﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۚ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148-149].
بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الأحبة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لبيك اللهم لبيك؛ تتجلى معاني التوحيد في هذه الشعيرة العظيمة، فالقلوب تتجه خالصة لله، والألسنة تلهج بالتلبية، والأكف ترتفع ضارعة متوسلة. في أي منظر أبهى وأحلى من منظر العبيد يحققون التوحيد تحت راية عقيدة واحدة، تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان. رفعوا الأكف وأرسلوا الدعوات، وتجردوا لله في عرفات، تقبل الإله العرش كل ذراع ومحّ الذنوب وكثّر الزلات.
أهلاً ومرحباً بكم. حديثنا اليوم سيكون -إن شاء الله- عن حكم الحج والعمرة، وما في هذه الشعيرة العظيمة من الحكم والمعاني. نرحب بفضيلة الشيخ الدكتور سعيد بن سعد البديوي المرعي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا مرحباً يا أبا ناصر، حياك الله وحيا الله المشاهدين الكرام.
ما معنى الحج؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
الحج في لغة العرب يقصد به القصد أو الزيارة أو التردد على الشيء. يقال بيت محجوج أو رجل محجوج إذا كان الناس يقصدونه، ويقال هذه محجة؛ لأنها تُقصد، والحاجة أيضاً تُقصد. ويقول المقبّل السعدي في قصيدة له:
«ألا يا أم أسعد إنني ... إلى ...»
إلى أن قال: «اللهم صل على بني عوف حلولا ... كثيره يحجون سب الزبرقان المزعفران». و«سب الزبرقان» معناها بعمامة، أي جعل الزبرقان -وهو رجل مشهور في عهد عمر- هذا، هؤلاء بنو عوف يحجونه بمعنى يقصدونه، يحجون سب الزبرقان يعني عمامتهم، بمعنى أنهم يكثرون التردد عليه.
فالحج معناه كثرة التردد إلى معظم، منهم من يقول القصد والتردد، ومنهم من يقول إلى شيء معظم، أو إلى معظم؛ حج بيت الله، أو حجوا بيت الله، يعني يجوز فيها وجعان بكثرة الحجي وفتح الحاء، حج البيت، والحج والعمرة بمعنى الزيارة. إذن الحج بمعنى القصد، والعمرة بمعنى الزيارة.
والحج في الاصطلاح، أو في عرف الشارع، هو قصد بيت الله سبحانه وتعالى لأعمال مخصوصة في أوقات مخصوصة. ما هي الأعمال المخصوصة؟ الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، والرمي؛ هذه كلها أعمال مخصوصة في أوقات مخصوصة. وفي زمن أشهر الحج من شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، أو ذي الحجة على حسب كلام العلماء في حساب أشهر الحج. هذا هو معنى الحج بشكل عام، معناه لغة ومعناه في اصطلاح الشرع.
أما بالنسبة لحكم الحج، فالحج كما تعلم ركن من أركان الإسلام، فهو من دعائم الإسلام العظام التي ذكرت عن النبي ﷺ، فما في حديث ابن عمر وغيره من الأحاديث: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». وفي بعض الروايات: «وحج البيت قبل صوم رمضان»، وهي الأصح.
والحج في القرآن كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97].
الأدلة على وجوب الحج كثيرة جداً، منها من القرآن، ونقدر نقول ربما ثلاث آيات أو أربع آيات، وهي: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. كان الله سبحانه وتعالى يقول الذي لا يرى وجوب الحج عليه هو من الكفار، والله غني عنهم. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ يعني حكم الحج أنه على الناس فريضة، ومن لا يرى ذلك فالله غني عنه.
ومن الآيات أيضاً قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. فقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ يعني سواء ابتدأتم به أو أتممتم، وأتمامه بمعنى الإتمام به تاماً، سواء كان بعد الشروع فيها أو قبل الشروع فيه.
﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]. تعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أمره الله ببناء البيت، أمره بالمناداة للناس، ينادي الناس أن يحجوا البيت، وقال: يا ربي وماذا يبلغ صوتي أو ندائي؟ فقال: عليك النداء وعلينا البلاء. فيقال إنه منهم من يقول إنه وقف على المقام، وإن المقام ارتفع به حين بالحج، الخليل أذن وفي كلا الأذنين أصبع ثناء أيضاً كأطوال الجبال ارتفع، وكل من يحج أسمع، ارتفع به وكل من يحجمه. ويقال إنه لما نادى، إن الجبال تواضعت وخضعت، هذه من قدرة الله سبحانه وتعالى، فأسْمِع كل شيء؛ سبحان الله، أسمع المضراء والشجرة، وأسمع الناس في بطون في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم. وإن من يحج لبا، ورد عليه بالتلبية: «لبيك اللهم لبيك»، من يكتب وله الحمد، وهو بقدر تلبية يحج عدده، هكذا يذكرون.
فهذه الآيات كلها آيات وجوب، لكن مختلفة. آية نزلت في السنة التاسعة على القول المرجح، ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قرر هذا ابن القيم الجوزي رحمه الله عليه وأوفقه، عدد من العلماء أنها نزلت في السنة التاسعة؛ لأنها كانت سنة الوفود، وبداية الآية في آل عمران كان فيها أخذ جزية أيضاً، وأخذ الجزية إنما كان في عهد السنة التاسعة. طبعاً هذا يتعلق بالفورية، إذا أردنا أن نتكلم عن خلافهم في الفور والتراخي.
خلينا ندخل في الحديث، أيضاً من الأحاديث الدالة على الوجوب كما سيأتينا إن شاء الله، الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ: «لو قلت نعم لوجدت ولما استطعتم»، ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه». أخرجه مسلم.
الحديث حديث مشهور، وقد روي عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة ومنهم ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «يا أيها الناس، إن الله فرض عليكم الحجة فحجوا»، فقام الرجل وقال: كل عام؟ طبعاً في رواية أبي هريرة هنا لم يذكر من هو الرجل، لكن في رواية ابن عباس قال: قام الأقرع بن حابس، والنبي كره مسألته والسؤال.
والسلام قد يكون مكروهًا أحيانًا، ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]. ولذلك كان الصحابة يحبون أن يأتي الأعراف ويسألون؛ لأنهم كانوا كأنهم نهوا عن المسائل التي قد تحرم عليهم حلالًا أو تحل لهم حرامًا.
مثلاً، لو قال النبي ﷺ: «نعم، لو وجب على الناس...» ولم يستطع، فكان سؤاله مكروهًا من هذه الجهة. كان السؤال في عهد الصحابة يُكره؛ لأن ذلك كان وقت تشريع، فلا يفرض عليهم شيء. أما في زماننا الآن، فلا يكره السؤال عن مسائل الدين.
ومن الأخبار التي حصلت في الأسئلة: أن النبي ﷺ يحدث الصحابة، فأحيانًا كان في بداية الأمر، قبل أن ينهى عن السؤال، سألوه وألحوا عليه في السؤال، فغضب النبي ﷺ ثم قام وقال: «سلوني». فسر الناس ويسألونه، وتفتّن بعضهم في السؤال، حتى قام عبد الله بن حذافة وقال: «يا رسول الله، مَن أبي؟»؛ فسأل سؤالًا غريبًا عجيبًا.
فقال النبي ﷺ فنسبه إلى أبيه المعروف، وقالت أمه غضبت من ذلك وقالت: «هذا عقوق منه»، أو نحو هذا. ماذا كان يحصل في معنى هذا الكلام؟ لو أنه نسبك إلى غيره، كنت بهذا، لا تدري أن النساء قد يقتربن في الجاهلية ما لا يُحمد، وستكون كلام الناس إلى أن تموت. فقال: «والله لو نسبني رسول الله ﷺ إلى عبد الإله أسود لَلَحِقتُ به».
ولكن ما كانوا في ذلك الزمن، حتى في الجاهلية، هذه الفاحشة تُعتبر لغير الحرة؛ لذلك تقول هند بنت عتبة: «أوتزني الحرة يا رسول الله؟» لما قال: «ولا تزني». ولم يكونوا مستغربين، فهذا كأنه عمل لأناس معينين ليسوا في مرتبة الإحرام.
الشاهد أن الأسئلة هنا، قال ﷺ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ». هذا كان في حياة النبي ﷺ لأن الشرع ما زال ينزل، وهذا هو المكروه، أما بعد ذلك فالسؤال لا إشكال فيه.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. ويقول عليه الصلاة والسلام: «شفاء العِيِّ السؤال». ولما أفتوا لشخص ومات بفتوى أخطأ، قال: «سألوا، فإن الشفاء في السؤال». المفروض أن يصل الناس إلى مَن هو أعلم منهم.
هذا بالنسبة لما في هذا الحديث، وفيه أن الحج يجب مرة واحدة في العمر، ويفهم منه أنه كلما كرر الإنسان الحج كلما كان أحسن؛ لأنه سكت عندما قال: «كل عام». يقول لو قلت: «نعم، لو وجبت»، هو يريد الناس يحجون، لكن ليس واجبًا عليهم إلا مرة واحدة في العمر. وهناك خلافات بين أهل العلم في مسألة الفور والتراخي، إذا معنا مجال نتكلم فيه نتكلم.
الحج نعرف أنه واجب باتفاق العلماء، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة. واحد يقول الحج ليس واجبًا، هذا خرج من الإسلام باتفاق، إلا أن يكون جاهلاً، كشخص ساكن في بلد غير مسلم وتوّه أول مرة يسلم ولا يعرف الأحكام، هذا ممكن أن نعذره. أما عندما نقول الواجب، فحكمه شرعًا: هل هو فرض عليك لاستطاعتك أو لا؟ هذا لا نتكلم عن حكم الحج، فهو ركن من أركان الإسلام لا ينكره إلا كاذب.
أما بالنسبة للفور والتراخي في الحج، فالعلماء انقسموا قسمين: منهم من يرى أنه واجب على الفور، ومنهم من يرى أنه واجب على التراخي. ومن يرى الفور الحنفية وأهل العراق والحنابلة، ومن يرى التراخي الإمام مالك أو المالكية والشافعية، طبعًا مع كل فريق فريق، لكن الأكثر معه. من يقول بالفور معناه: إذا حصلت لك استطاعة، بمعنى توفرت فيك شروط الاستطاعة، فيجب عليك فورا الحج ولا يجوز لك التأخير.
ما أدلة هؤلاء؟ أولًا نأخذ أدلة الذين قالوا بعدم الفور؛ قالوا النبي ﷺ وجب عليه الحج في السنة السادسة من أول ما جاء الإسلام؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول لإبراهيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27]. وإبراهيم نحن مأمورون باتباع ملة أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فإذا كان الحج واجبًا من بداية الإسلام والنبي ﷺ لم يحج قبل ذلك، لما كان في مكة كان يحج كل سنة، هكذا يقول أهل العلم، ومنهم من يقول حج ثلاث مرات، لكن الذي يقوله الأكثر أنه كان يحج كل سنة، وهناك أخبار تدل على هذا قبل الهجرة.
فإذا كان يحج كل سنة، فليس لأحد عذر في أن يقول إن النبي لم يحج وأنه أخّر الحج. هؤلاء الذين يقولون بأن الحج واجب من أول الإسلام والنبي لم يحج إلا في السنة العاشرة، يرون أنه يجوز تراخي الحج، يعني أن يؤخر الحج حسب ما يتهيأ له، ليس بالضرورة أني إذا استطعت أن أحج الآن، ممكن أؤخر سنة أو سنتين ونحو هذا.
ويحتجون أيضًا بأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، وهذه نزلت في السنة السادسة في غزوة الحديبية. ويحتجون أن النبي ﷺ أرسل علي بن أبي طالب وأرسل أبا بكر الصديق يخبرون الناس أن لا يحج من العام بعد العام، وبسورة براءة، والنبي ﷺ لم يحج، فإنه يجوز تأخير الحج. هذا كان حجة أولئك، لكن عندنا في الواقع ما نراه الآن، أحدهم يجعل الحج آخر اهتماماته.
القول للفريق الثاني، وهو مهم جدًا، وفي بعض الأدلة التي ينبغي على المسلم الانتباه لها. خلينا نشوف المشهد ثم الشيخ يفسر الإشكالية التي تصير في المشهد إن شاء الله.
الحين خففه والعدد وصار في توزيع وتنظيم أكثر، فما راح تموت. لحظة، لحظة، إيش قاعد تقول أنت؟ يعني بالله ما تقول لي إذا ما راح الحج يعني ما راح يموت؟ العمر بيد رب العالمين، وما أحد يموت قبل يومه، عرفت شلون؟ وبعدين الأحسن إنك تموت وأنت حاكٍّ سبيل الله، عليك يا روحي.
وأنا واحد، أكمل معاهم الحج ولا شيني ما بروح؟ زين، وأصلاً أنا الحين خلني أروح عندكم أحسن لي، يلا مع السلامة.
كان ذيك المرة متكلمين عن الموت ومكثرين عليه، وقد زعلان وضايق، فأنا جيتهم، وإحنا كنا في مكان نقرأ القرآن ونراجع، فجيتهم وأنا أردد أبيات كنت حافظها، فطرت على بالي هكذا: «وهي لنا من الموت ونعمة على العباد». قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله.
بعض الناس يظن أنه إذا راح إلى مكة لا يمكن يموت. أنا أعرف شخصاً سألت لها أو مرت عليها عرافة، أو كذا من ذولاك الذين يقرأون الفنجان، وقالت له إنه إذا حج بتموت. مسكين، مطول سنين ما حج، حتى تطول في الخمسين، بعدين الله أعانه يا حج، هو كان يظن أنه بيموت.
على الإنسان، وعنده القدرة المالية والبدنية ولم يحج، فهو على خطر عظيم لو مات. ورد عن بعض الصحابة، عن عمر، وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعن ابن عباس، قال: «من كان عنده زاد وراحلة، أو من كان قادراً ولم يحج فليمه...».
وعن بعضهم في همم اليهود بعد الفتوح، قال: لقد هممت أن أرسل ببعض عوداً إلى أناس عندهم جدية ولا يحجون، فأضرب عليهم بالمسلمين، ما هم بمسلمين. طبعاً هناك حديث تقول: «من أراد الحج فليتعجل»، فإنه قد يمرض المريض، وتتعرض الحاجة للإنسان، وما يدري إيش الذي يحصل له.
كل هذه الأدلة التي ذكرتها لك، هناك لها نقاشات، ممكن أناقشها الآن وأبين مناقشة الفريق الثاني لها. نأخذ الفاصل ونرجع، المقررات إن شاء الله تذكرها من بعد الفاصل.
أهلاً ومرحباً بكم أيها الأحبة، ونستكمل حديثنا عن الحج. وقبل الفاصل ذكرت شيخنا الذي هو: هل الحج على الفور أو على التراخي؟ ذكرت قولاً، وهناك قول آخر. نعم، القول الأول الذي ذكرته يقولون إن الحج واجب على التراخي، يمكن للإنسان يؤخره.
القول الثاني، وهو قول الحنابلة والحنفية كما ذكرت، بل هو قول جمهور أهل العلم، لأنه هناك من المالكية والشافعية من يقول بهذا القول أيضاً، وهو أنه على الفور؛ بمعنى أنه إذا وجدت فيه شروط الحج عليه أن يحج فوراً. واستدلوا بأدلة منها، وأجابوا عن أدلة الفريق الثاني.
من أجوبتهم على الفريق الثاني أن الآية التي أوجبت الحج على المسلمين هي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. وهذه نزلت في السنة التاسعة، وكان البيت فيه أصنام، وكان المشركون ما زالوا يحجون، فلذلك أخر النبي الحجة سنة واحدة، وأرسل أبا بكر وعلي رضي الله عنهما ليخبر الناس بأنه لا يحج بعد هذا العام مشرك، وليزيل كل مظاهر الشرك. عند ذلك حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع المشهورة.
وأيضاً من حججهم بعض الأحاديث التي فيها: «من أراد الحج فليتعجل»، وكلام بعض الصحابة. ومن حججهم أيضاً، وهو أهم حجة، أنهم يقولون: إذا قلتم على التراخي فمتى يحج؟ يعني ما هو الحد؟ لابد أن يكون هناك حد، لأن كل أمر يؤمر به المؤمن لابد أن يطبقه، فإلى متى ستؤخره؟ فقال بعضهم: حتى تبدو أمارات العجز أو أمارات الموت. قالوا: هذا لا ينتظم، ليس ضابطاً جيداً؛ لأنه يمكن تبدو عليها أمارات الموت ويموت، ويمكن يموت قبل أمارات الموت. الشاهد أن القول بالفورية هو القول الذي رجح كثير من أهل العلم، وهما قولان مشهوران لأهل العلم.
لكن علينا خصوصاً في هذا الزمن، هذا ظرف لا أحد توقعه، تلد بعد الظروف التي لا تتوقعها في نفسك أو في عموم الناس. عندك في مجال تروح؟ ألا تفرط في ركن من أركان الإسلام؟ هذا ركن عظيم جداً، يعني إسلامك إذا كنت مستطيعاً ولم تحج، فهناك نقص في الإسلام.
هذا بالنسبة للفورية، وبالنسبة للعمرة أيضاً، هناك خلاف في العمرة أيضاً؛ هل هي فرض مثل الحج، أو واجبة، أو ليست بواجبة على أقوال الفقهاء؟ فمنهم من يقول بأنها سنة وليست بواجبة؛ لأن الله ما ذكرها، قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ولم يذكر العمرة. وهكذا جاء في بعض الأحاديث: «بني الإسلام على خمس...» وذكر الحج ولم يذكر العمرة، فيقول بأنها سنة، وهناك ما ينبغي عليه تركه.
ومن أهل العلم يقولون بأن العمرة فرض، ووجودها في هذه الآيات -عدم وجودها- هو ضمنة فيها؛ لأن الحج الأصغر، ولأنه ذكر في مكان آخر: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. فليس بالضرورة أن تذكر دائماً في كل مكان، كما قال: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ثم ذكر الصلاة وحدها في مكان آخر، معنى هذا أنه لابد أن يذكرها في كل مكان.
وجاءوا بأحاديث، من ضمنها حديث أبي رزين أنه سأل عن أبيه فقال: «حج عن أبيك واعتمر»، فهذا أمر: حج عن أبيك واعتمر. وأيضاً الرجل الذي جاء صخر بن معبد، أنه جاء معتمراً وحاجاً، وقال لعمر رضي الله عنه: «إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي».
إلى السنة، هناك بعض الأدلة أيضاً، حديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله، أرى الجهاد أفضل العمل، فهل على النساء؟ قال: «عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». فكلمة «عليهن» يدل على الوجوب. لكن هذا الحديث تكلم فيه بعض أهل العلم، وأنه تفرد به رجل اسمه محمد بن فضيل عن حبيب بن أبي ربيعة عن عائشة، وقد خالفه جماعة من أهل العلم وصاغوه بصيغة أخرى، قالوا إن عائشة قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نسأل عنه؟ قال: «لا، ولكن أفضل الجهاد حج مبرور». وهنا ما فيه معنى الوجوب للعمرة.
زين، إحنا بالأمس عبر حسابنا في تويتر، حساب تلفزيون قطر في تويتر، سألنا سؤالاً وطلبنا من الناس اختيار الإجابة الصحيحة على ما عندهم من علم ودراية.
في موضوع الحج، ماله يكفي لأحد أمرين: إما أداء فريضة الحج به، أو كشف كرب أسرة ما فيتعين عليه. جاءت لنا الإجابات: أداء فريضة الحج 21%، وكشف كرب الأسرة 79%. يعني عندهم ناس يكون مفهوم أن الحج يعتبر بسبب الرحمة، وليس الأسرة.
على الشخص لابد أن يكون بعد النفقات الواجبة، والقادر الواجد للمركوب والزاد، قادراً على الركوب والزاد، عندنا فقط النفقات الشرعية، نفقة الأسرة زاد عندنا فقط نفقات شرعية وحاجة أصلية. فهم هؤلاء الذين -ما شاء الله كثير- الذين قالوا كشف كرب الأسرة؛ الظاهر كرب الأسرة يعني الأسرة محتاجة لأسرتها، فهذه حاجة أسرة، وكرب الأسرة قد يكون مثلاً حاجتها لدواء أو حاجتها لك، لكن هل هو مكلف بذلك أو مكلف بالحج؟ الحج هو فريضة صحيح، وبالتالي المفروض الحج، إلا إذا كان يترتب على هذا موت وحياة، إذا كانت مسألة الأسرة، ولكن لما نقول أسرة، لو قلنا واحد وأنه بين الموت والحياة، قد نقدم حياة الإنسان على الفريضة التي عندك؛ لأنه يتكلم عن الفريضة.
بعض الأسئلة يا ريت إن شاء الله نحصل لها وقت نقرأها. السؤال الأول: مغترب عنده إجازة، فهل يقدم أداء فريضة الحج أم يزور أهله؟ يقدم فريضة الحج، زيارة الأهل ملحوق عليها، لكن الحج يمكن يذهب لم يحج. وكانت التنمية الحج، فتوّفي الزوج، فهل لها الحج وهي في عدة الوفاة؟ غير مستطيع لأنها في عدة الوفاة، لا يجوز لها الخروج.
متغرب في بلد مسلم يريد حج الفريضة، فهل له ترك زوجته وطفليه لأجل الحج؟ يجوز ولا ما يجوز له؟ إذا كان ليس عليها خوف، إذا كان في بلد مسلم، في بلاد المسلمين لا خوف عليها وهو قد وجبت عليه فريضة الحج، فعليه أن يهيأ له حج الفرض.
فهل له الحج بالمبلغ الذي دخله لأولاده ولم يعطهم إياه بعد؟ فهل يأخذ هذا المبلغ مادام أنه لم يعطهم ولم يستلموه؟ حتى لو سلموه، ممكن يرد، لأنه رجوع الأب هو بيعطيه، وإذا يحج بها يجوز. إذا جاء دوره في استلام مبلغ جمعية الموظفين، فهل يجوز له حج الفريضة به؟ يجوز له ذلك، جمعية الموظفين كل واحد يستلم في شهر، والحج قريب، هل له أن يحج بهذا المبلغ؟
إذا تعارضت مصاريف فريضة الحج ومصاريف الزواج، فأيهما يقدم؟ يقدم الحج، يقدم الزواج؟ هذا ركن من أركان الإسلام، والزواج مستحب، يتزوج مع زوجته ويقدر يجمع الاثنين.
بارك الله فيك. أيضاً هنا السؤال الذي خصصناه اليوم، سنطرحه إن شاء الله عبر حساب التلفزيون قطر في تويتر. سؤال يقول: أيهما أفضل، حج التطوع أم صدقة التطوع؟ أيهما أفضل، حج التطوع أم صدقة التطوع؟ بإمكانكم إن شاء الله المشاركة بهذا التصويت.
بعضهم يقول: أنا الآن خلّيه بعدين، أنا أروح لما أتوب، حتى توني شباب ما وصلت أربعين، يحسون الحج حق الشيب، الحج كبر السن صعب يتحرك هناك. حتى شروط الحج من البلوغ، من يوم يبلغ الإنسان ويستطيع مادياً عليه أن يحج فوراً، ليس له أن يؤخر الحج؛ لأنه جاء في بعض الآثار أو بعض الأحاديث -وهي لها شواهد حقيقة- الحديث الذي يقول: «من أراد الحج فليتعجل، فإنه تعرض له الحاجة ويمرض المريض».
طبعاً كلمة «من أراد» من أهل العلم استغلوها، وأقل من أراد يعني فليتعجل، إذا لم يرد لا يتعجل؛ حقيقة كلمة «من أراد» ليس المراد بها إرادة الاختيار، وإنما المقصود بها من تهيأ له، مثل: «من أراد الجمعة فليغتسل»، فهل الجمعة ليست واجبة؟ «من أراد» يعني من أراد أن يمشي الآن، صحيح، تهيئة له، فمن أراد الحج فليتعجل وليس عليه التأخير.
وللأسف خصوصاً عندنا في بلدان الخليج الأمر ميسر لهم، لكن في بعض الدول الأخرى مسكين سليم عشرين سنة يجمع عشان يحج، الشيء الآخر ما يدري، يأتي دوره وما يأتي دوره، يأتي دوره زوجته. أنا مدقق في الأمور هذه، لكن حسب الأسئلة التي مرت عليّ، في ناس خرج سهمه أو خرج قرعته، هو لم تخرج، ابن زوجته أو العكس، فيتساءل هل يؤخر حتى يخرج؟ تقول الزوجة: أن أتأخر حتى يخرج فرص زوجي؟ طبعاً لكل هذه أجوبة ولكلها حلول.
فعلينا ألا نتأخر حقيقةً على من استطاع الحج، ولو في هذه الأوقات، هذه الأوقات ربما تكون أنسب، لأن الناس الآن أخف منهم سابقاً والامر متيسر جداً، خصوصاً إذا عنده والد والده ما حج، فليحج، أحسن، هذه مشكلة كبيرة؛ بعض الناس يكبر في السن. نما إلى علمي أن هناك عائلة كاملة ما أحد منها حج، لا الأب، ولا الأم، ولا الأولاد.
بشكل عام الذي استطاع لا يجوز له التأخير، لذلك كان عمر رضي الله عنه وابنه عمر، وقال غيره من السلف سعيد بن جبير وإبراهيم وغيرهما ممن جار لهم كان واجداً ولم يحج: «لو متّ». كلما صليت عليه بارك الله فيك.
نشكر فضيلة الشيخ الدكتور سعيد بديوي المري على ما قدم، والله يكتب لنا كلنا إن شاء الله حج بيت الله الحرام، الله يتقبل منا ومنكم الطاعات. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَلِكُلِّ وَجْهَةٍ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148-149].
د. سعيد المري