ولكل وجهة هو موليها، فاستبقوا الخيرات، أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا، إن الله على كل شيء قدير.
بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سبحان الله، ما أعظم تعاليم الإسلام! فبينما هو عبادة روحية وتعاليم إيمانية، إذا هو إنارة للعقول وتهذيب للنفوس ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: 81]، وبينما هو نشر للخير والآداب والأخلاق، إذا هو تكاتف وتعاون وتكافل، ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19]. حديثنا اليوم أيها الأحبة مع فضيلة الشيخ الدكتور سعيد بديوي المري حول الزكاة، وخصوصاً عن مصارف الزكاة، وما يتعلق بإخراجها، وبعض أحكامها. سنحاول في هذه الحلقة الإتيان ولو بشكل مختصر على ما يمكننا ذكره من الأحكام والمسائل المهمة بإذن الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخ سعيد.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياك الله، حيا الله المشاهدين الكرام.
تكلمنا أمس عن شروط الزكاة، وعن الأموال الزكوية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أول ما ينبغي على المؤمن في إخراجه لزكاته أن ينوي إخراج الزكاة؛ فالنية شرط في صحة إخراجها. لو أخرج شخص زكاة ماله وهو لم ينوِ، أو أخرجها شخص آخر، لا بد أن يكون ناوياً. والنية بالنسبة للبالغ العاقل؛ فإذا كان شخص بالغ عاقل وعنده مال، وجب عليه أن ينوي عند إخراج الزكاة أن هذه الزكاة.
في البداية، هل تعتبر صدقة ثم يغير النية ويجعلها زكاة؟ لا يصلح أن تتأخر النية عن إخراجها؛ فالنية لا بد أن تكون مقارنة للإخراج أو سابقة له. كيف سابقة للإخراج؟ مثلاً واحد عنده مال، فقام وأقطع شيئاً من ماله لأجل الزكاة، وقال هذه زكاة، سواء قالها لفظاً أو قالها بنفسه، ثم بعد شهر أخرج هذه الزكاة دون أن يجدد هذه النية، فهنا تجزئ. أو أخذها شخص وكيل عنه وأخرجها عنه، فهو أصلاً في السابق عزلها عن ماله على أنها زكاة؛ فالنية يمكن أن تكون سابقة لوقت الأداء ويمكن أن تكون مقارنة، لكن لا يجوز أن تكون متأخرة.
ما صور التأخر مثل ما ذكرت قبل قليل؟ واحد تصدق صدقة عادية، ولم يدر في خلده أو في باله مسألة الزكاة. مثلاً واحد جاء يتسلف، الشاهد أن شخصاً أعطى شخصاً ديناً، وهذا الشخص محتاج، فقال إن رده علي بعد ما أخذ الدين، ثم لما رأى أنه أعسره قال: خلاص أنا أجعله زكاة؛ فهذا لا يصح لأن النية الآن جاءت متأخرة عن الإخراج. فلا بد أن تكون النية مصاحبة للإخراج. ومن تسقط عنهم النية؟ الصغير والمجنون؛ لأنه ينوي عنهم الولي. وهكذا إذا امتنع دافع الزكاة عن دفعها وأخذها السلطان أو الحاكم جبره، فتجزئ عن نيته.
هذا بالنسبة للنية، وأيضاً إذا وجبت الزكاة لا يجوز تأخيرها. إذاً عندنا مسألتان: مسألة النية وتأخيرها لا يجوز، ومسألة إخراج الزكاة نفسها لا يجوز تأخيرها؛ يعني مجرد ما يحول الحول فعليك إخراج زكاتك. إيش يترتب على هذا لو لم يخرجها؟ يترتب عليه أنه لو هلك المال يجب عليه أن يخرج الزكاة ولو كان ما عنده مال؛ لأنه حين وجبت عليه الزكاة كان عنده مال، وإنما فرط في عدم الإخراج. هذا إذا فرط، لكن إذا لم يفرط، بمعنى أنه كان يريد إخراجها ولم يحصل، لم يجد المصرف أو لم يأتِ المزكي أو نحوه حتى فني المال هنا، فهذا تلف بدون إفراط، ففي قول الجمهور أنه لا يلزمه إخراجها مرة أخرى؛ لأنه حصل انتهاء المال أو عدم القدرة عليه بدون تفريط منه.
هذا بالنسبة للتأخير، وأيضاً يترتب عليه لو قلنا بأن شخصاً يريد تأخير الزكاة، هل يجوز تأخيرها أصلاً؟ كما أنه لا يجوز تأخير النية، لكن هناك بعض الحالات التي يمكن تأخير الزكاة فيها، مثلاً ما حصل فقيراً، وأراد أن ينقلها إلى بلد آخر، فهنا ستتأخر الزكاة في الوصول إلى ذلك التأخير لمصلحة؛ أو أراد أن ينتظر بها فقيراً محتاجاً يعلم فقره، وهو لا يعلم فقراء غيره، مثلاً لا يوجد حوله أحد من الفقراء لكن يعلم أن هناك فقيراً سيأتي بعد اليوم الفلاني، هنا تأخيره للزكاة لا بأس به لأنه يؤخرها لمصلحة الفقير ليس لمصلحة نفسه.
ساعات تصير كارثة مثلاً في دولة ما، أمطار أو أشياء كثيرة، ويقولون تقدر تدفع الزكاة قبل وقتها، هل يجوز؟ تعجيل الزكاة ليس كتعجيل الصيام، وقت الصلاة ووقت الصيام هذا تعبدي لا يجوز؛ يعني أن تصلي الظهر قبل زوال الشمس مثلاً، ولا أن تصوم رمضان في رجب، هذه توقيتها تعبدي. أما توقيت الزكاة، أولاً يحول الحول، ولذلك لكل ناس حولهم، واحد حوله في رجب، وواحد حوله في رمضان، ووقت ليس متعبداً به في الزكاة، ولذلك جوّز العلماء تقديم الزكاة عن وقتها، كما أن الدين يجوز أن تقضيه قبل وقته. واحد عليه دين لكن ليس حالاً، سيحل بعد سنة، وأراد أن يتخلص منه الآن، هل في إشكالية؟ في دين الله سبحانه وتعالى يجوز تقديمه.
وبمناسبة التقديم، هناك مسألة قد تقع من بعض الناس، وهو أنهم يقسطون الزكاة، يعني مثلاً عنده فقير معين ويريد أن الزكاة تكون لهذا الفقير، لكن الزكاة كبيرة، ممكن تكفي الفقير هذا حاجة سنة، فهو لا يريد أن يعطيه الآن لعله ينفقها، فصار يعطيه راتباً شهرياً لمدة سنة. هذا جميل، لكنه لا يجوز؛ يجوز إذا عجلت الزكاة. إيش معنى عجل الزكاة؟ يعني مثلاً نحن في رمضان الآن، وزكاة رمضان التي عندي لو قلنا مثلاً على سبيل المثال عندنا 100 ألف أو 120 ألف، وسأعطي هذا الفقير 10 آلاف شهرياً أو 5000 شهرياً، إذا كانت 60 ألفاً، فالآن لا يجوز؛ لأنني أعطيه 5000، وأعطيه بعد شهر 5000، لأني في الشهر الثاني أخرت الزكاة شهراً، ثم شهراً آخر. لكن لو عجلت زكاة رمضان السنة الجاية وقسطتها من الآن حتى إذا جاء رمضان يبقى القسط الأخير، في الناحية الثانية أيضاً الزروع لها وضع آخر بالنسبة لحولان الحول؛ لأن هو الحصاد وقت الحصاد للزرع أو للثمار وتؤخذ منها الزكاة وهي (إلى الله) نضجت زكاتها وقتها وقتها حول.
ندخل في المصارف يا شيخ، لأن هناك آية كريمة معروفة، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60]. هذه فريضة من الله، ثمانية مصارف. الأول الفقراء، ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، من هو الفقير؟ الذي عليه جماهير أهل العلم أن الفقير هو من لا يجد كفايته؛ الفقير ما عنده شيء.
والمسكين هو أقل منه درجة؛ المسكين هو من يجد بعض الكفاية. ويمكن أن يكون موضحاً المسكين، الفقير عادة لا يكون عنده أي مدخول، المسكين قد يكون عنده مدخول، الدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: 79]؛ عندهم سفينة، عندهم عمل، ولكنهم سُموا مساكين، أيضاً لا في حاجة؛ يعني المسكين هو الذي لا يكفي مدخوله أو ما عنده حاجته، يجد بعض الحاجة. إذاً عندنا فقراء، هذا الصنف الأول الفقير مصرف الزكاة، والصنف الثاني المساكين، المساكينهم أقل رتبة من الفقراء.
العاملون عليها، هم الذين يكلفهم الإمام أو الدولة بأن يجبوا الزكاة؛ جباة الزكاة. عندنا العاملون عليها ثلاثة أقسام: الجباة، والحفاظ، والقاسمون. الناس الذين يجمعون الزكاة هذا يسمى الجابي، والحفاظ هم الذين يحفظونها ويجعلونها في أماكنها، ويدفعونها للفقراء، فإذاً هم يمكن في هذه الأيام أن يدخل فيها الإداريون وبعض المرافق في بعض الجهات الرسمية القائمة في جمع الزكاة وتوزيعها. إذاً عندنا العاملون على الزكاة.
الغارمون، طبعاً هناك خلاف، ما أدري هل أدخل فيه، المسائل المعاصرة وهي الجمعيات، الجمعيات الخيرية هل تعتبر من العاملين عليها؟ السعر هناك كثر الكلام فيها، وهي إن كانت الجمعية مرخصة من الدولة، فهنا الحاكم أو الدولة أذنت لهم إذناً رسمياً في جمعها، فدخلوا بالإذن في أنهم عاملون على الزكاة. وإن كانوا أهلية أو شخصاً متبرعاً يجمع من الناس، فهل يُعتبر عاملاً؟ الذي عليه العلماء أنه لا يعتبر عاملاً؛ لأنه ليس مأذوناً له بالجمع من قِبل ولي الأمر أو من قِبل الدولة.
إذا قلنا ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، من هو المؤلفة قلوبهم؟ المؤلفة قلوبهم إما أنه غير مسلم، لكن يُتألف على الإسلام لأن خلفه أناساً يمكن أن يسلموا بإسلامه؛ كما حصل لصفوان بن أمية، أعطاه ورجع إلى قومه وقال: أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان يقول: والله إنه ليعطيني وكان أبغض الناس إليّ حتى صار أحب الناس إليّ. فكان يعطي عليه الصلاة والسلام المؤلفة قلوبهم. وفي عهد عمر امتنع من إعطائهم، قال: كان الإسلام، وما عادوا محتاجين إليكم الآن، لا تدخلون في الإسلام. وكان عمر ملهماً رضي الله تعالى عنه، لكن قال العلم إنه لا زال هذا المصرف موجوداً إذا وُجدت الحالات التي يمكن أن يُستفاد منها في الإسلام يمكن أن يعطوه، في أفريقيا مثلاً بعض رؤساء القبائل، وممكن يسلم بإسلامه بشر كثير، أو أشخاص لهم أثر في قومهم، يعني إذا أسلم يدخل بإسلامه الكثير.
وفي الرقاب، المقصود بها المكاتبون؛ المكاتب هو عبد مملوك أراد أن يشتري رقبته، فيدفع لسيده مالاً كتابةً مقسطاً منجماً يسمونه، كل فترة مالاً حتى يشتري رقبته؛ هذا المكاتب هو الذي يُعطى الزكاة حتى يفك رقبته. لماذا المكاتب؟ قال الجمهور المكاتب وليس المملوك القن الذي غير مكاتب، عندنا مكاتب وعندنا غير مكاتب. العبد المملوك الصرف، هل يجوز أن نعتقهم؟ هذا قاله المالكية، وأما الجمهور فيقولون خاصة في الرقاب، خاصة بالمكاتبين؛ ليش؟ لأن المكاتب هو الذي يملك، وأما العبد المملوك ليس له ملك. ولكن هل له صورة الآن؟ الآن لا يوجد للمماليك صورة إلا ما قاله الحنابلة في الأسرى؛ الحنابلة يقولون يجوز من هذا المصرف فكاك الأسرى، يعني عندنا أسير مسلم في بلد غير مسلم يمكن أن يُفك بهذا الأسير الزكاة، أو يمكن أن تُعطى الزكاة في فكاك هذا الأسير، هذا في الرقاب.
ثم الغارمون، الغارمون عندنا قسمان: غارم لمصلحة للإصلاح بين الناس، وغارم لمصلحة نفسه؛ شخص تدين لأجل نفسية فصار غارماً، لم يستطع أن يدفع دينه، هذا يُعطى من الزكاة بشرط أن لا يكون فيه معصية، ألا يكون دينه في معصية، فإن كان في معصية وتاب، قال بعض العلماء يُعطى أيضاً. أما الغارم الذي لمصلحة الناس للإصلاح بين الناس، هذا يُعطى الزكاة ولو كان غنياً، كيف ذلك؟ قبيلتين، بين قومين متخاصمين، هناك مثلاً دية، هناك قتل، فجاء وأصلح بينهم، وتحمل حمالة، فقال علي دياتهم، وأعطاهم أموالاً طائلة، ووعدهم بأموال حتى يحجز بين الناس، فهذا مصلح ذات البين، هذا يُعطى من الزكاة ولو كان غنياً، حتى لو كان عنده من الأموال ما يسدد به ما تبرع به.
في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله، يعني إذا كان هناك جهاد وفتوحات إسلامية، يُعطى المجاهدون في سبيل الله من مال الزكاة تحريضاً لهم وتشجيعاً لهم على الجهاد. وابن السبيل، وابن السبيل هو المسافر الذي انقطعت به السبل وأراد الرجوع إلى بلده، فهذا يُعطى إذا لم يجد من النفقة ما يرجع به من مال الزكاة، وأما المنشئ للسفر، واحد يبغى يسافر، هذا ما زال في بلد، ليس ابن سبيل، هذا ما يُعطى، الذي يُعطى منه هو الذي كان في السفر ويريد الرجوع إلى بلاده إلى أهله. جزاك الله خيراً، فاصل إن شاء الله ثم نرجع ونواصل طرح بعض أحكام الزكاة في هذه الحلقة، وهي تعتبر الحلقة الثانية والأخيرة في موضوع الزكاة.
حياكم الله أيها الأحبة، هناك مشهد درامي، صرف مال الزكاة لشيء معين، هل هذا الشيء هو من مصارف الزكاة أم لا؟ خلينا نشوف المشهد ثم الشيخ بيعلق عليه إن شاء الله.
الحمد لله على السلامة يا شيخ علي، نورت الدوحة، الحمد لله على السلامة.
الله يسلمكم، جمعت مبلغاً من الزكاة وقلت بروح بنفسي للنيبال وبحفر بئراً هناك، لأن بصراحة الناس اللي هناك يوم يأخذوا منها الزكاة ما ندري شو يسوون فيها.
زين، وبعدين؟
الله يسلمك وأنا مارّ على منطقة من المناطق في النيبال هناك لقيت مدرسة تحفيظ قرآن، وعلى المدرسة مكتوب اسمك: مدرسة تحفيظ قرآن باسمي؟ شلون؟ يا حظك يا أخي، مدرسة باسمك، يا حظك!
الله يسلمك، أنت تصبر الثاني الله يحفظك، أصبر، أي مدرسة؟ أنا ما سويت شيء وأنا أصلاً ما رحت النيبال هذه كلش، يلا عاد خل عنك السوالف هذه، إيش فيكم؟
حبيبي أنا يوم شفت اسمك وشفت المدرسة قلت لازم أسأل عنها، وفعلاً رحت لمدير المدرسة، وطلع مدير المدرسة قال لي رفيقك أيام الدراسة في الجامعة، وقال لي الله يسلمك أنها مرّت عليك قبل كم سنة وأنت أعطيته مبلغاً عشان يبني لك مدرسة لتحفيظ القرآن.
لا إله إلا الله، كريم.
صاحب القصة بنى مدرسة تحفيظ قرآن باسم الشخص الذي أرسل النقود، وهي في الحقيقة لشخص آخر وهو شايب، يذكره صاحب الفلوس. الشاهد هنا هو هل يجوز صرف الزكاة في حفر الآبار أو بناء المدارس؟ قلنا إن بعض الناس يدخلها في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60].
يقول هؤلاء إن هذا "في سبيل الله"، وهذا القول في الحقيقة متأخر، فالمتقدمون كانوا يقولون إن "في سبيل الله" فقط للجهاد؛ فلو كان المقصود بها العموم لما كان في سبيل الله إلا هذه الأصناف المذكورة، فدل على أن "في سبيل الله" هنا المقصود به ما يطلق عليه في العموم، وهو الجهاد في سبيل الله. وبالتالي صرف الزكاة في حفر الآبار أو حتى في المدارس لا يجوز، وإنما يصرف في هذه الأشياء الصدقات العادية.
أما الزكاة فقد حددها الله؛ حتى إنه لما جاء رجل قال: إن الله لم يدعها ويتركها لأحد، وإنما فرضها بنفسه سبحانه وتعالى، فجعلها في ثمانية أصناف، فإن كنت من هذه الأصناف أعطيتك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل.
بالنسبة لزكاة الفطر، هل نقدر ندفعها مالًا أم الأفضل طعام؟ من العلماء من يجيز إخراجها من أول رمضان كالحنفية، لكن الجمهور يجعلون وقت جواز زكاة الفطر ما قبل العيد بيوم أو يومين أو ثلاثة، لأنها تسمى زكاة الفطر؛ فهي قريبة من وقت الفطر. وزكاة الفطر كما تعلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هي طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةٌ لِلْمَسَاكِينِ».
هذه من الأشياء التي ينسى كثير من الناس إخراجها بعدما يأتي العيد أو يغفلون عنها بسبب السفر أو نحوه، نذكر الناس من الآن بأن ينتبهوا لزكاة الفطر. وهي طهرة للصائم من الرفث، أي أن الصائم قد يتخلل صيامه شيء من القصور، أو صخب، أو زعل، أو كلام، فبزكاة الفطر يكون هذا تعويضًا أو طهرة لما تخلل صيامه من الإشكالات، وأيضًا طعمة للمساكين؛ ففيها حكمتان.
تجب زكاة الفطر على البالغ العاقل الذي عنده ما يزيد على قوته وقوت أهله صاعًا. فلو عنده صاع يزيد على قوته وقوت من يمونه من الناس، فهنا تجب عليه زكاة الفطر، ويجب عليه إخراجها عمن ينفق عليهم؛ مثل زوجته، وأبنائه، وبناته، وآبائه لو كانوا فقراء وكان هو الذي ينفق عليهم.
ولو أخرج واحد منهم من لا تجب عليه، مثل الزوجة -إذ لا يجب عليها إخراج زكاة الفطر، بل تجب على زوجها- ولكن لو قالت لزوجها: أخرج زكاة الفطري، أو أخرجت هي؛ هل يجزئ عنها؟ نعم يجزئ عنها ويكفي. أو شخص دفع عن إخوته أو أبيه وأمه مع أنهم ليسوا في نفقته؛ فيه مشكلة، لكن بشرط أن يخبرهم أن هناك نية الزكاة؛ فهذه مطلوبة من البالغ العاقل.
بخصوص الخدم واليتامى المكفولين، هل عليهم زكاة؟ واحد كافل اليتيم؛ هل يخرج زكاة الفطر عن هذا اليتيم؟ لا يجب عليه ذلك؛ لأنه متبرع أصلاً، فلا يجب عليه شيء، لكن لو أخرجها فهو خير.
أما بالنسبة للخدم، فالحنابلة يقولون إن زكاة الفطر على الإنسان المسلم عنه وعن من تجب عليه نفقته، ولو كان هذا الوجوب آنيًا، بمعنى لو كان عنده ضيف وهو يطعمه في رمضان، فهنا يجب عليه إخراج زكاة فطر الضيف عند الحنابلة، لكن الجمهور لا يوجبون هذا؛ وبالتالي الخدم، بما أنهم ليسوا مماليك وكل واحد منهم يعمل وينبغي عليه أن يخرج زكاة فطره بنفسه، فالجمهور يقولون ليس على المسلم في خدمته زكاة الفطر، لكن الأحوط إخراجها على مذهب الحنابله.
هذا خلاف قديم؛ هل يخرج النقود أو الطعام؟ الجمهور يقولون طعام كما جاء في الحديث، لكن أجاز الحنفية إخراجها نقدًا، وفي هذه الأيام ربما يكون النقد هو الأوفق للناس؛ لأن الطعام الآن ما صار الناس يأخذون الشعير أو البر مطحوناً ويستفيدون منه، فصار الأوفق لهم النقود، والنقود لم تكن رائجة في الزمن الأول كما هو اليوم.
السؤال: طلبت المعلمة المسكينة منها قرضاً، فدفعت لها زكاة مالها بنية الزكاة، فهل يجزئ ذلك؟ نعم يجزئ عند الدفع لأنها مسكينة أصلاً، وليس بالضرورة أن تخبرها أنها زكاة؛ فالمسكينة تظن أنه قرض، والدافع ناوي أنها زكاة.
السؤال: زكاته واجبة في محرم فأراد تأخير إخراجها ليجمع معها زكاة أخيه في رجب لتكون أكثر؟ لا يجوز تأخيرها إلا للمصلحة. زكاة ماله تجب بعد سنة، فهل يجوز له إخراجها من الآن مقسطة على اثني عشر شهراً؟ تقسيط الزكاة مقدماً جائز. وإذا عزل الزكاة عن ماله ونوى أنها زكاة، فهل يلزمه إخطارهم عند الدفع؟ لا، العبرة بالنية.
شخص له وكيل، فلما حان موعد الزكاة أخرجها دون علم الموكل؛ فهل تجزئ؟ لا تجزئه، ويضمن الوكيل لأنه لم يعلمه. هل تلزم الزكاة إذا فقد المال؟ إذا فقد المال سقطت عنه الزكاة، وتلزمه الزكاة في المال الموجود.
اشترى بمال الزكاة ثلاجة لدار أيتام فقراء؛ فهل يجوز ذلك؟ لا يجوز؛ فحق الأيتام لا يجوز أن يصرف في أصول، بل للفقير. الحنفية يجيزون إخراج الزكاة عروضاً، بمعنى أمتعة، لكن لا بد من تمليكها للفقير. إذا كان الفقير بحاجة إلى اللحم؛ هل أولى تسليمه الزكاة أم شراء اللحم له؟ شراء اللحم هذا على مذهب الحنفية وتمليكه له ممكن، لكن المشهور والمعروف أنه لا بد من تسليمه الزكاة لا أن تشتري له.
إذا عمل بمال الزكاة مأدبة ودعا المساكين إليها؛ هل ذلك جائز؟ غير جائز؛ لأنك لما عملت مأدبة أنت لم تملك الفقير، وإنما جاءوا واشتركوا فيها؛ فلا بد من تمليك الزكاة لفقير معين. أما في الكفارات فممكن أن يعزم عليها ناس.
مدرسة إسلامية في دولة غربية تحتاج دعماً مالياً؛ هل يجوز إعطاء الزكاة لمديرها؟ نعلم أن مصارف الزكاة ثمانية، وليس هذا منها، والمدير ليس من مصارف الزكاة. هل يعطى العامل على الزكاة إذا كان غنياً؟ يعطون على عملهم بقدر عملهم، لا لأجل فقرهم ولا لأجل مسكناتهم.
تنفق عليه زوجته لأنه فُصل من العمل وإلى الآن يبحث عن عمل؛ فهل يُعطى من الزكاة؟ لا تجوز الزكاة للأصول (الآباء والأمهات) والفروع (الأولاد)، وكذلك الزوجة لا يجوز لها الزكاة لأن نفقتها على زوجها واجبة، وأما الزوج ففيه اختلاف، وأهل العلم يقولون: لا تجب الزكاة إذا كانت نفقة الزوجة على زوجها، فيجوز للزوجة أن تعطي زوجها.
انتهينا من هذه الحلقات، وسيكون حديثنا في الفترة المقبلة 24 حلقة عن حج بيت الله الحرام، وما يتعلق به؛ سواء عن تاريخه، وبناء البيت الحرام، ومن سكنها من الناس، ثم ننتقل إلى معالمه أيضاً كالحجر والمقام وزمزم، ثم ندخل في الأحكام المتعلقة بالحج والعمرة.
سؤالنا لحلقة الغد يقول: ممن ثبت عنه أنه بنى بيت الله الحرام؟ آدم عليه السلام، أم إبراهيم عليه السلام، أم كلاهما؟ سنحول السؤال إلى حساب تويتر. جزاكم الله خيراً، ونشكر فضيلة الشيخ الدكتور سعيد بديوي على هذه الحلقة، ونبدأ إن شاء الله معكم عن مكة وعن الحج من يوم الغد. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري