إن بلوغ رمضان نعمة عظيمة. الواحد منا يتفكر في أناس كانوا معه في رمضان الماضي، كانوا في صحة أبدان وقوة جسم، كانوا يظنون الموت بعيداً عنهم، لكن جاءهم رمضان هذا وقد صاروا مرتهنين بأعمالهم في قبورهم، الله المستعان، اختطفهم الموت بين الرمضانين.
فإذا بلغت رمضان فاحمد الله؛ نعمة عظيمة أن مد الله في عمرك، وأن جعلك توافق الزمن الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح يتنافسون على العمل الصالح فيه، رجاء مغفرة الذنوب، ورجاء تكفير السيئات، ورجاء رفع الدرجات ومضاعفة الأجور. فاحمد ربك على هذه النعمة، واحرص على الاستزادة من الأعمال الصالحة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، واحرص على تنويع العمل الصالح.
أعمال واجبة مثل التوبة النصوح لله تعالى، إقامة الصلوات الخمس على الوجه المطلوب ونحو ذلك، أداء الزكاة إذا كانت زكاتك في رمضان، والمستحبات؛ تنوع المستحبات من صدقة، من إكثار للذكر، من إكثار لقراءة القرآن ونحوها. أيضاً بقراءة القرآن لها مزية عظيمة في هذا الشهر على غيره. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان في كل رمضان، يعني في كل شهر رمضان من السنة، يدارس جبريل عليه السلام القرآن، وفي السنة التي توفي فيها صلى الله عليه وسلم درسه فيها مرتين، وكان يدارسه في كل ليلة.
ويقترن مدارسته للقرآن بزيادة جوده صلى الله عليه وسلم. قد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح أن جوده صلى الله عليه وسلم زاد في رمضان لاجتماع ثلاثة أمور: اجتماع الزمن الفاضل، والصاحب الفاضل، والقرآن الكتاب الفاضل. فاجتمعت هذه الأمور الثلاثة؛ القرآن فيه آيات كثيرة تحث على الجود والإحسان، والصاحب الفاضل طبعا ينمي فيك الحماس للعمل الصالح، والزمن الفاضل الإنسان إذا كان في الزمن الفاضل يشتد رغبته في الخير.
إذاً، تحرص على أن تكثر قراءتك للقرآن في رمضان، وأنت تقرأ القرآن على الوجه المطلوب الذي أنزله الله عز وجل لأجله، بأن تقرأه في تدبر وتمعن، واحرص على أن تكون ولو ختمة واحدة لك ختمة تدبر. يعني طالب العلم لا ينبغي أن يكون مثل غيره يقرأ كما يقرأ الناس بدون تدبر ولا تفاهم وتتمعن، لا، ينبغي لك أن تقرأ القرآن وتتدبر فيه، وأن تكون لك ختمة تدبر ولو أقلت فيها.
يعني اختم القرآن مرة، مرتين، ثلاث، أربع، ما في إشكال يعني يسرع، لكن احرص أن يكون فيه تدبر، ولو انتهى رمضان ولم تتمه. ذكر ابن كثير رحمه الله عن بعض العلماء أنه كان له ختمة تدبر، يعني كان له ختمة تدبر هذه غير قراءته التي يسرد فيها القرآن، له ختمة تدبر أطالت فيها جداً، ما كثر فيها بضعة عشر عاماً وتوفي وقد وصل إلى جزء النبأ، يعني ما أتمها. فاحرص على أن تكون لك ختمة تدبر، هذه الختمة تتأمل فيها القرآن، تتدبر في هذه الآية: هل فهمت معناها؟ هل طبقتها؟ ونحو ذلك.
واحرص أن يكون قريب منك كتاب تفسير أو نحو ذلك، احرص أن تقيد الفوائد التي عنت لك وأنت تقرأ القرآن، اعرضها على ما قاله أهل العلم، أو اعرضه على المختصين في التفسير، أو المختصين في القرآن ليصوبوا فهمك للآيات. الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى؛ كتابه المواهب الربانية من الآيات القرآنية هذا كان كتبه، كان تأملات في أحد ختماته في رمضان، في إحدى الختمات في رمضان كان يكتبها ثم صارت كتاباً استفاد الناس منه من بعده رحمه الله وغفر له. الحرص على الإكثار من الأعمال الصالحة، والحرص على استغلال الأوقات بما ينفعك في دينك ودنياك.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان