﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148].
بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لبيك اللهم لبيك. عجباً لقلوبنا، ما هذا الحنين العارم الذي يشدنا نحو ذلك البيت؟ وأي شيء ركب فينا ليقلقنا المقام فلا نهدأ حتى تكتحل عيوننا برؤية بيت الله العتيق؟ فإذا أبصرناه خالط قلوبنا برد اليقين وحلاوة اللقاء.
نفح من الكعبة الغراء يغرينا على اللقاء فما أحلى تلاقينا، يحدو بنا قدماً وسط الزحام إلى تقبيل أركانها وجد المحبين، خلنا إذا ما ارتشفنا ماء زمزمها رضوان من الجنات يسقينا. أهلاً بكم أيها الأحبة، ولا زال حديثنا اليوم عن البيت الحرام، عن فضله وعن تاريخه ومعالمه، مع فضيلة الشيخ الدكتور سعيد البديوي، المدرّس السابق بكلية الشريعة بجامعة قطر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا مرحبا يا أبو ناصر وحيا الله المشاهدين الكرام. أهلاً بكم، ما شاء الله مقدمة جميلة، جزاك الله خيراً على هذه الكلمات؛ كلام فيه شوق للكعبة، نفح من الكعبة الغراء يغرينا على اللقاء فما أحلى تلاقينا، الله أكبر. بالأمس ذكرت قصة مكة وبناء الكعبة، كانت قصة أيضاً جميلة وشوقتنا لزيارة بيت الله الحرام، الله يعطي الجميع إن شاء الله.
أمين، وأظن أننا وصلنا إلى الكلام عن تاريخ مكة وعن فضلها ومعالمها؛ هو كلام يطول، لا تكفيه حلقة ولا حلقتان ولا أكثر من ذلك. حتى فضائل مكة ما تكلمنا عنها، أشرنا إشارة، وربما يأتينا وقت الطواف، وأنه البيت الذي الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، فالصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة عما سواه.
كنا تكلمنا عمن تعاقبوا على السكنى في بيت الله الحرام وعلى سدانته، وذكرنا جرهم كانوا مع إسماعيل عليه الصلاة والسلام والعمالقة، ثم بقيت جرهم هم الذين يستولون على البيت تقريباً؛ لأنهم تناسبوا مع ذرية إسماعيل. ثم جاء سيل العرم بخزاعة؛ لما حصل في اليمن رحلت خزاعة من اليمن حتى استقرت في مكة، فقالوا لهم: من أنتم يا جرهم؟ وكانوا في ذلك الوقت بنو جرهم قد ظلموا وطغوا في الحرم، وكان ينصحهم رجل منهم ويقول: إن الله سيزيلكم إن لم تتوبوا إليه. فجاءت خزاعة وسكنوا معهم وقالوا لهم: لكم ثلاثة أيام ثم تنتجعون، ثم قالوا لجرهم: ابقوا بعد ثلاثة أيام، قالوا: اصبروا علينا يوماً آخر، قالوا: أبداً.
فصارت بينهم المعركة، وانتصر بنو خزاعة على بني جرهم وأخرجوهم من الحرم بل قتلوهم، ولم يبق منهم إلا القليل. حتى إن أحدهم، وأظنه اسمه مضاض بن عمرو الجرهمي الأصغر، انفلتت منه إبل، فلما انفلتت رجعت إلى أوكارها في مكة لأنها متعودة على البيت الحرام، فلم يدركها؛ فلما أشرف على جبل من الجبال فإذا هي تُنحر، ينحرها بنو خزاعة، صار يتأوه ويقول: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والجدود العواثر إلى آخر القصيدة المشهورة. الشاهد أن خزاعة هم الذين استولوا على الحرم إلى أن جاء قصي بن كلاب، وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم الرابع أو الخامس؛ فقصي بن كلاب كان اسمه زيد في الحقيقة، لكن سُمي قصياً لأن أمه أقصته إلى بني قضاعة وهو صغير رضيع، مات أبوه وتزوجت أمه من رجل قضاعي فرحلت، فشب الولد على أنه من بني قضاعة، فصار بينه وبين بعض أولاد قضاعة كلام، فقالوا: اسكت فأنت لست منا، فذهب إلى أمه متعجباً فقالت: يا بني إنك من سادة أبناء سادة، إنك من جيران الحرم من بني إسماعيل.
فعند ذلك ذهب إلى مكة، فلما جاء إلى مكة عرف قدره قريش وأجلوه، بقي هناك وكانت المفاتيح مع بني خزاعة، وكان سيد بني خزاعة لما جاءته الوفاة في ذلك الوقت أراد أن يعطي المفاتيح ابنته، فقالوا: إن البنت ضعيفة، فأعطاها لزوجها رجل اسمه أبو غبشان، فسار بينه وبين قصي منادمة، وسكر أبو غبشان فاشترى منه قصي مفاتيح الكعبة بخضر، أي وعاء خمر، فأخذ المفاتيح وأعطاها لولده عبد الدار، لأن قصياً له أربعة من الولد: عبد مناف، وعبد الدار، وعبد العزى، وعبد. وأكبرهم عبد الدار، فأعطاها ولده عبد الدار ليطير بها إلى قريش، إنه قد رجعت لكم مفاتيح أبيكم إسماعيل، واستعدوا للحرب؛ لأن هذا الرجل إذا أفاق سيشن حربه. وفعلاً شُنت حرب عظيمة بين قريش وبين خزاعة إلى أن حجز بينهم حاجزون، واحتكموا عند رجل اسمه معمر الليثي يسمونه الشداخ؛ لأنه شدخ دماء بني خزاعة، وقال: إن البيعة تمت ورجعت المفاتيح إلى أهلها ولا دية لقتلاكم.
هنا برز نجم قصي، رد المفاتيح إلى أهلها ثم بنى دار الندوة، ولم تزل خزاعة أهل الحرم حتى أزاحهم قصي. يقولون: بزق خمر من أبي غبشان رئيسهم ذي الغدر والخسران نال المفاتيح قصي وذمر أخاه من قضاعة حتى انتصر هو لما أخذ المفاتيح واستعد للحرب أرسل إلى أخيه من أمه من بني قضاعة أن يستنجد به فجاء ذلك في خير كثيرة، وعند ذلك هدأت الحرب. الشاهد أنه أيضاً قصي اتخذ دار الندوة، يقول: ولا يخترع في غيرها أمر ولا تدرع جارية أو يعذر الغلام إلا بها بأمره يُرام هذه الدار صارت مجلساً لقريش يجتمعون ولا يُبت أمر إلا فيها بأمره، هو صار سيداً على قريش كافة، ثم رأى في ولده عبد الدار -وهم خزنة البيت الآن بنو شيبة، ولعل إذا في مجال أتكلم سأتكلم عنهم- عبد الدار كان رآه قصي أنه فيه نقص عن إخوته الآخرين، إخوته الآخرون عبد مناف وعبد العزى فيهم السيادة، فأراد أن يتحف عبد الدار بشيء يكون سيداً مثلهم.
ولذلك قال: حجابة، سقاية، رفادة، لواء، الندوة بالقلادة اتحف عبد الدار إذ رآه دون مدى إخوته مداه هذه خمسة أشياء، سماها حجابة، سقاية، رفادة، لواء، الندوة، الندوة بالقلادة، سماها قلادة، اتحف بها عبد الدار إذ رآه دون مدى إخوته مداه. لكن بنو عبد مناف، الذي هو جد النبي صلى الله عليه وسلم، فعبد مناف وأولاده أربعة: هاشم، وعبد شمس، ونوفل، والمطلب، هؤلاء الأربعة جاء عليهم أولاد، فقالوا: لا يصح أن يستحوذ بنو عبد الدار بهذه الخمسة الأشياء، فقاموا عليه وكادت أن تحصل معركة بين أبناء العمومة. فبنو عبد مناف حالفهم أربعة قبائل، صاروا خمسة: وبنو عبد مناف سادوا، أخذ حلاها كلها أرادوا وحالفوا لأخذها بالقهر منهم بطوناً من صميم فهر زهرة، تيم، حارث، وأسد، خمساً على أمثالها كانت يداً زهرة وهم رهط سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأخوال النبي صلى الله عليه وسلم أمنا آمنة الزهرية، وتيم رهط أبي بكر الصديق وأبو عبيدة طلحة بن عبيد الله، حارث رهط أبي عبيدة الحارث بن فهر، والأسد وهم رهط أمنا خديجة والزبير بن العوام وحكيم بن حزام.
فتحالفوا هؤلاء، وحالفت أيضاً عبد الدار أربعة قبائل: وحالفت عبد الدار قبائل من فهر الأخيار هصيص، مخزوم، عدي، وخرج محارب وعامر عن الهرج، اثنتا عشرة قبيلة محارب وعامر، عامر بن لؤي ومحارب بن فهر خرجوا عن الهرج وهم الذين سعوا في الصلح. وهصيصاً لهم بنو جمح وبني سهم، بنو جمح الذين هم أبناء مظعون وكذلك أمية بن خلف وصفوان بن أمية، وبنو سهم الذي هو عبد الله بن عمرو بن العاص وأبناؤه، وعلي عمر بن الخطاب. هصيص ومخزوم رهط خالد بن الوليد وهؤلاء المخزومين المشهورين، فساروا قبيلتين لأجل هذه الأمور التي هي شرف لهم، سدانة البيت وسقاية البيت، كلها فيها تكلفة فيها دفع.
سقاية البيت وحجابة البيت، حجابة البيت هي السدانة، السدانة هي خدمة البيت، تكون معهم المفاتيح، تغسيل البيت، كسوة البيت، العناية بالبيت، كل ما بالكعبة، جميل، هذا تسمى السدانة، والسدانة الآن هي في بني شيبة. لأنهم قال: ثم بصلح أخذت سقاية رفادة بنو عبد مناف السادة. يعني عبد مناف أخذوا اثنتين، وهي السقاية والرفادة، السقاية يسقون الحجيج والرفادة يخدمون الحجيج، وبقيت السدانة واللواء والندوة مع بني عبد الدار، ومن أهل اللواء تعرف مصعب بن عمير هذا من بني عبد الدار، يقال له العبدلي، وعد عثمان وعد طلحة، ولد طلحة بن أبي طلحة عثمان، يقال الحجبي، ومثله ابن عمه عثمان شيبة وهو الحجبي الآن.
عندنا اثنان، لما النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة ودخل، طلب المفتاح من عثمان، وكان عثمان قد هاجر، عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان هو العبدلي في الجاهلية، لكنهم ما أسلموا، لما أراد النبي يدخل البيت يوم الاثنين والخميس كانوا يفتحونه، فكان عثمان بن طلحة بن أبي طلحة هو صاحب المفتاح، كأنه أغلظ على النبي أو تكلم عليه أو أساء إليه، والنبي كان في ذلك الوقت قد نُبئ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعلك ترى المفتاح هذا بيدي أضعه حيث شئت»، فقال: إذاً ذلت قريش وهانت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل عُمرت وعزت». ثم لما جاء الفتح طلب النبي المفتاح، وعثمان كان قد هاجر وأسلم، وبقي ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فأخذ النبي المفتاح ودخل مكة ثم خرج وخطب خطبة مشهورة، ثم طلب المفتاح بعض بني هاشم، فسأل عن عثمان، أين عثمان؟ فجاء عثمان وأعطاهم، عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وقال: «خذوها يا آل أبي طلحة خالدة تالدة، لا ينزعها عنكم إلا ظالم». خلاص، المفتاح هكذا، مات عثمان وبقي شيبة ابن عمه، فسار المفتاح معه إلى يومنا هذا بنو شيبة، ويسمون الآن الشيبي، فلان الشيبي، وأظن عندهم نظام أنه يكون الأكبر منهم هو الذي معه المفتاح وينتقل إلى من يليه في السن وهكذا. هذا بالنسبة لما يتعلق بالتاريخ مختصراً.
بناء البيت حصل عدة أبناء، من ضمنها بناء آدم كما ذكرنا وفيه كلام، وبناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم بناء جرهم والعمالقة، وهذا ذكره علي بن أبي طالب وجرهم ذكر في قصيدة زهير بن أبي سلمى، وبناء قريش وذكرناه، ثم بناء الزبير بن العوام؛ لأنه الزبير علم من خالته عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم، فإنهم قصروا البناء وجعلوا الحجر».
ففعل ذلك الزبير، عبد الله بن الزبير هدم الجدار الشمالي ثم ضم الحجر إلى البيت وجعل له بابين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. لما انتصر الحجاج عليه كاتب عبد الملك بن مروان، فقال: ردها على ما كانت عليه، يظنون أن الزبير فعل شيئاً من نفسه، وهم عبد الله، ثم علموا بعد ذلك أنه فعله بأمر أو بحديث من النبي صلى الله عليه وسلم. في عهد العباسيين عهد المهدي بن المنصور، المهدي الذي هو أبو هارون الرشيد، سأل الإمام مالك أن يعيدها على ما بناها ابن الزبير عبد الله بن الزبير، فأبى عليه مالك وقال: لا تكونوا لعبة في أيدي الحكام أو في أيدي الناس. فمن ذلك اليوم ما تغير وضعها، ولم تُبنَ، هناك تجديدات ممكن لكن لم يُبنَ بناء بعد ذلك البناء إلا في عهد مراد الرابع العثماني سنة ألف وأربعين للهجرة، هناك بُنيت؛ لأنها جاءها سيل وطم المكان وتهدم عدد من جدران البيت، صار هناك بناء استمر شهوراً، وصار فيه شيء من الهيبة وشيء من المعاني، أهل التاريخ يذكرون أشياء مهيبة قرأها يشعر بهيبة البيت، كيف كان تعامل الناس معه.
ثم بقيت إصلاحات، وآخر ترميم حصل للبيت، ترميم يمكن نقول بناء أو ترميم، ربما يكون ترميم أقرب، وهو في عهد خادم الحرمين الشريفين رحمة الله عليه الملك فهد، أظن في سنة ألف وأربعمائة وسبعة عشر، هذا آخر شيء، أما التوسعات فكبيرة ما شاء الله ومنها التوسعة.
الحالية الكبيرة جدا. بالنسبة لما يتعلق بالبيت بشكل مختصر، لأن الموضوع صراحة كبير وفي بالي أشياء كثيرة، فما بغيت أسأل إذا سألت بعد، في عندنا الآن نقطة ثانية في حلقتنا، وهو أن نتكلم عن ماء زمزم وفضل ماء زمزم.
الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه أنه ذكر في حديثه الطويل عن قدومه إلى مكة وإسلامه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «متى كنت هاهنا؟». قال: قلت: قد كنت هاهنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم. قال: «فمن كان يطعمك؟». قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع. قال: «إنها مباركة، إنها طعام طعم». أخرجه مسلم مطولًا، وزاد بعضه بإسناد مسلم: «إنها طعام طعم وشفاء سقم».
هذا الحديث سلمك الله حديث طويل مشهور في إسلام أبي ذر، وحاولت أني أختصر منه وآخذ القدر الذي نريده، وهو أن زمزم طعام طعم وشفاء سقم. طعام طعم ثابت في صحيح مسلم، وبنفس الإسناد موجود في أبي داوود الطيالسي وغيره، وشفاء السقم معناه أن هذه الزيادة زيادة صحيحة.
زمزم لها تاريخ مع مكة، فمن ضمن التاريخ الذي ذكرناه يقولون: إن جرهم لما بغت في الحرم قبل أن تخرجها خزاعة، غار ماء زمزم لأنهم كانوا يسرقون الهدايا التي تأتي لمكة، فقام سيد من ساداتهم مضاض بن عمرو الجرهمي، وأخذ غزالين في الحرم أهديا للكعبة من ذهب وسلاح، وردمها في بئر زمزم ودفنها ومسح عليها بحيث لا يهتدي إليها أحد. لما انتصرت خزاعة لم يجدوا زمزم ولم يجدوا أثرًا لها، وبقيت مغمورة لا يعرف عنها أحد إلا في عهد عبد المطلب وهو حفيد قصي، رأى رؤيا.
هذا يجرنا إلى مسألة السؤال الاستفتاء؛ كان سؤالنا بالأمس عبر حساب تلفزيون قطر في تويتر، وما شاء الله كان تفاعل الجمهور كبيرًا، جزاكم الله خيرًا على تفاعلكم. «برة والمضمونة من أسماء الكعبة أم زمزم؟». اللي اختاروا الكعبة ثمانية وعشرون في المئة، واثنان وسبعون في المئة زمزم. برة والمضمونة اسمان من أسماء زمزم، وقد وردت فيها أسماء كثيرة لزمزم، أوصلها بعضهم فوق الخمسين اسمًا.
من أسمائها المشهورة برة، وقد وردت هذه في رواية عن عبد المطلب أنه كان نائمًا فجاءه آتٍ وقال: احفر برة. قال: وما برة؟ ثم ذهب عنه، ثم جاءه مرة أخرى وقال: احفر المظنونة. فقال: وما مظنونة؟ ثم ذهب عنه، ثم جاءه في المرة الثالثة وقال: احفر زمزم عند نقرة الغراب الأعصم، بين الفرث والدم، عند قرية النمل.
ولذلك يقول البدوي: ودل شيبة عليها بالدم والفرث والنمل ونقر الأعصم وغار زمزم لبغي جرهم وخبؤوا فيها هدايا الحرم
ذهب شيبة -وهو عبد المطلب- حين جاء إلى الصحن أو المكان قريبًا من البيت، فوجد قرية النمل ووجد الغراب الأعصم، ولم يجد الفرث ولا الدم. فبينما هو واقف متعجبًا، إذ ناس يطردون بقرة فأدركوها عند المكان نحروها، وتحققت الرؤيا، فلما ذهبوا صار يحفر وقريش تهزأ به وتستغرب منه، وهو يحفر حتى وصل إلى طوي البئر، والبئر لها طوي وهو جوانبها. لما رأوا أنه أدرك طوي البئر عرفوه وجاؤوا يخاصمونه ويقولون له: لا يمكن أن تستحوذ عليها دوننا، وهذه بئر أبينا إسماعيل. فقال: إن الله خصني بها. ثم نذر ذلك الوقت -لأنه ما كان معه إلا ولده الحارث- نذرًا لما أعطاه الله عشرة من الولد لينحرن عاشرهم وهو عبد الله، والقصة مشهورة.
الشاهد أنه حفر البئر، وبعد ذلك قريش أعطته السقاية لأنه صارت قرعة بينهم، فبقي في بني عبد المطلب لأنها في بني هاشم أو في بني عبد مناف.
بالنسبة لزمزم، النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قال: «طعام طعم وشفاء سقم». يعني كونها طعام، قرأت بعض الأبحاث المعاصرة التي تثبت أنها فيها بعض المواد التي يمكن أن تكفي عن الطعام، لكن لا أدري ما المدة؟ هنا أبو ذر قال: جلس ثلاثين يومًا، لكنه قال: سمنت حتى عكن بطنه. وقد ثبت عن أناس كثيرين ذكروا -وهذا شبه تواتر- أن كثيرًا من الناس كانوا يستكفون بزمزم عن الطعام والشراب، آخرهم ما ذكره صاحب كتاب فضل زمزم، يذكر عن شيخ لنا من مشايخنا اسمه سعيد الطنطاوي، أخو الشيخ علي الطنطاوي رحمهما الله، أنه في رمضان جلس عشرة أيام في العشر الأواخر معتكفًا لا يذوق إلا زمزم، وأنه لم يحتج إلى طعام. هذا معنى طعام طعم.
وشفاء سقم أيضًا يستشفون بها؛ وكان الإمام أحمد يستشفي بها، ويغسل وجهه ويقول ولده: لرأيت أبي يستشفي بها. وكثير من الناس يستشفون بها ووجدوا فيها شفاءً من كثير من الأمراض، ولعله يحتاج إلى إيمان ويقين مع الاستشفاء والدعاء. وهناك حديث: «ماء زمزم لما شرب له»، هذا الحديث فيه خلاف بين أهل العلم في صحته، منهم من يحسنه ومنهم من يضاعفه.
أهلًا ومرحبًا بكم أيها الأحبة، وبدأ الحديث عن ماء زمزم، وعندنا موضوع الاستشفاء من ماء زمزم، هناك حوار يدور بين الشباب، والشيخ إن شاء الله يحل المشكلة.
يا مرحبا يا مرحبا، حيا الله من جانا، الله يحييك نورت يا أبو عبد الرحمن. الله يسلمك يا مرحبا، النور نورك. الله يبارك فيك، قلت لي جاي من العمرة ما شاء الله، الله يتقبل طاعتكم، عاد إن شاء الله دعيت لنا؟ أوه شلون بعد؟ أنت أقرب الناس لي، دعيت لكم واحد واحد، وأنت بالذات دعوة من القلب. زين جزاك الله خير، عاد طمني يا أبو محمد، شلون الأمور هناك مع أوضاع كورونا والإجراءات؟ في البداية كنت خايف، عقب يا الله، أجواء روحانية، خشوع، تاخذ راحتك ولا حد يقرب صوبك، تشوف الكعبة من قريب، أجواء من أحلى ما يمكن والله. ما شاء الله، زين يا أبو محمد، هاي شنطة موية زمزم؟ إيه ما شاء الله، عطني يا أبو محمد خل أتضلع عشان ما أصير منافق، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم». شوف هو مستحب، يعني إن ما تضلع ترى ما راح تصير منافق. وبعدين الشغلة الثانية الله يسلمك، العودة حق أخوي علي، عنده بنيته كلها تصيح ومتضايقة وتتألم، تعب وياها فقلت خله ييب لها ماي زمزم، عسى الله يطرح الشفاء والبركة. عليكم السلام ورحمة الله، ما تشوف شر إن شاء الله. هلا والله، توي والله واصل، الله يسلمك، ما تعبت والأمور زينة، أبشرك. طمنا شلون بنيتنا؟ والله الحمد لله رب العالمين، مسكينة ما خليت لا من دكتور لدكتور، وبعدين كل دكتور يعطيها شنتورة، والحمد لله رب العالمين، بعضهم قال لي خذها للمطوع يقرأ عليها، إن شاء الله نطلب الله سبحانه وتعالى أن يرحمها برحمته يا رب العالمين، إن شاء الله ما عليها إلا العافية. بس يا شباب ترى أنا بقول لكم شي، صراحة شي ما أدري شلون أقوله، صحيح يا شباب إنه مي زمزم أرض مباركة وما مبارك، لكن صراحة الناس مبالغين فيه. شلون مبالغين فيه؟ الله يسلمك عن حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، «ماء زمزم لما شرب له»، صحيح، لكن أحيانًا الناس يحطون على الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث وأقوال وهي أصلاً ما وردت، وحتى الحديث هذا «ماء زمزم لما شرب له» حديث صراحة ضعيف. معقولة؟ وبعدين حتى الناس اللي أخذوا ماي زمزم وشربوا ماي زمزم ما تحققت أمانيهم. لا حول ولا قوة إلا بالله، بس هذا دائمًا الحمد لله من سنين طويلة ونشرب منه، لكن مثل ما قلت أنت المفروض المشايخ ورجال الدين بعضهم يقول لك صحيح وبعضهم ضعيف، لكن إحنا الحمد لله ماشيين على رحمة الله سبحانه وتعالى، بعدين يا أخوي الناس هذي كلها تشكك، لا حول ولا قوة إلا بالله، والناس تجيب من عندها كلام وتودي، الله يرحمنا برحمته.
تعليقك شيخ على الحوار الذي دار في هذا المشهد؟ أولًا هذا المشهد فيه أن شخصًا جايب ماء زمزم معه، وهذا نقل زمزم العلماء يستحبونه، يقول الفقهاء: يستحب أن الواحد يتزود معه من ماء زمزم، لأنه كما ذكر يستشفى به وفيه البركة إن شاء الله. هنا قال أحدهم إن الناس يبالغون، هو يمكن يستغل بعض الأحاديث بعض أهل التجارة، يصير يقول لك: هذا زمزم مقري فيه وبسعر الشيء الفلاني، اتخاذه بهذه الطريقة شيء في الحقيقة مزعج ولعله لا يصح، لكن كون ماء زمزم فيه الشفاء هذا موجود.
النبي صلى الله عليه وسلم كما قال في حديث في الصحيح: «طعام طعم»، وفي الرواية الثانية وهي رواية صحيحة: «وشفاء سقم». وأيضًا حديث «ماء زمزم لما شرب له»، من أهل العلم من يصححه وإن كان هناك من يطعن فيه، هو دائر بين أن يكون موقوفًا على صحابي أو عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صححه جماعة من العلماء، منهم من فعل ما تضمنه منهم عبد الله بن المبارك وكان إمامًا من الأئمة، فإنه شرب زمزم، هم يقولون إن من شرب زمزم إن شربه لطعام أطعمه الله، وإن شربه شفاءً شفاه الله، طبعًا مع اليقين والإيمان والتوجه إلى رب العالمين، وإن شربه لأمنية حققها الله.
ولذلك يقول عبد الله بن المبارك لما شرب زمزم: اللهم إني أشربها لعطش يوم القيامة، أو يتحصن لله سبحانه وتعالى يوفقه لأن يأمن من عطش يوم القيامة. وهناك من العلماء مثل الحاكم يقولون شربها لأجل حسن التصنيف، وإنه أصبح حسن التصنيف من المؤلفين الذين حسنوا تأليفهم. وهكذا ورد كثير من أخبار العلماء ممن شربوها لغاية معينة أو لأمنية معينة وحققها الله سبحانه وتعالى، منهم ابن القيم ومنهم الذهبي ومنهم ابن حجر العسقلاني، يقول: شربتها لأنال رتبة الذهبي في الحفظ، فيقول إنه تفوق على الذهبي في الحفظ.
تتمنى أمنية قبل ما تشرب الماء وهو من السنة، عند شرب الماء أن تستقبل الكعبة، هل تقف أو لا تقف؟ فيه خلاف بين العلماء، لكن النبي صلى الله عليه وسلم شرب واقفًا، تستقبل القبلة ثم تدعو الله سبحانه وتعالى، دعا ابن عباس: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وصار من العلماء الكبار، وتتضلع منه وهذا من السنة. وليس قوله عن علامة، هذا الحديث أيضًا فيه أخذ وعطا بين الفقهاء، أنه على الذين لا يتضلعون أن هذه علامة المنافقين، «آية ما بيننا وبين المنافقين التضلع»، فإنه إن صح هذا فمعناه أن المنافق أو الشخص الذي ليس فيه الإيمان أو لا يحب الدين سيكره زمزم لأنها ليس طعمها مستساغًا نوعًا ما، ليست مثل بعض المياه الأخرى، وبالتالي لن يتضلع، فكأنها علامة على من لم تدخل بشاشة الإيمان قلبه، وليس معناه أنك لا بد أن تتضلع، لكن يستحب لك التضلع، فالفقهاء يستحبون التضلع، ويستحبون الشرب قائمًا، ويستحبون النظر إلى الكعبة وأنت تشرب، وتستقبل الكعبة وتدعو وتتمنى على الله سبحانه وتعالى، وأيضًا قالوا بجواز نقلها معك في السفر وأنت راجع، وقد تزودها كثير من العلماء، بل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طلبها من سهيل بن عمرو.
وإن كان في هذه الأحاديث كلام أيضاً، فمجموعها كلها يؤدي إلى ما ذكره العلماء. بعض الأسئلة التي نود من خلالها أن نستفهم أو نتعرف على بعض الأمور الخاصة بماء زمزم. السؤال يقول: السدانة هي الرفادة الحجابة؟ السدانة هي الحجابة، والحجابة هي أهل المفتاح، والحجبيون يقولون فلان الحجبي، والسدانة نفس الشيء، وسدانة البيت هي خدمة البيت. سدانة البيت كانت ولا زالت في بني هاشم أم شيبة؟ ذكرناها قبل قليل والصراع الذي حصل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها لبني شيبة أو لبني أبي طلحة وقال: «خذوها يا آل أبي طلحة»، طبعاً بنو شيبة هم من آل أبي طلحة.
الذي اكتشف بئر زمزم بعد طمسها من قريش هو قصي بن كلاب أم عبد المطلب؟ ذكرت القصة؛ نعم، دلى شيبته شيبة يتولى عبد المطلب. هل يجوز نقل ماء زمزم والتزود به؟ يجوز، قالوا إنه يجوز. هل يجوز الوضوء بماء زمزم؟ المسألة في التطهر بماء زمزم؛ هم متفقون على أن ماء زمزم لا يستعمل في شيء مهان، أي شيء يكون فيه إهانة، لكن هل الوضوء يجوز بماء زمزم؟ الوضوء يجوز بماء زمزم لا شك، النبي صلى الله عليه وسلم توضأ به، وكذلك الغسل، لكن اختلفوا في الاستنجاء وفي إزالة الخبث به فمنعه بعضهم وأجازه بعضهم.
أيضاً عندنا سؤال يوم غد، سؤال سيطرح عبر حسابنا في تويتر، حساب تلفزيون قطر في تويتر، والسؤال يقول: من مناسك الحج رمي الجمرات امتثالا لأمر الله وتشبهًا بإبراهيم عليه السلام حين عرض له الشيطان عند الجمرات الثلاث، فهل هذا الرمي رمي حقيقي للشيطان، أم رمي معنوي للشيطان، أم كلاهما؟ نحن نعلم أن هناك رميًا للجمار، فهل هذا الرمي؛ هل الشيطان مثلاً يربط هناك؟ هل الله سبحانه وتعالى يلحق به الأذى حقيقة أو جسديا بهذه الجمار الثلاث، أو أنه مجرد معنى من المعاني؟ هو امتثال لأمر الله لا شك، واتباعًا لإبراهيم، وابن عباس يقول: الشيطان وملة أبيكم إبراهيم تتبعون. لكن هل يقصد الشيطان أنه هناك كما يفهم العامة؟ لأن كثيرًا من العامة يقولون إن الشيطان موجود هناك، حتى لما يجي يقولون: وين الشيطان؟ هو يبغى يرجم يقول الشيطان وين؟ هو أنت تأشر له. فهل الشيطان فعلاً موجود هناك؟ أو أنه إغاظة للشيطان؛ إغاظة معنوية أو رجم له بشكل معنوي مجازيًا؟ جزاك الله خير. فعليكم الدخول إلى حساب تويتر لتلفزيون قطر ثم الإجابة التي ترونها هي الصحيحة.
نتكلم عن موضوع مكة والكعبة، وتشريفهم بأن يكونوا في خدمة الكعبة، هل كانوا على دين إبراهيم عليه السلام أم كانوا مشركين؟ وصلنا إلى أنهم كانوا مشركين، فكيف يعظمون هذا البيت؟ كان الناس على دين إبراهيم منذ بني البيت، ثم جاءت خزاعة وكانوا على دين إبراهيم، خرج من خزاعة رجل اسمه عمرو بن لحي وكان رئيسًا فيها، فوجد أصنامًا في الشام فجلبها معهم، فساروا يعبدون الأصنام، فكان هو أول من بدل دين إبراهيم. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار» لأنه أول من بدل دين إبراهيم. وبقي على دين إبراهيم أناس؛ منهم زيد بن عمرو بن نفيل الذي هو أبو سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، وعم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبقي أيضًا ورقة بن نوفل كما تعلم، كان على دين إبراهيم أو على النصرانية؛ لعله كان على النصرانية لأنه أراد أن يذهب يبحث عن دين غير دين أهل مكة لأنه رأى أنهم يعبدون الأصنام ورأى أن هذا الدين غير صحيح. وهناك مجموعة منهم زيد كما ذكرت، ولا يحضرني الآخرون، لكن هناك مجموعة من الناس بقوا على دين إبراهيم، والنبي صلى الله عليه وسلم هو على دين إبراهيم قبل النبوة، فإنه لم يكن يتقرب للأصنام وكان يتعبد في غار حراء، والذي عليه كثير من أهل العلم أنه كان يتعبد وأنه كان على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
هم مشركون، يعبدون كلهم اتبعوا عمرو بن لحي وصاروا تعودوا على هذا وأنشأوا كثيرًا من الأمور السيئة، لكن بقي عندهم؛ مثلاً عبد المطلب بقي عنده شيء، وبقي عند كثير منهم شيء من تعظيم البيت، هذا من أمور إبراهيم عليه الصلاة والسلام. طبعًا عبد المطلب نحن ما ذكرنا تكملة قصته إذا كان عندنا مجال؛ لما فدى في النهاية أنه فدى ابنه عبد الله بمئة من الإبل بعد أن ضرب عليها السهم، فصارت هذه المئة. أنا ودي هذه القصة بكرة نقولها، أنا صراحة شوقتنا نسمع القصة هذه، فبكرة بداية الحلقة راح نتكلم عن القصة هذه ثم ندخل في موضوعنا، نشكر فضيلة الشيخ الدكتور سعيد البديوي المري على ما قدم، وغدًا لنا لقاء بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148].
د. سعيد المري