دخولتسجيل الدخول

الحلقة 25

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فسوف أتكلم في هذه الحلقة بإذن الله عن المسائل المتعلقة بأبواب الصيام وأبواب الحج. من تلك المسائل المتعلقة بأبواب الصيام ما يثبت به دخول الشهر، وفي ذلك مسألتان. المسألة الأولى: مسألة الحساب الفلكي هل يثبت به دخول الشهر؟ وقد تقدم ذكرها بالتفصيل، والذي عليه إجماع أهل العلم أن دخول الشهر لا يثبت بالحساب الفلكي وإنما يثبت بالرؤية، لكن يمكن أن يستفاد من الحساب الفلكي في نفي صحة الشهادة؛ وذلك إذا كان الحساب قاطعاً بأن الهلال لا يمكن رؤيته لكونه مثلاً غاب قبل الشمس.

المسألة الثانية: مسألة إثبات دخول الشهر برؤية المراصد الفلكية، والذي عليه أهل العلم المعاصرون بحيث يكاد يكون إجماعاً أن دخول الشهر يثبت برؤية المراصد الفلكية؛ وذلك لأنها رؤية في الحقيقة، فغاية ما فيها أن المراصد تكبر المرئي فكان الناظر من خلالها كأحد الناظرين من غيرها، ويبقى النظر في عدالة الناظر من عدمها، وفي ذلك يقول الناظم: لا يثبت الهلال بالحساب في الصوم والفطر بلا ارتياب، لكنه يثبت بالمراصد إن ثبتت عدالة للراصد.

ومن المسائل الجديدة المتعلقة بالمفطرات الأولى: التبرع بالدم، وهذه المسألة غير مفطرة لا على مذهب الحنابلة ولا على مذهب الجمهور؛ الحنابلة الذين يقولون بأن الحجامة تفطر لا يرون أن هذه المسألة مفطرة لأنها لا تقاس على الحجامة، والجمهور لا تفطر عندهم بكل حال، فكأنه إجماع من الناس أن التبرع بالدم ليس مفطراً.

المسألة الثانية: الإبر المغذية، وهي كل ما يعطى في الوريد سواء كان على شكل سائل أو على شكل دواء أو على شكل دم أو غير ذلك، وحكم هذه الإبر أنها مفطرة بخلاف الإبر غير المغذية التي تؤخذ في العضل أو تحت الجلد ونحو ذلك، وفي ذلك يقول الناظم: وما يرى من إبر مغذية فطر في قياس ما قد رويا، وغيرها إن لم يصل للمعدة صح الصيام لا تكون مفسدة.

المسألة الثالثة: مسألة الغسيل الكلوي، مسألة الغسيل الكلوي تأتي معنا في نواقض الوضوء وتأتي معنا في المفطرات، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها مفطر؛ لأن الغسيل الكلوي في الحقيقة هو عبارة عن إخراج الدم ثم إرجاعه فكأنه أشبه الغذاء إرجاعه بعد إضافة بعض المواد عليه، ولذلك يقول الناظم: أما الغسيل الكلوي فيفتقر إلى مزيد نظر وننتظر، والفطر قول لجنة الإفتاء للخارج الداخل في الدماء. لكن يبدو أن صاحب الغسيل الكلوي في الحقيقة لا يستطيع الصيام، والواجب في حقه حينئذ الإطعام، يطعم عن كل يوم مداً، والله سبحانه وتعالى أعلم.

المسألة الرابعة: مسألة المنظار، هل يعد مفطراً؟ والذي عليه أكثر العلماء من المعاصرين القول بعدم الفطر به إلا إذا صحبه إدخال سوائل إلى الحلق، والظاهر أن المنظار لا يخلو من تلك السوائل، وتحقيق المسألة في الحقيقة راجع إلى أهل الاختصاص، فيسأل هل في ذلك المنظار سوائل أو لا.

المسألة الخامسة: القسطرة، وهي شبيهة بالمنظار، والذي عليه أهل التحقيق أنها إن صحبها سوائل بحيث تدخل إلى المعدة فهي مفطرة، وإلا فلا.

المسألة السادسة: استنشاق البخور، وهو لا يفطر إذا لم يصل إلى الحلق، وأما إن وصل إلى الحلق فيعد مفطراً، وفي ذلك يقول الناظم: واستظهر التفطير بالمنظار إن دخل الحلق على المختاري، إن تصل الحلق خيط قسطرة أو معدة فإنها مفطرة، وهكذا مستنشق البخور إن يصل الحلق على المنصور.

المسألة السابعة: مسألة معجون الأسنان، والذي ذهب إليه كثير من المعاصرين أن استعمال المعجون للصائم جائز، ولكن عليه الحرص على أن لا يدخل منه في حلقه شيء، فإن حصل ذلك أو حصل منه شيء بلا تعمد فصيامه صحيح، وذلك قياساً على المضمضة والاستنشاق، لكن الأولى بلا شك تجنبه خصوصاً في نهار رمضان؛ لأنه بإمكانه استعماله وقت السحور وبعد الفطور وفي ذلك كفاية، وذهب بعض أهل العلم إلى أن استعماله حرام وأنه إن وصل إلى حلقه يفطر به؛ وذلك قياساً على العلك الذي يتحلل، وهي مسألة مشهورة عند الفقهاء.

المسألة الثامنة: استعمال الفرشاة، فقد ذكر بعض أهل العلم كراهة استعمالها بعد الزوال؛ وذلك قياساً على كراهة استعمال السواك بعد الزوال وهو مذهب جمهور العلماء، وخالفهم في ذلك بعض أهل العلم فقالوا بالاستحباب مطلقاً، وعليه تنبني هذه المسألة التي هي الفرشاة. والحقيقة أن هذه المسألة ليست مسألة برأسها؛ لأن العادة جارية باستعمال المعجون مع الفرشاة، ليس هناك من يستعمل الفرشاة بدون معجون، وقد تقدم الكلام في مسألة المعجون، لكن يمكن أن يقال القياس على السواك إذا لم يكن فيها معجون هو من باب التنظير فقط، وفي ذلك يقول الناظم: واستظهر التحريم في المعجون للتحلل المظنون، فإن يصل لحلقه فمفطر. طبعاً الناظم ذهب إلى أن المعجون يحرم استعماله، وقد ذكرت أن الذي عليه أكثر أهل العلم جوازه.

المسألة التاسعة: قطرة العين أو الأنف أو الأذن، وهي مفطرة إذا وصلت للحلق أو الدماغ، وأما إذا لم تصل فهي غير مفطرة، ومثلها كذلك بخاخ الأنف إذا اجتنب الصائم ابتلاع ما نفذ منه إلى حلقه.

المسألة العاشرة: مسألة الغرغرة، هل الغرغرة أحياناً يحتاجها الإنسان وهي تصرف أحياناً من الطبيب، هل تلحق بالمضمضة لشبهها بها من حيث الظاهر فلا تفطر لأن المضمضة لا تفطر؛ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً»، وهكذا المضمضة، ولذلك إذا تمضمض وذهب من المضمضة شيء إلى حلقه لا يتفطر، فهل تقاس على المضمضة فلا تفطر الغرغرة ولو دخل منها شيء إلى جوفه، أو تلحق بقطرة العين؛ لأن استعمالها يعسر أن ينفك من دخول شيء منه إلى جوفه، وبالتالي قطرة العين استعمالها إذا دخل في الحلق منها شيء ولم يزدرد يعتبر مفطراً، وهكذا بالنسبة للغرغرة، فمنهم من حملها على قطرة العين ومنهم من حملها على المضمضة.

المسألة الحادية عشرة: هي مسألة بخاخ الربو، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، منهم من يراه مفطراً ومنهم من لا يراه من المفطرات، والذي يتخرج على رأي المذاهب أنه مفطر، وأما البخاخ الموضعي الذي يوضع في الفم فلا يفطر إذا اجتنب الصائم ابتلاع ما نفذ منه إلى الحلق، وفي هذا يقول الناظم: وقطرة في العين أو في الأنف أو أذن واصلة للجوف كالحلق، قره أو مثل ما في عينه قد قطره، واختلفوا فيما يبخ للربو قيل مفطر، وهذا المذهب أي مذهب الحنابلة، بل هو مذهب الأربعة.

المسألة الثالثة عشرة: مسألة البنج، هل يعتبر مفطراً أو لا؟ الحكم فيها في الحقيقة بحسب نوع البنج وبحسب حالة التخدير، فأنواع البنج ثلاثة: النوع الأول البنج المستنشق أي الذي على شكل غاز، وهذا فيه خلاف، والذي عليه أكثر المعاصرين ومجمع الفقه الإسلامي أنه غير مفطر. النوع الثاني البنج الموضعي، وهذا النوع من المخدر لا أعلم أن أحداً من العلماء قال بأنه مفطر فيبدو أن عليه إجماع أنه غير مفطر. النوع الثالث البنج عن طريق الإبر الوريدية، وهذا النوع مفطر كما ذكرنا في الإبر المغذية. أما بالنسبة لحالة التخدير فهي على ثلاثة أنواع: التخدير الموضعي بحيث يكون المريض مستيقظاً وهذا لا يفطر باتفاق إلا أن يفطر بشيء آخر. التخدير الثاني: التخدير الكلي الذي حصل في أثناء الصيام بعد ما يصوم الإنسان يُخدر، فهذا إذا غاب عن الوعي وهو في أثناء الصيام لا يفطر أيضاً بالاتفاق. لكن التخدير الثالث وهو التخدير الكلي الذي استغرق يوم الصيام كاملاً بحيث يحصل قبل الفجر ولا يستيقظ إلا بعد المغرب، فهذا اتفق العلماء على أنه مفطر، الإغماء الذي يحتوي على يوم الصيام كاملاً هذا يعتبر مفطراً. وبناء على ما تقدم يكون الفطر بالبنج في حالتين: الحالة الأولى إذا كان البنج عن طريق الأوردة سواء غاب عن الوعي أم لم يغب، فهذا مفطر. الحالة الثانية إذا كان التخدير كلياً مستغرقاً ليوم الصائم كله ولو كان عن طريق الاستنشاق.

المسألة الثالثة عشرة: الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان، وهي أقراص توضع تحت اللسان لعلاج بعض الأزمات القلبية؛ حيث تمتص المنطقة التي توضع فيها تلك الأقراص، ثم يحملها الدم إلى القلب فتتوقف الأزمة القلبية المفاجئة، والذي عليه جماهير أهل العلم المعاصرين وصدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي أن تلك الأقراص ليست من المفطرات؛ لأن دخولها إلى البدن يكون عبر قنوات توجد تحت اللسان ثم عبر الدم، فلا يصل منه شيء إلى المعدة، والأصل صحة الصيام، ولا يجعل الشيء مفطراً إلا بيقين، وهذه الأقراص ليست أكلاً ولا شرباً ولا في معنى الأكل أو الشرب، فهي لا تصل إلى المعدة ولا يحصل للبدن بها قوة أو نشاط مثل ما يحصل بالطعام والشراب، لكن يشترط ألا يبتلع الإنسان ما يتحلل منها وإنما يمجه إن حصل، والله سبحانه وتعالى أعلم. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنت ذكرت قبل الفاصل المسائل والنوازل المتعلقة بالصيام، وأما المسائل والنوازل المتعلقة بالحج:

فمنها مسألة تصريح الحج، هذه المسألة أعني تصريح الحج إنما جاءت من باب المصالح المرسلة؛ لأن فتح الباب للجميع قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بالمسلمين من جهة أن المشاعر لا تتسع للأعداد الكبيرة، وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى وقوع بعض الحوادث أو نحو ذلك، وليس هذا هو مرادنا من المسألة، وإنما المراد من المسألة هو ما يحصل بهذا التصريح، أي من لم يحصل على التصريح هل يعتبر مستطيعاً أو غير مستطيع، هل يسقط عنه الحج أو لا؟ لبيان هذه المسألة لا بد من العلم بأن شروط الحج نوعان: النوع الأول شروط الوجوب ومنها الاستطاعة بالمال كالزاد والراحلة فلا يجب الحج على من لم يملك الزاد والراحلة. والنوع الثاني شروط الأداء، يعني يجب عليه الحج لكن لا بد من توفر هذه الشروط حتى يسعى بنفسه، ومنها الاستطاعة بالبدن، فمن كان غير قادر بسبب مرض لا يرتجى برؤه فإنه لا يجب عليه الأداء، لكنه يجب عليه الحج في ماله، فيلزمه أن ينيب أحداً يحج عنه، فإن مات ولم ينيب أحداً وجب إخراج ذلك من ماله، وقد جاء في ملحة الحناد قوله: والقادر الواجد للمركب والزاد، قادراً على الركوب وينيب الواجد إن لم يقدر لمرض لا يرتجى أو كبر، وإن يفرط فيهما حتى هلك فليخرج من رأس ما لما ترك. وعدم الحصول على التصريح يشبه فقد الاستطاعة بالبدن دون الاستطاعة المالية؛ لأنه يعتبر قادراً مالياً لأنه لو حصل له التصريح لذهب إلى الحج، فعدم حصوله على التصريح جعله غير قادر على الذهاب كالمريض أو كالكبير الذي لا يقدر على مباشرة السفر بنفسه، وبالتالي يجب عليه الإنابة إذا أيس من الحصول على التصريح، وإذا مات قبل أن يحج وجب إخراج حجة عن ماله قبل قسمة التركة.

