأمر ليس أننا "فاضيين" أو لا نملك أسئلة، بل إن الظروف هي التي تفرض نوع الأسئلة.

أنا كمسلم عربي، اليابان لم تضربني، فلم أكن مهتماً بصناعة القنبلة الذرية. أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية لم تكن بهذه القوة، ولكن عندما تورطت في الحرب، تحشد قطاعها الصناعي، وأصبح كل قطاع علمي عندهم لديه ملايين الأسئلة: سؤال في الرياضيات، في الفيزياء، في الكمبيوتر، في الصواريخ، وفي حاملات الطائرات. هذه هي الأسئلة التي تحرك العلم.

نحن لسنا معقدين نفسياً، وعلم النفس لا يقتصر على كوننا مكتئبين، بل علم النفس يجيب على أسئلة الصناعة والحروب. لو نظرنا للمسلمين قديماً، لماذا حدثت طفرة في التصنيع في العهد القديم ولغاية العصر الوسيط؟ السبب أننا كنا نجادل؛ فالمسلم الذي يحارب لديه أسئلة: كيف أدمر الحصون؟ كيف أدير الأراضي المفتوحة؟ فكان لدينا أفضل علم في الإدارة والفلك والمسح. معظم علومنا العالية كانت مهدت لها البلاطات، مثل بلاط الغزنوي أو البلاط العباسي.

المناخ السياسي العام يجعل نسبة التفاعل أعلى. أما نحن الآن، فربما لدينا أسئلة لكنها قليلة، أو أن الدين مشوه، فنجيب بإجابات مشوهة، ومع التراكم وصلنا لهذا الوضع. في القرن السابع عشر والثامن عشر، كان هناك حديث دقيق عن الأمراض النفسية في مصنفات الطب، وكان للعلماء المسلمين باع في ذلك، مثل ابن حزم وغيره.

نحن نقول إن مبحث النفس قديم جداً. عندما بدأ عصر النهضة في أوروبا، رأوا التراث الذي كتبناه في معالجة الأمراض العقلية والمجاذيب، ووجدوا أننا قدمنا شغلاً غير عادي في الحضارة القديمة. المسلمون من الناحية التجريبية كان مستوى أبحاثهم بالنسبة لأوروبا عالياً لغاية القرن السادس عشر أو السابع عشر، ولم يكن يُدرس في أوروبا كتاب طب لغاية عام 1600 إلا وكان كتاباً عربياً مباشره.

لازم تكون عارف، بيكون روجر بيكون مش بيقول لك هو مافيش حاجة، لا؛ يعقل واحد يكون عايز يعمل أي حاجة في العلم في هذا العصر ولا يتقن العربية. روجر بيكون، ليه نيوتن؟ نيوتن كان يعرف عربي كويس جدا، ليه؟ نيوتن في سنة 1800 حاجة وصفر كان كاتب برن كيبا، وكاتب ما فيش حاجة محترمة كانت موجودة، وفي الوقت ده مش موجود عربي أو مترجم لاتيني. يعني واحد يقول لك: "لا، أنا كنت قريتها لاتيني"، أنت قريتها منين؟ أنت قاري الحسن البصري، حسن بن الهيثم لما تترجم، أنت قاري الفلك بتاع علماء المسلمين في البلاط الغزنوي قريب باللاتيني، فما جبتش حاجة من عندك.

لكن خلاص بقى، هو بعد كده عمل إيه؟ الثورة الصناعية 1860 فرقعت له كل حاجة، ليه؟ أنت بقى عندك كم أبحاث؟ ومش معناه إن الحاجات اللي بيقولها صح، معدل التسارع مع الضبط المنهجي بقى أعلى بكثير جدا. يعني مثلا، نيوتن مش عارف، لما تشوف بقى الطفرة اللي عملها في المكن والبخار والتصنيف؛ استنى، الغزل والنسيج، احتلال الهند، الشركات، التفاعل. عشان كده دائما يقولوا: لغاية القرن السابع عشر وأوائل الثامن عشر، ما فيش أي حاجة دقيقة في العالم كانت موجودة أدق من الصناعة الصينية.

ما فيش أي نظام إداري في العالم لغاية منتصف القرن التاسع عشر أدق من البيروقراطية الصينية. النظام الإداري اللي العالم كله حالياً يعرفه أصله بسبب أن بريطانيا -شركة الهند الشرقية البريطانية- لما دخلت الصين لقت نظاماً بيروقراطياً ودقيقاً جداً لاختيار الموظفين والترقية وبتاع، قالوا: "إيه ده؟ هو إحنا بهايم كده؟ ليه إحنا الوضع فاشل قوي عندنا؟". بريطانيا ما فيش، شركة الهند الشرقية البريطانية فخدوا النظام ده، ولما حكومة التاج لقت الشركة دقيقة جداً، قالوا لهم: "معلش لحظة، هو أنتم بتعملوا كده إزاي؟"، قالوا له: "ده إحنا بنعمل مدارس للموظفين الفنيين، بنفتت كل المهارات الفنية بتاعة الهرم البيروقراطي اللي إحنا عايزينه، وبنعمل لها إيه؟ منين ده؟"، قالوا: "ده من الصين"، خدوه وراحوا عمموه على حكومة التاج كلها، فدخل المستعمرات من هنا، جالنا إحنا، وبعد كده راح لأمريكا. لما أمريكا التفتوا أن في فجوة مهولة بينهم وبين البريطانيين في الإدارة، فخدوا النظام اللي خدوه من الصينيين.

بس إيه اللي حصل؟ ما فيش خلال 50 سنة خلاص إدارة وضبط استراتيجي يعني بريطانيا وأمريكا. فمش معناه إن أنا ما كنتش موجود، بس معدل التسارع فيه. مقال اسمه "الدولة أمريكا والدولة العميقة" أو "الدولة الرقيقة" في أمريكا، أستاذنا الدكتور بشير نافع أستاذ التاريخ قال في القصة دي قصة النظم، النظم الإدارية، قس عليها بقى. الفكرة هي: "إيه ده؟ هو أنتم كنتوا ما بتعرفوش حاجة خالص كده لغاية ما دخلتوا الصين 1800؟". والنظام الإداري الصيني هو لما شافه قال لك: "إيه ده؟ هو في كده؟ في كده أصلاً؟". يعني هو بريطانيا بيقول لك أنا ما أعرفش ده، لكن أنت لما المسلمين شفت راس الزراعة عند المسلمين والبيطار والصيد، اللي هو حاجة مذهلة، لكن هو خلال 50 سنة لـ 100 سنة بعد الثورة الصناعية، ده كله بعد الطباعة وبتاع.

فالأسئلة اللي بتسألها أختنا: هم كانوا عديين فاضيين؟ لا، ما كانوش قاعدين فاضيين، بس هو معدل التسارع مع معدل الخلل الديني والسياسي اللي كان عندك. أنت مشغول في مصادر الضغط اللي هو مفروض عليك. لا، تيجي تحضري معها دورة التأسيس؛ حالياً أمريكا، الفرق بينها وبين الصين في التسليح كم سنة؟ تكنولوجيا أمريكا والصين، الفرق التقني كم سنة؟ حد يتصور رقم 10 سنين مثلاً؟ 20، 30 سنة؟ يعني أمريكا، الفرق التقني اللي بتستخدمه مع الصين، زي بالظبط لما تكون أنت بلد بتستخدم التقنية اللي كنت بتستخدمها من 30 سنة. دي أمريكا والصين.

طيب، في اتجاه رافض للإسلام، قلنا ليه؟ اتجاه معادي، علماني رافض للإسلام بس بحكم عدم التبويض وعدم التهويد وعدم التنصير، وفي اتجاه توفيقي. الاتجاه التوفيقي بيقول إيه؟ بيقول يا إخوانا لا، كما أن كل واحد واقف على أرضية، وكما أن الشيوعيين لما الاتحاد السوفيتي نجم وبتاع، قال لك: "ده أنا صغت لك كل حاجة". علم الأحياء، تضغطوا عليها، قال لك: "عليّ النعمة اللي أضغط عليها، الأحياء هقولك إيه اللي هيطلع"، قال: "لا، ما إحنا لسه ما طلعناش"، قال: "أنا هقولك التجربة هتطلع إيه"، قال: "لا إحنا لسه ما دشنا التجربة، هي لازم تطلع كده".

في كتاب اسمه "الأيديولوجيا والأحياء"، كتاب طابع عالم معرفة قوية، الدول عملت إيه في البحث العلمي؟ إنه لازم يطلع على مذهب الدولة، زي الكفتة عندنا كده مثلاً. هو طلع، الدولة قالت كده، رؤساء أقسام وعمد طلعوا قالوا الكلام صح. يا بي، طب أنت عميد؟ والله أنا مرة بقول لحد بقوله لا، أصل أنا كنت مخد الموضوع باستخفاف، حاجة اتقالت في التلفزيون، قال لي طلع رؤساء أقسام، قال لي رئيس القسم بتاعنا عميد كلية صيدلة قال الكلام صح، يا لهوي! طب إزاي؟ الدولة قالت كده، أو هو استشعر أن الدولة قالت كده.

الاتحاد السوفيتي مثلاً، كان ممنوع إن في قسم علم نفس في الاتحاد السوفيتي لغاية فترة طويلة جداً، لغاية ما في الآخر قالوا: "إحنا طلعنا كنا غلطانين"، وعملوا قسم منفصل. ليه؟ قال لك العلم النفس كله الغربي ده. شوف لما تسمع إن في ناس رفضت علم النفس عشان هو مخالف للإسلام، تقول عليهم إيه؟ "إيه ده يا عم بالتخلف ده!"، تحس سوفيتي قال لك: "اللي هيضرب قم في البحث العلمي، علم النفس ده هنوريه". ليه؟ قال لك ده أصلاً كله مبحث رأسمالي، كله وعلم النفس الغربي ده يا فاطمة عشان توطين الطبقة البروليتارية عشان تفضل طول عمرها بتخدم. طب يا عم الناس، طب ما ندرس؟ قال لك ما ندرس، عليّ النعمة ما هتدرس ولا حاجة. تحس في الاتحاد السوفيتي ما فيش قسم ينشأ لعلم النفس، ما حدش يدرس علم نفس، ليه؟ قال لك...

هذا كله منتج برجوازي، يعني نحن لن ندرسه، نحن سندرس فقط. نحن لسنا حيوانات، أتتفقين أننا لسنا حيوانات؟ نحن مادة في الاتحاد السوفيتي، كنا نُعامل كالآحاد، ندرس الحيوانات، ولهذا وُجد بافلوف والمجموعة هذه، وكل المدرسة الاشتراطية التي هي بتاعة بافلوف وكلب بافلوف والرجال، قالوا لك لا خلاص هو علم نفسه هو سلوكي تام وبتاع، وعملوا له قسماً لوحده، لكن سلوكي.

السياسة تدخل، والدين يدخل، فيرفض رفضاً كلياً. الاتحاد السوفيتي عمل كذلك، وعشان كده نحن دائماً نقول: الأسلم يجب أن تنجو من الدلجة. يعني لا تقولي إن أنا سأسلم، فأنا سأقول لك: "عليَّ الطلاق بالثلاثة" إذا طلعت كذا؛ لا، الأسلم معناها أن تعمل بحثاً في نطاق التواضع الخاص بالبحث الإنساني، وفي مساحات ما تحسن لك، أحسن لك كمسلم ما أنت ستدخل. طب لو دخلتها أنت؟ ستبدل طاقتك أنت، أنت الذي ستبدل طاقتك. أنا أقول لك من باب الرشاد الذي في الإسلام: لا تفعلها.

وهنيجي الآن على مثال نموذجين في علم النفس التجريبي وعلم النفس الإكلينيكي، في اتجاه "الآل"، وهو نحن بمن؟ ليه الاتجاه التوفيقي؟ الاتجاه التوفيقي -أحياناً الناس تسميه التلفيقية- ممكن نرفضه قطعاً باسم الإسلام، وفي أشياء ممكن نقول لا، هذه طبعاً مساحة نقبل فيها بواحد كافر أو يهودي أو ملحد عمل بحثاً متعلقاً مثلاً بسرعة استجابة حدقة العين للإضاءة، أو شدة الصوت، أو أثر الصوت على النفسية، أو بحث ميداني تجريبي محدود في إحدى الملكات الإنسانية؛ نقبله من أي حد كائناً من كان في النطاق هذا، مع متسلحاً بأيه؟ بنفس أدوات البحث العلمي التي تقبل بها الأبحاث.

يعني أنا ليس لأنك عملت بحثاً سأقوم بتسليمك، لا، أنا في الأصل المظلة أنني سأقبل أن أرى نتائجه، ولكن سأحكمها أيضاً بالمنهج التجريبي بحيث ممكن يطلع كلامك غلط. ومن أجل أن نطور البحث العلمي، هناك البحث مثل عبد العزيز القوصي؛ هذا مثال، عبد العزيز القوصي هذا رجل ذهب يدرس في بريطانيا عام 1934، ونحن عندنا منتج لسه، ما عندناش منتج، ماذا فعل؟ طلع لهم قدرة اسمها "القدرة المكانية" ومكتوبة باسمه وعامل شغلاً، ورجع أمسكوا رؤساء أقسام وعملوا كليات، لغاية ما في الآخر تأسست منذ أول 1952 تقريباً عندنا في الجامعات أقسام علم النفس، وهي كليات الآداب، ورسائل ماجستير ودكتوراه، عندنا يمكن أكثر حالياً من 300 رسالة، 200 ماجستير و100 دكتوراه منذ أول إنشاء هذه الأقسام، وهذا رقم كبير في البحث العلمي. هل هو مفيد قوي؟ لا، ليس بالضرورة أن يكون مفيداً قوياً، لكن هناك قدر من الإفادة، ليس كله رابش وليس كله مفيداً.

نريد النموذج الذي نقوله هذا، المظلة، المظلة نظرية. لو سأتعامل كنماذج، سنتخذ مثالين، ضرهما أيضاً: محمد عيز الدين توفيق، علم النفس التجريبي -لو علم النفس من ناحية البحث النظري- إذا كنت سأسلم، ماذا سأفعل فيه؟ وعلم النفس الإكلينيكي، وهو أضرو من ناحية الممارسة العملية؛ هذا أنا سأسمي اضطرابات وأصنفها وأقول إنك مريض أم لا، وكيف أعالج، هذا يختص بخصائص التعامل مع النفس البشرية، فأنا لا بد أن أرى هذا.

النموذج الأول، لو علم النفس التجريبي، علم النفس التجريبي يقول ماذا؟ يقول يا إخوانا أنا سأضع أولاً قواعد أو خطوات، هي ليست جامدة.

النموذج الأول في علم النفس التجريبي، أنا أقول لك: أنت لازم تمر بخطوات كل الناس يمرون بها، فتقول لي ما هي الفكرة؟ وبعد ذلك تفرض فروضاً، وبعد ذلك تقول لي ما هي الوسائل والإجراءات العملية التي ستأخذها، وبعد ذلك هناك دنيا متفق عليها تماماً. طيب، هذا في ماذا سأسلم؟ هذا لا يُسلم، فأنا كمسلم هنا لا أقول لك ما هو هذا، لا، أنا كمسلم أملك منهجاً للنظر والتفكير، هو فكر وقال لك سآخذ قواعد كذا وكذا، ويجب أن يكون... لا، نحن لا نعمل مجموعة واحدة، لأن المجموعة الواحدة ممكن كذا، أنا أعمل مجموعتين وممكن الناس تكون على منهج، في منهج البحث عندما تأتي لتجرب، فجأة في قواعد الناس نظرياً قالت يجب أن نفعل كذا وكذا، فجربوا فنفع.

وبعد ذلك هناك حاجات من التجريب، قال لك ماذا؟ هناك ناس أول ما نقول لهم إنكم في تجربة أعطوهم ضغطاً. هذا شرط من شروط التجربة أن الناس لا تحس أننا نريد عمل شيء، لماذا؟ واحد يقول لك سيؤثر ماذا؟ ممكن يحسن معدلات أدائه أصلاً. في مصنع مشهور جداً في أدوات الإضاءة اسمه "ثرون" أو شيء من هذا القبيل، متسمي باسم مقاطعة بريطانية، ومشهور جداً باسم أثر المصنع، ما السبب؟ يريدون أن يشوفوا أثر الإجهاد والمعاملة الحسنة وتقسيم المجموعات في العمل على الأداء.

السؤال، المصنع عنده مصانع يريد أن يرى الناس: هل يزيد الإنتاج؟ هل يقلل الفلوس؟ هل يحسن الإنتاجية؟ فهو يعمل التجارب، فوجئ أنه عندما ساب الناس تتقسم، تقسيم هم يختارون فيه بعضهم، والأوامر تكون مرنة، ويتركونهم يتكلمون أثناء "البريك" ويتحركون بحرية، وفي قدر من الديمقراطية في اتخاذ القرار وتشكيل المجموعات، لكي لا تحس، فما بين المجموعات كان مختلفاً عن "النورمال". ما السبب؟ أن كلهم عارفين أنهم في تجربة، فمحسنون أداءهم. كيف؟ عن طريق الكاميرا الخفية، بالضبط، الذي يبدو أن هناك شيئاً غير طبيعي، فقال له: هذا أثر الملاحظ، قال له: لا، هذا يجب تحييد أثره عن طريق...

فأنا كمسلم، الإسلام يمكن أن يقول لي نقلة جامدة جداً في طريقة التفكير. مثال في العلوم النظرية لكي يفهم الناس معنى أن الإسلام يمكن أن يصوغ طريقة تفكير؛ "أسد روستوم"، أسد روستوم له كتاب مشهور جداً، كتاب صغير الحجم كبير القيمة اسمه "مصطلح التاريخ". هذا الرجل غير مسلم، هو مسيحي عروبي، يدرس التاريخ، ذهب يدرس في الغرب، أظن في بريطانيا، في مناهج قبول الرواية التاريخية، والناس يقولون لنا في العصور الوسطى، أيام ما كانت أي أحد يقول شيئاً، نحن الآن عندنا مناهج دقيقة في تناول الرواية التاريخية، ومش أي شيء يمر.

المنهج العلمي وكلام من أين وسعد يحيى وحاجات جِدًّا.. فالرجل شاف المناجم، قواعد دقيقة جدًّا في التعامل مع، ومش أي حد يضحك، ولا تقولي لي التاريخ أصلي مش عارف إيه. فهو الرجل بحكم العروبة، هو مش مسلم، بحكم العروبة مطلع على التراث الإسلامي، فبدأ في كتب التاريخ، وراح خابط في كتب المصطلح.

علماء الحديث، هؤلاء هدفهم ماذا؟ هم علماء باحثون بالمعنى، حتى الغربي عنده مشكلة كبيرة، وهي أن النبي ﷺ قال كلامًا كثيرًا وعاش حياة طويلة، وكل الناس الذين شافوه عندهم القدرة على الإخبار عما فعل النبي، أو نقل مقولة عملها النبي، أو نقل تقريرًا، أو نقل أمرًا، أو نقل نهيًا، أو نقل سكوتًا للنبي ﷺ؛ فنتعامل إزاي مع هذه الأشياء عشان نضمن أنها قيلت، ونضمن أنها قيلت وهم ما سوّوا، ونضمن ما حدش نقل حاجة عشان يؤيد حاجة بمزاجه؟

دلوقتي عندنا قواعد مهولة جدًّا، فالرجل كل علم المصطلح قضيته في وضع قواعد نظرية ومحاكمتها للخبرة الواقعية في التثبت من مرويات النبي ﷺ، كخطوة أولى للتعامل مع النصوص، بعد كده إيه؟ لغة، وحديث، ولغة، وفقه، وتعارض مع القرآن، واختلاف العلماء، ونقل العمل، حاجات كثيرة جدًّا، لكن هذه خطوة بس.

علم المصطلح، فـ "إسد روستون" يقول الكلام هذا مكتوب، وأنا جاي أقارن، مكتوب من 1300 سنة مثلاً، خلاص 1300 سنة، 1350 سنة عند المسلمين. والمفروض لا قواعد علمية ولا منهج، المفروض الغربيون متصورين هكذا، لأنهم متصورين أن.. زي عارف العيل الصغير؛ مرة ندى كانت راجعة من المدرسة فجاءت تقول لي: «عارف، تعرف قصة كذا؟»، فأنا تسحبت: «أنا مشغول»، وهي تقول لي حاجة، فأنا أقول لها: «آه عارفها»، فتقول لي: «يا أنت عارفها؟ ده إحنا لسه واخدينها النهاردة!». يعني هي متصورة أن المعارف التي في العالم هي.. فده بيسموه «دهش المعرفة»، أن أنت أول ما تعرف المعلومة.

عشان كده طالب العلم لما يعرف أي معلومة لأول مرة، أقول لك: «إيه؟ مش أنا اكتشفت؟». اللي بيقول بقى قدامه شاب، اللي هو ما أنا.. أنا مرة حصل معي موقف كنت أظن في صحة رأي معين في خلاف ما بين الحركات الإسلامية، الكلام ده سنة 2001-2002، واعتقد في صحته، وعمال أقرأ له كتبًا، ورايح جاي أجيب كتبًا وأقرأ في الموضوع، وكنت أمارس خطأً منهجيًا مهولًا جدًّا، أنني أقرأ الاتجاه الواحد؛ خلاص، فهو ده اللي أنا أعرفه، ما فيش غيره، ولما يردوا على غيرهم، بيردوا عليهم من جو الاتجاه ده.

حلو لغاية ما تعرفت على واحد من اتجاه مغاير، ورجل توسمت فيه خيرًا، وأنا توسمت فيه، فقلت أسأله، لعل يمكن أن يؤثر عليّ أو حاجة. فقالت الظروف، قصة طويلة، أن كتبي بتاعتي.. قال لي: «تخلص من هذه الكتب، قال لي ليس لها قيمة، الكلام فيها ضلال وغلط، لو أنت محترم وعايز تعمل حاجة مفيدة، اتعلم أحسن لك». فقلت له: «طب ما أنا فعلاً أنا مش راجل، لا طالب علم ولا بتاع»، قال لي: «أمال أنت لا عالم ولا طالب علم ولا إيه؟»، قلت له: «أنا رجل مثقف»، قال لي: «يعني مثقف؟ يعني بتحب القراءة؟»، قال لي: «آه»، قال لي: «أنت بتقرأ غلط، السكة مش كذا»، قال لي: «والله..» وقعد معي خمس ساعات، خمس ساعات يثنيني عن اللي في دماغي، اتفقنا في النهاية أن السكة اللي نمشي عليها للمعرفة هي طلب العلم، أن أنت تروح تقرأ وتشوف الناس قالت إيه.

غبت عنه فترة، عمال أقرأ، أقرأ، أقرأ، في الآخر رجعت له، جبت له كتابًا طابعًا على حسابي وقرأه، وإن هو خلص الكلام، فأنا عايز أعلم عليه في آخر القعدة، يعني أقول له: «ربنا يهديك» وبتاع، بس طبعًا أنا بكلمه باحترام. وهذا يعني أظنه والله، هو ربنا كريم وكل حاجة، بس كرم الله.. ثم الأدب في التعامل مع هذا الرجل، أنه أخرجني من المأزق هذا، لأنني كنت أعمله بطريقة غير التي كنت أعملها، كنت أعمله باحترام شديد جدًّا وكنت أرى أنه مخطئ، وفي الآخر أنا كنت حمار، عادي يعني ما فيش حاجة، لكن هو خلى الموضوع يمر، وأن أنا أتعلم أنني كنت أعامله كويس، فهو تلطف معي في النصيحة، فلو طولت معه أو كان غيره، كان سيقول لي: «خلاص أنت تمام كمل»، وقابل القطر هيدوسني.

فقلت له: «في كتاب أنا عايز حضرتك تقرأه وتقول لي إيه رأيك فيه؟»، أنا طبعًا مش عايز أقول له إيه رأيك فيه، أنا عايز أقول له أيهم اللي فيه فائدة، خلاص وأنا قارئه ومعلم فيه. أنا عرفت الكتاب ده من شهر، صاحبه كاتبه سنة كم؟ 93، وإحنا كنا سنة كام؟ 2001-2002 حاجة كده، فكان لي طريقة كده يا شيخ، فوضعته على حاجة جنبي، وهو بيني وبينه مكتب، رفع عينه كده قال لي: «آه، كتاب كذا»، فقال لي العنوان كامل. فقلت له: «حضرتك اطلعت عليه؟»، قال لي: «أنا قرأته من 15 سنة ولخصته»، يعني المدة التي ما بيننا وبين العمر، يعني إحنا 93 وسنة 2000 يعني الوقت.. مثلاً لو كنا.. قال لي: «آه أنا قرأته ملخصًا»، فقلت له: «طيب ورأي حضرتك في إيه؟»، قال لي: «ما يعني رأيي لنفسي، لكن لك تعلم، خذ مني في سند عالي، أن صاحب المؤلف رجع عن كلامه».

يا عمر، أنا من بعدها، من بعدها بـ 15 سنة، لقيت المؤلف نفسه فعلاً -هو كان بره، قصة طويلة- لكن في الآخر اكتشفت أن الذي قاله لي الرجل صح وزيادة، يعني مش ده هو، الرجل قال لي جزءًا مما قاله صح، وفوقه كمان صح، خلاص. لكن سبحان الله العظيم، الشاهد نرجع تاني، فهي الفكرة أن هذا «دهش المعرفة»، أنا متصور أن المعلومة أول ما عرفتها أول مرة، يبقى هي دي الصح ولا هي الباطل من بين.. الشاهد أن إسد روستون حط المنهجين بتوع التعامل التاريخي مع المصطلح، قال لك إن هذه المنهجية بتاعة المصطلح، التي هي قبلها بـ 1300 سنة، أكثر دقة وشمولاً.

بالتعامل مع هذه الطريقة في المرويات التاريخية، راح يعمل الكتاب كله للمقارنة ما بين القواعد، وهو غير مسلم، بس عربي، والتاريخ غير والشباب فيه كتير هنا. طعن في التراث في الغالب؛ في ناس عملت كذا مع كذا كتب ثانية.

عندنا مثلاً محمد يونس، أستاذ اللسانيات، أخذ دكتوراه كانت قد حصلت على أعلى تقييم لرسالة دكتوراه في سنتها في بريطانيا، اسمها «علم التخاطب الإسلامي». عارض فيها رأي جمهور الأصوليين في أصول الفقه، مجرد نظرية اللي هي النظرية الموازية للتداولية أو البراجماتية، اللي هي النفعية في الفلسفة، أو البراجماتيكا في اللسانيات أو علم التخاطب أو الخطاب.

فمجرد نظرية الأصوليين كما فهمها، ومجرد نظرية واحد يكافئ نظريته، مخالفة للجمهور أو يخالفهم في بعض الأشياء؛ شيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي، ومجرد النظرية دي مجرد نظرية الجمهور وعارضها وناقش فيها. التداولي يقول هم بيقولوا كذا، ودول مقررين كذا وكذا. كم المراجعات (Reviews) اللي معمولة على الرسالة؟ بيقولوا له: إيش هذا الكلام المكتوب من كم سنة؟ واحد كذا عمل مع واحد اسمه فسكى مع الجرجاني، أخذ اللي قاله عبد القاهر الجرجاني، وفسكى ده قال الكلام ده من 30 سنة، ولا جايب لهم جزء مما قاله الجرجاني مش كله، بس قدر يترجمه بطريقة معاصرة. فتقول لهم: هذه إيش؟ هو في حد بيقول كذا؟

خلاص، فإحنا بنقول: لا، العقل المسلم لو هو واقف على أرضية دارس فيها علم الكلام والفلسفة والأصول ومصطلح الحديث والقرآن، لا، هيبقى عنده القدر المعرفي اللي هيعمل له نقلة كبيرة جداً، ممكن غيره ما يشوفش الطريقة دي. عشان كذا دائماً إحنا بنقول إننا بنفتخر على العالم بعلم الأصول وعلم مصطلح الحديث؛ لأن هذين العلمان، على سبيل المثال، ما أحد سأل السؤال ده قبل كذا، ما أحد سأل نفسه السؤال ده.

هم عندهم كتب، يعني عنده التوراة وعنده الإنجيل ولم يطور أداة معرفية بهذه الكيفية لاستنباط الأحكام، وعنده مرويات ولم يطور أداة علمية للتثبت من صحة المرويات. رامي الدين موجود، عنده الكتب السماوية أو المقدسة في نظر أصحابها؛ عندنا التوراة، عندنا الطاو، عندنا الإنجيل، عندنا كتب كثيرة جداً لم يفعل أصحاب دين ولا فلسفة -تظن أنها دين أبداً- ما فعله المسلمون، لا في علم الأصول ولا في علم المصطلح، مع هذه القدرة المهولة جداً. عشان كذا إحنا دائماً بنقول إن علم أصول الفقه هو علم مناهج البحث عن الحقيقة، مع إضافة بعض القواعد من علوم أخرى.

الكلام هذا مكتوب فيه حلو قوي، طبعاً الله يرحمها ويعلي درجتها في الجنة الدكتورة العلامة منى أبو الفضل، أستاذة منى أبو الفضل لها كتابات جيدة جداً في فكرة المنهجية، منهجية المسلمين وكيف تصاغ، أظن رسالة صغيرة لطيفة بهذا العنوان لها: «المنهج والمنهجية». هي وزوجها الدكتور طه جابر العلواني له كتاب عن كيفية صياغة العلوم من وجهة نظر إسلامية مرة أخرى في هذا العصر. وهي كانت في الأصل لا تحسن إلا الإنجليزية، يعني تؤلف وتصنف وتكتب بالإنجليزية فقط لأن معظم دراساتها في الغرب، ثم إذا أرادت أن تتكلم لا تتكلم إلا الفصحى ولا تفهم إلا الفصحى، العامية ما كانت تفهمها قوي، تكلم فصحى وتكتب فصحى. ولها كتابة، وهي مجموعة كاملة هي والدكتور أحمد فؤاد أبو باشا أستاذنا في معهد المخطوطات، ومجموعة كبيرة كتبوا في هذا؛ كلام جيد جداً.

الفكرة هي أننا كمسلمين ممكن نصوغ قواعد ونؤثر تأثيراً حاداً في منهجية التثبت في البحث العلمي، لو كان المسلم مليئاً بعلمه مع فهم أهداف وآليات العلم الموجود، يعرف يعمل لهم شغلاً فائق الروعة وفائق الجدة، يعني يكون جديداً ما حدش يقول له ليه؟ أنا كمسلم جايب لك مصادر وجايب لك قواعد حطها الأحناف وقواعد غيرهم.

والله أنا دائماً أقول، بدون التعصب، أنا الحمد لله ما عندي تفضيل قلبي في المذاهب لكن بعيد عن التعصب، الأحناف بالذات لو حد جرب -وطبعاً هذا صعب جداً لأن الأحناف عشان حد يلم وراهم تقريباً ما فيش حتة، أكبر مساحات قعد فيها مسلمين كانوا أحناف- فالتصنيف مرعب مزعج. يعني اللي هو إيش؟ عايزين كتب الأصول عند الحنابلة ملمومة، الشافعية كثير، المالكية كثير، الأحناف مش هنخلص، مش هنخلص. ليه؟ لأن الجمهور كلهم في كوم، اللي هم الأحناف والمالكية، الحنابلة والشافعية في الآخر سويهم الإمام الشافعي. أي مصنف متقدم عند الأحناف تلاقيه راس براس مع الشافعي، يخطئ لقولهم "إحنا موفقين على هذا وهذا بس هذا يؤخذ عليه كذا"، زي الدبوسي مثلاً مع الشافعي.

الأحناف أيدهم طويلة؛ لو حد مسك الأحناف وجرد لهم القواعد النظرية بتاعتهم في الأصول والقواعد، وبالذات الأحناف عشان طريقتهم في الأصول عكس الناس، يأخذون من القواعد الجزئية ويطلعون بها أصلاً، هذه تفيد قوي المنهج التجريبي. لو واحد حنفي إيده مليانة في الأصول، يغير طريقة منهج البحث التجريبي كلها، ويضيف؛ أنا أقطع بأنه ممكن يضيف لهم مسائل ما حدش جابها ولا رد على بال أحد، ليه؟ لأنه عملوا كذا مع المسلمين، مش هيعملوها مع الكفار. أنت أحياناً تيجي حاجة مقفولة ومظلمة قدامك، والجمهور بيقولوا كذا والتشقيق للقواعد خلاص ما فيش، هي قسمة وانحصرت كذا، هات واحد حنفي يفتحها لك.

الأحناف فعلاً عندهم -مش لازم يكون صح بس هم بصراحة مفاجئون- حتى في المصطلح، لو حد عايز يقرأ حاجة في الحديث مختلفة عن أي حد، في رسالة أو رسالتين معمولة، واحدة ماجستير وواحدة دكتوراه، عن منهج الأحناف في قبول الحديث، تطرح شيئاً ثانياً خالصاً. عشان كذا في ناس كثير يتهمون الأحناف بأنهم مخالفون للسنة، وهذا من قديم أيام الإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف. والتهمة بصراحة تلبسهم بسبب كم المخالفات النصية التي تبدو مرعبة، لكن أول ما يقول لك: "بين ما أنت طريقة النظر التي تنظر بها للمتون غيرنا، فبص النظر بتاعنا"، حينها تصدق أن عندكم حق. في مقدمة شرح الموطأ لواحد من علماء الهند، جاءت نسخة الموطأ رواية محمد بن الحسن الشيباني، وجاءت نصوص لمحمد بن الحسن الشيباني. واحد كان معتزلاً، محمد بن الحسن يصلي ويمشي، فواحد يقول له: أنت ما بتقعد تحضر ليه؟ محمد بن...

حسن شيباني، فيقول له: أنت عارف يكثر جداً يخالفوا السنة، والأحناف ودي تهمة لازقة فيهم من زمان قوي. فقال له: طب ما تسأله، اسأل محمد بن الحسن نفسه. فجاء له فقال له: اسمع من ابن أخيك. فقال له: إيه اللي تأخذه علينا؟ فقال: يعني تخالفنا السنة، تأتيكم النصوص الصريحة الصحيحة وتولوا عنها وكذا. فقال ابن أخي: اسمع مننا ولا تسمع؟ أورد كده نصين ثلاثة من اللي بتقوله. فكل ما يجيب له نص يقوله: لا إحنا عارفين النص، بس إحنا بنقول واحد إيه؟ لا.

فالرجل لازمه طبعاً، هو بصار من أجل أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، اللي هو بيقول له إيه: إحنا مش عارفين النصوص، إحنا لنا طريقة تانية. حتى في المصطلح، يعني في حديث الجمهور، يضعفه عند الأحناف مقبول، هو أصلاً مقبول في أحاديث عنده الجمهور صحيح، هم الأحناف ضعفوه وما بيقبلش، وإيه السبب؟ ويورد عليه عليك مسائل إيه؟ ده طب هو ليهم طريقة تانية في التفكير. عشان كده أنا بقول ليه الأحناف بالذات، فكرة التعدد المهول جداً، رأي المدرسة الأصولية عندهم يطلع مسائل منهجية ممتازة جداً لو حد تفرغ لها يعمل شغل عظيم جداً.

نرجع تاني، علم النفس التجريبي، أنا كمسلم إيه المآخذ اللي ممكن آخذها عليه، وإيه الإضافات اللي أنا أضيفها؟ طريقة الإضافة شبه اللي إحنا قلناها كده، إن أنا أبقى متأصل جداً في أصول، زي الأصول، العلوم العقلية اللي عندي علم الكلام، وعلم مصطلح الحديث، وعلم أصول الفقه وغيره، اطلع على الأصول كلها، إحنا على الأصول عندنا أصول العلوم، هتلاقيها تخليه عنده نظر منهجي مختلف.

اثنين المآخذ الأساسية في علم البحث التجريبي، علم نفس تجريبي بالذات، ده إحنا واخدين نموذجين: علم نفس تجريبي وعلم نفس كلينيكي. إن علم النفس التجريبي لا يتعامل إلا مع أي ظاهرة إلا بعد إعادة تعريف الظاهرة محل القياس، تعريف إجرائي. لازم تعرف في الحاجة تعريف يمكن قياسه، ولو ما عرفتوش تعريف يمكن قياسه لا يمكن التعامل معاه داخل علم نفس تجريبي.

طب ما أنت صَدّرت المطلوب، استنتجت كذا وكذا. بس كده خلاص، هيقولك أنا مثلاً عايز أعمل بحث عن قياس الخجل، يقول لك عرف لي الخجل، الخجل تعريف إجرائي، يعني إيه إجرائي؟ يعني ينفع أحط على مقياس يتقاس، خلاص بشيء ملموس على اليد. افرض واحد ولا واحدة خدوها حُمرة من الأصل، نسأله إزاي دي؟ واحد أسمراني، خلاص، واحد في الساحل الشمالي وشه اتحرق أصلاً مافيش حُمرة، قالك أين أنت يا حُمرة؟ الخجل، قالك إحنا في الساحل مافيش حُمرة.

فالفكرة في إيه؟ واحد ده مأخذ أساسي، إن أنت عايز تصوغه صياغة إجرائية، عشان كده حالياً اللي إحنا بنقوله ده مش من عنده، هو حتى موجه أصلاً في البحث العلمي المجرد للمنهج التجريبي. عشان كده حالياً في طفرة كبيرة جداً للبحوث الكيفية، اللي إحنا بنقوله ده إن هو حوله للمقيس، ده بيسموه بحوث كمية في علم النفس التجريبي. حاجة كأن أنا بقول لك عايز أقيس الذكاء، الذكاء هو إيه؟ الذكاء قصة إيه؟ الذكاء ما لازم تعرفه لي، عندك تجريبية حاجة أعرف أقيسها، أعرف أقيسها. عشان كده يقولك في أحياناً الناس بتريح دماغهم، يقولك الذكاء هو هو إيه ما تقيسه، اختبارات الذكاء حلوة كده، ده تعريف مدون في الكتب عشان ما تقعدش تحور على نفسك، الذكاء هو ما تقيسه اختبارات الذكاء.

أنا إيه؟ ده دور اللي هو إيه، الضغط لك هو ينضغط، الشيء مش عار. التعريفات في المنطق بتقولي إيه، أنا بفتح عينيكي على اللي الناس بتعمله. أنا دلوقتي عايز أقيس في ناس عايزة أدخلها الجيش، أقبله ولا ما أقبلش؟ فأنت هتحط لي شوية محكات، المحكات دي بتقول إيه؟ يعمل العمليات الحسابية الأساسية، يعمل مش عارف إيه، وفي الآخر عمل ده يطلع منه درجة أقل من 70 مش هاخده، زياد من 85 هاخده، يبقى هو الذكاء ما يقيس هذا الاختبار اللي هم شوية المعايير اللي أنا هحطهم دول.

في حد تاني بيبدأ بالمقلوب، يقول لك لا أنا هقسم الذكاء، الذكاء نوع واحد في ناس يقول لك لا، الذكاء ده نوعين، في ناس يقول لك زي نظرية الذكاءات المتعددة، أنا هقيس الذكاء اللغوي والذكاء العاطفي، كل واحد فيهم حط لك محكة. في واحد يقول لك لا أنا هقيس علاقة مش كل حاجة لوحدها، لا علاقة كل حاجة مع كل حاجة، واللي هطلعه لك في الآخر يعمل لك معاملة، اللي هو نظرية تحليل العوامل بتاع سبيرمان، هشوف لك علاقة كل حاجة بكل حاجة وطلعلك حاجة مركبة جداً، هو ده الذكاء.

بس ده حاجة رقمية، يعني أنا في الآخر مش ده حاجة بعينها، يعني أنت ما تقول لي إيه الذكاء العاطفي، إيه الذكاء الاجتماعي؟ أقول لك قدرة الإنسان على التواصل مع الآخرين وتكوين علاقات ناجحة ومش عارف إيه، وفهم مشاعر الآخرين وفهم المطلوب من المعايير الاجتماعية بتاعة المجموعة اللي أنت فيها.

مهم جداً إحنا، إضاعة صوتي لك، لازم الدورة دي يعمل لها إنفوجراف عشان بس سمعه المدرسة. فواحد مما يؤخذ على البحث التجريبي مطلقاً فكرة التعريفات الإجرائية، لأن ده في مساحات بيحي وي في حاجات هنقول لك مش هندرسها وبتاع. فأنا كمسلم بقول له لا، في حاجات كتير المفروض زي بالظبط عاملين زي الإيمان، مشكلة الإيمان عندنا، الإيمان ده بيتقاس ولا متقاس؟ فإحنا بنقول قصة، فإنا بقول والله هو ليه ما صدق حملي، وفي ليه ما صدق شعوري وانفعالي ووجداني؟ ففي طريقة ما إن أنا أقول إن الإنسان ده مؤمن ولا مش مؤمن، أهو ده سؤال كمي ولا كيفي؟ ففي واحد معظم الناس حالياً بسبب الحياة المادية يقول لك مش فلان اللي عمال تقول عنده دين وبتاع عشان بيصلي ومربي دقنه، أنت قلت محكات ظاهرية، لو أنا شفت واحدة محجبة مش عاملة واحد إيه، ثلاثة أربعة، فأنا هتصور إن هي مظنة إن هي.

كويسة أن يكون سلوكها الإسلامي ملتزماً، لكن هذا ليس بالضرورة أن يكون مطابقاً لما في القلب. وأنا العكس؛ شخص منحل من ناحية التعاملات، لكنها تقول لك: "أكيد هي قلبياً كذا وكذا"، وكأن الظاهري المفروض يكون واحداً والقلبي شيئاً آخر، لكن ليس بالضرورة.

هذه الطريقة في التفكير قد تساعدنا في وضع كبير جداً في تطوير المنهج الكمي والكيفي؛ أن نجد في الدين أشياء منضبطة جداً، وأشياء أخرى ليست منضبطة تماماً. فكيف تعامل المسلمون مع هذا؟ لو نظرنا للفقهاء، سنجد عندهم مشكلة كبيرة جداً في تحديد حد القلة والكثرة، فيقول لك: "كذا لو كان قليلاً لا يبطل كذا". حد القلة والكثرة في كل مذهب هو نظرية في المعرفة؛ فالسادة الحنابلة مثلاً في مسألة النجاسة، هل تنجس الثياب وتستلزم الغسل أم لا؟ يقول لك: "لو كان قليلاً عرفاً لا يحدث شيء". ومن الذي حدد العرف؟ هذه مسألة منطقية. أما السادة المالكية فيقولون: "أقل من الثلث يكون كذا"، فالثلث هنا هو حد القلة والكثرة. وهناك ناس أخرى لها طرق أخرى، وهذا منهج بحث. لذلك نحن نقول دائماً لو شخص ملم بمناهج الأصول العامة عند المسلمين، يمكنه أن يخرج بشغل ممتاز جداً.

الإسلام لا يرفض منهج البحث التجريبي نفسه، لكن المنهج التجريبي الغربي ليس له علاقة بالدين. المنهج التجريبي يقول إن الكمي عيبه كذا وكذا، وقد قعد لفترة طويلة جداً، فسيطر علم النفس التجريبي، ولا يوجد غيره، خاصة عندما دخلت المدرسة المعرفية بعد المدرسة السلوكية، وقيل إنه لا توجد أشياء لا يمكن قياسها، وأنه يتعذر تحويل بعض الأشياء إلى أرقام ودلالات إحصائية دون حصر الظاهرة في الأشياء المقيسة فقط.

هذا المنهج له أساس علمي بغض النظر عن الإسلام، لكننا نزيد ونقول إن هناك أشياء كثيرة جداً فيها قدر كبير من المعنوية، ويجب أن تؤخذ في الاعتبار وهي مرعية عند صاحب الشريعة؛ أي أنها مهمة. لذا لا نكتفي بما يُقاس فقط، بل هناك أشياء لا تُقاس بشكل مباشر لكنها مهمة جداً، فابتكرت محكات لأتمكن من تعويض الجانب الكيفي. فالجانب التجريبي يصلح في الأشياء التي يمكن تحويلها إلى تعريفات إجرائية، أما الأشياء الكيفية، فالمطلوب هو إيجاد طريقة مبتكرة لتحويل الكيفي إلى شيء يمكن التعامل معه بطريقة كمية دون العبث بطبيعته أو تحييدها، ومن يقول إن هذا ليس علماً، فقد فعل ذلك من قبل في المدرسة السلوكية ومرت عليها خمسون سنة.

الذين ينقدون علم النفس التجريبي أو علم النفس عموماً، يقولون كيف نتعامل معه؟ فيكون الرد بأننا نتعامل مع الأبحاث الميدانية بشكل أكثر من غيرها، بدلاً من أن تقول: "أنا أرى" أو "أنا قلت". وهنا تضعف القدرة على التعامل مع هذا المنهج كمسلم. قد تقول لي: "فرويد فعل كل شيء"، لكن عندما تقول لي: "أنا عملت بحثاً ميدانياً وقست أثر الضوء على كذا"، هنا أبدأ في التعامل. لذا يفضل التعامل مع الأبحاث الميدانية التي تعاملت مع ظواهر محدودة، بحيث لا نعمم هذه النتائج على جزيئات كبيرة حتى نصل إلى نظرية كاملة لتفسير السلوك الإنساني.

أنا خائف من التعميم لأنهم في الأصل يسقطون جزءاً من المؤثرات التي نعترف بها في السلوك الإنساني، ويضيفون جزءاً آخر حسب المدرسة؛ فالمدرسة التي تضع الأثر البيولوجي فقط، تتعامل معك على أساس أنك حيوان. ولهذا المدارس نفسها نقدت نفسها من الداخل؛ فعندما رأوا أن الحيوانات، حتى وحيدة الخلية، لها سلوك جنسي وتتكاثر، أدركوا أن الدوافع كلما كان الكائن أبسط كانت بسيطة ومحددة، وكلما كان الحيوان أكثر تعقيداً زادت المؤثرات. ووجدوا أن السلوك عند الإنسان مختلف تماماً؛ لأنه يدخل فيه الرموز والروائح والهيئات والثقافة، فالموضوع ليس بيولوجياً محضاً، وإن كان هناك جانب بيولوجي.

المشكلة هي أنك تدخل في البحث بمصادرات على المطلوب أنا كمسلم أرفضها؛ فأنت أحياناً تسقط الدراسات الروحية من حساباتك، وأحياناً تضع أشياء أخرى وتعتبرها مسلمات وأنا لا أشكك فيها بالضرورة، بل أقول إنها قد تكون غلط بنسبة 99%. أما الأشياء التي يجب أن آخذ بها وتكون أكثر موثوقية، فهي الأشياء القريبة من الطب مثل علم النفس الفسيولوجي وعلم النفس العصبي، وإن كانت ليست قطعية، فمن المهم أن أثبت أنها ليست قطعية. فقد يأتي بحث في "النيورولوجي" يقول: "اكتشفنا أن الدماغ يعمل بكذا"، فإذا كان الإنسان ليس مسؤولاً عن أعماله بناءً على ذلك، فبماذا سنحاسبه؟ وكيف أسقطت التكليف؟ العلم الذي تتحدث عنه هو ما حدث في آخر خمسة عشر سنة.

أختي كريمة، حصل طفرة في المسح الدماغي بالحاسب الآلي، عمل طفرة في النيورولوجي عمومًا. ونحن بنفكر إزاي بنحب، تصوير بقى دقيق جدًا وملون وبتاع.

يا لهوي! خمسة عشر سنة نفس فرحة الإنسان اللي لما عملوا التفاضل والتكامل، قالك إحنا مش عارفين مين الحيوان بتاع الرياضيات، قالك أدوني عدد ذرات الكون وأنا أقولك إيه اللي هيحصل، لأن ده كله معادلة رياضية. نابليون أظنه سأل حد، كان لابلاس أو لايبنز بتاع حساب التفاضل والتكل والتكامل والحاجات الرقمية، بيقوله: «طب فين الآلة في المعادلات؟»، قال له: «أنا لست بحاجة لآلة، الكون منضبط رياضيًا» بشكل يعني حاجة زي كده، اللي هو نفس الثقة بتاع اللي هو بعون الله ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13].

نفس الموثوقية دي، بعدها بـ 10 أو 20 سنة، إيه ده؟ الكلام طلع! الكم النسبية اللي موجود والاحتمال الموجود وهكذا، قعدوا 15 سنة مصدعين أبونا؛ كتبوا في الحب، إحنا بنحب إزاي، والإرادة والاختيار وبتاع، في الآخر خلاص سلمته، أهو طلع في خطأ في السوفت وير، في bug في السوفت وير، فإحنا هنعيد النظر في كل نتائج الأبحاث في آخر 15 سنة. خذ يا تعال، تعال يا كلب ياض اللي أنت كنت بتقوله من 15 سنة، قال إحنا اكتشفنا.. العلم ياض، ده أنت مش عايز تظبط المكنة اللي بتقرأ لك النتائج!

عشان كده المسلمين، والله العظيم، راجل عنده نصوص قطعية، كتاب وسنة ومصدق الروايات، وعنده لغة عربية وبيفهم وبتاع، وبعد ده كله يقول لك الفقه على الظن الغالب. أه صح، يعني يقول لك إيه اللي بقوله ده صح ولا غلط؟ يقول لك في اعتقادي صح، وأنا بقى عبيط لو قلت لك غلط. أمّال بس ممكن يطلع غلط طبعًا، ممكن يعني أنت بتفتي بيه؟ أه طبعًا بفتي بيه، بنسبة كام في المئة؟ يعني هو أكثر من 70 أو 80%.

عشان كده يروون عن الإمام مالك وكثير من الأئمة: «كان إذا أفتى في شيء بشيء من الرأي» -يعني مش شيء من قواطع الأدلة- ما يتقالش بقى في هو في عذاب قبر، والله في عذاب قبر، بس على الظن الغالب. هو اللي على الظن الغالب، 100% في عذاب قبر، 100% في ملائكة، 100% في جنة، الله حق، محمد حق.. القواطع هي دي. إحنا بنتكلم على الفقه؛ حط إيدي فين في الصلاة، أقعد مش عارف إيه، بتاع الصلاة واجب 100%، الصلاة اللي هو مش دي هنبقى مساحة تانية خالص.

فكان إذا أفتى بشيء ثم انصرف السائل، فيقول: «وما نظن إلا ظنًا، وما نحن بمستيقنين». يعني في الآخر ده إيه؟ الظن الغالب، وممكن أرجع فيها أو ممكن أطلع غلط. عشان كده إحنا بعد ده كله وقطعيات النصوص وبتاع، بس بنظرية الاحتمالات، اللي هي الاحتمالات. الحوادث غير المستقلة، أنت بتضرب الاحتمالات في بعض، فلو هنا النسبة 89% و89% و89%، لما تضربهم في بعض النسبة تقل جدًا. فمصداقية الرأي في الآخر لما يبقى في احتمالات في اللغة، واحتمالات في القرآن، واحتمالات في فهمه، واحتمالات في الحديث، واحتمالات في الرؤى والفهم، واحتمالات في كذا، لما تضربهم في بعض ما يطلع لكش أي حاجة أو أوسق من 67% أو 70% أو 75% في الفقه.

عشان كده تلاقي الفقه، العلماء كل ما تقرب من الطبقة الأولى تلاقيهم قدروا الأدب والتسمم في الخلاف كان فوق العالي. إيه السبب؟ إن الإمام أحمد بن حنبل جاء له واحد قال له: «قلت كذا كذا لامرأتي تطلق؟»، قال: «تطلق»، قال: «إذا ذهبت إلى فلان وفلان وفلان» -مجموعة من أصحاب الشافعية يجلسون في مجلس في مكان معين- قال له فقالوا: «لا تطلق»، قال: «إذًا لا تطلق». هيقول إيه؟ ده هو ده لعب ولا إيه؟ زي الدكتور، أنا بقول لك يا دكتور اكتب لي حاجة، كتبت لها، طب أنا معلش وتروح مطلع له شهادة تانية بس أنا رحت للدكتور قبلك قال كلامك صح، كلامه صح. هو ده الطب ولا ده الطب؟ ده على الظن الغالب، وده على الظن الغالب خلاص، كأن كده البحث التجريبي كده.

طيب، لو إحنا خدنا علم النفس الكلينيكي، وهو الأخطر كنموذج للممارسة لو عايزين نعمل له أسلمة، طب هو علم النفس الإكلينيكي بيعمل إيه؟ علم النفس التجريبي أصلاً الطريقة البحثية، المسار اللي إحنا هنمشي فيه عشان اختبار أي فردية إكلينيكية.. لا، أنت جاي لي عامل عام، أنت جاي لي عندك اضطراب، أنت جاي لي عندك مشكلة، فأنا دوري إن أنا عايز أعمل إيه؟ عايز أعمل تشخيص إجرائي من باب التصنيف، فأنا أقول والله الراجل ده عنده..

إحنا كل العمليات العقلية نوعين بشكل عام: بسيط ومركب. المركب مكون من عدد من العمليات البسيطة. العمليات البسيطة زي الوعي، الانتباه، الإدراك، اللي هي تقريبًا نقدر نقول إن هي العملية لو جزأناها، خلاص ما تبقاش في حاجة مرتبطة بثلاث عمليات يعني انتباه ووعي على بعضهم يعملوا التفكير مثلاً. فأنا ببقى عندي عمليات بسيطة وعمليات مركب، فكل عملية من العمليات يرد عليها شيء من الاضطراب. فانا مثلاً الوعي؛ الوعي إن أنا أفضل يقظ فترة طويلة متماسك، لو أنا فقدت الوعي يجيلي غيبوبة ويجيلي ذهول وهكذا.

طيب، الإدراك، الانتباه؛ إن أنا كل مثير يظهر قدامي، ط، يبقى عندي تشتت مهول جدًا في الانتباه، خلاص، أو عكسه طبعًا. كل حاجة من دول، أنا الراجل ده عنده الوجدان، الانفعال، الذاكرة، التفكير، الحركة، كل العمليات اللي الإنسان بيعملها سواء بسيطة أو مركبة. الدراسات النفسية إما دراسة السلوك النفسي أو دراسة العمليات العقلية وما وراءها، فهو أي شيء معرفي أو سلوكي هو بيجيله الاضطراب اللي فيه.

عايز يعمل إيه؟ الجانب الأول جانب إجرائي تصنيفي: أنا ده أنت عندك وعي في الانتباه، أنت عندك وعي في الإدراك، أنت عندك وعي في الكلام، أنت عندك وعي في الحركة، أنت عندك وعي، عندك اضطراب في كذا، اضطراب في كذا، عشان أصنفه. الجانب ده، الجانب ده فيه قدر تسمح معاه من الناحية الشرعية، عادي ليه؟ لأنه جانب أقرب للجانب التجريبي، يعني إحنا عملنا كم كبير جدًا من التجارب والحالات وبتاع، وبنحط دليل مؤقت. عشان كده معظم الناس في العالم أشهر دليلين: الدليل التشخيصي الإحصائي للأمراض النفسية اللي هو (DSM)، والـ (ICD) اللي هو دليل منظمة الصحة.

العالمية، إيه بيبقى إيه؟ يقول لك أنت لو توحد، أعراضه كذا كذا كذا عشان تقول إن ده توحد، لازم يظهر لك على الأقل من أصل 12 ستة من أصل كذا. حلو كده؟ مين اللي بيقول ده؟ ده الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات النفسية، الإصدار الخامس.

يعني إيه الإصدار الخامس؟ يعني الإصدار الرابع كان إيه؟ كان لو لقينا... استنى، هو بيتغير ليه؟ لأنه ده مبني على التجربة والصحة والخطأ، ومدى دقة العلاج. هل الطريقة دي قدرت فعلاً تدينا طريقة تشخيصية فارقة؟ بقيت فعلاً أعرف أفرق ما بين الهوس، بقيت أعرف أنت جاي لي باضطراب معين بتعمل كذا وكذا، إيه اللي يخليني أقول إن ده اكتئاب؟ إيه اللي يخليني أقول إن ده هوس؟ إيه اللي يخليني أقول ده خرف؟ إيه اللي يخليني أقول ده الزهايمر؟ مين اللي يقول ده؟ الدليل ده.

الدليل ده قابل للتغيير، وقابل... مش عارف فين الجانب الخطر، الإكلينيكي مش الجانب التشخيصي الإجرائي التصنيفي، مش ده الجانب الكلي؛ لأنه ده خاضع للنظرية اللي أنت بتنطلق منها. يعني إحنا عندنا مثلاً 12 أو 13 نظرية ممكن ينطلق منها المعالج النفسي، اللي هو عالم النفس العيادي أو الإكلينيكي. ممكن ينطلق من علم النفس التحليلي، والتحليل النفسي فيه كذا مدرسة، يعني مش فرويد بس. وممكن ينطلق من المدرسة المعرفية، وممكن ينطلق من مدرسة علم النفس الإنساني.

ممكن النظرية دي... يعني أنا مثلاً جئت، أنت عندك رهاب، اللي هو الفوبيا أو الخوف المرضي، حلو. أنت بتخاف من إيه يا حاج؟ والله أنا بخاف من الأماكن الواسعة، في ناس بتخاف من الأماكن الضيقة، في ناس عندها خوف مرضي من الصراصير، خوف مرضي من المصاعد، خوف مرضي من الارتفاع؛ لو بص من بلكونة تلاقيه توتر ونفسه ضاق وجلده برد وعرق وبتاع. عيل صغير، إيه الحكاية؟ طب أنت خايف من إيه؟ ما أعرفش. طب ما أنت بعيد مش هتقع! مش عارف، ده خوف إيه؟

كلنا كدليل تشخيصي هتقول لنا إيه إن ده فوبيا؟ الفوبيا دي جت له منين؟ يبدأ بقى يدخل في الإطار الكلي بتاع النظرية. يعني مثلاً حاج فرويد، أقول لك والله أنت عارف الاكتفاء، الغريزة الجنسية بتخليه ينقص لمرحلة، اللي هي المرحلة الفمية. ده التحليل، أنا شايف كده. ليه المدرسة بترد معظم الأشياء لأول خمس سنين؟ المراحل اللي عدتهم عدل ولا ما تهمش؟ المرحلة كلها مراحل شبقية، اللي هي يسميها مراحل شبقية أو جنسية: المرحلة الفمية، والمرحلة الشرجية، والمرحلة القضيبية.

يعني أنا عندي رهاب من الأماكن العالية أو من الأماكن المتسعة، ده سببه حاجة واحدة؛ حاجة شبقية أو كبت. أنت تجريبية بتاع التحليل النفسي، مالوش دعوة باللي أنت بتقوليه ده، أنا مش لازم... أنا ممكن آخذ حالة واحدة، والحالة الواحدة مادام حللتها تحليل عالي جداً أقدر أعمم. هنا بقى عشان كده أنا بقول لك هنا يبدأ علم النفس الإكلينيكي، يبقى في المشكلة معاه.

نحن من الناحية التشخيصية كأداة، إحنا بنقول أداة؛ ليه؟ أنا عايز بس أصنفك، اللي قدامي ده توحد ولا ADHD ولا أسبرجر ولا ريت؟ يبقى أنا عايز أعرف إيه العيل اللي أنت جايبه لي ده؟ تخلف عقلي بسيط ولا ADHD ولا قلق عام ولا حاجة منهم؟ ده مهم جداً إن أنا أقول ما دام هو ناقص كذا كذا كذا يبقى في الغالب مش توحد. ولو أنا اشتبهت يا توحد يا أسبرجر، عندي اختبارات أقدر لو حطيتها على المحك أقدر أقول 100% توحد، أو 100% ده نوع من التوحد غير مصنف. ما التوحد ده أنواع؛ في عجز اللي طلع ADHD، أقول لك ده عنده فرط نقص انتباه وفرط حركة، في نقص انتباه مع خمول، وفي نوع غير مصنف.

ده يفيدني هنا الجانب الإكلينيكي اللي أنا كمسلم أتعامل معاه كباحث مسلم. الدليل التشخيصي العام، أنا عندي النسخة الإنجليزي وعندي النسخة العربي، وعندي اختصاره، وفي ناس أحياناً بتطلع منه الجزء بتاع الأطفال بس عشان تكون أنت شغال على الأطفال، فإنا طلعك لأنه دليل كبير وفي كم تفاصيل مهولة جداً. في ناس بياخدوا الدليل ده وياخدوا دليل تاني، ياخدوا الدليلين وياخدوا مدرسة تانية في الطريقة.

في طرق تانية ليها مزايا مش موجودة في الأدلة، فبطريقة متكاملة بيسموها العلاج التكاملي أو المتكامل؛ بياخد من ده وياخد من ده وياخد من ده. أنا في ده ما عنديش مشكلة إن أنا آخذ أكثر حاجة بتحقق لي نتيجة، أو قدرة تصنيفية فارقة مع المرضى، ده شيء كويس.

فين اللي أنا أبدأ أقلم منه كمسلم مع علم النفس الإكلينيكي؟ المدارس والنظريات الكلية. فأنت أول ما شخصنا، قلت لي هتعالج يا أخويا التوحد إزاي؟ بقال لك والله أنا بتاع علم نفس، إحنا هنقعد معاه، هنعمل استدعاء تداعي مطلق، هنشوف المشاكل معاه في المراحل الأولى؛ أمه عملت إيه، أبوه عمل إيه، الأسرة كانت إيه وبتاع. فواحد يقول لك يعني أنت مش هتستخدم الطريقة دي خالص؟ لا، أنا هستخدمها، مين قال لك إن أنا مش هستخدمها؟ هستخدمها، بس أنا مش مؤمن بالنظرية. أنا هاخد أداة واحدة، اللي هي أنا عايز أستخدم أداة التداعي الحر عشان أعرف لو في رفض اجتماعي وثقافي وبتاع، أعرف ليه ليه مدخل، بس أنا مش هبقى مؤمن تماماً إن هو المدخل الوحيد والرافض الوحيد لتشكل هذه الظاهرة اللي أنا قدامي.

بتاع التحليل هيبقى حالف طلاق، عشان كده حالياً أكثر مدرسة بتروج في التعامل هي المدرسة المعرفية من ناحية الليبل، وأكثر طريقة في الكلينيك أو في العيادي عموماً هي اللي المدارس بيسموها المتعددة أو التكاملية. ليه؟ أقول لك أنا أي حاجة أداة مفيدة نافعة، بغض النظر عن النظرة السردية الكبرى بتاعة المدرسة. يعني أنا مش مؤمن بكل اللي قاله فرويد، ولا مؤمن بكل اللي قالته المدرسة المعرفية، ولا مؤمن بكل اللي قالته المدرسة الإنسانية.

أمال أنت مؤمن بإيه؟ مؤمن بكل اللي بيقولوه الأطباء كعلاج كيميائي؟ أمال إيه؟ أنا لو الكيميائي بيقول لي ده إحصائياً مفيد جداً لطفل التوحد، هدي الجزء ده، والتاني بيقول لي اقعد مع الأسرة وبتاع وشوف الطفل ده اتعامل معاه إيه، أمه وأبوه وجده.

والجانب المعرفي يقول لي اعمل برنامج علاجي سلوكي، وحاجة في التعليمية، ومش عارف آخذ طريقة برنامج إيه تأهيلي للطفل وبتاع، هعمل ده كله بدون أن أتبنى هذا.. هذا أقرب كثيرًا للمواضيع التي نحن نتكلم فيها هذه.

تُطرح هذه المواضيع على كليات الطب النفسي في مصر؛ عندك اثنين، هم طبيب نفسي خريج طب، والعياذ بالله، وتخصص طب نفسي. فهذا الرجل هو بالصلاة على النبي داخل «بسم الله الرحمن الرحيم» راشق مع الكيمياء في الأصل. يعني في الأصل أنت داخل تأخذ حقنة، لأنه في الأصل يهمه أنك دارس جهازه العصبي والكيمياء الخاصة بجسمك؛ فأنت إذا كنت مكتئبًا، بالنسبة له كمكتئب، يبقى أنت عندك الدوبامين، أو السيروتونين، أو الغدة الدرقية أخبارها إيه؟ هو يشيك على الزوايا، والزيت، والفلاتر، والسيور؛ يريد أن يطمئن أن الماكينة ليس فيها أي شيء، يطفئ ويشعل مرة أخرى.

هو يراك مضبوطًا من ناحية الكيمياء؛ لأنه يقول -وهذا كلام صحيح هنا- إنك لو وقفت أمامه قرد وقلت له: «أنا سأعالجك بالقرآن»، سيقول لك: «أنا بتاع تحليل نفسي، أنا أضربك وأكسر العيادة على دماغكم، أنا أصلاً عندي هوس وجنون عظمة، أنا عندي شكوك أنكم تأتمرون عليّ وأنكم جايبون المخابرات لتعرفوا الأسرار المهمة التي سأفعلها». فالجانب النفسي هنا هو التحليل، والطبيب يأتي ليعطي شيئًا يهدئ، لو قلت له أنيمه سيهدئ؛ لأنه فعلاً في أحيان يكون التدخل الطبي الكيميائي ممكن يحيد حاجة معينة التي ينازع فيها المريض.

