دخولتسجيل الدخول

الحلقة 22

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، سنتكلم في هذه الحلقة عن مسألة طبية مهمة وهي الموت الدماغي للإنسان وما يترتب عليه. هذه المسألة -وهي موت الإنسان دماغياً- مسألة جديدة لم تُعرف إلا حديثاً. المختصون يقولون بأن الدماغ يتكون من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول المخ، وهو مركز التفكير والذاكرة والإحساس؛ والجزء الثاني المخيخ، ووظيفته توازن الجسم؛ والجزء الثالث جذع المخ، وهو المركز الأساس للتنفس والتحكم في القلب والتحكم في الدورة الدموية.

وموت الدماغ هو توقفه عن العمل تماماً، وهذا مرتبط بجذع الدماغ؛ وأهل الاختصاص يعتبرون موت جذع الدماغ نهاية للحياة الإنسانية. أما الفقهاء فإن الموت عندهم لا يكون إلا بمفارقة الروح للجسد، وهذا أمر لا يخالفهم الأطباء فيه، وإنما يرجعون ذلك إلى توقف القلب عن النبض الذي يتبع موت جذع الدماغ. الحقيقة أنه ليس بين توقف القلب وتوقف التنفس -إذا توقف أحدهما مع موت الدماغ- إلا لحظات.

الوفاة عند الفقهاء لها علامات منها شخوص البصر، بحيث لا يرتد الطرف؛ فإنه علامة ظاهرة على قبض الروح ومفارقتها للجسد. ففي صحيح مسلم من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة وقد شخَص بصره فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قُبض تبعه البصر». فضج ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون». ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين».

وهناك حديث آخر في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألم تروا الإنسان إذا مات شخَص بصره؟» قالوا: بلى. قال: «فذلك حين يتبع بصره نفسه أو روحه». وهذا الأمر هو الأمر المعتاد الذي لا يختلف عليه الناس، ويعرفون به انتهاء الحياة، وهذا في أكثر الأحوال؛ لأنه لا يكون هناك صعوبة في معرفة وقوع الموت في هذه الحالة استناداً إلى هذه العلامة، أو حتى لغيرها من العلامات التي يدركها الناس عادة، وربما يكون ذلك استناداً على كشف طبي ظاهري.

لكن هناك حالات قليلة قد يشتبه الأمر فيها على الناس، وهي في العادة تكون تحت الملاحظة الطبية الشاملة الدقيقة في وحدة العنايات المركزة في المستشفيات أو في المراكز الصحية. هذه الحالات هي التي يحتاج فيها الناس إلى رأي المتخصصين من أهل الطب للحكم بوفاة المريض، وذلك لبقاء بعض العلامات التي تعارف عليها الناس على أنها من علامات الحياة حين تتصل بالمريض أجهزة الإنعاش.

بناءً على ذلك، لا يوجد دليل شرعي ينص على تحديد الموت مع بقاء الأجهزة على المريض مع موت الدماغ، فينبغي الرجوع إلى أهل الاختصاص وهم الأطباء، واعتماد اجتهادهم في هذا الأمر؛ لأنه هو المتوفر للناس وهو الذي عليه الاعتماد في الحقيقة. بل إن تشخيص الموت والعلامات الدالة عليه يعتبر أمراً طبياً في الأساس، يحكم القضاة والفقهاء بمقتضاه بالموت ويبنون عليه الأحكام.

وقد كان الأطباء في السابق يعتمدون في تشخيص حالات الوفاة على أمارات مثل غياب النبض وتوقف القلب، ثم مع تطور العلم أثبتت الدراسات أن هناك قصوراً في هذا التشخيص المعتمد. وتوصل العلم الحديث إلى هذا الاكتشاف المبهر الذي هو موت جذع الدماغ، وهو في الحقيقة نهاية الإنسان؛ إذ نهايته تكون بموت منطقة المخ المسؤولة عن الوظائف الحياتية الأساسية.

أصبح من الثابت أن كثيراً من حالات توقف القلب يُعاد فيها القلب إلى العمل بواسطة الإنعاش، وذلك إذا أمكن إدراكه قبل تلف الدماغ. أما إذا تلف الدماغ كلياً قبل استعادة عمل القلب، فإن ذلك يعني أن الوفاة قد حصلت. ولذلك نجد الأطباء يقررون بأن أياً من الأعضاء البشرية الأخرى كالقلب والتنفس قد يتوقف مؤقتاً، ولكنه يمكن إسعافه واستنقاذ عدد من المرضى ما دام جذع المخ حياً.

