﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148].
بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الأحبة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك». ها هم ضيوف الرحمن يفيضون من عرفات، يأمون المشعر الحرام، وللأصوات زجل بالتلبية والتكبير، وقلوبهم يغمرها الفرح بقرب انتهائهم من أداء نسكهم. «لبيك اللهم لبيك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك».
وقلت للائم أقصر فإني، سأختار المقام على المقام، وأنفق ما جمعت بأرض جمع، وأسلو بالحطيم عن الحطام. أهلاً ومرحباً بكم أيها الأحبة مع هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم فاستبقوا الخيرات، ومع فضيلة الشيخ الدكتور سعيد البديوي المري.
يا شيخنا، ونحن قاعدون وأنا أقرأ الكلمات التي كتبتها في المقدمة في نفرتنا وخروجنا من هذه المشاعر، هل الإنسان يدعو أم يلبي أم ينشد الأناشيد؟ حياك الله وحيا الله المشاهدين الكرام. بالنسبة للأناشيد في تلك العرصات وتلك الأماكن فليس هناك أناشيد، هناك تلبية ودعاء. لكن على طاري الأناشيد، هذان البيتان رحمة الله عليه في مقاماته، وهي من أروع المقامات وعليها شروح، يذكر هذا في مقامه أظنها الرملية، وأنه كان ذاهباً للرملة ويريد التجارة ثم صادف ركباً ذاهبين إلى مكة فصاحبهم.
يقول في هذه الأبيات لابد من بيانها لأنها جميلة جداً، يلومني في تركي للتجارة والذهاب مع هؤلاء الذين هم ذاهبون إلى المشاعر: وقلت للائم أقصر فإني، سأختار المقام على المقام. المقام هنا في المنطقة التي هو فيها، سأختار المقام أي مقام إبراهيم. لكن شوف الجناس الذي يستخدمه دائماً: سأختار المقام على المقام، وأنفق ما جمعت بأرض جمع -وهي أرض مزدلفة التي سنتكلم عنها- وأسلو بالحطيم عن الحطام. الحطيم الذي هو الحجر يسمى الحطيم، وعن الحطام أي عن حطام الدنيا. وهو له أشياء من هذا القبيل.
هل هذا من نظمه؟ تسهيل الإنسان ينسى، فأنا أنسى أحياناً ثم أبحث في المسألة ثم أنساها، فتروح ترجع للنوم وأبحث مرة ثانية في نفس المسألة فأكتشف أني قد بحثتها سابقاً. ولذلك النظم حفظ العلوم وحفظ الأنظام من الأمور التي تسهل على طالب العلم استحضار المسائل. أنا نظمت "ملح الناظر" وهو ألفان وستمائة بيت في فقه الإمام أحمد. سميته ملح الناظر، "الناد" هو مجمع الناس، فسميته ملح ناد أي لمجلس الناس، كأنه الملح.
نرجع إلى الحريري في مقاماته، والخمسون مقامة هذه عندك تسع مقامات كلها في أنواع من الأدب ثم تأتي للعاشرة فتجدها متدين صرف، ومن ضمنها هذه الأبيات. يقول في البصرية: بها ما شئت من دين ودنيا، وجيران تنافوا في المعاني. ومشغوف بآيات المثاني، ومفتون برنات المثاني. ومطلع بتلخيص المعاني، وكم من قارئ فيها وقارن. أضر بالجفون وبالجفان، وكم من معلم للعلم فيها، وناد للندى حُلول مجان. فصل إن شئت فيها من يصلي، وإلا شئت فادن من الدنان. ودونك صحبة الأكياس فيها، أو الكاسات منطلق العنان.
الشاهد أن صاحب الأبيات هذه يقول: فقلت للائم أقصر فإني سأختار المقام على المقام، وأنفق ما جمعت بأرض جمع، وأسلو بالحطيم عن الحطام. بارك الله فيكم، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون عندنا هذا الشغف بالعبادة بمكة وبتلك العرصات العجيبة.
الناس الآن خرجوا من عرفات، متى غفر لهم إن شاء الله؟ نرجو الله أن يغفر لأهل عرفات. الانتقال أو النفرة من عرفات إلى مزدلفة، توقيته متى؟ وهل إذا تحرك واحد قبل غروب الشمس أو بعده هل هناك إشكالية؟ السنة هي ما يفعله الناس، الوقوف بعد الزوال، فإذا غربت الشمس يدفع الناس كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال في ملح ناد: «وبالسكينة لجمع يدفع، بعد الغروب في الوساع يسرع». أي يدفع إلى جمع الذي هو مزدلفة، وتسمى جمعاً.
يدفع بعد الغروب كما دفع النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو تأخر لا إشكال في ذلك. لكن السنة أن يدفع بعد الغروب لكي يصل مزدلفة في وقت صلاة العشاء، لأن من السنة تأخير صلاة العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر كما جاء في أحاديث كثيرة. فإذا كان المكان ضيقاً يمشي بسكينة، فإن جاءه متسع يسرع، وهذا كلامهم على الإبل سابقاً، يقول كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي العنق، فإذا وجد فرجة نص العنق، والنص هو مشي سريع.
فإذا وصلوا إلى مزدلفة يؤذنون للمغرب ويصلون، ثم يبحثون عن منازل لهم. أول ما يبدأ به هو الصلاة، وهو يصل بعد مغيب الشفق الأحمر، لكن من الناس من قد يصل متأخراً في الليل، ومنهم من قد يصل بدرياً. وهذا فعلناه كثيراً بسبب الخبرة، لأننا نعرف أن الناس إذا انتظرت ربما لا يكونون في بداية الناس فلا تجدون مكاناً هناك، لأن الناس يتسارعون للسبق حتى يجدوا المكان في مزدلفة.
فنحن وصلنا مرة من المرات مع المغرب فأخرنا الصلاة إلى أن جاءت العشاء، لأن السنة تأخيرها إلى أن يغيب الشفق الأحمر. يدخل العشاء إذا غاب الشفق الأحمر، فماذا يفعلون؟ أول ما يصلون إلى مزدلفة في هذا الوقت المناسب يؤذنون ويصلون المغرب، ثم بعد ذلك يضعون رحالهم، أي يأخذون أماكنهم، هناك حاجتان يفعلونها: إما أن يتصيدوا المكان فيختاروه، وإما أن يحطوا الرحال تماماً.
بعد صلاة المغرب وبينها وبين العشاء ينيخون الرحال ويختارون المكان، ثم يصلون العشاء بإقامة بدون أذان، إذا عندنا أذان واحد وإقامتان. فإذا صلوا العشاء حطوا رحالهم وأغراضهم ورتبوا مكانهم. النبي صلى الله عليه وسلم لما دفع من عرفة كان معه رديفه أسامة بن زيد، ومرة الفضل بن عباس.
هذا الذي يجعلني في حديث مر معنا وهو حديث التظلل، أن بلالاً كان يظلله وأن أسامة كان يقود به، أقول للناس حين خلاف بيني وبين بعض الشباب بالمدينة المنورة لأنهم قالوا إن الإمام أحمد كان يكره التظلل، وهو قد روى هذا الحديث وهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تظلل. لكن هذا الحديث من الذي كان يظلله؟ أسامة كان يظلله وبلال ماسك بخطام الناقة أو العكس، لكن رديفه في يوم العقبة يوم النحر من مزدلفة إلى العقبة كان الفضل بن عباس، فمعناه هذا اليوم الذي كان يظلل فيه لم يكن يوم العقبة، فهو اليوم الثاني واليوم الثاني صار حلالاً فجاز له التظلل. يعني أنا جئت بهذا أنه ليس هناك دليل ضد الإمام أحمد بعدم احتجاجه بهذا الحديث، وإن كان أكثر من رأيته يذكر هذا الحديث يذكره دليلاً على تظلل المحرم، وهو ليس في الإحرام.
ثم العشاءين إليها أخّرا، وحيث صلى الفجر جاء المشعر. يعني بين العشاء وبين الفجر ليس هناك أي عمل، هناك النوم. النبي صلى الله عليه وسلم نام حتى إنه قيل إنه لم يصل الوتر في ذلك المكان، ومن الناس من قال صلى لكن الرواة لم يذكروه. قال فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر فقام وصلى ثم ذهب إلى المشعر الحرام، الذي هو جبيل صغير في مزدلفة في طرف مزدلفة من الجهة اليسرى تقريباً، على طريق الذاهب.
هناك شوارع الآن التي تخرج من عرفة، فهو في وسط مزدلفة تقريباً لكنه إلى الطرف الأيمن أكثر، اللي هو المسجد الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يقول: وحيث صلى الفجر جاء المشعر، وليقف إن لم يرقه مستقبلاً، مهللاً مكبراً. يعني إذا لم يرقه يقف، ممكن أنه يرقى لأنه قال وقفت هاهنا، وجمع كلها موقف، أي إنسان يقف في أي مكان فهذا قد حصل على سنة الوقوف. بقينا في المبيت نفسه هل هو واجب أو ركن أو مستحب.
المزدلفة، قول لي أنت ليش تسمونها جمع؟ جمعها على أساس أن تجمعوا الناس في مكان؛ ناس وايد. يا سلام عليك، يعني الناس في عرفة ما يتجمعون وايد وفي مكان واحد نفس الشيء؟
ترى أصح كلامهم على فكرة. مع أن أغلب العلماء طبعاً قالوا هالكلام، وأيضاً اختلاف التسمية طبعاً مو بشرط؛ لأن أغلب المناسك يجمعون فيها الناس. صح، تذكرت، تذكرت؛ لأن الله يسلمك يجمعون فيها بين المغرب والعشاء. لا والله، يعني في عرفة ما يجمعون بين الظهر والعصر؟ وحدة بوحدة ها؟ على كل أن بعض العلماء ذكروا هذا الكلام، ولكن أنا بقول لكم السبب المقنع أكثر، هو أن سيدنا آدم اجتمع بهواء عليهما السلام. بس بعد الله يسلمك، آدم عليه السلام يقول لك سميت عرفة لأنه اجتمع مع حواء في هذا المكان، تعارفوا مع بعض.
بعد مو سبب مقنع، المهم خلونا من التسميات الحين، هاي بس مجرد للفائدة يعني، لكن أنا بقول لكم شيء ثاني، شنو حكم المبيت في مزدلفة؟ أنا أعتقد أظن ركن، لا لا مو بركن. الركن الله يسلمك الوقوف بعرفة، المبيت بمزدلفة سنة. لا يا يبه، لا ركن ولا سنة، هي واجب، يعني لو ما حصل له مبيت يكون حجه صحيح ولكن عليه دم.
زين وإذا ما قدر يوصل بسبب الزحام؟ أنا أذكر حتى ذيك السنة ما وصلت مزدلفة إلا قبل الفجر بنص ساعة، يعني عليكم دم؟ لحظة، هالمسألة طبعاً محتاج أني أنا أراجعها أول شيء؛ لأنه ممكن يكون ما عليه شيء، يعني ممكن يكون حجه صحيح بسبب الازدحام أو بسبب أنه نص ساعة. بس ما صدقت، عليكم دم، عليكم دم، إن شاء الله ما يكون علينا شيء، بنشوف.
حياكم الله أيها الأحبة، مع موضوع تسمية المزدلفة بالمزدلفة أو جمع مثل ما قال، فسبب التسمية ودنا بعد نتعرف قبل ما نتكلم عن حكم المبيت في مزدلفة عن فضل مزدلفة أساساً. شيخنا أنت نسيتنا التسمية صراحة والسوالف؛ بالنسبة لمزدلفة عندنا اسمين لها، مزدلفة أو المزدلفة، وعندنا جمع، وأنت ذكرته في الأبيات حقت الحريري: وأنفق ما جمعت بأرض جمع.
سميت جمعاً لاجتماع الناس فيها كما ذكرها أحد الشباب، وقيل أنهم يصلون العشاء والمغرب جمعاً، وقيل اجتماع آدم وحواء، وكل هذه ليست عليها شيء يمكن الاعتماد عليه بشكل أكبر؛ يعني كلها محتملة. وأما مزدلفة؛ فكلمة مزدلفة ازدلف أصلها من الزلفة، والدال التي فيها هي في الحقيقة تاء الافتعال، مثلاً ارتحل رحل، إذا أردت أن تأتي منها افتعل تقول ارتحل، وكتب تقول اكتتب، وحمل تقول احتمل.
الزلفة استلف بالتاء، لكنها لأنها بعد الزاي قلبت دالاً، ازدلف أو ازدان أو ازدهر أو ازداد أو ازدجر، من قلبها مع الذال ادكر أصلاً إذ ذكر، فقلبت التاء دالاً ثم أدغمت في الذال، وقلبت الذال دالاً أيضاً لمجانستها، وهكذا بعد الزاي والدال مثل إذ تانا تقول ادانا، وتقلب بعد حروف الاستعلاء طاءً، مثل اصطبر تقول اصطبر، اضطر تقول اضطر، وهكذا وابن مالك يقول: ومُطْبِقٌ طاءَ تاءَ الافتعالِ تُرَدّ، إثر مطبق يعني أثر حروف الإطباق وهي الضاد والصاد والطاء والظاء، افتعال رد إثر مطبق في الدال، وازدد وادكر دالاً، بقي صار دالاً في هذه الثلاثة الأشياء.
جميل، فمزدلفة أصلها مزدلفة بالتاء وأصل الكلمة زلفة، يعني اقترب فهي مقتربة، وسميت بذلك لأنها إما أنها اقتربت من عرفات أو اقتربت من منى، أو الناس اقتربوا، أو أنها يكون فيها القرب؛ يعني هناك عدد من المعاني في تسميتها مزدلفة.
إذاً هذا بالنسبة للتسمية، ومزدلفة وجمع، جمع اسم ثاني لمزدلفة والأشهر مزدلفة، فضلها وحدود مزدلفة، هي ما بين المأزمين إلى وادي محسر، والمأزمين هي جبلان قريبان بينها وبين عرفة مسافة. أظن عندنا خارطة بالمشاعر، هذه الخارطة طبعاً توضح موقع عرفة وأيضاً مزدلفة وأيضاً منى، شوف في الخارطة هنا طبعاً الأخضر اللي عليه دائرة الكعبة اللي في الوسط هذه هي الكعبة، والأزرق اللي على اليمين جداً تحت في الأسفل هذه عرفة.
وبين عرفة وبين مزدلفة المزدلفة التي فوق عرفة بينها وبين منى، والأعلى جداً هي منى، وتلك الجمرات في آخر منى، بين مزدلفة أو المشعر الحرام وآخر الجمرات خمسة كيلو تقريباً، وبينها وبين بداية عرفة سبعة كيلو تقريباً على أن لم تخني الذاكرة طبعاً جهة الشمال هي فوق، لو تلاحظ أن السهم اللي على اليمين الأسود يشير إلى جهة الشمال، فمنى مكة منها الغرب تقريباً، وأما عرفة فهي جهة الغرب شمالاً، وهكذا مزدلفة.
نعم، هذا من باب التوضيح، أنت الآن من عرفة إلى مزدلفة تلاقي بين عرفة ومزدلفة في مسافة، ليست الحرم هو مزدلفة، وعرفة ربما يكون هناك حرم، لا أدري حدود الحرم، لكن بين عرفة وبين مزدلفة مسافة ليست من مزدلفة، لابد من دخول المزدلفة، طبعاً هناك إشارات وضعوها بداية مزدلفة، ثم تأتي إلى نهاية مزدلفة. جميل، طبعاً بينها وبين منى كأنها ملتصقة، لكن بينها وادي اسمه وادي محسر، ووادي محسر ينبغي عليهم الإسراع فيه، يقول: ثم إذا ما مر بالمحسر يسرع قدر رمية بالحجر؛ لأنه ليس هو من مزدلفة ولا هو من منى.
نعم، إذا كنا نتكلم عن الحدود، ففضل مزدلفة ورد فيها فضل يكفي أنها واجبة وأنها من المناسك، وأن الناس جاؤوا من عرفة إليها ويبيتون ثم يقفون، النبي صلى الله عليه وسلم وقف في المشعر ثم نادى بلال وقال للناس ثم قال: إن الله اطلع إليكم أو تطول إليكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، فادفعوا باسم الله، يقول عليه الصلاة والسلام. فمعناه يحصل فيها الغفران ويحصل فيها، ووردت فيها أحاديث في غفران التبعات أيضاً فيها وإن كان فيها بعض الكلام، نعم هذا بالنسبة لفضل مزدلفة.
إيش رأيك قبل ما نتكلم عن الحكم، حكم مزدلفة والمبيت فيها وبعض التعجل، بعض التفاصيل إن شاء الله راح نذكرها من بعد الفاصل، راح يكون إن شاء الله الآن مع فاصل، ثم نرجع لحديث الشيخ عن حكم المبيت في مزدلفة.
أهلاً ومرحباً بكم أيها الأحبة، وصلنا إلى حكم المبيت بمزدلفة، ما حكم المبيت بمزدلفة؟ بالنسبة للمبيت بمزدلفة حكمه وسط بين سنية المبيت في منى في ليلة عرفة، وبين الوقوف بعرفة وهو ركن، فالمبيت بمزدلفة واجب، فليس هو بركن ولا هو بسنة، تعرف اللي في المشهد؟ اختلفوا، حد قال سنة وحد قال ركن.
الركن ما لا يتم العمل إلا به وذكرناه أنه في صلب العمل، وعرفة ركن لا يمكن لأحد أن يتم حجه إلا بعرفة، وهكذا طواف الإفاضة سيأتينا إن شاء الله كلام عن الأركان بالتفصيل نوعاً ما. وأما الواجبات فمن ضمنها المبيت في مزدلفة، يقول أيضاً المبيت في مزدلفة هذا يعتبر واجباً، واجباً على من؟ على الذي أدرك. وبالمبيت ليل جمع للذي أدرك حتى بعد نصف ليل ذي.
يعني من الناس الذين ينفرون من عرفة من سيدرك المبيت ومنهم من لن يدركه، الذي لن يدرك المبيت هو الذي جاء متأخراً جداً قبل صلاة الفجر بسبب الزحام أو بسبب الانشغال أو بسبب أمر من الأمور، فإدراك المبيت أن تأتي إلى مزدلفة قبل منتصف الليل، هنا أدركت المبيت، فهنا يجب عليك المبيت إلى ما بعد نصف الليل.
فإن لم تبت، أنت جئت مثلاً بعد العشاء أو جئت بعد المغرب أو جئت الساعة التاسعة وخرجت من مزدلفة تماماً، هنا عليك دم؛ لأنك تركت واجباً، فالواجب طبعاً أنا أتكلم عن المذهب الحنبلي والمذهب الشافعي، يعني في المذهب الحنفي المبيت ليس واجباً وإنما هو سنة، وإنما الواجب عندهم الوقوف في المشعر الحرام، وفي المذهب المالكي في اعتقادي أنهم يكتفون بلحظة واحدة، لو وقفت لحظة واحدة، لو بمقدار ما تحل الرحل هذا قد أتيت بالواجب.
لكن الحنابلة والشافعية يقولون أن الواجب أنت بين حالتين، إما أن تأتي بعد منتصف الليل فيكفيك لحظة واحدة، تأخرت أنت إلى بعد نصف الليل وجئت بعد منتصف الليل فلحظة واحدة حتى لو مرور هذا يعتبر قد أديت الواجب، قبل نصف الليل إذا جئت قبل نصف الليل فلا بد أن تبقى إلى ما بعد نصف الليل، فإن لم تبقَ عليك دم، كما أنك في عرفة إذا وقفت بعد الزوال لا بد أن تنتظر المغرب، وأما إذا جئت بعد المغرب لا تنتظر شيئاً تأتي وتخرج. واضح؟ واضح.
فهنا متى يلزم الدم بالنسبة للمبيت بمزدلفة؟ الذي أدرك مزدلفة وها قد أدرك الفضل ولم يبقَ إلى منتصف الليل، فإن بقي إلى ما بعد منتصف الليل فقد أدى ما عليه من الواجب. عندنا مسألة أخرى أيضاً، بالنسبة لسؤال الجمهور بالأمس عبر حسابنا في تويتر سألنا الجمهور سؤال، والسؤال كان المبيت بمزدلفة واجب عند الجمهور، فما حكم من تبين له أنه بات خارجها خطأ، عليه فدية أو لا شيء عليه؟
الناس قالوا تسعة وخمسين في المئة عليه فدية، وواحد وأربعين في المئة لا شيء عليه، لكنه صحيح. والله الجمهور قالوا عليه فدية، أنا مع الجمهور؛ لأنه لم يبت بمزدلفة، المبيت بمزدلفة واجب وهو لم يبت إنما بات خارجاً عنها، وكونه جهل هذه المسألة لا يسقط عنه الهدي.
زين، الحين نسمع المبيت في مزدلفة، يجب أن يبيت في مزدلفة ثم بعد الفجر ينطلق، فاحنا متعودين مع الحملات أنه بعد نص الليل نتحرك، فهي المسألة هذي عاد إيش حكمها؟ في حديث خلنا نقرأه ثم نبين الموضوع، أو شوف إيش يعني حكم الشرع فيه.
هنا حديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن ثم دفعنا بدفعة، فلأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به، متفق عليه.
يعني هني باين أن سودة رضي الله عنها استأذنت أن تنفر قبل الفجر. أولاً هذا دليل على أنه يجوز التعجل، هذا من الأدلة على جواز التعجل، طبعاً سودة امرأة كبيرة هنا قال بطيئة وفي الرواية الأخرى كلها في الصحيحين ثقلة، وقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم غيرها، أم حبيبة قالت: كنت فيمن عجل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا في صحيح مسلم.
من جمع بليل، وابن عباس وهو شاب قد ناهز الاحتلام قال: كنت فيمن أرسله النبي صلى الله عليه وسلم مع ضعفة أهله من جمع بليل، وهذا في الصحيحين، وهكذا عبد الله بن عمر كان يرسل أهله وبناته قبل أن يدفع الإمام، فيذهبون إلى المشعر ويقفون فيه ثم يدفعون قبل دفع الإمام وقبل صلاة الإمام يصلون هناك في منى، وقال قد أرخص النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء.
طبعاً الآن في هذه الأيام الذي لاحظته هو أن كثير من الناس أصبحوا يتعجلون كأنهم ضعفاء، أصبح الجميع هو يمكن لأن ما عانى النساء بعض، متى استطاع الجلوس؟ ومن كان معه كان مثلاً معه أكثر من شخص ممكن يؤدون الغرض عنه، أو هو يبقى؛ فالسنة أن يبقى، لكن الذي عليه الحنابلة والشافعية أنهم لو خرجوا حتى غير الضعفاء ما عندهم إشكالية.
أسماء بنت أبي بكر الصديق من الأحاديث التي في الصحيحين أيضاً، وهي علقتها ليس بنصف الليل وإنما بمغيب القمر، يقول عبد الله مولاها كانت أسماء تصلي ثم قالت لي: أغاب القمر؟ يبدو أنها كانت كفيفة لما كبرت عميت، والدليل صحيح أنا تذكرت الآن أنها لما قتل ابنها عبد الله بن الزبير طلبت أحداً أن يذهب بها حتى تتجسس جسده، الله وكان مصلوباً رضي الله عنه صلبه الحجاج عليه من الله ما يستحق، فقالت: أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟ فهي كانت تصلي ولم تكن ترى كانت كفيفة، فتقول لمولى: أغاب القمر؟ فيقول لا، فصلت ما شاء الله أن تصلي ثم تسأله أغاب القمر؟ فيقول نعم، قالت: فلننفر إذاً.
تقول هي فذهبت وصلت بعدما رجعت إلى منزلها رجمت العقبة الكبرى ثم لما رجعت إلى منزلها كان وقت الصلاة فصلت، فقال هو أرى أننا غسلنا، قالت: هكذا أرخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. الناس كثير منهم هذه الأيام أصبحوا يتعجلون، ويتعجلون حتى لأسباب أخرى، حتى في الرجم.
في العقبة الكبرى لا يكون هناك ازدحام شديد، وحتى ينتهون من المناسك في وقت مبكر؛ لأنه كلما تأخر الناس كلما ازدحموا أكثر. لكن الذي لاحظته نحن أحيانا نتخلف عن الناس ونبقى، بعض الناس يقولون ما نجد ما نتطهر منه، فيذهبون مبكرًا حتى يرجع إلى منزله لكي يستريح.
لكن في الحقيقة أنا رأيت أكثر من مرة أن الناس حين ينفرون بعد منتصف الليل تبقى مزدلفة ليس فيها إلا أعداد قليلة، أعزك الله، ودورات المياه فاضية، فمن أراد أن يغتسل هنيئًا لمن اتبع السنة. لا شك أنه ما في إشكالية في النفر إذا كان هناك ظرف أو حاجة.
كيف نستثمر وقت وجودنا في مزدلفة؟ أنت قلت قبل قليل إن عائشة رضي الله عنها كانت تصلي، وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها كانت تصلي بالذكر أو ماذا؟ النبي ﷺ دعا في عرفة، ثم لما جاء إلى مزدلفة ارتاح إلى أن طلع الفجر، ثم صلى الفجر بغلس. حتى إن عبد الله بن مسعود يقول: «ما صلى النبي ﷺ صلاة إلا لوقتها إلا هاتين الصلاتين»، يقصد صلاة المغرب والعشاء أو صلاة الفجر، وأن هذه أخرها وهذه قدمها لصلاة الفجر، وإنما قدمها ﷺ لكي يدعو؛ فإنه من قريش كانوا ينتظرون إلى أن تشرق الشمس بمزدلفة يقولون: «أشرق زبير، أشرق زبير»، فالنبي ﷺ خالفهم، وقف في مزدلفة بعد أن صلى بغلس حتى يكون وقت الوقوف طويلًا، فوقف يدعو الله يهلله ويكبره ويدعو الله سبحانه وتعالى إلى أن أسفر، وليقف إن لم يرقه مستقبلاً مهللاً مكبرًا، عند المشعر يتلو آيتين ثم كبر ودعا أكثر. يتلو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۚ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: 198]. النبي ﷺ لما بدأ الدعاء قرأ هذه الآيات لما ارتقى المشعر.
بعض الأسئلة حول أحكام المبيت في مزدلفة: السؤال الأول، صلى المغرب والعشاء ثم اتضح أنه صلاهما قبل دخول مزدلفة، فما الحكم؟ يعيدهما في مزدلفة أو لا؟ السنة أن يصلي في مزدلفة متأخرًا، ولكن لا إعادة عليه، لأن وجودها في مزدلفة إنما هو سنة.
وهنا، المكي الآتي من الخارج، هل يصلون جمعًا؟ بالنسبة للمكي ليس بمسافر، فليس له الجمع، عليه أن يصلي المغرب في وقتها والعشاء في وقتها. وإذا لم يجد من الزحام مكانًا في مزدلفة فتأخر عنها قليلاً بحدود مئتين متر وبات، هل عليه دم أو لا دم عليه؟ إذا لم يجد مكانًا، فربما على رأي المالكية ما عليه دم، لكن على رأي الشافعية والحنابلة عليه دم؛ لأنه دخل ثم خرج منها قبل منتصف الليل.
إذا توجه مع زوجته وأطفاله من عرفة إلى السكن للحاجة ثم عادوا لمزدلفة وباتوا بها، هل يجوز ذلك؟ إذا كان ممكناً، فليس في ذلك إشكالية؛ لأن أحيانًا يصعب الدخول وتجد الناس كلهم قادمين عكس الاتجاه، فتجد العسكر يمنعون الناس، فبعض الناس يقترب من المزدلفة ثم يوقف سيارته ويدخل المشعر على رجليه. وإذا وصل مزدلفة متأخرًا وبعد وصوله أذن أذان الفجر، فما الحكم عليه؟ لا دم عليه، لأن هذا وصل بعد منتصف الليل وقبل الفجر. وإذا غادر مزدلفة بعد منتصف الليل وليس هو من الضعفاء، فهل عليه دم؟ لا شيء عليه.
لكن المفروض أنه يتقيد، إذا تأخروا ثم دخلوا بسياراتهم لمزدلفة لكنهم منعوا من التوقف فيها حتى خرجوا منها، هل عليهم دم؟ أظنها ما عليه دم؛ لأنهم سيكونون متأخرين جدًا، جاءوا بعد منتصف الليل فمروا مرورًا ويكفيهم المرور. وإذا كان بعد منتصف الليل شخص ترك المبيت بمزدلفة لعذر كمرض ونحوه، فما الحكم؟ لا شيء عليه؛ لأن العذر مسقط لهذا الواجب.
سؤالنا لحلقة يوم الغد إن شاء الله عبر حساب تلفزيون قطر في تويتر يقول: "يوم الحج الأكبر في قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3]، هل هو المقصود فيه يوم عرفة أو يوم النحر؟".
جميل، الواحد يأخذ الرخص ما دام موجودة فهي منّة من الله سبحانه وتعالى، لكن التمسك بها، أو يحاول الواحد ما دام رايح يحج وقمت متعبًا أن يلتزم بها، فلن يكلفه شيئًا. لكن بعض الناس يبحثون عن الرخص للتيسير لأن الأعداد تكون كبيرة جدًا وقد يحدث فيها وفيات في التزاحم، وبعض الناس الذين معهم عوائل أو أصحاب لهم يخفف عنهم، فربما يتصيد بعض الفرص. فمثلاً، الآن ذكرنا في السؤال أنه ذهب من عرفة مباشرة إلى السكن، فهذا من التسهيل على نفسه وعلى أهله إذا أمكن ذلك. ومن الناس من يذهب من مزدلفة ليس إلى الجمرات، وإنما إلى الطواف مباشرة ويبدأ بالطواف تسهيلاً لأن الطواف ليس فيه أحد الآن، ثم يرجع بعد ذلك للإمارات، وهذا أيضًا ما فيه إشكالية، لكن السنة لا شك أنها أحسن.
جزاك الله خيرًا، نشكر فضيلة الشيخ الدكتور سعيد محمد البديوي المري على ما قدم، وموعدنا غدًا ولقاء جديد في رحلتنا إلى الحج بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148].
د. سعيد المري