لكن طبيب التحليل النفسي يقول له: «ما الذي فعلته؟ أنت عالجت العرض». يعني مثلاً كان عنده كذا، الدكتور أداه الحاجة فخلصت، لكنه لا يقول لك: «قم يا حبيبي»، هو ضبط الجانب الكيميائي، لكنه لم يأتِ لمن هو الخلل الكيميائي الذي عمل له اكتئاب أو هوس؟ هو الهوس الذي ظل معه حتى خرب علم النفس.

علم النفس الغربي مساحة الاهتمام فيه أربع مساحات أساسية: إما الأعصاب، وهو ما يسمونه "عصاب"، وهذا شيء نفسي يمكن العمل عليه، وإما "ذهان"، وهذا جانب عقلي، عندك خلل في الذهن. ثم الحاجات "السيكوسوماتية"، التي هي النفس-جسمانية؛ أن تأتي لي وتقول: «أنا عندي قرحة في المعدة، أو قولون عصبي»، وهذا شيء "سوماتي" لكن سببه نفسي. ففي علم النفس يقول لك هو في الأصل هناك شيء كلما عالجته سيعود لك مرة أخرى، والدكتور سيجن؛ أنا أعطيه العلاج، فإذا كانت زوجته تنكد عليه في البيت، سيأتي بقرحة معدة، فإذا خفت الزوجة أو قُتلت الزوجة، مشى القولون، فالمشكلة أصلاً كانت نفسية.

ثالثًا: الأعصاب والذهان والسيكوسوماتية، ورابعًا: المشكلات الحياتية أو المشكلات النفسية. أنا أقول لك: «أنا في أيام الامتحانات لا أعرف كيف أذاكر، أو لا أستطيع وضع هدف في الحياة»، أنت لست مريضًا، أنت إنسان طبيعي ولكن لديك مشكلة، وعشان كدة الناس تقول: «أريد الذهاب لمُرشد، أو ما يسمونه (لايف كوتش) أو موجه حياة»، وبعضهم نصاب يأخذ أموالاً كثيرة ليقنعك أنك إنسان كويس، أو توجيه مهني. هناك شق من علم النفس في مادة كاملة أدرسها تسمى التنمية البشرية، وهناك الإرشاد النفسي، وهناك مادة المشكلات النفسية.

هذه أربعة اتجاهات أو جوانب التي المفروض علم النفس يؤثر فيها أو يدرسها. والجانب الخامس الذي يجب أن يُضاف -ونحن كمسلمين نقول إنه يجب أن يضاف- هو الأمراض النفسية ذات الأصل أو الأسباب الروحية. هذا يجب أن يضاف؛ لأن استبعاد الجانب الروحي كليًا هو تعامل هزلي؛ الدكتور يقول: «سأضبط مستوى الكيمياء في جسمك»، طيب وعلاقتي بالخالق؟ أنا قد يكون ما أفعله سببه معصية، وقد تكون المعصية قلبية فهي التي تفسد عليّ حياتي.

عشان كدة عندنا أحاديث تجلب أثرًا نفسيًا؛ فإذا أحضرت الدليل التشخيصي، هو هذا التشخيص بالضبط، لكن صاحب الشريعة وصفه وصفًا إيمانيًا. حديث النبي ﷺ: «مَن أصْبَحَ...». لو أنا مسلم وأعالج شخصًا ملحدًا مثلاً، فالملحد هذا يريد أصلاً أن يدخل في الإسلام، لأن المشكلة التي هو فيها سببها مشكلة قلبية. الإنسان سبحان الله كان متألهًا، بمعنى أنه دائم البحث عن إله له، يتوجه إليه بالعبادة، وهذا إحساس مرعب جداً، ومكتوب في كتابات لطيفة جداً يمكن أن نحيل عليها في المحاضرات الأخرى.

كنا نقول: «مَن أصْبَحَ وَكَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَن أصْبَحَ وَكَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ...».

شتت الله عليه شمله وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِهِ من الدنيا إلا ما قد كُتب له. فشتت الله عليه شمله، فكرك اللي هو يقول لك أنا حاسس بتشتت أفكار وجهودي مشتتة في حاجات كثيرة جدا، وبالرغم من أن معي فلوس وشغال شغلانة ومتزوج ومخلف وعندي تحقق اجتماعي، وحاسس أن أي إضافة آخذها أو أي مادة آخذها أو فلوس، حاسس أنني أيضاً لست راضياً.

شتت الله عليه شمله وجعل فقره بين عينيه؛ عارف لما أحط لك حاجة من عينيك تتحرك كأنك ملبسك نظارة صفراء، أي حتة تروح تشوف الدنيا فيها هكذا. وشتت الله عليه شمله وجعل فقره بين عينيه ولم يأتِهِ من الدنيا إلا ما قد كُتب له؛ فهذا أثر مادي.

الأثر المادي يعني عكس البركة؛ البركة أن يضاف لك شيء ليس من كسبك، أما عدم البركة يعني أنك مهما فعلت تأخذ على قدرك بالضبط، لا يوجد زيادة. في هذا الجانب، لو أضيف شيء لشخص، سيقول لك: "هذا لم يكن مضافاً، بل كان مضافاً ولكن بالطريقة المسيحية". الجانب الآخر كان يقول لك: "فلان شكله عنده مشاكل، شكله مجنون"، فماذا نفعل؟ يقول لك: "راكبه شيطان، نحرقه".

أوروبا قضت فترة تفعل ذلك، لذلك علم النفس الغربي حالياً، أي شيء من الذي نقوله عندما يقول أحد "أسلم" أو ما شابه، يقول لك: "أنتم تريدون إرجاعنا للقرون الوسطى". لا والله، القرون الوسطى كانت عندكم، نحن لم نكن هناك. المجانين عندنا كان لهم بيمارستان للمجاذيب وكان عليهم رعاية، وكانت هناك كتابات لطيفة جداً في حدود الموجود الممكن، وكانت حاجة كويسة جداً. أنتم كنتم تولعون فيهم، وقضية ثانية أنكم كنتم تطاردون الساحرات وتعتبرونهن كائنات شيطانية وتولعون فيهن، وفي الآخر تطلع الواحدة ليست ساحرة ولا شيء.

إضافة الجانب هذا سيفرق جداً. النقطة الأخرى أن وجهة النظر الإسلامية بعامة لها بعض المحددات، مثل فكرة العقاقير؛ المسلم عنده فلاتر فقهية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ». فعدم التداوي بمحرم؛ قد يقول لك أحدهم: "نحن مضطرون لنفعل كذا"، فيقال له: "هذا يفسد جسم الإنسان، أو يذهب الوعي"، الله عز وجل لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها. هذا ضابط منهجي، يقول لك: "ابحث عن طريقة أخرى"، فإذا جربت ولم تنفع، ابحث عن طريقة أخرى. هذه ضوابط كلية.

إن الإسلام يعطي النظر والاهتمام الأكبر على الإطلاق للأولوية الوقائية. أي واحد يقول لك: "فلان جاء إليّ"، يكون المجتمع قد شكل هكذا ولم يراعِ وضعه، ولم يربِّ، وهذه تربية خاطئة، ولم يعلم الأب والأم كيفية تنشئة النشء المسلم العدل، وفي الآخر تأتي لتقول لي: "جاءني واحد عنده كلكيعة"، لا تعرف أتحلها من هنا أم من هناك. لماذا لا تصرف جهدك للجانب الوقائي؟

بالضبط كما نحن هنا في موضوع السجائر؛ الدولة رفعت الضرائب على السجائر، والأطباء يدرسون سنوات ليعرفوا التدخين وآثاره، وطبق ما يقولون "لنمنعه"، فيقول لك: "لو منعناه غلبتنا المشاكل". لكن مَن الحيوان الذي رُبي وأُنشئ على أن تفعل فيه كذا وكذا لدرجة أن يصبح مدمناً بشيء كهذا؟ نحن نعرف أن الذي يشرب والذين لا يشربون يعلمون أنها مضرة، فيبدو أن هناك خللاً. فالجانب الأكبر في الإسلام يشبه توجه علم نفس الإنسان وعلم النفس الإيجابي في فكرة الجانب الوقائي.

هناك نقطة أو نقطتان سنستلم القواعد الكلية لهما في أول المحاضرة القادمة، وهي فكرة الاختلاف حول مفهوم السواء. هذه نزاع كلي أقرب للفلسفة: ما هو السوي؟ وما هو غير السوي؟ وما معيار السواء بالنسبة لكل مدرسة من المدارس؟ والإسلام مختلف. الإنسان عندما يعرف النفس السوية يعرفها كيف؟ لكي أقول إن هذا إنسان سوي. وهذا حد السواء مهم جداً؛ لأنني إذا قلت إن هذا سوي فلن أعالجه، وإذا قلت إنه مفارق للسواء فما المعيار؟ أنت سألت سؤالين: ما هو السواء؟ وما معيار الحكم بالسواء وعدم السواء؟

نشكركم شكراً جزيلاً على كل الحلويات التي أحضرتموها لنا. سبحانك اللهم وحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وبارك الله فيكم، وشكر الله لكم.