دخولتسجيل الدخول

الحلقة 24

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إذا أقبلت الدنيا عليك فلا تنسَ حق الله فيها من نفقة أو زكاة، واعلم أن من أعان غارماً أو أنظر معسراً أظله الله في ظله، وإن أدبرت فلا تأسَ عليها؛ فإن احتجت للدين فاعلم أن من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله.

تحدثنا مع الدكتور سعيد في الحلقتين الماضيتين عن أربعة من مصارف الزكاة، وهي: مصرف الفقراء والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم. وحديثنا اليوم بإذن الله تعالى عن مصرفين آخرين من مصارف الزكاة، وهما: في الرقاب والغارمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا مرحباً يا أبو ناصر، حياك الله وحيا الله المشاهدين الكرام.

هل المصرف الذي هو في الرقاب ما زال هذا المصرف موجوداً في هذا الزمن؟

سؤال جيد. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أولاً قبل الدخول في هذين المصرفين، أظنه يستحسن أن ألخص ما تقدم في الحلقة الماضية. كنا تكلمنا فيها عن مصرف العاملين عليها وأيضاً المؤلفة قلوبهم، وذكرنا في العاملين عليها أنهم من ينصبه الإمام أو الدولة، ويكونون مكلفين من قبل الدولة، وقد يكونون من الموظفين في المؤسسات التي رخصت لهم الدولة، وأنه لا يجمع العامل على الزكاة بين أجرة العمل عليها وبين الراتب إذا كان له راتب. وذكرنا أنه يأخذ منها ولو كان غنياً؛ لأن هذا بمثابة الأجرة، وذكرنا أن النساء يدخلن ضمن العاملين عليها في بعض المؤسسات إذا احتيج إليهن، وأنه كل من احتيج إليه في جمع الزكاة والمحصل لها والقاسم لها والحافظ لها، وكل من يحتاج إليه في مصرف الزكاة أو في جمع الزكاة فهم من العاملين عليها.

بالنسبة للمؤلفة قلوبهم، ذكرنا أنهم من المسلمين باتفاق، وذكرنا قبل ذلك أن من أهل العلم من يقول إن هذا المصرف لم يبقَ، وهم الحنفية الذين يقولون إنه منسوخ، لكن الجمهور يقولون بأنه ما زال باقياً. ويدخل في هؤلاء من المسلمين من كان نريد تثبيت إيمانه، أو نريد إغراء غيره من الوجهاء الآخرين من قومه ممن لم يسلم للاسلام، أو نريد أن يكون مناصراً للمسلمين في مكانه الذي هو فيه. فهذا من المسلمين، وإذا كان من الكفار أو من غير المسلمين فذكرنا أنه يُعطى إذا كان يُرجى إسلامه، أو إذا كان في إعطائه دفع عن أهل الإسلام أو مدافعة للمسلمين. وذكرنا أن هذا ليس برشوة، وأن الدفع إنما هو دفع للضرر وليس دفعاً لشخص، وديننا دين حق، ولا يُراد من هذا الدافع إلا أن يكف شر الناس؛ فالناس قد يكون لهم شر، فلا يُراد منه قول شيء ليس بحق أو مدافعة بالباطل، وإنما يُراد منه أن يكون سداً منيعاً ضد من يتعدى على الإسلام والمسلمين. هذا ملخص ما ذكرناه في الحلقة الماضية.

طبعاً ذكرنا بعض الأشياء المستجدة؛ مثلاً لو كان هناك مؤسسة لرعاية المستجدين في الإسلام، هل يُعطون ولا ما يُعطون؟ وذكرنا أن هذا يمكن أن يُعطى من سهم وفي سبيل الله؛ لأن المؤلفة قلوبهم يُشترط فيها التمليك بالاتفاق، فلا بد أن يملك هذا الجديد المال، إلا إذا كانت المؤسسة ستعطي الجديد وتكون هي وكيلة عن المزكي وتعطي هؤلاء المسلمين الجدد لتثبيت إيمانهم، لكونهم في مكان قد يكون عليهم من الضغوط ما يحملهم على ترك الإسلام.

بالنسبة للمصرف الخامس وهو في الرقاب، الذي سألت عنه: هل ما زال باقياً؟ في الرقاب، ما هو في الرقاب؟ الرقاب جمع رقبة، والرقبة هي العنق، وهي تُطلق ويُراد بها الشخص أو الذات من باب الكناية، فيقال: اعتق رقبة، أي اعتق مملوكه، وليس معناه الرقبة الواحدة. ففك الرقبة أيضاً نفس الشيء، وعند فلان من الرقاب كذا وكذا، يقصد من المماليك؛ فالرقبة تُطلق ويُراد بها الشخص كما أن الوجه يُطلق ويُراد به الشخص أيضاً في حسب السياق، وهذا من باب إطلاق الشيء أو تسمية الشيء ببعضه لأهمية هذا البعض. فمثلاً في العبادة؛ عندنا الحج فيه الطواف وفيه السعي وفيه منى وفيه رمي الجمار، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الحج عرفة»، فهذا من باب تسمية الشيء ببعض ما فيه لأهمية ذلك البعض. والله سبحانه وتعالى قال في الحديث القدسي: «إني قسمت الصلاة بيني وبين عبدي»، والمراد بالصلاة هنا الفاتحة؛ إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، وذلك من باب تسمية الشيء ببعضه لأهمية ذلك البعض.

وهنا المراد بالرقاب أحد أمرين عند الفقهاء، وبعضهم يزيد ثالثاً: الأول المكاتبون. من هو المكاتب؟ المكاتب هو مملوك اتفق مع سيده أو مالكه على أن يفدي نفسه بمال، ويكون ذلك مقسطاً؛ يعمل أو يكتسب مالاً ويعطي سيده نجوماً أو أقساطاً، فإذا انتهى المبلغ الذي عليه أصبح حراً. وأما الرقيق أو القن فهو الذي لا زال مملوكاً ولم يسمح له سيده بالمكاتبة؛ لأن هذا راجع إلى إذن السيد هل يرضى بالمكاتبة فيكون بينه وبين سيده ذلك العقد، وهذا كان قديماً وقد يكون في الأيام القادمة، لا يُدرى. والان تقريباً لا يوجد مماليك، ولا يوجد أحد يملك أحداً إلا في أماكن لا نعلمها، فقد يوجد. فهل بقي هذا المصرف؟ طبعاً قالوا المكاتبون، هذا جمهور العلم يقولون نعطي المكاتب؛ لماذا نصوا على المكاتب؟ قالوا لأن المكاتب يملك يده حرة ليس مثل المملوك؛ المملوك ما زال مملوكاً لا يملك، فإذا أردت أن تعتقه تشتريه من سيده، فكأنك تدفع مال الزكاة للسيد وليس للمملوك. فقال الجمهور إنه خاص بالمكاتب، والمالكية يقولون بل هو خاص بالرقيق، ولا يدخل فيه المكاتب؛ لأن الله قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60]، والرقاب إنما تطلق على الرقيق على المملوك.

وأولئك قالوا: لا يمنع إطلاقها على المكاتبين وهو المراد؛ لأن الزكاة كما قالوا تمليك، وكما قالوا إن هذا تعطيه السيد ولا تعطيه المحتاج الذي في الرقبة. فقالوا: أولئك قالوا في الرقاب ولم يقل للرقاب؛ يعني في الأربع الأولى قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: 60] باللام، عطف كلها باللام يعني تمليكاً، ثم قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، يعني يكون فيها لا لها، فهذا لا ينطبق إلا على المملوك الذي يُشترى، وقد ينطبق على المكاتب لأنه شامل له، وهذا مذهب الحنابلة أنه يكون في المكاتبين، وأضافوا إلى المكاتبين فك الأسرى.

هل عندنا سؤال استفتاء في الأسرى؟ نعم، تبي نعرضه؟ لأننا تطرقنا له في سؤال أمس عرضناه على حسابنا في تويتر. السؤال يقول: أسير من المسلمين في دولة غير مسلمة، هل يدخل في سهمي وفي الرقاب؟ يدخل أو لا يدخل؟ يا ترى ماذا أجابوا؟ 83% قالوا يدخل، و17% قالوا لا يدخل.

اختلف الناس هنا المصوتون، كما اختلف العلماء. العلماء مختلفون في هذه المسألة: هل فك الأسير يعتبر فك رقبة أو يعتبر في الرقاب؟ لأن الرقاب عادة ما تطلق على الرقيق أو المماليك. فهل الأسير؟ الحنابلة قالوا: نعم، بل هو أولى؛ لأنه أسير في دار حرب عند أمة ليست مسلمة، وهم يطلبون لفكه مبلغاً. فهل يُعطون؟ الحنابلة يقولون: نعم، هذا أولى؛ لأن فيه نصرة للمسلمين، وفيه إعزاز للدين، وفيه فك رقبة لا يمكن أن تُفك إلا بذلك، فهو شبيه بالرقيق بل هو أولى من ذلك، وشبيه بالمكاتب بل هو أولى من ذلك. المكاتب يمكن أن يفرج الله عنه بدفعه مع الوقت، لكن هذا أسير لا حول له ولا قوة. وقاس بعض المعاصرين أيضاً المختطف، شخص اختطفته عصابة أو كما يقال هذه الأيام إرهابيون، وطلبوا فدية ولا حيلة له من فكه عنهم وهو مسلم، وهم غير مسلمين إلا بدفع تلك الفدية؛ فهل يجوز ذلك من مال الزكاة من سهم وفي الرقاب؟ من أهل العلم من جوّز ذلك وقاسه على الأسير وعلى فك الرقبة، ومنهم من قال: لا، هذا المصرف خاص بالرقاب التي هي الرقيق. هذا جملة ما في موضوع وفي الرقاب، وعلى هذين القولين الأخيرين الأسير والمختطف يدخل في معناه؛ فلا زال هذا المصرف موجوداً قائماً.

أنت عندك أيضاً ما هو متعلق بكفارة عتق الرقبة، هل هي موجودة أو ليست موجودة؟

هذا من الإشكالات الكبيرة التي نواجهها ويواجهها الناس، أنهم لا يجدون. ولعل هذا من الخير؛ فالله سبحانه وتعالى جعل عتق الرقبة كفارة لكثير من الأشياء؛ فهو كفارة للقتل، كفارة للظهار، وكفارة حتى في الأيمان السهلة، جعل من كفارتها أيضاً عتق الرقبة، واليمين ممكن تصوم ثلاثة أيام، وكل هذا توجه من الشارع إلى عدم التملك إلى الحرية، ولعله بسبب هذه الكفارات وبسبب حظ الشارع أو الشريعة على تحرير الرقاب، لم يعد هناك أرقاء في هذا العصر.

ندخل الآن في المصرف الآخر، وهو الغارمين. من خلال الحديث؛ الحديث عن قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله عنه قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها». قال: ثم قال: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك». الحديث رواه مسلم.

أنا تعلمت من الشيخ شيئاً؛ إذا قلت آخر شيء الحديث، يعني في تكملة للحديث، صحيح؟

قلت الحديث، فإذا في تكملة. الحديث طويل، والشاشة أحياناً تكون صغيرة بالنسبة للحديث؛ هناك أحاديث طويلة جداً ومهمة جداً كنت أريد إحضارها، لكن للحال الموجود وصعوبة عرضها على الشاشة تركت كثيراً منها، وسرت بعض الأحاديث أخذ منها بعض الفقرات المهمة؛ مثلاً هذا الحديث حديث قبيصة بن المخارق، وجاء تحمل حمالة. ايش تحمل حمالة؟ يعني تحمل ديناً ليس له بسبب صلح بين الناس. تحمل حمالة معناه أنه أصلح بين الناس؛ كان هناك فتنة بين قبيلتين أو حرب، فدخل بينهم رجل وحاول، ذهب إلى هؤلاء للإصلاح وسعى في الصلح، فوافقوا إلا أنهم يقولون: لنا ديون لنا ديات، فلان قُتل منهم ولدهم، وكل هذه ديات. إذا تركناها هكذا فهم موتورون بأولادهم وموتورون بدياتهم. فتجد بعض الناس من أهل الخير يريد إطفاء الفتن، فيتحمل ما على الطرفين من الديون، فيقول: أنا لكم بهذه الديات. وكان أبو بكر يفعل ذلك رضي الله عنه.

أنا ذكرت من هذه الناحية؛ في عصرنا هذا، يكفل، فيتحمل، آخر شيء تلاقيه يشرد أو يروح لبلاده، فهو آخر شيء يتحمل دينه، فخلاص هو عليه آخر شيء أن يدفع دينه، وهذا سيرد معنا، لابد أن تسألني في هذا، وهو غارم أيضاً من الغارمين، لكن له شروطه. الغارم نوعان من الناس. أنا أريد شرح الحديث في الحقيقة ولا أريد أن أكمل إن شاء الله. ماذا قلنا عن قبيصة بن مخارق؟ هو جاء تحمل هذه؛ والناس منهم من يتحمل هذه الحملات.

مثل حرب الفجار التي كانت بين قريش وبني بكر، دامت أربع حروب كلها من حروب الفجار. واحدة من هذه الحروب أوقفها عتبة بن ربيعة، الذي هو أبو هند بنت عتبة، وهو توفي كافراً، لكنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لما رآه في غزوة بدر: «إن يكن في الناس خير فصاحب الجمل الأورق»، الذي هو عتبة بن ربيعة، وكان يريد رد الناس عن القتال لكن أغراه أبو جهل، والقصة طويلة. هذا الرجل وعمره 20 سنة لما قامت المعركة، أبى عمه أمية الذي يُنسب إليه بني أمية، أو أخوه الأكبر، أبى أن يذهب معهم لأنه صغير، فما راعَ الناس في القتال إلا رجل بينهم على جمل يصرخ بين الناس ويقول: يا بني بكر كذا وكذا، وعليّ لكم ديات قتلاكم واتركوا هذه الحرب. فقالوا: من أنت؟ فانتسب لهم عتبة بن ربيعة.

ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف يتصل مع النبي ﷺ في عبد مناف، فقالوا: نعم ونعم الرجل؛ لأنه صاحب نسب شريف، ومعروف أهله، فوافقوا أنه يتكفل لهم بهذه الدماء، وأنهى الحرب. وهو صغير تعجب الناس، فجمعوا الناس وساعدوه حتى أعطى الديات، فأحياناً يتحمل الرجل حمالة لإصلاح بين الناس وهو ليس عنده ما يدفع ذلك، لكنه لا بد أن يعان، ومثل هذا يعان، فصار في الزكاة مصرف للغارمين، ومن الغارمين هذا النوع.

هذا الرجل تحمل حمالة وهو قبيصة بن مخارق، فلما جاء النبي ﷺ قال: «ليس عندنا شيء، لكن ابق حتى تأتينا الصدقة». ثم قال له: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة»، يعني أصلح بين الناس وتحمل ديوناً لأجل ذلك، «رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك». فهنا الغارم إذا أصاب ما يؤدي غرمه لا يجوز له أن يأخذ زيادة من ذلك، فإن أخذ زيادة على ذلك، أي جاءه مال من الزكاة ثم سدد ما عليه من الغرم وبقيت بقية ماذا يفعل بها؟ عليه أن يردها، لا تحل له، أو ينفقها في الغارمين الآخرين أو الفقراء، فليست له، إنما حلت له لأجل ما عليه من الغرم، فإذا انتهت الحاجة بقيت محرمة عليه إلا أن يكون فقيراً فيأخذها من باب آخر ومن باب الفقر.

«ورجل أصابته فاقة أو أصابته جائحة»، اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب منها، «ورجل أصابته فاقة فيقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فيقولون: إن فلاناً أصابته فاقة، فتحل له المسألة حتى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش». هذه الثلاثة بقية الحديث أكملتها.

بالنسبة للجائحة والفاقة، الجائحة هي مثلاً عنده مزرعة وجاءت عاصفة وذهبت بالمزرعة، أو مرض، أو الإبل ماتت كلها، أو الغنم، ولم يبق معه شيء. جائحات هذه إن شاء الله ما تبقينا، والأمور تكون، الله سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وفيها الخير للناس؛ اتعظ المذنب ورجع، وأنفق الممسك، ورجع الجاحد. هذا فيروس صغير انظر ماذا صنع بالناس ولا يقدرون عليه. يقولون بأن أحد الخلفاء وقع على أنفه ذباب فقال بيده هكذا فطار الذباب ورجع، فقال بيده هكذا ثلاث مرات أو نحوها، ثم التفت إلى عالم بجواره وقال: لما خلق الله الذباب؟ ما له فائدة! يرى أنه قال: ليرغم به أنوف الجبابرة. يعني أنت جبار وكذا.

بالنسبة للجائحة عندهم، الرزق كان مثلاً من عمل يومي مش من راتب يأخذونه، هل يعتبر من ضمن الجائحة؟ الجائحة هي التي تذهب بالمال تماماً، هؤلاء لا يذهب مالهم، وإنما يبقى فقط لأنهم مثلاً عندهم إيجار أو لم يكتسبوا كما كانوا يكتسبون في السابق، فهذه ليست هي الجائحة، الجائحة أن يذهب بماله تماماً، أما مرضاً أو نحوه.

نرجع إلى حديثنا، قلنا بأن عندنا نوعان من الغارمين: النوع الأول الذي هو غارم لمصلحة الناس أو لمصلحة المجتمع، هذا ياخذ وإن كان غنياً، لكنه يأخذ لأجل غرمه ولو كان غنياً. والآخر الذي غارم لنفسه، هذا لا يأخذ إلا إذا كان فقيراً، يعني مثلاً تدين لأجل أكل أو شرب أو مسكن، وعظمت عليه الديون فصار غارماً، فهذا يعطى إذا لم يكن عنده من أمواله -سواء الزكوية أو غير الزكوية- ما يوفي به ذلك الدين، حتى لو باع بيته مثلاً الذي يسكنه ويحتاج إليه لا يجوز له بيعه، إلا إذا كان هذا السكن كبيراً وفخماً وبإمكانه أن يسكن في بيت أدنى منه منزلة ويكون في هذا البيع وفاء لدينه أو وفاء لبعضه إذا كان دينه كبيراً، فعليه أن يبيع ذلك ويسكن في البيت المناسب له ويسدد ما عليه من الدين، إن سدده كله فبها ونعمت، وإلا يأخذ بعد ذلك الوقت من مصرف الغارمين.

إذاً لا يأخذ من مصرف الغارمين إلا إذا كان عاجزاً عن التسديد. هذا من العجائب، هناك في مصرف الغارمين نوعان: الغارم لنفسه والضامن. أنت سألتني عن الضامن، هذا ليس لنفسه هذا لغيره، والغارم الذي لمصلحة إصلاح ذات البين. أنا جئت بهذه الأقسام لأن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الغارمين، الغارم له علاقة بالفقير ولا لا؟ نعم ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]، وجاء بعد الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم، ثم جاء الخامس بعيداً عن الفقراء والمساكين الغارم.

إذا كان غارماً لنفسه لا تدفع له الزكاة إلا إذا كان فقيراً، فلماذا أبعد من الفقراء والمساكين؟ لأن معه غارماً آخر، وهو الغارم لغيره لمصلحة الغير أو لإصلاح ذات البين، فإن هذا الغارم يأخذ وإن كان غنياً. وأيضاً الدفع في الغرم يكون بغير تمليك.

تصير مثلاً أنا أخوي ولا أختي ولا أبوي عليهم دين وأنا كفلتهم، هل هذه تكون لغيره؟ مثلاً أنا تحملت دين أبوي، تحملت دين أخوي، وكفلت، فهل كفلت شخصاً فأصبحت أنت مديناً؟ بغض النظر عن الشخص الذي كفلته، أنت الآن مدين. أما الكفيل فإما أن يكون غنياً ملياً أو معسراً. فإن كان ملياً لا يجوز لك أخذ الزكاة لأنك بإمكانك مطالبته. وأما إن كان فقيراً، فنرجع إليك أنت، فإن كنت ملياً فتدفع دينك من مالك وتطالب ذلك الشخص، وإن كنت فقيراً -يعني معسراً أنت وهو- فهنا يجوز أن تعطى من الزكاة.

لكن الكافل أو الغارم لإصلاح ذات البين هذا خاص، هذا كافل لغيره لحاجة غيره، ليس هناك إصلاح بين الناس، لنأخذ فاصلاً ثم نعاود ونرى.

أهلاً ومرحباً بكم أيها الأحبة. شيخنا، هل هناك شروط للغارم؟ هل هناك شروط بأي واحد ممكن أعطيه، لأن هذا ممكن يكون غارماً، كلنا غارمون، عندنا ديون، عندنا أقساط ندفعها، عندنا أمور كثيرة؟

طبعاً، من الشروط أولاً الإسلام، لا يصرف لغارم غير مسلم، لا بد أن يكون مسلماً، لا عندنا غير المسلم إلا المؤلفة قلوبهم على رأي الحنابلة. الأمر الثاني أن يكون قد تدين في مباح، وفي غير سرف، وفي غير فساد، ألا يكون ما تدين تبعته وايد. مثلاً يتدين لأجل أن يذهب رحلة مثلاً إلى أوروبا، أو يتدين ليتوسع في النفقة، يشتري له يخت، أو يشتري له مزرعة، وركبه دين، أو اشترى أشياء تدر عليه مالاً، هذا لا يعتبر غارماً. الغارم هو الذي يتدين لحاجته الأساسية من مطعم ومأكل ومشرب ومسكن، هذا هو الغارم، أو تحمل حمالة كما ذكرنا، أو ضمن شخصاً، أو دخل في تجارة وهو غير مسرف فيها ثم انكسرت التجارة وركبته الديون، هذا يعتبر غارماً. فإذاً من الشروط ألا يكون في سرف ولا في محرم، فالغارم الذي غرم في محرم لا يجوز إعطاؤه الزكاة.

وإذا كان التعامل نفسه تعامل محرم وصار عليه دين مثل الربا، هذا بعد ليس مصرفاً للغارمين. لكنه عنده عيال، الآن تدفع له أنت، لكن المشكلة عنده عيال، هي مسألة. نعم أنا أخطأت في المجال هذا وعندي عيال، أصبح غارماً في شيء حرام ثم ندم وأراد أن يقلع، إن ثبت أنه تاب وعرفنا أن حاله صلح وقامت القرائن، هنا كثير من أهل العلم يقولون يعتبر غارماً ويؤدى عنه دينه إذا كانت قامت القرائن على أنه لن يعود إلى ما كان عليه.

إذن عندنا الآن مسألتان، الشخص اختلس، وبعضهم ينظر الاختلاس من أموال الدولة كأنه مو مشكلة. هل هذا تدفع له من مال الزكاة وهو أخطأ بهالشيء هذا وممكن يكون ندم؟ عندنا مسألتان ذكر في المشهد، والمسألة الثالثة الأخيرة التي قالوا فيها بأن يقدم على الجهات الرسمية، وهم أعرف بمن يستحق ومن لا يستحق؛ لأن الجهات الرسمية عندها باحثون وعندها مفتشون وبإمكانهم أن يفحصوا، وعندهم المعلومات أيضاً.

هل هذا الشخص تدين؟ لو قلنا إن شخصاً جاء وقال أنا غارم وأحتاج من الزكاة، يدعي الغرم، لا بد من إثبات. إذا كان ثابتاً أو كان شيئاً واضحاً عليه أنه فعلاً مدين وليس في سرف ولا في محرم، فهذا لا إشكال فيه، لكن لما يأتي واحد يدعي ولا نعلم حاله، فهنا لا بد من دراسة حاله، لأنه أصلاً لا يحل له إلا لغرم، وإذا كنا لا نعرف غرمه ولا في ماذا حصل لا بد من معرفة ذلك، وهذا أولى الناس به الجهات الرسمية كصندوق الزكاة مثلاً أو بعض الجمعيات الخيرية.

المسألة التي ذكرها في الاختلاس، أولًا: الاختلاس أخذ ما ليس لك، ولا يجوز، وهو حرام. واحد من شخص حرام ومن الدولة حرام، ما دامت أنك لا تستحقه فسبيله واحد. وما أخذت من الدولة كأنك أخذته من شخص؛ لأن مال الدولة للجميع، ويمكن جرمه أكثر؛ لأن هو مش شخص واحد، عام يذهب إلى مصارف أخرى مهمة.

المختلس الذي ركبه دين بعد اختلاسه؛ طبعًا هو اختلس عشان يتمتع بها أو يشتري بها أشياء، فهذا قولا واحدًا أنه ليس مصرفًا للزكاة، ليس من الغارمين؛ لأنه ركبه الدين أو صار غارمًا بسبب محرم في شيء محرم، وقد اشترط العلماء بأن يكون الدين في مباح، ليس في محرم ولا في سرف ولا في فساد. لكن هم ذكروا الحالة الإنسانية، وأولاده يستحقون الزكاة من جهة أخرى وهي من جهة أنهم فقراء؛ تعطونهم كفقراء، مش يعطى هو، مثلاً إذا علم الناس أو علم صندوق الزكاة أو غيره أن فلانًا فعلاً مسجون وعليه دين كبير وفنش من عمله، لكن له عائلة، فعليهم أن يعتنوا بهذه العائلة وأن يعطوها من مصرف الفقراء والمساكين؛ لأنهم لا معيل لهم.

لكن أكيد هو تاب الآن، لو قلنا إنه تاب وما زال عليه الدين، ولن يخرج من السجن إلا بسداد ذلك الذي عليه، سواء كان اختلاسًا من شركة خاصة أو من دولة، أو كان شيئًا أخذه من الناس، وتاب إلى الله؛ هل يجوز دفع الزكاة له من مال الغارمين؟ هنا اختلف العلماء على وجهين، منهم من يقول: يجوز إذا عرفنا أن توبته صادقة وأنه قد أقلع مما عليه، لعل الله سبحانه وتعالى يكون هذا تسهيلًا له وتغييرًا لحياته، لا بقاؤه في السجن وهو ليس عنده ما يدفعه، لا فائدة منه ما دام أن الشخص تاب، وأما إن لم يتب فلا يدفع له من مال الغارمين.

القضية الثانية صارت أن الواحد صار في شركات تصير وهمية، مثلاً أروح أدفع لهم يعطوني زيادة وبعدين ظل جمع المحمل؛ حمالة بسبب سفهه ولا بسبب ضعفه، وقد يكون وسيطًا هو في الموضوع، أن هو من ضمنهم، لكن هنا ربما تكون المسألة فيها قولان لأهل العلم. القول الأول: أنه لأنه في فساد وفي سفه وفي جشع، ولاجل ذلك لا يكون من مصرف الغارمين. والقول الثاني: لا، أن هذا غرر به، فدفع تدين ديونًا يظن أنها سترجع له، ولم يكن يريد الفساد وإنما يريد التجارة ثم تحمل هذه الحمالة، فيكون مستحقًا لمصرف الغارمين، وهذا الذي هو أقرب فيما أحسب والله أعلم.

مسألة استدان واحد من بنك ربوي، وتدري إذا تأخر عليهم يزيد عليه، ويصير مديونًا، فهل يجوز أن أدفع له من مال الزكاة؟ هذا نفس المختلس الذي يأخذ القرض من بنك ربوي؛ هو أخذ شيئًا محرمًا، فالدين أخذه بسبب حرام، وبالتالي لا يجوز إعطاء هذا من مصرف الزكاة. إذا تاب، إذا تاب نفس حكم الآخر؛ علمنا وقامت القرائن على توبته ففيه الخلاف، والأفضل أن يعطى حتى يتخلص من ذلك الربا.

واحد مستهتر ودائمًا تلاقيه يخالف القوانين المرورية وعليه مخالفات وتورط وصار عليه مبلغ كبير، هل يصير أنا أدفع له من مال الزكاة؟ هذا أيضًا فيه اختلاف بين أهل العلم. القول الأول: أن هذه معصية؛ لأن مخالفة لو كانت مخالفة واحدة أو اثنتين أحيانًا تكون بخطأ، أما هذا فمصر. لكن نحن الآن مع مشكلة الرادار؛ أحيانًا الإنسان ما يبغي يخالف بس ما يشوف الرادار، وخصوصًا أن أحيانًا يسامحوننا الداخلية شوي، بعض الشوارع تتغير أنت لو أنك منتبه تعرف؛ لأن التغيير يكون العلامة أمامك، السرعة هنا 60 أو 80 هم يضعون العلامات، لكن أحيانًا الإنسان ينسى فيتحمل هنا ويتحمل هنا دون أن يشعر. فإذا المبلغ عليه كبير، وبالتالي قال كثير من أهل العلم أنه لما لم يجد ما يدفع هذه المخالفات، هو لو وجد عنده لقلنا لا تدفع المخالفات من مال الزكاة، لكن هو ما عنده، وأما سيسجن أو تتعطل حياته، لا يستطيع يشتري ولا يستطيع أن يبيع السيارة التي عنده وبقيت عليه هذه المخالفات، ما عنده شيء حتى سيارته ما يقدر يبيعها، فنقول لا، هذا يستحق أن يدفع من مال الغارمين؛ هذا في قول بعض أهل العلم لأنه قد يكون بغير قصد، وهذا هو الكثير. لكن لو علمنا أنه شخص مستهتر شخص يخاطر بأرواح الناس، هذا لا يدفع له.

مجموعة من الأسئلة أيضًا نوضحها في بعض الأمثلة في موضوعنا اليوم؛ عليه ديون من تجارة وله ديون لا يستطيع استيفاءها، فهل يعطى من مال الزكاة؟ نعم يعطى، هو الآن عاجز، له ديون لكن هذه الديون لا يستطيع استيفاءها وعليه دين فهو غارم، فتحقق فيه الشرط وعجز عن أداء دينه.

اختلس مالًا فحبس فيه وليس عنده سداد، فهل يجوز دفع ما عليه من الزكاة؟ هذا ذكرناه الآن، فهذا لا يجوز دفع الزكاة هنا، لم يذكر التوبة.

أعطى الزوج زكاته لزوجته في دينها، فأنفقت في غير الدين، فهل تجزئ عنه؟ الزوج أعطى زوجته تدفع دينها فشرت شيئًا آخر، هل يجوز؟ يجوز، لكن هي ما دفعتها في الدين؛ لأن الزوج لا يجوز أن يعطي زوجته الزكاة لفقرها لأن نفقتها واجبة عليه، وأما أداء دينها ليس واجبًا عليه؛ فلما يعطيها لأداء الدين فكأنها أعطاها من سهم الغارمين، لكن هي ما دفعت في ذلك الدين، ينبغي عليه أن يخرج الزكاة مرة أخرى؛ لأنه لم يأتِ محله؛ لأن هذا المبلغ للزكاة لا يجوز أن يذهب إلا إلى الغارم، ولذلك لو زاد على الدين يرجع أو يعطى الفقراء.

أعطى زكاته لغارم فردها عليه قضاء للدين الذي له عليه، فهل تجزئ زكاته؟ يعني واحد يطلب واحدًا دينًا، وذلك المطلوب أو المدين ليس عنده سداد، فهذا الدائن قال: أنا سأعطي هذا المدين من الزكاة؛ لأنه مدين، ودينه له أصلاً. فإن كان قصد أن يرد عليه الزكاة من باب سداد الدين فلا يجوز إن قصد ذلك، وإن لم يقصده وإنما أراد أن يسدد دينه وديون غيره فقام المدين ورد هذا المبلغ على المزكي على أساس أنه قضاء لدينه من غير مواطأة؛ يعني ما هناك اتفاق ولا تواطؤ بينهم، فهذا جائز وتجزئ.

أعطى زكاته لغارم لكن لو اشترط عليه أن يرد عليه، صار مواطأة، صار اشتراط هنا، لا يجوز. أعطى زكاته لغارم وخصم منها مبلغ الدين الذي له عليه، هذا أصبح كأنه المشترط، كأنه المحابي، وأعطاه الزكاة لكن خصم من هذه الزكاة مبلغ الدين الذي كان عليه، كأنه قال له: رد علي ديني من هذه الزكاة، هنا لا يجوز؛ لأن قلنا في المواطأة لو قال له: أنا بدفع لك زكاة من عندي وسدد ديني اللي عليك، هنا لا يجوز، وبالتالي إذا خصمها من نفسه أيضًا لا يجوز.

سريعا بس موضوع ما في أحد ما عليه دين؛ مسألة الدين الذي يأتيك لازم تدفع الآن ولا بيصير لك، بالنسبة للغارم هو الدين الحال؛ يعني اللي عندي أقساط إن شاء الله ملايين، الدين غير الحال الذي عندك وفاء مع الوقت، هذا لا يعتبر غارمًا. الغارم هو الذي عليه دين حال ربما يسجن لأجله، مطالب به وليس عنده له سداد، هذا هو الغارم.

سؤال حلقة الغد: هل يجوز إعطاء من لا يجد نفقة للحج من سهم في سبيل الله، يجوز ولا لا يجوز؟ عليكم الدخول في حسابنا عبر تويتر واختيار الإجابة الصحيحة حسب ما تجدونه مناسبًا، ثم غدًا إن شاء الله الشيخ راح يتكلم عن هذا المصرف، باقٍ لنا في سبيل الله مصرفان، مصرف في سبيل الله وابن السبيل. بارك الله فيك شيخنا، نشكر فضيلة الشيخ الدكتور سعيد بديوي المري ونشكر لكم حسن متابعتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.