المسألة الثانية: الإحرام في الطائرة، هذه من المسائل الجديدة، من المعلوم أن للحج مواقيت مكانية ومواقيت زمانية، والمطلوب والمؤثر هنا في المواقيت المكانية السفر بالطائرات كما ذكرت أمر جديد لم يكن معهوداً في السابق، فهل يحرم المسافرون بالطائرة إذا حاذوا الميقات وهم في الجو، أم يؤخرون إحرامهم إلى أن ينزلوا فيمروا على الميقات؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن المسافرين على الطائرة لا يحرمون حتى ينزلوا على اليابسة، طبعاً هذا الخلاف أصبح كأنه ملغي أو لا يلتفت إليه أكثر العلماء قالوا لأنهم في الطائرة بمثابة الذي لم يمر أصلاً، لكن الذي عليه جمهور أو جماهير أهل العلم أن ركاب الطائرة يجب عليهم الإحرام متى كانت الطائرة فوق الميقات أو بحذائه، وفي العادة أن المسؤولين عن الرحلة يخبرون المسافرين إذا اقتربوا من الميقات، وفي ذلك يقول الناظم: يحرم حجاج بطائراته فوق المحاذاة أو الميقات، يعني إذا حاذوا الميقات أو كانوا فوق الميقات.

المسألة الثالثة: مسألة ميقات جدة، هل جدة تعتبر ميقاتاً؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن القادمين بالطائرات إلى جدة يحرمون من جدة، وقد نصره جماعة من أهل العلم، والذي عليه جمهور أهل العلم أن أهل الطائرات وكذا أهل البواخر يحرمون متى حاذوا ميقاتاً من المواقيت، ولا تعتبر جدة ميقاتاً إلا لأهلها وأهل سواكن القادمين منها، وفي ذلك يقول الناظم: جدة ميقات فقط للساكن بها وللقادم من سواكني.

المسألة الرابعة: لبس الإزار المخيط، يعني الإزار منه ما هو مخيط طرفاه، يعني ليس له طرفان، ومنهما له طرفان، فهذه المسألة في الحقيقة حصل فيها خلاف بين المعاصرين وصنفوا فيها مصنفات ورد بعضهم على بعض، وحاصل الكلام فيها أنها على قولين: القول الأول أنه يجوز للمحرم لبس كل ما يسمى إزاراً سواء كان مخيطاً أو غير مخيط؛ لأن الممنوع منه هو ما كان مفصلاً على الأعضاء، والأصل في ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يلبس...»

عليه الصلاة والسلام: «لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران أو الورس». وأيضاً حديث ابن عباس في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين». فدل هذان الحديثان على جواز لبس الإزار، سواء كان مفتوقاً أو كان مخيطاً؛ هذا كلام أهل القول الأول.

القول الثاني: أنه لا يجوز للمحرم لبس الإزار المخيط، وقالوا: إنما يطلق الإزار على المفتوق، وأما المخيط بشكل كامل فلا يسمى إزاراً، وله أسماء أخرى في اللغة، وليس هو المراد في الحديث. وقد ذكر بعض أهل اللغة ذلك؛ الزبيدي رحمه الله عليه صاحب «تاج العروس» يذكر أن الإزار ما يستر أسفل البدن، والرداء ما يستر أعلى البدن، ويقول في ذلك: وكلاهما غير مخيط، وهو من أئمة اللغة الكبار. وبناءً على ما تقدم فالأحوط تجنب هذا النوع من الإزار، والله سبحانه وتعالى أعلم في هذه المسألة. يقول الناظم: لا يحرم الرجل في التنورة أو إزر مخيط ذي محظورة.

المسألة الخامسة: استعمال المحرم للصابون المطيب وما في حكمه من المنظفات. هذه من المسائل التي اختلف الناس فيها على قولين: القول الأول: أن الصابون الذي فيه رائحة طيبة كرائحة الرياحين ونحوها، مما لم تجرِ العادة بالتطيب به، هذا النوع يجوز استعماله، أما إذا كان مطيباً بما يتخذ للتطيب عادة كالمسك مثلاً، فهذا لا يجوز استعماله، وهذا هو قول المالكية وغيرهم، ولهم في ذلك حجج.

القول الثاني: أن الصابون المطيب يجوز استعماله إذا كان الصابون هو الغالب، بحيث يسميه من يراه صابوناً ولا يسميه طيباً، وإذا كان الطيب هو الغالب -وهذا نادراً- بحيث يسميه من يراه طيباً فلا يجوز استعماله، وضابط ذلك أن كان استعماله على وجه التنظف، وإن كان على وجه التطيب فهذا لا يجوز استعماله، وهذا هو مذهب الحنفية وغيرهم. وفي ذلك يقول الناظم: ما طاب ريحه من الصاب وليس طيباً جاز كالليمون.

المسألة السادسة: تناول المحرم الطعام والشراب الذي فيه طيب كالزعفران؛ بحكم أن أهل العصر صاروا يستخدمون الزعفران في أشياء جديدة مثل القهوة، وقد وقع فيها اختلاف بين أهل العلم على قولين: القول الأول: عدم جواز تناول المحرم للزعفران، لا في الطعام ولا في الشراب، سواء طبخ أو لم يطبخ، وهذا مذهب الشافعية والحنابله. والقول الثاني: جواز تناول المحرم للزعفران المطبوخ، وذلك في الطعام والشراب، وهذا مذهب الحنفية والمالكية. وقد اختلف المعاصرون أيضاً كما اختلف المتقدمون، ولا شك أن الأحوط تجنب مثل هذا النوع من الأكل، أو مثل هذا الاستعمال للأشياء أو للزعفران ونحوه في الأطعمة، لأن المدة قليلة في الحقيقة مدة الحج، فتجنبه أمر سهل.

المسألة السابعة: الطواف والسعي في الأدوار العلوية. من المعلوم أن الأدوار العلوية لم تكن في الأزمان السابقة، وإنما استحدث ذلك الناس من باب التوسعة في الطواف والسعي، فهل الطواف والسعي في هذه الأدوار جائز؟ في هذا خلاف بين أهل العلم؛ فقد ذهب بعض أهل العلم إلى عدم الجواز، وممن قال بعدم الجواز الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب «أضواء البيان» رحمه الله عليه، وذلك لأن الأمكنة المحددة من قبل الشرع لنوع من العبادة ليست محلاً للقياس ولا يجوز الزيادة فيها أو النقص منها. والذي عليه عامة المعاصرين هو جواز الطواف والسعي في الأدوار العلوية، ولعله لم يبقَ من يقول بالقول الأول. وفي ذلك يقول الناظم: السعي والطواف في الأدوار يجوز فتوى هيئة كبار.

المسألة الثامنة: مسألة الرمي من الأدوار العلوية أيضاً. هذه المسألة مسألة حادثة في هذا العصر، ليس للعلماء السابقين فيها أقوال تخصها، لكن يمكن التأصيل على ذلك من كلامهم: أولاً، اتفق العلماء على أن الهواء تابع للقرار، وأن من ملك أرضاً ملك ما فوقها من الفضاء، ولذلك فما فوق الجمار يعتبر منها؛ فيكون حكمها حكم من رمى من الطابق العلوي كحكم من رمى من الطابق السفلي. ثانياً، أجمع العلماء على جواز رمي جمرة العقبة من فوقها، وقد ورد في ذلك بعض الآثار، وإن كان الرمي من الأسفل كما يقول بعض أهل العلم هو الأفضل. ثالثاً، أن العلماء أيضاً متفقون على جواز رمي الراكب للجمرة، والراكب هو مرتفع، فقاسوا عليه الرمي من الطوابق العلوية. وبذلك يقول الناظم: وجائز رميك للجمار من فوقها أو من الأدوار. هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.