نستعين بالله ونستفتح المجلس السابع من مجالس غيث الساري من هدي البخاري. ولا زلنا في كتاب الإيمان، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب من الإيمان أن يححب لأخيه ما يححب لنفسه. حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن حسين المعلم قال: حدثنا قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يححب لنفسه».
الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول في الكلام على شيء مما يتعلق بإسناده. هذا الإسناد إسناد جليل، وكل من فيه من الثقات الكبار، وأنتم تعلمون المفترض أنكم تعلمون غير الصحابي ما لا يقل عن رجلين في الإسناد ممن تكلمت عنهما في اللقاء السابق. يحيى هنا هو يحيى بن سعيد القطان، الذي ذكرت أنه هو الذي خرج الإمام أحمد وعلي بن المديني ويحيى بن معين، وهو تلميذ شعبة وهو من أحد المراكز الكبرى في الصنعة الحديثية. وشعبة تكلمت عنه بتوسع نوعا ما.
الكلام في الرجلين سبق وأن كنت توسعت في شعبة لما توسع في يحيى، يمكن أن أزيد شيئا يسيرا متعلقا بيحيى. الإمام أحمد بن حنبل كان يحب يحيى القطان جدا، وكان يرى فيه أنه لا يكاد يوجد مثله ممن رآهم الإمام أحمد، لا يكاد يوجد مثله في الصنعة الحديثية. ومع أن الإمام أحمد رأى كثيرا من المحدثين وكثيرا من العلماء وكثيرا من الرواة الكبار، إلا أنه لم يكن يكاد يقدم على يحيى بن سعيد القطان أحدا، وهو يروي عنه مباشرة في مسند الإمام أحمد إذا قرأتم ستجدون كثيرا من الأحاديث التي يخرجها أحمد في مسنده هي عن شيخه يحيى بن سعيد القطان.
ويحيى كان معروف بأنه حازم في قضية الرواة والتعديل، لم يكن يتسامح في قضية الجرح والتعديل، وإذا رأى عن الراوي بعض الأخطاء وما يدل على نوع من اختلال حفظه يتركه لا يروي عنه، وكان شديدا في هذه القضية، إلا أن مما لفت انتباهي في سيرته أنه مع حزمه هذا وقوته، إلا انه كان رجلا رقيقا في نفسه. لذلك الإمام أحمد تلميذه يقول عنه: كان يحيى بن سعيد رجلا رقيقا، وكان ربما بكى إذا حدث. فهذه من الصفات التي استوقفتني في سيرة يحيى بن سعيد القطان، لو سألت أي شخص متخصص في الحديث: ما أبرز سمة ليحيى القطان؟ سيقول لك: الحزم والقوة، عدم التساهل مع الرواة، ولكنه هذا ليس معناه أنه ليس رقيقا أو رحيما، وإنما تلك صنعة يراد لها القوة والحزم، وأما هو في داخله رقيق.
النقطة الثانية في الوجه الأول هي فيما يتعلق بأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه من جهة تلاميذه. أنس كما تعلمون هو من آخر الصحابة موتا، هو توفي عام ثلاثة وتسعين للهجرة، عمر طويلا. وأنس بن مالك تعلمون جيدا أنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم لمدة عشر سنوات وهو يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان غلاما واشتد عوده في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك شهد معه بعض المشاهد والغزوات، وكان من المقربين من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وكان دائما يلازمه.
أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه كانت أمه قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها، وأنس رضي الله تعالى عنه كان شديد الحب للنبي صلى الله عليه وسلم. ومن محبته للنبي صلى الله عليه وسلم أكرمه الله سبحانه وتعالى بشيء عظيم جدا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس أنه قال: قل يوم أنام فيه إلا وأرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام. فهنيئا لأنس بن مالك، مما يدل على شدة محبة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وسلم.
هو صاحب الجملة المشهورة في وصف المدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، هو الذي قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، ولما كان اليوم الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وسلم أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن أيدينا التراب من دفن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد أنكرنا قلوبنا. هذا الحب العظيم الذي كان عند أنس رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وسلم. أنس كما قلت عاش في البصرة، وكان له تلاميذ كثر، بعضهم من أهل البصرة وبعضهم من غير البصريين.
فتقادة الذي معنا في الإسناد هنا من أهم الرواة عن أنس بن مالك، واحفظوا جيدا اسمه وروايته عن أنس فسيأتينا في صحيح البخاري كثيرا بهذا الترتيب: قتادة عن أنس، بل سيأتينا كثيرا نفس السلسلة التي ترونها الآن: شعبة عن قتادة عن أنس. إذا رأيتم شعبة عن قتادة عن أنس فاعلموا أن هذا إسناد من أفضل الأسانيد ومن أقواها، فشعبة من قد علمتم فيما تحدثت عنه أمس، وقتادة أحد أئمة التابعين تلميذ أنس الذي تلقى العلم الكثير عنه، وهو من أئمة التفسير.
فتجدون كلام قتادة رضي الله تعالى عنه ورحمه، تجدونه في كتب التفسير، دائما إذا قرأنا في كتب التفسير وقال قتادة، هو هذا قتادة، قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله تعالى، توفي عام مئة وسبع عشرة للهجرة. بصري، بل ليس فقط أنه بصري، الإمام علي بن المديني يقول إن قتادة هو أحد الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث، قتادة بن دعامة السدوسي يقول: هو أحد الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث. يعني علي بن المديني الذي قال فيه البخاري: ما استصغرت نفسي أمام أحد إلا أمام علي بن المديني، هذا علي بن المديني يقول: انظر الأسانيد، مختلف الأسانيد الصحيحة يقصد طبعا، انظر مختلف الأسانيد الصحيحة تدور على ستة.
طبعا ليس معنى ذلك أنه ما تمر بغيرهم، ولكن المقصد أنهم مراكز ومدارات، أغلب الأحاديث الصحيحة تمر من طريقهم. كثير بل خليني أقول كثير من الأحاديث الصحيحة تمر من طريق الستة، واحد من هؤلاء الستة هو قتادة، وواحد منهم الزهري وقد مر معنا الزهري. إذا مر معنا اثنان من الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث الصحيحة. فمهم جدا أننا نعرف أصحاب ونعرف أنه من أهم أصحاب أنس قتادة بن دعامة السدوسي البصري رحمه الله تعالى.
أخذنا في الأحاديث الأولى أن الزهري يروي عن أنس بن مالك، وتلميذه مالك بن أنس. إذا التلميذ الثاني لأنس رضي الله تعالى عنه هو الزهري، يسجل عندنا: أنس بن مالك تلاميذه من؟ الإمام الزهري، الإمام قتادة. لاحظوا علو منزلة هؤلاء، يعني هؤلاء أئمة أخرجهم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم، هؤلاء طلاب الصحابة قتادة والزهري طلاب الصحابة، أهم من روى أو أبرز من روى عن هذان الراويان عن الصحابة رويا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، لانهما أصلا من صغار التابعين، لم يدركا أكثر الصحابة، بل قيل في بعضهم لم يدرك إلا أو لم يصح له سماع إلا من أنس. على أية حال، هذان راويان مرا معنا، نأخذ الآن نسجل عندنا بشكل سريع ثلاثة من أصحاب أنس بن مالك أيضا من تلاميذه.
الثالث هو ثابت البناني، وهو أيضا ممن أكثر الرواية عن أنس، كان صاحب حظ عند أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وكان يصاحبه وسمع منه كثيرا وروى له البخاري، أخرجه البخاري كثيرا من الأحاديث عن شيخه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. والرابع هو أبو قلابة، أبو قلابة عبدالله بن زيد الجرمي البصري، وهذا أبو قلابة كان من عباد أهل البصرة، ثابت أيمن بصري وأبو قلابة بصري، كان من العباد ومن الفقهاء، وكان رجلا صالحا، وهو بصري ولكنه هرب من البصرة مؤخرا يعني في اواخر وقته، هرب من البصرة.
لماذا هرب من البصرة؟ هرب من البصرة فرارا من القضاء، لأنه لما مات القاضي قيل: من الأعلم؟ من الأفقه؟ من الأنسب للقضاء؟ قالوا: أبو قلابة، فطلبوه للقضاء فهرب. وهذا كان معروف عند كثير من المحدثين أنهم يفرون من القضاء، ويفرون كذلك من التعامل مع السلطة السياسية في تلك المرحلة، وأحيانا يتهمون أو يسقطون حديث الراوي إذا وجدوه أنه له علاقة شديدة بالسلطة. والسلطة طبعا في تلك المرحلة يعني تكلم عن وقت أبي قلابة كانت الدولة الأموية، وبعد ذلك العباسية، استمرت القضية طبعا مع العباسيين، مع أنه كان لهم طبعا فتوحات وكان لهم ما إلى ذلك، إلا أنه لما يرon عندهم من المظالم وبعض المخالفات والإشكالات، خاصة فيما يتعلق بالمظالم والأموال، فكانوا يجتنبون كثيرا التماس معهم ولما يحفظونه من الروايات والآثار في أن من دخل على السلطان افتتن وما إلى ذلك، والقضاء يزيد على ذلك أنه كان كثير منهم يخاف من القضاء، يعني يخاف من جهة الخطأ في القضاء، أنه القضية حساسة جدا فربما الإنسان يزل أو يخطئ أو يغلبه هوى أو شيء.
كان حين تطلبهم السلطة لمثل هذا مثل أبو قلابة الذي هو تلميذ أنس بن مالك، هرب من القضاء أو هرب من البصرة لأجل القضاء، وهذا معروف عنه، ذكره الذهبي وذكره المتقدمون، معروف جدا عنه هذه القضية. عموما الموضوع فيما يتعلق بعلاقة المحدثين بالسياسة هو موضوع طويل جدا، وهو عكس ما يطرحه المستشرقون، المستشرقون يقولون: إن المحدثين كانوا أبناء السلطة، وأن كثيرا من الأحاديث كانت خدمة للسلاطين وخدمة للساسة، وهذا الكلام من أسخف ما يمكن أن تسمع ومن أعجب ما يمكن أن تسمعه، غريب جدا. بالعكس أنت حين تقرأ في سيرة المحدثين تقول: كانوا يبالغون، كانوا يبالغون في الموقف السلبي من السلطة ومن السياسة، هناك ما يمكن الإنسان أن يراجع كتاب المحدثون والسياسة لإبراهيم العجلان، كتاب كبير سبع مئة صفحة تقريبا في هذا الموضوع. على أية حال، احنا سجلنا الآن كم واحد من تلاميذ انس؟ كم راو سجلنا؟ أربعة، خلاص نختم بالخامس اللي هو عبد العزيز بن صهيب. باقي طبعا باقي إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، باقي حميد الطويل، بس نكتفي الآن بالخمسة هؤلاء، ومثل ما تعودنا احنا ما نأخذ كل شيء دفعة واحدة، إن شاء الله مع الأيام ناخذ كلهم بصريون اللي ذكرتهم لكم، الخمسة كلهم بصريون إلا الزهري مدني كما مر معنا أيضا.
إذا هذا الوجه الأول من الكلام على الحديث. بقي تنبيه يسير جدا، هو قال: وعن حسين المعلم، لو تلاحظون: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن حسين المعلم. مين يعرف وعن حسين المعلم هذي عطف على ايش؟ أو من فين يمكن أن نكملها؟ على مسدد ولا على شعبة ولا قتادة ولا مين؟ يعني من الذي روى عن حسين المعلم؟ أيوا يحيى، يحيى هو الذي روى عن الحسين المعلم، جميل، يحيى روى عن حسين المعلم.
طيب، إذا نكتفي بهذا القدر فيما يتعلق بالوجه الأول. والوجه الثاني المتعلق ببيان المعاني والألفاظ واضح لا يحتاج إلى بيان، لكن ربما تثار مسألة، وهو هي قد يكون محلها الوجه الثالث الذي هو الفوائد المستنبطة، وقد يكون محلها الوجه الثاني، وهي: ما المراد بنفي الإيمان هنا؟ لا يؤمن، هل نفي الإيمان هنا هو نفي الإيمان اختلال خصلة من كماله أم اختلال خصلة من واجباته؟ طبعا هو متفق بين العلماء أن الإيمان هنا أن نفي الإيمان هنا ليس المراد به نفي أصل الإيمان، ليس المراد به نفي أصل الإيمان، بمعنى أنه إذا لم يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه لا يكون كافرا، هذا متفق عليه، لكن هناك اختلاف.
هل الخصلة هذه واجبة أم مستحبة؟ بمعنى إذا قلنا واجبة؛ فيقال هنا نفي الإيمان لانتفاء خصلة واجبة منه، وهي من الواجبات يعني حتى ولو قلنا لكمال الإيمان لكن تكون واجبة، هذا القول الأول.
القول الثاني: أن الصفة هنا مستحبة، فيكون نفي الإيمان لنفي الكمال المستحب. يعني السؤال هو: هل نفي الإيمان هنا نفي كمال الإيمان الواجب أم كمال الإيمان المستحب؟
الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى في فتح الباري يرجح أنه من نفي كمال الإيمان الواجب، يعني يرى أن هذه الخصلة من الإيمان الواجب. ليش؟ ايش يقول؟ يقول بالنص: فإن الإيمان لا ينفى إلا بانتفاء بعض واجباته، فإن الإيمان لا ينفى إلا بانتفاء بعض واجباته، كما قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن».
يعني ابن رجب وابن تيمية له كلام بمثل هذا المعنى بمثل هذا المعنى، أنه ليس في هذا الحديث فقط وإنما هذه قاعدة لديهم، في أن ما قيل فيه من الحديث: لا يؤمن حتى حتى يفعل كذا، لا يؤمن أحدكم حتى يفعل كذا، أو والله لا يؤمن والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه، وغير هذه من الأحاديث مما يدور في معناها، أنه هذه القاعدة العامة فيها: كل ما نفي عنه، كل صفة نفي لأجلها الإيمان فهي صفة واجبة أو خصلة واجبة.
ومنهم من يقول أنها من الباب المستحب، لكن توجيه الحديث بهذه القاعدة وهو أن نفي الإيمان لا يكون إلا بنفي خصلة واجبة فيه هو من التقرير العلمي القوي في هذه المسألة، وكما قلته أيضاً لابن تيمية رحمه الله تعالى.
ننتقل للوجه الثالث، وهو الاستنباطات والفوائد والمعاني التي يمكن أن نستخرجها، وكذلك ما ذكره أهل العلم في هذا الحديث من فوائد تربوية ومنهجية وما إلى ذلك.
أول نقطة، لو تذكرون في الدرس السابق في أي الإسلام خير وأي الإسلام أفضل؟ خاصة أي الإسلام خير: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. حين ذكرت مركزية التآلف بين المسلمين والتآخي وأن هذا من مقاصد الشريعة الكبرى، يعني من المقاصد الشرعية العظمى في الإسلام تحقيق التآخي والتآلف بين المسلمين، والنصوص على ذلك كثيرة جداً.
هذا النص من النصوص التي تؤكد على هذا المعنى، فلو قلنا ما النصوص الشرعية التي تدل ليس على فضل المحبة فقط لا، وإنما التي تدل على مركزية المحبة وعلى قضية التآلف أنها من القضايا والمقاصد الكبرى؟ يقول: هذا يستدل عليه بوجوه من النصوص الشرعية، يعني ليس بنص، ليس بعدد من النصوص، لا وإنما بحزم من النصوص.
فيمكن أن نقول هذه واحد من الأساليب التي أثبت بها أهمية هذه المنزلة، وهي نفي الإيمان عمن لم يحققها، والحديث الذي مر معنا سابقا في اثبات خيرية إسلام من فعل ما يحقق هذه المحبة: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». وأنتم تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». إذن هذه هي الفائدة الأولى.
الفائدة الثانية: هذه الخصلة هي خصلة جميلة جداً، وهي خصلة محببة إلى النفوس النقية، ولكنها في نفس الوقت صعبة وعسرة جداً على من وجدت لديه موانع نفسية. وهذه الموانع النفسية اعتنى العلماء بذكرها التي تجعل هذه الخصلة صعبة.
فالإمام ابن رجب رحمه الله في فتح الباري يقول: وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد. أربع صفات: إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد. يعني هذه الخصلة تحتاج إلى إزالة موانع أكثر من احتياجها إلى إضافة مكونات لدى الإنسان.
تعلمون أن تحقيق الصفات الإيمانية أو الخصال الإيمانية بعضها يحتاج إلى مكونات تضيفها لديك حتى تحققها، وبعضها يحتاج إلى إزالة موانع، هذه الخصلة تحتاج إلى إزالة موانع من أن تحتاج إلى إضافة مكونات. فإزالة المانع هنا هي تطهير النفس من الحسد والغل والغش والحقد.
فإذا طهرت النفس من هذا، ولا يقصد بالتطهير زوال أصلها، كما مر معنا في مدارج السالكين، كما أنه لا يقصد بالتطهير انتفاء جميع صورها، وإنما المقصود بالتطهير هو ألا تبقى مؤثرة على النفس تأثيراً سلبياً.
فحتى لو بقي داعي الحسد داخل النفس، حتى لو أثير بمعناه السلبي في نفسك، فمجاهدتك إياه وصرفه عن المعنى السلبي إلى المعنى الجيد -أو المعنى السيئ إلى المعنى الجيد- هذا يعد من تطهير النفس كذلك. إذن هذه الخصلة العظيمة تتحقق حالة التخلية، حال التطهير، حال التزكية بشقها المتعلق بالإزالة.
الفائدة الثالثة: هو أن هذا الحديث ليس حديثاً نظرياً فقط في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما لو تأملت وقلبت صفحات السير والتاريخ ستجد أنه كان مطبقاً في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يطبق ما هو أعلى منه؛ لأن الحديث لا يتكلم عن تقديمك أخيك على عن تقديم الأخ على النفس، وإنما يتحدث الحديث عن تمني الخير للأخ.
لكن مما وقع في وقت النبي صلى الله عليه وسلم هو تقديم الغير على النفس، وهذه صفة أعلى، وممن تميز بذلك الأنصار بوجه عام؛ لأن الله سبحانه وتعالى أثبت لهم هذه الصفة في اصح ما يمكن أن يقال عن قوم أو في اصح ما يمكن أن ينقل عن تلك المرحلة في كتاب الله سبحانه وتعالى، حين وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَان بهم خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
فهم يقدمون غيرهم على أنفسهم، الذين يقدمون المهاجرين، وزيادة على ذلك أن بهم خصاصة وحاجة وفاقة ومع ذلك يقدمون. وهذا الحديث لم يكن حديثاً نظرياً مجرداً، وإنما كان حديثاً له شواهده من التطبيق العملي في وقت النبي صلى الله عليه وسلم وبعد النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً.
من الصحابة من أجمل ما روي عنه من العبارات في هذا المعنى كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنه. ابن عباس رضي الله تعالى عنه يقول: إني لأمر بالآية من القرآن فأسفهمها -ما أود- إني لأمر بالآية من القرآن فأسفهمها فأود أن الناس كلهم فهموا منها ما أفهم.
هذا معنى كبير جداً، يعني هو يحب لأخيه ما يحب لنفسه ليس فقط في الأمور، ممكن الإنسان يجي في باله الأمور الدنيوية، أنه أنا والله أحب لأخي إذا أنا عندي رزق أحب أن أيضاً يرزق، وأحب أتمنى له الخير أتمنى له العافية، لا. هنا حتى في دقائق العلوم، يمر بآية فينقدح في ذهنه معنى وفهماً معيناً، فيتمنى لو وجد إخوانه من هذا المعنى ما يجد ابن عباس أو ما وجده ابن عباس رضي الله تعالى عنه. وهذا من دقيق النماذج على هذا الحديث، اللي هو: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
الفائدة الرابعة في الوجه الثالث: هو أن هذا الحديث يعيد حساباتنا مع قضية مركزية النفس، ومع الدعوات في كثير من السياقات المعاصرة إلى أن تكون الأمايز والأحسن والأفضل إلى آخره. يعني المقصود فيه من ناحية الفرادة المطلقة، أنه لا ينافسني أحد في هذا المجال.
وهذا الطرح حين يتمحور الإنسان على نفسه ليكون رقم واحد ولا يرضى أن يكون معه في نفس الصف أو في نفس المنزلة أحد، فهذا قد يؤدي إلى فقدان هذه الخصلة الإيمانية التي نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن لم يحققها.
فالإنسان نعم يتمنى أن يكون الأفضل، لكن يتمنى أن يكون معه أيضاً أناس في الصف الأول؛ فأنا إذا تمنيت أنني أتعلم لا أجعل أمنيتي أنني أكون رقم واحد الذي لا يقترب مني أحد، ولا يكون مثلي أحد، فهذه القضية ليست محبوبة على الإطلاق، وإنما تكون محبوبة في مقامات خاصة ومقامات تفصيلية جداً.
لذلك ننتقل للفائدة الخامسة وهي مرتبطة بهذا الاستدراك الذي استدركته أخيراً، وقد ذكره الإمام ابن رجب في الفتح، وهو أنه ماذا لو حصل تفرد من شخص هبة من الله؟ هل يظهر هذا التفرد أو لا يظهره؟ هل يحدث به أو لا يحدث به؟ هل يلاحظه في نفسه أو لا يلاحظه؟ هذا معنى دقيق جداً. الإمام ابن رجب رحمه الله يقول: إنه لا أشكال أن إذا وهب الإنسان شيئاً اختص به أن يحدث بهذا الذي اختص به على وجه الشكر. واستدل على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول شافع ولا فخر».
يقول: أهم شيء ما يكون على سبيل الفخر، وإنما على سبيل الشكر لله سبحانه وتعالى. وأنتم تعلمون أن التحديث بنعمة الله سبحانه وتعالى هو من الأمور التي حث الله سبحانه وتعالى عليها.
وأيضاً استدل ابن رجب على ذلك بقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته. وهذا معنى أنه حدث أنه أعلم شخص بكتاب الله سبحانه وتعالى. فالقضية، نحن نقول: يكون الأصل عند الإنسان هو هذا المعنى الذي في الفائدة السابقة في الفائدة الخامسة، ولكن قد يكون هناك استثناءات، ودائماً الاستثناءات تحتاج إلى فقه، دائماً الاستثناءات تحتاج إلى فقه.
وكما نبه أيضاً أحد الزملاء في الكتابة هنا: الفائدة الأخيرة، ما نقله ابن حجر عن الكرماني أن من الإيمان أيضاً أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء.
الحديث الثاني أو التالي: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان. وسأقرأ حديثين وليس حديثاً واحداً؛ لأن الحديثين في معنى واحد.
قال البخاري رحمه الله: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب قال: حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده».
وحدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ح وحدثنا آدم قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».
الكلام على هذين الحديثين من وجوه:
الوجه الأول: فيما يتعلق بالإسناد. هل تذكرون حين ذكرت في واحد من الأحاديث السابقة قلت لكم دائماً إذا روى أبو اليمان عن شعيب فإنه يكون بصيغة أخبرنا وليس بصيغة حدثنا؟ قضية الإجازة، هذا تذكير بها فقط.
أيضاً أخذنا بالأمس أصحاب أبي هريرة، من ذكرت لكم من أصحاب أبي هريرة وتلاميذ أبي هريرة؟ من الذين ذكرتهم أمس فقط أصلاً من الذي مر معنا أمس في الحديث في نفس متن البخاري؟ كان أبو صالح السمان أليس كذلك؟ أبو صالح السمان عن أبي هريرة، هذا واحد اللي هو في نفس الحديث.
لكن ذكرت لكم ربما اثنين أو ثلاثة من أصحاب أبي هريرة، من تلاميذ أبي هريرة: سعيد بن المسيب والأعرج. فقط عندما أذكر لكم غير هؤلاء الثلاثة: همام، ننتبه جيداً، همام بن منبه أيضاً. هؤلاء أربعة، ممكن اليوم ناخذ واحد خامس أيضاً، خامس وهو محمد بن سيرين.
محمد بن سيرين الإمام المعروف الكبير الجليل، صاحب العبارة المشهورة: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. الإمام محمد بن سيرين لا يحتاج إلى كبير تعريف، وهو من فضلاء التابعين وائمتهم. أحمد يسأل: مفسر الأحلام؟ نعم عرف بتفسير الأحلام، لكن الكتاب المشهور المطبوع في كل مكان عن تفسير الأحلام لابن سيرين هذا ليس لابن سيرين، ولا يعرفه ابن سيرين ولا رآه ابن سيرين، هو كتاب موضوع.
لكن يهمنا الآن لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه هو أن نعرف أهم أصحابه، أهم تلاميذه، أهم الذين نقلوا عنه، أهم الذين رووا عنه، وأهم الذين تلقوا عنه العلم. فواحد منهم الأعرج. الأعرج أخذنا تلميذاً من تلاميذه وهو الزهري أليس كذلك؟ المفترض أننا أخذنا تلميذاً من تلاميذه وهو الزهري.
هذا الآن التلميذ الثاني وهو أبو الزناد. وبهذا الإسناد سترون أنه يتكرر علينا في البخاري كثيراً، سيمر معنا في البخاري كثيراً: أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، سلسلة مشهورة من السلاسل الصحيحة جداً القوية جداً المتكررة كثيراً: أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. والزهري عن الأعرج عن أبي هريرة، لكن أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
أكثر، لا أريد أن أطيل أكثر في هذا الإسناد، ننتقل للإسناد الثاني، وهو في الحقيقة -عفوًا- لإسناد الحديث الثاني. عندنا إسنادان؛ الإسناد الأول من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس.
من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس؟ عبد العزيز بن صهيب أخذناه قبل قليل. الإسناد الثاني أخذناه بسلسلته، أليس كذلك؟ شعبة عن قتادة عن أنس.
شعبة عن قتادة عن أنس. هذا تكرار مباشر، يعني إحنا اخذنا -قلت لكم- سيمر معنا شعبة عن قتادة عن أنس. هنا أول تكرار وسيمر معنا كثيراً بإذن الله تعالى.
يتبين مع الأيام كيف أن الأسانيد حين تعرفونها بسلاسلها بتسلسلها كيف أن هذا سيكون جميلاً جداً، يعني يكون كأنه ستار أزيح عن شيء من الأمور الغامضة. هذا ما يتعلق بالوجه الأول.
والوجه الثاني يقال فيه ما قيل في الحديث السابق في نفي الإيمان: لا يؤمن أحدكم، نفس ما قيل في الحديث السابق. إذن، ننتقل مباشرة إلى الوجه الثالث من الوجوه، وجوه الكلام على حديثين، وهي الفوائد المنهجية والسلوكية والتربوية التي نستخلصها من الأحاديث.
أول فائدة: هذه الأحاديث تلفت انتباهنا إلى أن الإسلام ليس شعائر تعبدية عمليَّة فقط، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يركز على الشعائر التعبدية العمليَّة فقط، وإنما كان يلفت الانتباه دائماً إلى إرجاع النفس، إرجاع الإنسان نفسه إلى قلبه، إلى شعوره، إلى مراجعة أعماله الداخلية، محركاته، بواعثه. والخطاب الدعوي، الخطاب الإسلامي، متى ما ترك هذه الموازنة بين الباطن والظاهر يكون قد أخلَّ إخلالاً كبيراً.
متى ما رأيت الخطاب الدعوي أو الإسلامي يركز على الأعمال الظاهرة فقط، فمثلاً سواء من ناحية الواجبات أو السنن، وإذا كان تركيزه على السنن الظاهرة أكثر من تركيزه على الواجبات الظاهرة، وأكثر من تركيزه على الأعمال القلبية، فهذا اختلال مركب مضاعف، وهو قلب لهرم الأولويات. النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي بهذه الأمور كلها، وإذا تكلم عن القلب أو عن أعماله القلبية يكون الخطاب مؤكداً، يكون الخطاب معظماً، يكون الخطاب لافتاً للنظر وللانتباه؛ أن الشأن كل الشأن هو ما في القلب. ولذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التقوى ههنا» وأشار إلى صدره.
التقوى ههنا وأشار إلى صدره. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر مثلاً في الحديث القدسي عن الله سبحانه وتعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه»، وهذا كما تعلمون أمر متعلق بالقلب. هنا أيضاً هذا الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى...) إيش ما الذي يفعل؟ هنا أمر قلبي، وهو محبة، حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين.
والفائدة المنهجية هنا هي في خطابنا، في دعوتنا، في كلامنا، يجب أن نتوازن، لا ننظر دائماً إلى العمل الظاهر، وإنما ننظر إلى الاثنين. طبعا هناك من عنده بالعكس، عنده التركيز كله على العمل الباطن ولا يهمه ما الذي يفعل في الظاهر، ويفصل بين الظاهر والباطن، وهذا الفصل خاطئ تماماً ولا يمكن أن يفصل بين الظاهر والباطن.
ولذلك ننتقل إلى الفائدة الثانية المرتبطة بهذه الجملة الأخيرة التي ذكرتها، وهي أن الحب، وإن كان أصله في القلب، إلا أن آثاره يجب أن تظهر على الجوارح. وهذا يكون عند سائر البشر مع اختلاف متعلقاتهم في الحب؛ ومنهم من يحب عشيقاً، ومنهم من يحب إبلاً وخيلاً، ومنهم من يحب... إلى آخره من المحبوبات والمتعلقات. إذا كان الحب صادقاً وعظيماً، لا يمكن إلا أن يظهر على البدن، أو لا يظهر من آثار ما يدل عليه؛ فقد يظهر في نظر، فقد يظهر في مرض، فقد يظهر في حركة بالرجل أو باليدين، فقد يظهر في... وإلى آخره.
وإذا كان هذا في المحبوبات العادية الدنيوية البشرية، ادعاء وجود محبة الله في القلب، وادعاء وجود محبة النبي صلى الله عليه وسلم في القلب، بل ادعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلى الإنسان من كل المحبوبات الأخرى، ثم لا يكون في العمل الظاهر أدلة على هذا الحب، فهذه دعوة الكذابين، هذه دعوة البطالين. لأنه كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123]. القضية ليست أماني، ليست أماني.
هنا مقام آخر، وهو مقام مهم جداً جداً، فانتبهوا له جيداً. هناك من يقول: أنا ظهرت علي آثار هذا الحب! فأنظره في هذا الفعل وهذا الفعل وهذا الفعل، ويعدد أفعالاً له هي لازمة لحبه للنبي صلى الله عليه وسلم بل ولتقديمه للنبي صلى الله عليه وسلم على نفسه. هنا باب من الأبواب الشيطانية التي قد يدخل منها الشيطان على الإنسان، وهو أن آثار الحب التي تظهر على الجوارح يجب أن تكون موافقة لمُراد المحبوب.
يجب أن تكون موافقة لمُراد المحبوب، حتى ما يكون الحال مثل القصة التي من مأثورات القصص الخيال أو العرب القديمة؛ من أتى إلى محبوبه وهو نائم فوجد عليه ذبابة فأخذ صخرة كبيرة حتى لا تؤذيه الذبابة، فضرب بالصخرة الذبابة -طبعاً- وانطحن الرأس مع الذبابة؛ لأنه هنا لا يكفي قضية أنه أنا والله ظهر علي أثر، ظهر علي أثر المحبة. نعم، ظهر عليك أثر المحبة ويبدو أن محبتك كبيرة جداً إلى درجة أنك طحنت رأس حبيبك، لكن القضية هي: هل هذه المحبة موافقة لمُراد المحبوب أو ليست موافقة لمُراد المحبوب؟
فكثير ممن يدعون محبة النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون إن أفعالهم قد دلت على ما في بواطن نفوسهم من الحب، كانت أفعالهم تلك مناقضة لمُراد الرسول صلى الله عليه وسلم. فمنهم من يكون أعظم إظهار عملي لمحبته للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في الرقص والغناء، نعم هي قصائد مديح وما إلى ذلك، لكن هذه هي الوسيلة الأساسية. تعال في المواطن التي يحبها النبي صلى الله عليه وسلم ويحث عليها ويؤكد عليها ويكرر الكلام فيها ويدعو فيها بمختلف الوسائل على ضرورة أن تفعل، تجده أبعد الناس عنها، لكن في الشيء الذي يوافق هواه ويوافق ما يحركه تجده أكثر الناس إقداماً.
والمصيبة ليست هنا فقط، المصيبة أنه إذا اتهم غيره ممن لا يرقص كرقصه -ألا يطربك طربه؟- إن ذاك الآخر ناقص المحبة للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يحترم الرسول صلى الله عليه وسلم كامل الاحترام، أو أنه صاحب جفوة، وقلبه ليس رقيقاً تجاه النبي صلى الله عليه وسلم، والا لطرب وغاب وعيه ودار ورقص وقفز... إلى آخره من الأشياء التي تعلمونها.
فالقضية هنا هي أن المحبة يجب أن تظهر، وظهورها يجب أن يكون موافقاً لمُراد المحبوب لا أن يكون ظهورها معارضاً لمُراد المحبوب. وهذا المعنى مذكور في النصوص الشرعية، ليس كلاماً من الرأس وبعد ذلك ذكره أهل العلم، بل وأهل العلم غاصوا في العلامات فقالوا: حسناً، ما هي العلامات التي تدل؟
فنحن لدينا أولاً قانون قرآني واضح: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. يعني هذه الآية هي الكاشفة لقضية المحبة: تحبون الله؟ حسناً، الدليل الذي يمكن أن يثبت هذه المحبة هو الاتباع، والاتباع عمل، الاتباع ليس سفر القلب والجسد ميتاً، وإنما الاتباع هو رحلة القلب والروح والبدن كذلك. ولذلك الذين أحبوا النبي صلى الله عليه وسلم حقاً في وقته هم الذين تركوا ديارهم وأهليهم وأموالهم وهاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه علامة المحبة القرآنية بالقانون القرآني: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
نفس القضية، إن كان الإنسان يحب النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه. ألم يحث الله سبحانه وتعالى على محبته؟ إذا كانت محبة الله تستجلب باتباع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو تصديق الدعوة، فمن باب أولى أن يكون تصديق دعوة حب النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه أن يتبعه الإنسان. فإذا رأيت المرء يستدبر السنة العمليَّة -السنة أقصد بها عموم الشريعة يعني حتى حتى الامور الواجبة، يعني الهدي النبوي ما كان منه واجبا وما كان مستحبا- من يستدبر الهدي النبوي ويستقبل وسيلته الخاصة في التعبير عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم في حال كونه مستدبراً للسنة، فلنعلم يقيناً أن هذه المحبة كاذبة، وهي محبة كاذبة حتى قد يكون هو مغبون فيها يعني قد لا يتبين له أنه هو كاذب فيها.
حسناً، ما هو معيار المحبة الصحيحة؟ قلنا إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. حسناً، معايير ذكرها أهل العلم في قضية المحبة، من المعايير الجميلة ذكرها الإمام ابن رجب رحمه الله في فتح الباري. أنا أكرر طبعاً ابن رجب وليس ابن حجر، يعني هناك فتح الباري لابن رجب وفتح الباري لابن حجر، سبق أن ذكرت هذا، وهو أمر معروف.
ابن رجب رحمه الله تعالى في فتح الباري يقول -بالمعنى-: إذا تعارضت طاعة الرسول في أوامره مع طاعة المحبوب الآخر، وبحسب تقديمه في الطاعة يكون صدق دعوة المحبة. ولكن ابن رجب يا جماعة -طبعاً أنا أحب ابن رجب كثيراً- ابن رجب دقيق، ويحب أن يميز بين المختلفات المتقاربة، ذكر هنا ضابطاً مهماً، يقول هذا في امتثال الواجبات وترك المحرمات.
حسناً، إذا تعارض محبوب -شوفوا لاحظ- تعارض داعي محبوبي أو أمر محبوبي مع مندوبات الشريعة وليس مع واجباتها، هو الآن يقول لك: إذا تعارض واجب دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم مع أمر لمحبوب آخر إن قدمت أمر المحبوب الآخر هنا عندك نقص في المحبة، ولا يقول بزوال المحبة، يقول: نقص. نقص محبة واجبة.
حسناً، إذا تعارض المندوب والمستحب مع المحبوب، هل يكون عدم امتثال الأمر النبوي وامتثال الأمر الآخر يكون نقصاً في المحبة الواجبة أم لا؟ يقول: لا، لا يكون نقصاً في المحبة الواجبة، نقص عن منزلة الكمال. ما هي منزلة الكمال؟ يقول: وهذه الآية عظيمة، يعني هذه الآية تستحق محاضرة كاملة وربما أكثر، وهي أن الله سبحانه وتعالى ذكر الثلاث طبقات: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32].
هؤلاء الثلاثة، هذه الثلاث طبقات ليست للمسلمين والكفار، كلها في المسلمين؛ ومنهم ظالم لنفسه من المسلمين، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله. السابق بالخيرات هذا هو المقرب، هم المقربون من الله سبحانه وتعالى. فيقول ابن رجب: من يؤثر محبوبات النبي صلى الله عليه وسلم أو المندوبات التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤكد عليها تأكيد الوجوب على دُون محبوباته يكون من المقربين، ومن لم يؤثر المندوبات النبوية على محبوباته يكون من المقتصدين.
وبالتالي يمكن أن نقول أيضاً: من لم يؤثر الأمر الواجب على محبوباته يكون من الظالمين لأنفسهم، يعني ممن وقع في الإثم، وهناك بحسبه؛ بحسبه فقد يتمادى في ذلك حتى يفقد الإسلام، كثير من الشرك والكفر الذي وقع منبعه المحبة، ألم يقل الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ من دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165]؟ قد يكون دافع الكفر للإنسان أو الشرك أو يعظم شيئاً متعلقاً بمحبوبه حتى يتجاوز به الشريعة في أصلها. هذا الآن معيار وضابط مهم جداً في قضية الواجبات وفي قضية الطاعات، وكما قلت هذه من الأشياء التي تعجبني في الإمام ابن رجب رحمه الله؛ لا يأتي بالمعاني العامة المطلقة دون أن يفصل بينها ويجعلك ضوابط ويدخل في تفصيل التفصيل حتى تخرج وأنت مستوعب المسألة رحمه الله تعالى.
ابن حجر في فتح الباري ذكر أيضاً علامة، ذكر أيضاً علامة غير التي ذكرها ابن رجب؛ ابن رجب يتكلم عن قضية تعارض الطاعات إن كانت واجبة أو إن كانت مستحبة، أما ابن حجر ذكر في قضية الشعور؛ التمني في حالة الوجود والفقد، في حالة الوجود والفقد أنه لو خيرت بين أن ترى النبي صلى الله عليه وسلم وبين أن تفقد بعض -كما قال هو سماها غرض من أغراضه- غرض من أغراضه، يعني شيء من محبوبات، أنه هل الإنسان يقدم هذا أم هذا؟
طبعاً هذه القضية كمان يجب أن يفهمها الإنسان، الصورة الصحيحة ليست بالضرورة أن تكون أنه أتخيل أني أفقد أبي وأمي أو أرى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لا تكون بهذه المعادلة، أسأل التي يضطر فيها الإنسان أن يجابه شعور فقدان الأب والأم لا، وإنما يعني الإنسان لا يتكلف في هذا حتى لا يقع كذلك في إشكال. فهذا ذكره ابن حجر رحمه الله تعالى.
ثم أتى بمعنًى هو المعنى الذي ذكرت، الذي كتبت فيه المنشور اللي قلت إنه صعب الإنسان يعبر عنه، وهو أنه يقول إن هذا ليس منحصراً في انك تفقد أو ترى، تفقد أو تجد النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الرؤيا، وإنما يقول إن المعيار هنا والعلامة في أنه هل هو أحب إليك؟ هل هو أحب إليك؟
من والدك ووالدك والناس أجمعين؟ هل هو أحب إليك من محبوباتك؟ يقول وأقرأ عليكم نص كلامه: قال ليس ذلك محصوراً في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب عن شريعته وقمع مخالفيها. وليس ذلك محصوراً في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب عن شريعته وقمع مخالفيها.
وكما قلت من الصعب حقيقة أن أشرح ما الذي ينقدح في النفس أو انقدح في نفسي حال قراءة هذا الكلام، لكنه كلام جليل جداً، وهو أنه من لوازم أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليك من والدك ووليدك والناس أجمعين، هي ليست قضية أن أتمنى أن أراه أو لا أراه، أو لو خيرت بين غرض من الأغراض الدنيوية واني أرى أنا ساقدم رؤيته على يقول القضية ليست خاصة بالوجود والفقد، وإنما أين موقعك حين تهاجم شريعته؟ أين يكون صفك؟ أين يكون موقعك؟ متقوقع في مكتبتك واضع رجل على رجل، ولا همك شيء من اللي صاير فيما يتعلق بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم التي جاء بها بالسنة النبوية، طبعا هذا ليس خاصاً بالسنة وحجية السنة، وإنما بالدين بالإسلام، بما يتعلق بشأن الأمة التي بكى لأجلها النبي صلى الله عليه وسلم.
أين موقعك في هذا؟ أنت تقول هو أحب إلي من والدي وولدي والناس أجمعين، ثم إذا أتت المواطن التي يراد فيها نصرة النبي صلى الله عليه وسلم بنصرة أمته أو سنته أو دينه تكون من المتخلفين المتخاذلين؟ هنا هذه القضية تحتاج مراجعة النفس.
هذا المعنى حقيقة هو الذي استوقفني جداً في تعليق الإمام ابن حجر على حديث لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. العبارة مرة أخرى: وليس ذلك محصوراً في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب عن شريعته وقمع مخالفيها. أيضاً قال: ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا والله تعالى أعلم، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد