دخولتسجيل الدخول

الحلقة 12

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148].

بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لبيك اللهم لبيك.

حركهم بتوفيقه فساروا، واستدعاهم إلى بيته فزاروا، إلى نيل الحظ الوافر، إلى تجارة ليس فيها خاسر. وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر، فسبحان من إلى بيته حملهم، وإلى حرمه أوصلهم، وبإخلاص جملهم، ليشهدوا منافع لهم. هل من وقفة والتفاتة إلى القبة السوداء من جانب الحجر؟ وهل من أرانا الحج بالخيف عائداً إلى مثلها، أم عدها حجة العمر؟ لبيك اللهم لبيك.

يوم جديد وحلقة جديدة من برنامجكم فاستبقوا الخيرات، وحلقة عن بعض شروط وجوب الحج وخصوصاً شرط الاستطاعة. أهلاً بكم، ونرحب بفضيلة الشيخ الدكتور سعيد البديوي المري، حياك الله شيخنا.

يا مرحباً، حياك الله يا أبو ناصر، وحيا الله المشاهدين الكرام. موضوع الاستطاعة موضوع أتوقع مهم وكبير. لكن قبل ما ندخل في موضوع الاستطاعة أو التفصيل في الاستطاعة، شروط الحج ما هي؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛ الحج يشترط له شروط، هناك شروط يقال فيها شروط الوجوب، ومنها ما يكون شرطاً للصحة، ومنها ما يكون شرطاً للإجزاء. وشروط الوجوب تقريباً خمسة: الشرط الأول الإسلام، والشرط الثاني الحرية، والشرط الثالث القدرة أو الاستطاعة، والشرط الرابع التكليف وهي العقل والبلوغ، ممكن تعد العقل والبلوغ شرطين، نعم، وممكن تعده شرطاً واحداً فتقول التكليف. ويزاد للمرأة عند بعض الفقهاء المحرم.

لذلك يقول في ملح النظم: الحج فرض في الحياة مرة فورا، ومثل الحج حكم العمرة واشترط الإسلام والحرية، واشترط التكليف ثم القدرة وزيد للمرأة بعد المحرم، ودونه يجزئ لكن يحرم نعم كزوج ومحرم بالنسب، أو أبديا بمباح السبب لكن من يعتق أو يكلف، يجزئه إن صح منه الموقف وذاك أن يعتق أو أن يكلف، في عمرة إن لم يطف والقادر الواجد للمركوب، وكان قادراً على الركوب إن زاد عن نفقة شرعية، وواجب وحاجة أصلية وإن يفرط فيهما حتى هلك، فليخرجا من رأس مال ما ترك

تقريباً لخصت لك الحلقة. فيقول هنا الحج فرض في الحياة مرة، وهذا تقدم معنا أنه فرض طول مرة. فورا، وتقدم معنا الخلاف هل هو على الفور ولا على التراخي، وجمهور العلماء يقولون على الفور، ومن أهل العلم من يقول فورا. ومثل الحج حكم العمرة أيضاً في الوجوب وعدمه، فكثير من أهل العلم يقولون بالوجوب، وكثير يقولون بعدم وجوب العمرة، وذكرنا بعض الخلاف بينهم والأدلة في ذلك، وقد يطول بنا الكلام لو استقصينا في الأدلة.

قال: واشترط الإسلام والحرية. الإسلام شرط وجوب وشرط صحة. ما معنى شرط وجوب؟ شرط وجوب معناه أن الشخص قبل أن يسلم لا نقول بأنه واجب عليه الحج بمعنى أنه سيأتي به إذا أسلم، يعني لو كان مستطيعاً. أيش معنى الكلام هذا؟ يعني مثلاً فرضا عندنا شخص كافر غير مسلم وكان قادراً مستطيعاً عنده المال ثم أسلم وافتقر، لو قلنا بأنه واجب على الكافر لألزمناه بالوجوب السابق لأنه كان قادراً سابقاً.

في مسائل أو في تساؤل شيخنا، يعني أيام قريش وقبل ذلك كانوا كفرة ويحجون، هل هناك ناس كفرة ويحجون مثلاً، أو هل قبل السنة التاسعة أو العاشرة كان الحج لكل أحد؟

فكانوا أصلاً كانت قريش على دين إبراهيم عليه السلام، وهي أول من بدل دين إبراهيم هو عمرو بن لحي الخزاعي كما ذكرت في حلقة سابقة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار» لأنه أول من بدل دين إبراهيم، فهو أول من أدخل الأصنام. وإلا كان الناس على دين إبراهيم، استمر الناس بقي لهم من دين إبراهيم الحج الطواف والسعي. ولكنهم أدخلوا فيه أشياء، مما أدخلوه أن الحجاج اللي من الحرم أهل الحمس لا يذهبون إلى عرفة؛ لأن عرفة من الحل، قالوا نحن أهل الحرم ما نخرج، فغيروا دين إبراهيم بهذه المبتدعات التي ابتدعوها.

أما غيروا فيه دين إبراهيم، الطواف عراة، فقالوا الذي ليس من أهل الحرم عليه أن يطرح ثوبه في الحطيم ويأخذ ثوباً آخر مما يستعيره من أهل الحرم إذا كان له صديق، أو يطوف عارياً. يعني كان الحج على نفس الكيفية الآن، لم يتغير شيء، لكن كان هناك بعض الأشياء المختلفة، شروق زبير مثلاً لا يذهبون إلى منى للرمي إلا بعد أن تشرق الشمس من جبل ثبير، وشيء من هذا.

الشاهد نرجع إلى الإسلام، الإسلام شرط للصحة وشرط للوجوب. شرط للصحة ما معناه؟ معناه أنه لا يصح من كافر، ولذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28]، ولا يصح منه؛ لأنه أصلاً لا يصح منه النفقة وغير ذلك من الأعمال العبادية، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 54]، فالنفقة المتعدية هذه لم تقبل من الكافر، فمن باب أولى ألا يقبل منه العبادة المحضة كالصلاة والصوم والحج. وبالتالي لابد من الإسلام لصحة الحج ولوجوبه.

طيب لو قلنا لا سمح الله ولا قدر، واحد ارتد وكان قد حج في إسلامه، ثم حج وأدى فرضه، جاءه الشيطان أو أصابه فتنة فارتد عن الإسلام، ثم رجع إلى الإسلام مرة أخرى، هل نقول إن الحج السابق في إسلامه الذي تخللته الردة كافٍ ولا نقول لابد أن يحج مرة أخرى؟

الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة واحتجوا بآية وهي قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217]. حبطت أعمالهم إذاً كل شيء؛ معناه أنه إذا ارتد حبط عمله. فهذا بهذا احتج المالكية والحنفية، واحتج الشافعية بنفس الآية، قالوا لا، مقيدة، قالوا: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فقيدها بالموت كافراً، وأوردوا أيضاً حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أعمال كان يعملها في الجاهلية، فقال: «أسلمت على ما أسلفت من خير»، فكأنه في هذا الحديث يشير إلى أن أعمالك السابقة مقبولة التي كانت في الجاهلية ما دمت أنك أسلمت. ذهب بعض الفقهاء إلى أن الذي ارتد ثم رجع إلى الإسلام وكان قد حج قبل ذلك أن حجة الإسلام قد سقطت عنه.

في بعضهم شيخنا مسألة اللي هو يعني ما يروح الحج إلا أكيد تائب لله سبحانه وتعالى، فسبحان الله أنه مرة ثانية يرجع إلى ما يترك الصلاة ويترك، هل عليه أن يقترف الذنوب التي هو تاب الآن وخلاص والحج ورجع مرة ثانية ورجع كان في مرة أخرى؟ هل السؤال هل عليه أن يحج مرة أخرى أو لا؟

الحج سقط عنه، سقط فرض الحج هو مرة واحدة، حتى لو قلنا حتى ارتد، وإن كان الردة فيها خلاف كما ذكرت لك، لكن غير الردة من أعمال المعاصي لا سمح الله ولا قدر الله، من يرجع إليها، الأجل بيكون مكتوب على نفس أجر الحج وانتهى. لكن الآن هو رجع كيوم ولدته أمه، ورجع صحيفة بيضاء، الآن بدأ بناءً آخر، فعليه أن يحج وعليه أن يتوب.

نعم، الإسلام والحرية، الحرية يعني أن لا يكون مملوكاً، لأن المملوك يجب عليه الصلاة ويجب عليه الصوم؛ لأنها فرائض عينية وعبادات محضة، بخلاف الحج والزكاة. ولذلك الحج والزكاة صحت في مال الصغير، الصغير صح منه الحج لأن الحج فيه عبادة مالية فيه مال فيه دفع مال، وكذلك الزكاة تصح وفي ماله بل تجب عليه، هكذا المملوك، لأن الحج عبادة فيها مال وهو لا يملك المال لم يجب عليه، والزكاة. لكن لو أدى بإذن سيده يصح منه ذلك ولا يجزئ عنه، فالمملوك وكذلك الصغير.

وقلنا واشترط الإسلام والحرية واشترط التكليف، التكليف ما هو؟ التكليف العقل والبلوغ. إذا كان الشخص غير عاقل كالمجنون مثلاً، هل يصح منه الحج؟ هل يجب عليه؟ لا يجب عليه بالاتفاق، لكن هل يصح منه؟ هنا فيه اختلاف؛ فالجمهور يقولون إنه يصح منه إذا نوى عنه وليه، كالصغير. الصغير، الصغير وهو البلوغ شرط وجوب وليس شرط صحة ولا شرط إجزاء، فإذا حج الصغير، إن كان بالغاً هذا سقطت منه حجة الإسلام. طيب إذا بلغ في مكة في الحج، يقولون إن بلغ قبل عرفة صح حجه وأجزأ عن حجة الإسلام.

فالصغير إذا بلغ قلنا صح حجه، طيب إذا لم يبلغ، ولا يجب عليه الحج لكنه يصح منه، تعتبر والصغير عندنا قسمان؛ إما مميز الذي يعرف الكلام والجواب الذي تصح منه الصلاة، أو غير مميز كالرضيع مثلاً، فهل له حج؟ الذي عليه أكثر أهل العلم أن حجه صحيح، وأن له حج، وليه الأجر لكن وليه هو الذي ينوي عنهم، بخلاف المميز فهو الذي ينوي عن نفسه.

والدليل على هذا قول المرأة هذه التي لما النبي صلى الله عليه وسلم، حديث ابن عباس لقي ركباً بالروحاء فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، قالوا: ومن أنت؟ قال: رسول الله، فرفعت امرأة صبياً وقالت يا رسول الله: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر». فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم صحة الحج للصغير حتى لو لم يكن مميزاً. إذاً كانه حج حجة الإسلام، الصحة بس مجرد أنه هو، أما الإجزاء لابد من البلوغ.

لابد، المجنون منهم من قاسه على الصغير، ما دام الصغير يصح منه إذاً يصح من المجنون إذا نوى عنه الولي، ومن العلماء من يقول لا يصح منه لأن الصغير يكبر ويميز ويبلغ، والمجنون مجنون. لكن أيضاً الجنون قد ينقطع ويفيق الإنسان من جنونه.

إذاً قلنا واشترط الإسلام والحرية، واشترط التكليف الذي هو العقل والبلوغ، التكليف، ثم القدرة وهي الاستطاعة. والاستطاعة نذكر الحديث هو موضوعنا الطيب، نذكر قبلها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: «الشعث التفل». فقال رجل آخر: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال: «العج والثج». فقام رجل آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: «الزاد والراحلة». رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث حسن والعمل عليه عند أهل العلم.

هذا الحديث هو حديث لابن عمر حقيقة إسناده ضعيف، فيه رجل يقال له إبراهيم بن يزيد الخوزي يرويه عن محمد بن جعفر بن عباد عن ابن عمر، وقد تكلم فيه العلماء، لكن الترمذي كان يقول فيه بأنه إنما ضعف من قبل حفظه، يعني الرجل ما عنده مشكلة لكن عنده حفظه شوي فيه ضعف، لكن هذا الحديث ورد من عدد من الطرق عن ابن عباس وعن أنس بن مالك وعن غيرهما من الصحابة وكلها ضعيفة. هي تتكلم عن السبيل، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فيسألون عن السبيل فيقول النبي صلى الله عليه وسلم الزاد والراحلة حسب هذه الروايات. والحسن البصري أيضاً ورد ثبت عنه مرفوعاً أن الله سبحانه وتعالى لما أنزل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قال يا رسول الله ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة».

الزاد هو الذي يبلغك، تستطيع أن تقول النفقة، والراحلة هو المركوب. مهم هنا في هذا الحديث، أول ما سأل عنه قال من الحاج؟ قال: «الشعث التفل». يعني الشخص اللي يتعب؛ شعث، يعني رأسه شعث، والتفل، يعني باين عليه أنه مجتهد في الحج. في حديث صحيح: «أشعث أغبر». أي مع الراحة، يعني هذا هو الحاج الذي حجه كامل أو على أكمل وجه، تلاقيه بعرق وتلاقيه في أماكن الطواف في أماكن في السعي مجتهد. وأيضاً يكثر من الطواف ويكثر من الذهاب هنا. ثم قال للحج أفضل، أي الحج أفضل؟ قال: «العج والثج». والعج هو رفع الصوت بالتلبية: «لبيك اللهم لبيك». كان الصحابة كما ذكرت لك سابقاً أنهم يلبون حتى تبح أصواتهم، والثج هو إراقة الدم وهو الأضحية أو الهدي. وهنا قال ما السبيل يا رسول الله؟ قال، جميل، إذاً الاستطاعة.

نستطيع أن نقسم الاستطاعة إلى أربعة أقسام: عندنا استطاعة بالمال والبدن، وعندنا عدم استطاعة لا بالمال ولا بالبدن، وعندنا استطاعة بالبدن دون المال، أو بالمال دون البدن.

الاستطاعة بالمال والبدن أولاً: هل الاستطاعة متفق عليها أنها بالمال والبدن؟ الجمهور يقولون بأن الاستطاعة هي أن يملك الزاد والراحلة، وأن يكون قادراً هو على الحج، أي أن تكون القدرة الصحية موجودة، فإذا لم يكن قادراً ببدنه لم يكن واجباً عليه، وهكذا إذا لم يكن قادراً بماله. الآن الجمهور يشترطون المال، يقولون الاستطاعة هي الزاد والراحلة. المالكية يقولون الاستطاعة هي البدن، قوة البدن، يعني لو ما عنده لا زاد ولا راحلة وهو يستطيع المشي فيكفي هذا.

هناك نقاشات في هذا الوجوب أو في هذه الاستطاعة. الجمهور يقولون مثلاً إن القدرة البدنية هذه مفترضة، لا يحتاج التنصيص عليها، لما قال: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ولا صوموا، ما قال إذا كنتم قادرين؛ مع أنها خلاص شيء معلوم أن التكليف لا يكون إلا بالمستطاع. فلما نص في الحج على الاستطاعة وحده قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، دل على أن هذه الاستطاعة هي زائدة على القدرة البدنية، وهي الاستطاعة المالية، ولذلك فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بالزاد والراحلة.

إذن عندنا القدرة المالية وهي الزاد والراحلة، والقدرة البدنية أن يكون قادراً على ركوب الراحلة وقادراً على التنقل؛ لا يكون مريضاً. إذا كان مريضاً مثلاً سقط عنه، أو كان كبيراً لا يستطيع المشي، لا يجب عليه، ليس مستطيعاً. معنى أن الناس يتكلفون ذلك، يعني كبير يروح على عكازات ولا يروح على كرسي، والحمد لله يقع منه الحج صحيحاً.

عندنا لو كان قادراً بماله دون بدنه، فبعض أهل العلم يقول ليس عليه حج؛ لأن القدرة هي شيئان، القدرة بالمال والقدرة بالبدن. لكن الحنابلة وكذلك الشافعية وكثير من أهل العلم يقولون: الذي قدر بماله عليه أن يحج عنه أو ينيب شخصاً، صح أنه لا يقدر ببدنه لكنه قادر بماله. طيب وش دليلكم؟ قالوا: الاستطاعة أولاً عامة ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، والمقصود بها المال، ولذلك قال: الزاد والراحلة.

الأمر الثاني أن هناك من جاؤوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم، امرأة تسأل من خثعم تقول: إن أبي أدركته فريضة الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع الثبوت على الراحلة، فهل أحج عنه؟ قال: «نعم حجي عنه»، وهكذا أبو رزين: حج عن أبيك واعتمر. فهي تقول أدركت أبي شيخاً كبيراً ما يستطيع، فمعناه أنه أوجب عليه الحج إذا كان مستطيعاً بماله ما دام أنها ستقضي عنه أو ستحج عنه، فهي قالت أدركت أبي فريضة الحج وهو شيخ، معناها أنه مفروض عليه ذلك إذاً مفروض في ماله. هكذا ذكر الحنابلة والشافعية، وبالتالي الذي يجب عليه الحج ولم يحج فرط في ذلك، عليه أن يخرج من ماله، وإن ترك حتى مات فيخرج من تركته. لذلك قال: ومن يفرط فيهما حتى هلك فليخرجا من رأس ما ترك.

القدرة أو الاستطاعة قلنا أنها تكون زائدة، يعني وجود الزاد والراحلة أو النفقة المالية تكون زائدة على حاجاته الأصلية، والقادر الواجد للمركوب والزاد قادراً على الركوب إن زاد عن نفقة شرعية. ما معنى نفقة شرعية؟ نفقتك على الأولاد، لابد أن يكون هذا المبلغ الذي عندك زائداً على حاجتك وحاجة أولادك. ومن زاد عن نفقة شرعية وواجب، ما معنى واجب؟ يعني إذا كان عليه مثلاً كفارات، ديون عليه، أن يكون لها واجبة، عليها زكاة مثلاً، عنده مبلغ للزكاة ولم يخرجه، وهذا المبلغ يمكن يكفي للحج، ولا عاد عنده مال ولا المال خلاص مشغول، فعليه أن يخرج الزكاة ولا يكون مستطيعاً.

وهكذا إذا كان عليه دين، وهكذا إذا كان عليه كفارة. واحد مثلاً حلف يمين ثلاثين مرة، وعندنا كفارة اليمين مئة وخمسون، مئة وخمسون في ثلاثين كم طلعت؟ أربعة آلاف وخمسمئة، والحج يكفيه أربعة آلاف وخمسمئة، يعني الحج مع الحملات تأكيد أنها أغلى، فالآن هل هو مستطيع ولا غير مستطيع؟ هو في الحقيقة الأوجب عليه الكفارات، كفارة عليه أن يدفع الكفارات. جميل، إذا قلنا إن زاد عن نفقة شرعية وواجب، وعرفنا الواجب، وحاجة أصلية. ما معنى حاجة أصلية؟ الحاجة الأصلية مثل البيت ليسكنه، لا ينبغي له أن يبيع بيته ولا يبيع سيارته عشان يحج، وهكذا مدخول له، يعني مثلاً عنده رأس مال يدخل عليه منه حاجته ولا يكفي أكثر من ذلك، هذا نقول له إنك لست مستطيعاً، لكن إذا كان عنده من المدخول ما يمكن معه الحج فهذا هو المستطيع.

بالنسبة لهذا الرجل الذي له أخوات وأمه كبيرة لا تسمح له بتركها؛ فما الحكم؟ هل عليه أن يبقى معها لأنه من البر أو عليه أن يحج لأنه مستطيع؟ ثمانون في المئة من الناس قالوا عليه أن يبقى معها لأنه من البر، فقط عشرون في المئة قالوا عليه حج. الحقيقة أن الأحكام لها معايير ولها ضوابط لا تؤخذ بالعواطف. الناس نظروا إليها من باب العاطفة لا من باب الأحكام والفقهاء ينظرون إليها من باب الضوابط والأحكام الشرعية.

بالنسبة لهذا الرجل، إذا قلنا بأنه يبقى مع أمه لأن أمه ما تسمح له بالذهاب، تبغي دائماً معه، إلى متى؟ هو وجب عليه الحج ومستطيع، وقلنا بأن الاستطاعة هي الزاد والراحلة، وهذا واجد للزاد والراحلة، عنده قدرة مالية. بقيت أمه متولعة فيه ولا تبغيه يقعد معها، حتى الذين قالوا بالتراخي يجوزون له الخروج رغماً عن رغبة والدته؛ لأن هذا فرض عليه وركن من أركان الإسلام، وتأخيره قد يتسبب في عدم أدائه، يعني هو لا يضمن حياته، ما دام الآن قادر ربما السنة القادمة ليس بقادر. إذا قلنا بأنه عليه أن يبر أمه ويجلس معها وليس عليه أن يخرج إلا بإذنهم، إلى متى سيستمر؟ ربما يستمر سنين طويلة، وبالتالي يفقد قدرته بعد ذلك أو يموت قبل أن يحج.

مشروع التجارة الذي يجمعه هل هو من النفقة الشرعية؟ لا طبعاً، هل هو من الحاجات الأصلية؟ ليس من الحاجات الأصلية، هو حاجته الأصلية أكله وشربه ونفقة أولاده، وبالتالي هو الآن مستطيع وعليه أن يحج، وكما قيل: هذا هو المشروع الحقيقي لأنك ما تدري متى الله يأخذ أمانته.

ثم نرى بعض الأمور التي يمكن أن نتكلم فيها بعد ذلك. السؤال الأول هنا يقول: لا يمكنه الحج هذا العام إلا بضعف التكلفة، كأن يشتري فيزا، فهل يجب عليه الحج أو لا يجب؟

هذا مثال، سأعطي الصورة مثلاً: في بعض الدول يكون الحج بترخيص لأناس معينين وعندهم عدد معين يجوزون الخروج فيه. فمثلاً شخص لم تخرج قرعته لكن أراد أن يشتري قرعة شخص آخر، لا أدري هل هذا ممكن واقعياً أم لا، لكن أنا أفترض افتراضاً. أو كما سمى هنا يشتري فيزا، أو أنه في وقت فيه صعوبة في وجود الحملات وبالتالي بعض الحملات تطلب تضاعف السعر، وأما السنة القادمة فسيكون الوضع مختلفاً وسيكون السعر طبيعياً. فإذا كان بضعف المبلغ -ليست الزيادة قليلة وإنما الزيادة فاحشة، ضعف المبلغ دبل- هنا يقول الفقهاء بأنه ليس بمستطيع، لا يعتبر مستطيعاً. لأن الاستطاعة هي ملك الزاد والراحلة، وإذا لم يملكها واستطاع أن يستأجرها بثمن المثل يقولون: يجوز له، فهو مستطيع إذا كان عنده ثمن المثل. وأما إذا كان أعلى من ثمن المثل فليس مكلفاً بذلك.

السؤال الثاني: تهيأ له حج الفرض هذا العام لكنه يخاف من المرض، فهل يجوز له تأخير الحج؟ هو عنده الاستطاعة لكن خائف من المرض، سواء المرض الآن الموجود. الجواب: لا يجوز التأخير لأن المرض متوهم، هو خائف من المرض وهو ليس بمريض، وعندنا الاستطاعة قسمان: استطاعة مالية واستطاعة بدنية، فهو مستطيع ببدنه، لكنه يخاف والخوف مجرد توهم، والتوهم لا يسقط عنه الفريضة.

وهنا أيضاً سؤال: إذا لم يكن عنده مال للحج وتبرع له شخص آخر بما ليحج به، فهل يعتبر مستطيعاً أو لا يعتبر مستطيعاً؟ هذا لا يعتبر مستطيعاً. يعني مثلاً شخص ما عنده مانع، وجاء الحج وقال واحد: أنا أعطيك، أو هو ممكن يكلم له واحداً يعطيه، هل هذا يعتبر مستطيعاً؟ لا يعتبر مستطيعاً، لو أنه أعطاه المال قبل ذلك بمدة قبل حضور الحج وكان المال معهم لكان مستطيعاً، لكن أنه يأخذ مالاً لكي يحج به من الناس هذا غير مستطيع. هل حجته تنحسب له حجة ولا لا لو حج حتى لو تبرع له شخص آخر؟ السؤال هل هو مستطيع ولا مش مستطيع؟ مش مستطيع، حتى لو بذل له ولده. وإن كان فيه خلاف في الولد لأن الولد من كسبه. هم ليش قالوا إنه غير مستطيع؟ لأن فيها منة، يكون فيها منة لهذا المتبرع، وينبغي عليه أن يحج بماله بحيث لا يكون لأحد منة عليه.

عنده مبلغ يمكنه حج الفرض وعليه كفارات يمين تستغرق المبلغ؛ ذكرنا أنه يقدم الكفارات. وأيضاً قدم حج الفرض على الدين الحال لأن المال لا يكفي لهما معاً، فهل حجه صحيح أو غير صحيح؟ هذا سؤال جيد، حجه صحيح أولاً. يعني شخص عليه دين ودينه حال لأناس، فهل يقضي الدين أو يحج؟ الذي عليه الفقهاء أنه يقضي الدين. لكن لو حج، طبعاً الدين غير الحال لا يطالب به، الحال هو الذي يطالب به المدين، فعليه أن يقضي الدين وهو أولى، إن كان عنده مال يستطيع قضاء الدين به والحج لا إشكال فيه، لكن إذا كان المال لا يكفي إلا لأحدهما فالدين مقدم، إلا أن يستأذن ويكون عنده وفاء بعد ذلك. وعلى كل حال لو حج فحجه صحيح، وإن كان هو آثم بتأخير ذلك الدين.

جاء وقت الحج وهو يسكن بالإيجار وعنده مبلغ يجمعه لشراء بيت، فهل يجب عليه الحج أو لا يجب عليه الحج؟ يجب عليه الحج. لماذا يجب عليه الحج؟ لأنه الآن المطلوب الحاجة الأصلية التي عليه هي السكن، وهو ساكن بإيجار، ووجود الحاجة الأصلية ليس بالضرورة أن تكون ملكاً لك، البيت ليس بالضرورة أن تكون أنت مالكاً حتى لو كنت مستأجراً، قد نص على ذلك الفقهاء، فهو عنده مال يجمعه حتى يشتري بيتاً لكنه ساكن، وبالتالي الآن هو مستطيع وعنده المال.

سؤالنا أيضاً لحلقة الغد التي سنعرضها إن شاء الله عبر حساب تلفزيون قطر في تويتر: السؤال يقول إذا كانت المرأة مستطيعة ووجدت محرماً لكن زوجها رفض السماح لها، فما الحكم؟ يجوز أن تذهب بدون إذنه أو لا يجوز أن تذهب إلا بإذنه؟ هذه الإجابة إن شاء الله مهمة جداً، وموضوع كنت حاطاً في بالي أنه ممكن نطرحه في هذه الحلقة لموضوع المحرم وهل الأمور هذه، وودنا نتكلم فيها.

أيضاً موضوع التوكيلات، هل يوكل أحداً عنه أو عن الميت؟ وقبل التوكيل، إذن العمل، هل يجوز له إذا لم يأذن العمل بينه وبين هناك عقد بينه وبين وظيفة مثلاً أو حتى شركة خاصة؟ وجاء الحج وهو مطلوب منه بحسب العقد الذي عنده أن يستمر في العمل، فهل يجوز له الذهاب؟ الحقيقة لا يجوز له إلا أن أذن رب العمل، ولو حج يكون آثماً بإخلاله بالعهد الذي عاهده أو العقد، لكن حجه صحيح مثل الذي ترك الدين.

بالنسبة للتوكيلات، الحج عن الغير جائز إذا كان ذلك الغير لا يستطيع أو مات وهو لم يحج فيخرج من تركته ما يحج عنه، أما بمبلغ يكفي هذا الحاج للمناسك أو تبرعاً، لأنه قد يكون ابنها أو يكون قريباً له فيتبرع له. سؤال الآن على هذا الحاج المتبرع أو الوكيل، أن يكون قد سبق وحج، ويحسب له حجة في نفس الوقت، ويحسب له إذا كان متبرعاً يحسب له أجر الحج ويحسب للميت أجر الحج أيضاً.

نشكر فضيلة الشيخ سعيد بدوي المري، الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة قطر، ونشكر لكم حسن متابعتكم، ونلقاكم غداً بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148].