أما إذا مات جذع المخ فإنه يكون قد مات، ولا أمل في إنقاذ حياته، وحتى لو بقيت الحياة في بعض أعضاء الجسم فإنها بلا شك بعد موت جذع المخ صائرة إلى التوقف والخمود بالكلية، مهما حاول الأطباء إبقاءها ظاهرياً بالأجهزة. ويذكر الأطباء أنهم لا يصدرون تشخيصاً بموت جذع الدماغ إلا بعد توفر شروط واضحة لا يشتبه الأمر فيها، فلا يشتبه الموت فيها مع الغيبوبة؛ فإن الغيبوبة المزمنة لا تتوفر فيها تلك الشروط التي يذكرونها. وعليه، فإنه لا يتم إصدار التشخيص بموت جذع الدماغ إلا بعد استبعاد حالات بعينها قد تكون فيها شبهة.

أما الفقهاء فلهم رأي، وقد اختلفوا في رأيهم على قولين، لكني قبل ذكر هذين القولين أذكر حالتين لم يختلف العلماء فيهما: الحالة الأولى: مريض أو مصاب عادت الحياة إليه بعد وضعه تحت أجهزة الإنعاش وانتظمت ضربات قلبه، وفي هذه الحالة يتفق الفقهاء مع غيرهم على أن رفع أجهزة الإنعاش عن هذا المصاب جائز، ويعود هذا لرأي الطبيب المختص. الحالة الثانية: مريض توقفت نبضات قلبه وتوقف نفسه توقفا تاماً ولم تعد أجهزة الإنعاش تفيده شيئاً، وهذه الحالة كالحالة السابقة يعود فيها قرار رفع أجهزة الإنعاش بسبب تحقق الوفاة إلى الطبيب المختص.

إنما وقع الخلاف في الحقيقة بين الفقهاء في الحالة الثالثة، وهي مريض توقفت حركته ولا نشاط كهربائي في رسم المخ له واتضح موت دماغه، لكن قلبه ما زال ينبض ونفسه ما زال يتصاعد تحت أجهزة الإنعاش، ولولاها لتوقف ذلك؛ فالنفس والنبض صناعيان لا حقيقيان. وقد قرر الطبيب موت جذع الدماغ، وأنه بمجرد رفع أجهزة الإنعاش عنه يتوقف القلب والتنفس تماماً. هذه الحالة هي التي اختلف فيها الفقهاء.

خلاف الفقهاء في هذه الحالة يقع في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في حكم رفع أجهزة الإنعاش عن الميت دماغياً. القول الأول: لا يرجى منه الشفاء، وإنما هو إيقاف لإجراء لا طائل من ورائه في شخص قد استدبر الحياة وهو في حالة احتضار. بل يتوجه أنه لا ينبغي إبقاء تلك الأجهزة عليه لأنها تطيل عليه ما يؤلمه. الحقيقة أن الدماغ يموت وبالتالي لا حياة فيه، وإنما هذا شيء صناعي؛ وهذا القول هو الذي عليه أكثر المعاصرين وهو الذي أفتت به المجامع الفقهية.

القول الثاني: عدم الجواز، وعليه بعض المعاصرين، وذلك للقاعدة المشهورة وهي أن اليقين لا يزول بالشك، وموت الدماغ ليس يقيناً بالموت بحيث يحكم به، واحتمال الشفاء وارد. وكم من الأحداث التي جرى فيها الحكم على أشخاص بالوفاة ثم عاشوا بعد ذلك؛ حتى إن بعض القدماء ألف كتاباً سماه "من عاش بعد الموت".

لكن الحقيقة أن هذا القول ليس معتمداً على قول أهل الاختصاص، وأهل الاختصاص هم أعرف الناس في مثل هذه الحالة، وقولهم هو المعتبر لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وقولهم إن الدماغ قد مات معناه أن الحياة قد انتهت. أما ذكرهم لمن عاش بعد الموت فهذه مجرد أخبار لا يُدرى عن صحتها، وغالبها من نوع الكرامات التي هي خارجة عما نحن فيه.

المسألة الثانية التي تترتب على الحكم بالموت الدماغي هي الحكم بوفاة الميت دماغياً شرعاً، هل نحكم بأنه توفي؟ اختلف الفقهاء على قولين: القول الأول: أن موت الدماغ يعتبر موتاً شرعياً حقيقياً، وهو رأي المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي. القول الثاني: أنه لا يعتبر موتاً شرعياً حتى تُنزع منه الأجهزة ويتوقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً، وهذا أيضاً قول المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي.

هذا الخلاف له ثمرة؛ ثمرة هذا الخلاف في مسائل في غاية الأهمية، لأن يترتب عليه بداية الإحداد للزوجة، ويترتب عليه تحديد من يرث ومن لا يرث لو حصل موت في أثناء فترة الموت الدماغي وقبل رفع الأجهزة. فعلى القول الأول تبتدئ المرأة الإحداد منذ قرار الطبيب أن المريض توفي دماغياً، ويكون المتوفى بعد القرار وارثاً له. وعلى القول الثاني لا تبدأ المرأة الإحداد إلا بعد رفع الأجهزة وتوقف القلب توقفاً تاماً، ويكون المريض هو الوارث للمتوفى قبل رفع الأجهزة، عكس القول الأول. ومن الملاحظ على أصحاب القول الثاني -وهو أمر مرجح للقول الأول- أمران: الأول أنهم لم يعتمدوا في قولهم على أهل الاختصاص، والثاني أنهم أقروا جواز نزع الأجهزة عن الميت مع عدم حكمهم له بالموت، وهذا إقرار منهم بأنه توفي. هذا والله تعالى أعلم، نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ذكرنا قبل الفاصل مسألتين تترتب على حكم الموت الدماغي. أما المسألة الثالثة وهي حكم نزع عضو من الميت دماغياً كالقلب من أجل حي آخر، فهي مسألة نقل الأعضاء من الميت وزرعها في إنسان آخر يحتاج إليها، وهي مسألة مهمة كثر الكلام فيها، ولذلك سأرجئ الكلام فيها إلى حلقة أخرى بإذن الله.

سأتكلم عن مسألة أخرى قريبة من هذه المسألة متعلقة بالموت الدماغي، وهي مسألة معالجة المريض الذي تقدم به المرض إلى درجة ميئوس منها؛ كمن استشرى السرطان في جسده بحيث يذكر الأطباء أنه لا فائدة من معالجته وأن موته مسألة وقت، أو كطفل مصاب بمرض عضال في الدماغ مصحوب بأنواع من الشلل، والدماغ يضمر يوماً بعد يوم وموته محقق. هل إذا احتاج هذا المريض إلى علاج أو إلى عملية جراحية لأوجاع أخرى هل يعالج وتُجرى له العملية؟ الفرق بين هذه المسألة ومسألة الميت دماغياً أن الميت دماغياً لا يعتبر حياً عند الجميع، وإنما اختلفوا في إعلان الوفاة. أما هذه المسألة فالمريض حي بلا شك عند الجميع، وإنما الخلاف في العلاج: هل يُعطى الدواء الذي تيقنا أنه لا فائدة فيه له أم لا؟

قبل الكلام في هذه المسألة لا بد من التذكير ببعض الأمور المتعلقة بالإيمان: أولاً: ينبغي على المسلم أن يتيقن بأن الشفاء كله بيد الله عز وجل، فإن الله سبحانه وتعالى من أسمائه الشافي. يقول تبارك وتعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]. وفي الصحيحين: «اللهم أذهب البأس رب الناس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً».

ثانياً: ينبغي على المؤمن ألا ييأس من روح الله ولا يقنط من رحمة الله عز وجل. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56]. وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: «ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له شفاء».

والأخبار في الأمراض التي كانت مستعصية على الأطباء ثم شفاها الله كثيرة جداً، وأعتقد أن بعضاً ممن يسمعونني الآن قد حدث لهم شيء من ذلك. سأحدثكم بشيء حصل لي شخصياً، وأذكره من باب العبرة والعظة: مرة من المرات سقطت إحدى بناتي وهي تلعب وكانت في سن الثامنة تقريباً، استمرت في اللعب ولم يبدُ عليها أنها أصيبت بشيء، ثم في آخر الليل قامت تبكي وتتوجع. ذهبوا بها إلى المستشفى وكان ذلك في شهر رمضان، وكنت مشغولاً بأحد البرامج فلم أذهب إلا في اليوم الثاني أو ربما الثالث، فلما جئت ورأيتها وإذا وجهها منتفخ جداً وحالتها سيئة، وسألت الأطباء عن حالتها فقالوا لا ندري بالضبط ما مشكلتها، وكان أحدهم يرجح أن فيها إصابة في الرأس لكنها لم تتضح لهم. عند ذلك اعتذرت عن إكمال البرنامج وسعيت في علاجها في الخارج، وتيسر الأمر لي وساعدني بعض الفضلاء جزاهم الله خيراً. في اليوم الثالث أو الرابع بينما أنا واقف أنظر إليها وعلى وجهها جهاز التنفس والحزن قد ملأ قلبي، إذا بها تفيق وتراني واقفاً بجانبها، فعند ذلك أشارت إلي بيديها وقالت...

وتشير إلى نفسها كأنها تقول: ادعُ لي. كانت هذه الحركة منها بمثابة الرسالة والتذكير باللجوء إلى الرب سبحانه وتعالى. في الحقيقة ما استطعت أن أتمالك نفسي وانهارت دموعي وهي تنظر إلي، فما راعني إلا والطبيب يأتي ويخرجني لأن ضغطها ارتفع فجأة، وذلك لما رأت من بكائي. عند ذلك خرجت أسير في ممرات المستشفى وأدعو في نفسي أن يشفيها الله سبحانه وتعالى إلى أن خرجت خارج المستشفى.

ثم تذكرت بأن من أسباب الشفاء المعنوية مع الدعاء الصدقة، والصدقة قواعد الشريعة تدل على أنها من أسباب الشفاء. وقد ورد في ذلك حديث مرسل في مراسيل أبي داود، لفظه: «حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع». ابن مفلح يقول بأن جماعة من أصحابنا، وابن مفلح حنبلي من كبار الحنابلة، يفعلون ذلك وهو أمر حسن، مع أن الحديث مرسل، والمرسل معناه ليس بالقوي.

الشاهد أني تذكرت هذا الحديث، فأخرجت المحفظة وأخرجت كل ما فيها، ولا أدري كم هو، وأعطيته شخصاً مسكيناً كان عند باب المستشفى، ثم رجعت وأنا أدعو الله أن يشفيها. فلما رجعت ودخلت عليها، فإذا وضعها قد اختلف بشكل عجيب، وإذا هي تتماثل للشفاء بشكل سريع. فكنت أقول للطبيب ماذا حصل؟ وهو يقول: أنا مثلك لا أدري؛ كما ترى وضعها أصبح أحسن من وضعها السابق ويتحسن، إلى أن تكلمت وضحكت وقامت من السرير كأنه لم يصبها شيء. ثم رجعنا إلى البيت وأخرنا السفر، ورجعت في اليوم التالي إلى البرنامج.

الشاهد أنه لا ينبغي للمؤمن أن ييأس من روح الله ولا يقنط من رحمة الله، ويتيقن أن الشفاء بيد الله عز وجل، وأنه ما من داء إلا وله شفاء. الأمر الثالث: أنه ينبغي على المؤمن استعمال الأسباب كما أمر الله سبحانه وتعالى مع التعلق بالله سبحانه وتعالى، فهو رب الأسباب؛ فإن الأسباب لا تنفع إلا بأمر الله. ولا ينبغي ترك الأسباب لأن ذلك تفريط، ولا التعلق بها لأنه إفراط، وقد تقدم بيان ذلك في بعض الحلقات.

إذا علمنا ذلك، فإن الفقهاء قد اختلفوا في هذه المسألة، أعني مسألة علاج الميئوس من علاجه إذا كان العلاج لا فائدة فيه، وخلافهم على قولين: القول الأول: يترك علاج الميؤوس منه إذا تيقنا بأن العلاج لا فائدة فيه. واحتجوا في ذلك بأمرين: الأول أن العلاج إنما يستعمل إذا كان سبباً للشفاء، فإذا تيقنا أنه لا شفاء فيه لم يكن استعماله إلا عبثاً. الأمر الثاني: أن استعمال العلاج أو الدواء مع علمنا بعدم نفعه تعلق مفرط بالأسباب، وهذا قادح في التوكل كما يقول بعض أهل العلم؛ ولذلك امتنع جماعة من الصحابة من التداوي حين نزل بهم الأجل لعلمهم بأن التداوي حينئذ لا نفع فيه.

القول الثاني: لا يترك العلاج إلا إذا قرر ثلاثة من الأطباء الثقات على وجه اليقين أن الدواء يضره ولا أثر له في تحسنه، مع أهمية استمرار رعاية المريض مما يساعد في إزالة الألم أو تخفيفها قدر الإمكان. ويبدو في الحقيقة أن القولين متفقان في أن العلاج إذا تيقنا أنه لا فائدة فيه فإنه يترك، وإنما اختلفوا في تقرير ذلك أو تنزيله على بعض الحالات. غير أنه ينبغي تخفيف الآلام، فلو لم يكن في ذلك فائدة لكن ينبغي تخفيف الآلام التي تتعلق بالمريض؛ لأن المريض قد يكون هناك صحيح أنه لا يتعافى لكن هناك شيء يؤلمه، فإذا أعطيناه الدواء خفف عنه ذلك الألم.

وعليه إذا احتاج المريض الميئوس منه إلى عملية معينة فإنها تجرى له، كما أنه إذا احتاج إلى الطعام أو إلى الشراب يوفر له. هذا وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.