استدل المؤلف رحمه الله تعالى على وجوب التسبيح بأثر ابن عمر رضي الله عنهما: أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً. كذا يذكره أكثر الأصحاب رحمهم الله تعالى، معزواً لابن عمر، ولا يذكرون مصدر الآثار. وبعض من حقق كتب الحنابلة رحمهم الله تعالى، أن المقصود به أثر ابن عمر عند أحمد وأبي داود وغيرهما: في كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل الثوب من البول سبع مرار، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى كانت الصلاة خمساً، والغسل من الجنابة وغسل الثوب من البول مرة.
لكن هل هذا مقصود الحنابلة رحمهم الله تعالى؟ أولى؛ يبدو لي والله أعلم أنه ليس هو المقصود، لذلك الموفق رحمه الله في المغني استدل بالأثر الأول على وجوب التسبيح، واستدل بالأثر الثاني على عدم الوجوب. وغالب من رأيتهم يخرجون الحديث يقول يعني أثر ابن عمر؛ يقول ذكر الموفق في المغني بدون عزو، وهو صحيح في المغني في المجلد الأول صفحة خمسة وسبعين. والحقيقة أنه ذكره قبل الموفق أبو الخطاب في الانتصار، حيث أورده في الجزء الأول صفحة أربع مئة وسبعة وثمانين، وعزاه لموسى بن عقبة صاحب المغازي.
وموسى هذا أدرك ابن عمر رضي الله عنهما، وحج معه سنة ثمان وستين كما ذكر عن نفسه. لكن يبقى التثبت من الإسناد إلى موسى بن عقبة. وذكر ابن قاسم رحمه الله في حاشية الروض أن القاضي ذكر أنه رواه أبو موسى عنه، ويتثبت من هذا النقل. ويبدو لي أنه يقصد موسى؛ موسى بن عقبة كما ذكره ابن الخطاب في الانتصار.
وهذا الأثر ساقه ابن عبد الهادي رحمه الله تلميذ شيخ الإسلام، في جزء مختصر في الأحاديث الضعيفة التي يتداولها الفقهاء وغيرهم. حيث ذكر جملة من الأحاديث التي تداولها الفقهاء في كتبهم وليس لها إسناد، أو إسنادها باطل أو ضعيف لا يعتمد عليه أو فيه علة، وساق نحو من مائة وخمسين حديثاً منها هذا الحديث، وهذا الجزء مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن عبد الهادي.
وهذا الاستدلال هل أسند ابن عمر ذكره الأصحاب وابن أبي الخطاب ومن تبعه، لكن لم أقف على أن الإمام أحمد رحمه الله استدل به؟ الإمام أحمد رحمه الله استدل بالقياس الأُولوي على بلوغ الكلب، فقال في رواية الميموني: إذا أصاب الخف البول نشف، وإذا أصاب القميص ينشف أشد، وأنا أذهب أن يغسله سبع مرات، والبول أنجس من الكلب، فأدنى ما يكون أن يكون مثله، فإن البول أنجس من الكلب، انتهى كلامه رحمه الله.
وهذا النقل من زاد المسافر، وأشار إليه أبو الخطاب في الانتصار، ولم يذكر لفظه لفظ هذه الرواية، وذكر أنه نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية صالح بن حنبل وأبي طالب والميموني. وأنبّه في بعض الناس في سياق الخلاف أحياناً ينقل مثلاً هنا في هذه المسألة، على سبيل المثال يقول مثلاً: الحنابلة ذهبوا إلى وجوب التسبيح في غسل نجاساته غير نجاسة الكلب والخنزير، ويستدلون بأثر ابن عمر وأمرنا بغسل جسدنا، وهذا الأثر ضعيف ولا يوجد مسنداً، ولذلك فالقول الثاني هو الصحيح وهو غسلها حتى يزول أثر النجاسة. الخلاف والاستدلال به فيه قصور.
فيه قصور، أنا لا أقصد يرجح هذا أو هذا، الترجيح على حسب ما يترجح للإنسان، لكن الإمام أحمد رحمه الله إمام هذا المذهب ما استدل بأثر ابن عمر، استدل به الأصحاب بعده. لكن الإمام أحمد رحمه الله استدل بالقياس على القياس الأولوية على بلوغ الكلب، يناقش القياس، يناقش أيضاً القياس، قد يناقش القياس الآن ويناقش هذا ثم يرجح، ما في إشكال.
لكن أما أنك تأخذ هذا الدليل الذي لم يستند عليه إمام المذهب وتترجح وتمشي، لا، هذا فيه خلل في المناقشة. وهذا ليس مقصوراً على مذهب الحنابلة، من يبحث في الخلاف العالي بين الأئمة رحمهم الله تعالى ينتبه إلى الاستدلالات التي يستدل بها الفقهاء، هل استدل بها إمامهم؟ هل هذا دليل إمامهم؟ يعني قد يصير الشافعي رحمه الله بدليل، لكن أصحابه يستدلون بدليل أضعف من دليل الشافعي، لكنه أصلح، صحيح أنه أصلح لكنه أضعف. فلذلك ينتبه إلى هذا، ويتأنى في الترجيح بين الأقوال بالنسبة له وبالنظر إلى الدليل.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان