الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، سأتكلم في هذه الحلقة بإذن الله عن مسألة مهمة وقد وعدت بها، وهي مسألة نقل الأعضاء وزراعتها. وهي مسألة حادثة في القرون الحادثة، ولم تكن في القرون السابقة، مع أني وجدت بعض الإشارات القديمة أن الأطباء قديماً قد جربوا زراعة الأعضاء لكنها بمحاولات بدائية؛ لذلك لا يوجد هناك في الكتب ما يدل على نجاح تلك العمليات قبل القرن العشرين. هذه المسألة يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسيين.
القسم الأول: نقل أعضاء الحيوان وزراعتها في الإنسان، وهذه المسألة قد تبدو نظرية لأن الطب ما زال في بداية التوصل إليها، لكن العلماء تكلموا فيها من باب التنظير العلمي. وقد ذكروا بأن الحيوان نوعان: النوع الأول حيوان طاهر، ومن أمثلته بهيمة الأنعام المذكاة من إبل وبقر وغنم، وهذا النوع من الحيوان لا إشكال في جواز التداوي بأي جزء من أجزائه، ولا حرج في غرسه في جسم الإنسان، وذلك لعموم الأدلة الدالة على مشروعية التداوي. وقد تقدمت أحاديث وآيات تدل على مشروعية التداوي، مثل حديث: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء» في صحيح البخاري، وأيضاً حديث قالت الأعراب: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ قال: «نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داءً واحداً». قالوا: ما هو يا رسول الله؟ قال: «الهرم»، وهذا الحديث في الخمسة، وقال الترمذي عنه: حديث حسن صحيح.
والتداوي بأجزاء هذا النوع من الحيوان يعتبر كالتداوي بسائر المباحات، وذلك لأنه حيوان طاهر وقد أذن الشرع في الانتفاع بأجزائه؛ وهكذا يؤكل وتكسر عظامه، فلا أن يجوز الانتفاع به في غرسها وبقائها أولى وأحرى. وقد نص الفقهاء على جواز جبر عظم الإنسان إذا انكسر بعظم حيوان طاهر.
النوع الثاني: حيوان غير طاهر، ومن أمثلته ميتة بهيمة الأنعام، يعني الإبل والبقر إذا ماتت حتف أنفها ولم تذكى، والأصل في هذا النوع من الحيوان المنع، كما قال تبارك وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] إلى آخر الآية. لكن العلماء جوزوا الانتفاع بها في المعالجة بشرطين: الشرط الأول أن يكون الإنسان محتاجاً إليها، والشرط الثاني أن لا يوجد بديل مباح يقوم مقام هذه الأجزاء من هذا الحيوان.
القسم الثاني: نقل الأعضاء من الإنسان إلى الإنسان، وهذا ثلاثة أنواع. النوع الأول: أن يكون النقل من الإنسان إلى نفسه، وهذا النوع لا تخلو الحاجة الداعية إليه من حالتين: الحالة الأولى أن تكون هناك ضرورة لهذا النقل، كالذي يجري في جراحات القلب والأوعية الدموية؛ حيث يحتاج الطبيب إلى استخدام أوعية دموية أو أنسجة لعلاج انسداد أو تمزق في الشرايين أو الأوردة، ويكون هذا إنقاذ للمريض من الهلاك بسبب هذا الانسداد أو التمزق الموجود، ويكون متوقفاً على هذا النقل من جسم المصاب نفسه وزرعه في موضع آخر منه.
الحالة الثانية أن تكون هناك حاجة لهذا النقل، كالذي يجري في جراحه الجلد المحترق، مثلاً يحتاج الأطباء لعلاج الموضع المحترق إلى أخذ قطعة من الجلد السليم من جسم الإنسان نفسه وزرعها في الموضع المصاب من الجسد. وفي كلا الحالتين الماضيتين يجوز للطبيب الجراح القيام بذلك متى غلب على ظنه وجود النفع، ومتى انعدم البديل؛ وذلك لأنه إذا جاز قطع العضو وبته لإنقاذ النفس ولدفع الضرر عنها، فلا أن يجوز أخذ جزء منه ونقله إلى موضع آخر لإنقاذ النفس أو لدفع الضرر منها من باب الأولى والأحرى.
النوع الثاني: أن يكون النقل والزراعة من إنسان حي إلى غيره، يعني إلى إنسان آخر، وهذا النوع من النقل له حالتان. الحالة الأولى أن تكون الأجزاء المنقولة فردية، يعني لا يوجد منها في الجسم إلا أفراد، ويؤدي أخذها من الشخص المنقولة منه إلى وفاته، وذلك مثل القلب والكبد ونحوهما. ففي مثل هذه الصورة لا يجوز التبرع بها مطلقاً ولو كان المتبرع مهدداً بالوفاة، كما يحرم على الطبيب فعل ذلك؛ وذلك لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]. والتبرع بمثل هذه الأعضاء في الحقيقة يؤدي إلى الهلاك وقتل النفس، وقد نهى الله عن ذلك، ولا يجوز للجراح فعل ذلك ولو أذن المتبرع له؛ لأن في ذلك إعانة على الإثم، فالنفس ليست لصاحبها، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. وهذا الحكم إنما هو بالنسبة للحي، وأما الميت دماغياً كما يقولون فسياتي الحكم أو الكلام عنه لاحقاً إن شاء الله.
الحالة الثانية أن تكون الأجزاء غير فردية، بحيث يكون هناك بديل عنها يقوم بنفس المهمة مثل الكلية مثلاً، أو لا يوجد بديل عنها لكن لا يؤدي أخذها إلى وفاة المنقول منه مثل الجلد. وقد اختلف العلماء في هذه الحالة أيضاً على قولين: القول الأول أن ذلك لا يجوز، وهو قول جماعة من المعاصرين، واستدلوا بأدلة منها قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قالوا: وإقدام الشخص على التبرع بجزء من جسده سعي لإهلاك نفسه. لكن هذا الاستدلال يمكن الإجابة عنه بأنه ليس في المسألة هلاك، فالفرض في المسألة أنه فيما لا يهلك الإنسان غالباً، وأما في إعانة أخيه ففي ذلك مصلحة عظيمة، فلا يجوز منعها أو يستحب القيام بها.
ومن الأدلة قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119]، استدل هؤلاء أصحاب هذا القول بهذه الآية، يقولون: نقل الأعضاء تغيير لخلق الله. ويمكن الجواب على ذلك أن المقصود بالتغيير هنا الوشم ونحوه مما يراد لذاته، أما نقل الأعضاء فليس نقلها مراداً لذاته وإنما لمصلحة أكبر، واستدلوا بأدلة كلها محل نقاش، ولا دلالة في الحقيقة فيها على المطلوب.
القول الثاني: الجواز، يعني جواز نقل الأعضاء التي لا يتوقف حياة الإنسان عليه إلى شخص آخر لإنعاشه أو إنقاذه، وهذا القول بالجواز هو قول جماهير أهل العلم من المعاصرين، وهو به أفتت المجامع الفقهية. واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها ما يلي: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، وهذا الإحياء عام في كل إنقاذ نفس من الهلكة، فيدخل فيه التبرع بالأعضاء. والدليل الآخر قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]، وهذا عام فيدخل فيه التبرع بالأعضاء والإيثار بها. واستدلوا ببعض القواعد كقاعدة الضرر يزال، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، ونحو ذلك من القواعد.
والذي يقتضيه النظر جواز مثل هذه العمليات، وإنما قلت بأن النظر يقتضي ذلك، يقتضي جواز نقل الأعضاء التي لا يشكل نقلها خطراً على حياة المتبرع بها، وفي نفس الوقت فيها إزالة للضرر والهلاك عن المتبرع له؛ لأن الشريعة حرصت على المحافظة على حياة الناس، ولذلك رتبت على الاعتداء عليها الجزاءات الرادعة ورتبت على صيانتها الثواب الجزيل. قال سبحانه وتعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، والمراد بقتل الأنفس هنا قتل بعضهم بعضاً، ومفهوم المخالفة أن إحياء بعضهم بعضاً مطلوب، وتبرع الإنسان بشيء من أعضائه لحفظ حياة إنسان آخر يتوافق مع هذا المبدأ إذا لم يكن في ذلك التبرع ضرر عليه.
النوع الثالث: أن يكون النقل والزراعة من إنسان ميت إلى إنسان حي، في هذه الحالة يتم نقل الأعضاء من الإنسان الميت ثم تحفظ بطريقة خاصة تمنع من تلفها إلى حين زرعها في جسم الشخص المحتاج إليه. لكن هذه المسألة لها ارتباط وثيق بالمسائل التي ذكرناها في الحلقة الماضية وهي مسألة الموت الدماغي: هل يعتبر موتاً حقيقياً أم لا؟ وذلك لأن نقل الأعضاء لابد أن يتم في أغلب الحالات والقلب لازال يضخ الدم ولازالت الدورة الدموية تعمل، وذلك يرجع إلى سبب بسيط جداً وهو أن توقف القلب والدورة الدموية عن هذه الأعضاء يؤدي إلى موتها ويؤدي إلى عدم صلاحيتها للعمل؛ فلا بد أن تنقل هذه الأعضاء وهي حية، وتسمى الفترة التي يمكن أن يبقى فيها العضو قبل أن يتلف تلفاً لا رجعة فيه فترة نقص التروية، أو نقص التروية الدافئة كما بين ذلك المختصون.
ولذلك فإن هذه المسألة مبنية على المسألة التي فيها الحكم على الميت دماغياً بأنه موته موت حقيقي، وأن بقاء القلب والدورة الدموية التي هي تحت الأجهزة إنما هو بقاء شكلي؛ فالقائل بهذا القول، وقد تقدم ذكرهم، ينبغي عليهم أن يجوزوا نقل هذه الأعضاء للاستفادة منها في حياة آخرين إذا أذن الميت قبل موته أو أذن في ذلك أولياؤه. وأما القائل بأن الموت الدماغي ليس موتاً في الحقيقة فإنهم وإن أجازوا رفع أجهزة الإنعاش عنه، ينبغي أن يكون قولهم بالمنع؛ لأن نقل تلك الأعضاء في تلك الحال يعتبر اعتداءً على الحي بما يفقده الحياة. والذي يقتضيه النظر، والله سبحانه وتعالى أعلم، القول بأن موت الدماغ موت حقيقي كما تقدم بيانه في الحلقة الماضية، وعلى ذلك تنبني هذه المسائل، أعني ما يترتب على الحكم بالموت من إحداد وميراث وكذا هذه المسألة التي بين أيدينا وهي نقل أعضائه بإذنه أو إذن أوليائه لاستبقاء حياة أناس آخرين. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تكلمنا قبل الفاصل عن مسألة نقل الأعضاء وزراعتها وانتهينا منها. هناك مسألة أخرى وهي مسألة طبية أيضاً، وهي الجراحة التجميلية. وقد ذكر الأطباء أنها تُجرى لتحسين منظر جزء من أجزاء الجسم الظاهرة أو وظيفته، يعني أما لتحسين المنظر أو لتحسين الوظيفة. وأقسام الجراحة التجميلية قسمان:
القسم الأول الجراحة التجميلية الضرورية أو الحاجية، وتشتمل على عدد من العمليات الجراحية التي يقصد منها إزالة عيب كنقص أو تلف أو تشوه، أو كالعيب في الجسم لسبب فيه، أو كالعيب الذي يولد به الإنسان منذ ولادته أو بسبب بعض الآفات كالتصفح أو انشقاق الشفة أو انحسار اللثة بسبب التهابات أو تراد في الأسنان ونحو ذلك من العيوب، ومثلها أيضاً العيوب الناشئة بسبب خارج عن الجسم كالتشوه الناشئ عن الحوادث والحروق ونحو ذلك. فهذا النوع من الجراحة التجميلية لا بأس به في قول أهل العلم؛ لأن هذه العيوب مما يتضرر الإنسان بها حساً ومعنى، وإزالة هذه العيوب حاجة تنزل منزلة الضرورة، ولأن العمليات الجراحية العلاجية جازت لإزالة الألم الذي يصيب الجسد وهو ضرر حسي، فالعمليات التجميلية لإزالة الضرر المعنوي -وهو ضرر حسي أيضاً- يشتمل على ضرر حسي ومعنوي في نفس الوقت، إزالة ذلك من باب الأولى.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله»، هذا الحديث متفق عليه. ذكر النووي في شرحه أن قوله: «المتفلجات للحسن» فيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاج الإنسان إليه لعلاج عيب في السن ونحوه فإن ذلك لا بأس به. ثم إن هذا النوع من العمليات لا يشتمل على تغيير الخلقة قصداً؛ لأن الأصل فيه أنه يقصد منه إزالة الضرر، وأما حصول التجميل والحسن به فإنما جاء تبعاً، والقاعدة الفقهية المشهورة أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، فالتجميل تبعاً لإزالة الضرر.
النوع الثاني من الجراحات التجميلية: التحسينية، وهي جراحة لتحسين المظهر أو الشكل دون وجود دواعٍ ضرورية أو حاجية تستلزم تلك الجراحة، وأحياناً تكون لتجديد الشباب وإزالة الشيخوخة. وعليه فهذه العمليات يمكن اعتبارها نوعين: النوع الأول عمليات تغيير الشكل أو تحسين المظهر كتجميل الأنف أو الأذن أو الذقن أو الصدر أو البطن أو نحو ذلك مما يقصد به في الأساس تحسين الشكل. النوع الثاني عمليات التشبيب كشد تجاعيد الوجه أو اليدين أو كإزالة شحوم بعض المناطق وشد جلدتها أو تجميل الحواجب ونحو ذلك من العمليات، يعني الحواجب أحياناً تكون فيها مادة منتفخة فتسحب للتجميل.
هذه الجراحة التجميلية بنوعيها -أعني عمليات تحسين الشكل أو التشبيب- في الحقيقة هي غير مشروعة ولا يجوز القيام بها، لقوله سبحانه وتعالى حكاية عن إبليس لعنه الله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119]. ووجه الدلالة من هذه الآية أنها واردة في سياق الذم وفي سياق بيان المحرمات التي يسول الشيطان فعلها للعصاة من بني آدم ومنها تغيير الخلقة التي خلقها الله، فإن جراحة التجميل التحسينية هذه تشتمل على تغيير خلق الله والعبث في ذلك حسب أهواء الناس ورغباتهم، ولذلك فهي داخلة في هذا الذم الذي ورد في هذه الآية.
وكذلك حديث ابن مسعود قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله»، وهذا الحديث متفق عليه. ووجه الدلالة من الحديث أنه دل على لعن من فعل هذه الأشياء وعلل ذلك بتغيير الخلقة طلباً للحسن. أضف إلى ذلك أن أكثر هذه العمليات تستلزم تغطية للمواضع التي يتم تجميلها بلفاف طبية قد تستمر أحياناً، وبالتالي يمتنع غسل تلك المواضع المذكورة لا في وضوء ولا في غسل.
وأما الدوافع أو الدواعي التي يتذرع بها من يفعل هذه العمليات فإنها في الحقيقة غير كافية للترخيص، يقول مثلاً إنه لا يستطيع بلوغ أهدافه المنشودة في الحياة بسبب عدم اكتمال جماله، والحق أن علاج هذه الأوهام والوساوس إنما هو بغرس الإيمان في القلوب وزرع الرضا عن الله سبحانه وتعالى فيما قسمه من الجمال والصورة.
العمليات وإن كان أصحابها يرون ما فعلوه بأنفسهم جمالاً إلا أنه في حقيقة الأمر على خلاف ذلك. ومن أقرب الأمثلة ما انتشر بين النساء هذه الأيام من نفخ الشفاه، يظنونها جمالاً بينما هو في معايير الجمال الحقيقية التي يذكرها العارفون يعتبر قبحاً، لكن الناس مولعون بالتقليد والشياطين تزين لهم القبيح.
ويحضرني قصة تخيلية يذكرها بعض الظرفاء، وهي أن ملكاً من الملوك أصاب أنفه مرض، فقرر الأطباء قطعه، فكان جلساؤه يتهامسون فيما بينهم من أجل منظره، فأصدر حكماً بقطع أنوفهم كلهم، وقطع أنوف أهل البلدة، ومن يولد منهم حتى يتعايشوا مع ذلك. وبعد فترة تعود الناس على ذلك واستحسنوا أشكالهم مقطوعي الأنف، ثم في يوم من الأيام قدم إليهم شخص أنفه فيه، فصاروا ينظرون إليه ويتضاعف مستقبح منظرهم. فهكذا هو حال الناس، هذا في الحقيقة قريب من الحاصل هذه الأيام، خصوصاً بين أهل الموضة، نجدهم كل فترة يولعون بشيء، وبعد فترة يزين لهم الشيطان شيئاً آخر فينتقلون إليه ويذمون السابق، وما ذاك إلا لضعف الإيمان وعدم التقيد أيضاً بالأحكام الشرعية التي هي ميزان التصرفات.
على أن المظاهر في الحقيقة ليست هي الوسيلة لبلوغ الأهداف والغايات النبيلة، وإنما يدرك ذلك بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، والتزام بالشرع، والتخلق بالآداب ومكارم الأخلاق. فهذا هو الجمال الحقيقي، وهو الجمال الذي يحبه الله سبحانه وتعالى وهو محل نظره عز وجل؛ ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
والقائل يقول: وما ينفع الفتيان حسن وجوههم إذا كانت الأفعال غير حسانِ فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى فما كل مصقول الحديد يمانِ
والآخر يقول: صن الحسن بالتقوى وإلا فيذهبا فنور التقى يكسو جمالاً ويكسبا وما ينفع الوجه الجميل جماله وليس له فعل جميل مهذبِ فيا حسن الوجه اتق الله إن ترد دوام جمال ليس يفنى ويذهبا يزيد التقى ذا الحسن حسناً وبهجةً وأما المعاصي فهي للحسن تسلبا
ومما يحضرني من طرائف الأخبار في ما نحن بصدده أن كثير عزة لم يكن جميلاً، وكان مشهوراً بعزة، وعزة كانت مغرمة به وعشقته، كما أن بثينة جميل، أو جميل بثينة، لم تكن جميلة بخلاف من يعشقها وهو جميل، ومع ذلك صار بينهم عشق مع عدم جمال الصورة في هؤلاء الطرفين. ولما دخل كثير على الخليفة عبد الملك بن مروان، قال عبد الملك: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، يعني ما الذي تريده عزته فيك؟ فقال كثير أبياتاً جميلة، قال: مهلاً يا أمير المؤمنين، فإنما الرجل -استمعوا إلى ألفاظه- فإنما الرجل بأصغريه: قلبه ولسانه، فإن نطق نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان. ثم أنشد يقول: ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد هصورُ ويعجبك الطرير إذا تراه فيخلف ظنك الرجل الطريرُ بغائث الطير أطولها رقاباً ولم تطول بها البزات ولا الصقورُ وقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعيرُ يُنوخ ثم يُضرب بالهراوى فلا عرف لديه ولا نكيرُ فما عظم الرجال لهم بزينٍ ولكن زينهم كرم وخيرُ
ولما دخلت بثينة -وهي كما ذكرت ليست بارعة الجمال- على عبد الملك بن مروان أيضاً، قال لها عبد الملك: والله يا بثينة ما أرى فيك شيئاً مما كان يقول جميل! فقالت: يا أمير المؤمنين، إنه كان يرنو إليّ بعينين ليست في رأسك. وفي بعض الروايات أنه قال: والله ما أدري يا بثينة ما الذي رأى فيك جميل حتى لهج بذكرك من بين نساء العالمين؟ قالت: يا أمير المؤمنين، الذي رأى الناس فيك حتى جعلوك خليفتهم! فما استطاع أن يرد عليها بكلمة.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري