حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة، القربى بها أتوسلوا، ولكلهم قدر وفضل سطع، لكن الصديق منهم أفضل، هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فنوحد، وإن ابتدعت فما عليك معول، وإن ابتدأت فما عليك معول.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها أن نشرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، وأن نزيل معلقة بهذه الفترة من الشبهات والخرافات والأكاذيب.
وصلنا في الحلقة الماضية إلى المعضلة التي كانت قائمة أمام سيدنا علي رضي الله عنه في المدينة؛ أهل الفتنة متكتلون حول علي، والأعراب يكثرون في المدينة، إما لطبيعة اللحظة التي تمثل فوضى وأزمة وتجذب إليها الناس، أو لأنه ما وقع في المدينة قد أثر على الأحوال الاقتصادية في النواحي والبوادي، فأقبل الناس إلى العاصمة كما هو أيضا الوضع الطبيعي في لحظات الأزمات.
وذكرنا أن بعض الصحابة في المدينة يمتنعون عن بيعة علي، وبعض الأمصار تمتنع عن بيعته كذلك مثل الشام والأمصار الأخرى، وفي البصرة ومصر وقع اضطراب وانقسام بين الناس في شأن البيعة. وحاول علي رضي الله عنه تفكيك هذا التكتل، الأعراب والمتمردين في المدينة، فأنذر الأعراب أن يرجعوا إلى ديارهم، وأنذر من لم يكن من أهل المدينة أن يلحق بأهله وقبيلته، إلا أن هذا أيضا زاد في تخوف أهل الفتنة، وزاد في تخوفهم وهم متكتلون حوله خوفا من أن تسير إليهم الجيوش من قبل معاوية، أو حتى من انتقام أنصار عثمان.
نضيف على هذا كله الحزن والندم والعاطفة الشديدة التي سادت المدينة على مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه. طبعا هذا الحزن شمل المسلمين جميعا، وعلى الأخص منهم الصحابة؛ لأن الصحابة هم أعرف الناس بعثمان، وأعرف الناس بفضله، وبالذات هؤلاء الصحابة الذين أشيع عنهم التحريض على عثمان، أو مثلا صدرت من بعضهم مواقف خلاف طبيعية مع عثمان أو خلاف مع بعض سياسات عثمان، فجعلها هؤلاء المتمردون من حجتهم وضخموها واستغلوها في ارتكاب جرائمهم. فهؤلاء رأوا على وجه الخصوص أن عليهم واجبا لا يتخلف، وهو المسارعة في الأخذ بالقصاص من عثمان من قتلته.
يعبر عن هذا قول بعضهم كالاتي: روى ابن سعد في الطبقات الكبرى وابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح عن طلحة بن عبيد الله أنه قال: «إنا كنا قد دهنا في أمر عثمان فلا نجد بدا من المبالغة». دهنا يعني كان لدينا لين وتساهل مع هؤلاء المتمردين، فلا نجد بدا من المبالغة والتشدد في المطالبة بالقصاص لعثمان رضي الله عنه.
ومن ذلك أيضا قول عائشة رضي الله عنها، وعائشة نفت تماما أن تكون قد حرضت على قتله، ونحن ذكرنا ذلك سابقا، وهو ما رواه الخلال في كتاب السنة بإسناد صحيح أنها قالت: «كان القوم يختلفون إلي يحضرون عندي في عيب عثمان، ولا أرى إلا أنها معاتبة، وأما دمه فأعوذ بالله من دمه». وفي قول آخر لها أيضا نفت بشدة أن تكون قد تمنت لعثمان أي سوء، وهذا من باب أولى فكيف يمكن أن تحرض عليه؟ روى أبو نعيم في كتابه الإمامة والرد على الرافضة أنها قالت: «كانت كلما ذكرت عثمان انبكت حتى يبتل خمارها وتقول: ما تمنيت لعثمان شيئا إلا أصابني، حتى لو أني تمنيت أن يقتل قتلت».
وفي رواية أخرى عند الإمام أحمد في فضائل الصحابة بإسناد صحيح أيضا، وعند البخاري في خلق أفعال العباد وابن أبي شيبة في تاريخ المدينة، أنها كانت تقول: «يا ليتني كنت نسيا منسيا، فأما الذي كان من شأن عثمان فوالله ما أحببت أن ينتهك من عثمان أمر قط، إن لنتهك مني مثله حتى لو أحببت قتله قتلت».
وذكرت أن هؤلاء المتمردين كانت عليهم علامات التدين والاجتهاد في العبادة، ولم يكن يتوقع منهم أن يقدموا على جريمة كقتل عثمان رضي الله عنه. هؤلاء الصحابة على وجه الخصوص سيتصدرون تيار المطالبة بالقصاص العاجل لعثمان رضي الله عنه، وسيبذلون في ذلك كل شيء حتى دمائهم كما سيأتي معنا.
هنا سيدنا علي، أنصار ممتنعة عن البيعة، صحابة ممتنعون عن البيعة، غضب وحزن شديد، وتكتل كلما أراد أن يفككه تكتل أكثر. هنا كيف تصرف سيدنا علي رضي الله عنه؟ سيدنا علي أدرك بعميق حكمته وبعد نظره وحسن فهمه لطبائع الناس وأحوالهم أن أولى الأولويات في هذه الفترة هي التهدئة والتسكين وامتصاص هذا التمرد، فكان شعاره الذي تكرر منه هو هذا: "أمر دواؤه التسكين".
التهدئة وحدها هي التي يمكن بها رد الحقوق، ويمكن من خلالها أخذ القصاص من القتلة، ويمكن بها جمع الأمة أيضا من بعد الفتنة والاضطراب. ورد عن علي رضي الله عنه قوله إنه تحريك الأمور سيجعل الناس ثلاثة فرق. روى الطبري في التاريخ أن علي قال لطلحة والزبير ومن معهما ممن تعجلوا الأخذ بالقصاص، قال لهم: «إن الناس في هذا الأمر إن حركت أموره فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا، حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق، فاهدؤوا عني وانظروا ماذا يأتيكم».
هذا كان طلب سيدنا علي. من طبائع الاجتماع كما ذكرنا ونكرر، أن الثورات لا تواجه ولكن تمتص، أو بعبارة أخرى تمتطى صهوتها ليتغير اتجاهها. هذا ما يدركه دهاقمة السياسة والزعماء، أنه لا يمكن مواجهة حشد من الناس المتحفزين المتكتلين في لحظة اجتماعهم، وفي لحظة شعورهم بالانتصار، أو في لحظة شعورهم بالخوف على هذا الانتصار. هذا الاجتماع والتكتل والشعور بالانتصار والخوف يجعلهم أكثر قوة وأكثر صلابة وحماسة واندفاعا.
وهذه الأمور صارت موضوعات علم، صارت فروعا علمية وكتب فيها كثير من المؤلفات. ومن أراد أن يتوسع في هذا الباب فعليه مثلا بكتب علم النفس الاجتماعي، علم نفس الجماهير، وطبعا أشهر الكتب في هذا يعتبر الكتاب الأول الذي أسس لهذا الموضوع كتاب "روح الجماعة" للمستشرق الفرنسي وأحد علماء الاجتماع المشهورين جوستاف لوبون. وهذا الكتاب هو نفس الكتاب الذي ترجم بعنوان "سيكولوجية الجماهير"، وترجم أيضا بعنوان "روح الجماعات"، يعني بين كل ترجمة والآخرى أربعون سنة، ولكن الكتب تتابعت في هذا الموضوع وهذه صارت علوما. ونحن لو فاتنا أن نتعلم هذا من الكتب أو فاتنا أن نتعلم هذا من التاريخ، فيجب أن نتعلمه من تجاربنا المعاصرة؛ نحن نرى الآن كيف تمتص النظم الإقليمية والدولية ثورات الشعوب، وكيف تسكنها وتهدئها وتلتف عليها من جديد. فيدفعنا هذا أيضا إلى القول إنه...
محاولة التهدئة ضارة بالثورة التي لم تحقق أهدافها ولم تصل إلى التمكين. كل ثورة يجب أن تتخوف من نداءات التهدئة قبل الوصول إلى التمكين وقبل القضاء على النظام القديم، لكن هذا يعتمد على القائد أو على الشخص الذي يصدر عنه نداء التهدئة. هذا الذي ينادي بالتهدئة إذا كان مشكوكاً في إخلاصه أو كان مشكوكاً في حكمته أو كان مشكوكاً في قوته، فهذا النداء بالتهدئة مثير للشكوك والتخوف.
هذا النداء مثير للشكوك لأنه قد يكون اتخذه وهو جبان، وقد يكون اتخذه وهو غبي أو مغفل، أو يكون اتخذه وهو عميل أو خائن. فما بالك لو صدر نداء التهدئة هذا من أركان النظام القديم؟ هو نفسه جزء من عملية امتصاص الثورة والاستعداد للقضاء عليها. لكن حين يصدر نداء التهدئة من زعيم لا مجال للشك في قوته وحكمته وإخلاصه، فهذه التهدئة في هذه اللحظة تكون هي الحكمة والرشد، وعندئذ يجب الانصياع للنداء.
وهنا كان الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء الصحابة؛ عائشة وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة، لأنه زعيم مثل سيدنا علي بن أبي طالب لا مجال للشك في إيمانه ولا مجال للشك في ورعه وتقواه ولا مجال للشك في قوته وحكمته وإخلاصه. فهنا يجب أن تكون دعوته للتسكين والتهدئة هي موضع سمع وطاعة؛ لأنه الأمير الشرعي ولأنه غير متهم، فدعوته إلى التسكين هنا هي الحكمة والرشد والفطنة.
لو افترضنا مثلاً أن هؤلاء القتلة المتمردين على عثمان قد نصبوا أحدهم؛ يعني نصبه عبد الله بن سبأ مثلاً أو حكيم بن جبلة أو عبد الرحمن بن عدي مثلاً، ثم طالبوا الناس بالتهدئة والتسكين، طبعاً هذا هو الأمر الذي يجب أن يُعصى ويجب أن يُثار عليه ويجب أن يُقام في وجهه؛ لأن التهدئة في ذلك الوقت هي تثبيت لحكم القتلة المجرمين، وهو تمكين لهذا الانقلاب.
هذا الذي نقوله الآن أيضاً عن صحة موقف سيدنا علي وسياسته ليس مجرد تحليل علمي بنيناه على النظر في التاريخ، لا؛ هذه قبل ذلك وبعد ذلك وفوق ذلك هي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، الأحاديث التي قررت أن علياً رضي الله عنه كان هو الأقرب إلى الحق، وهذه الأحاديث هي من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، إلا أنها لم تكن لتنكشف إلا بعد وقوع الفتنة ووقوع القتال؛ يعني وقوع الفتنة والقتال هو دليل صحة هذه الأحاديث.
سيدنا علي اعتمد سياسة التسكين والتهدئة، لكن مخالفيه من الصحابة لم يفهموا هذه الحكمة، حملهم الغضب والعاطفة على مخالفة سيدنا علي، فكانت إجراءات سيدنا علي للتسكين والتهدئة تُفهم على غير وجهها، فكان هذا يؤدي إلى مزيد من تفاقم الأمور ومزيد من تعاظم الأمور. نحتاج أن نؤكد مرة أخرى، وسامحوني لكثرة ما أكرر هذه أمور مهمة، نحتاج أن نؤكد أنه سياسة سيدنا علي رضي الله عنه لا يمكن أن تفهم على وجهها إلا باستحضار مكانة علي وقدره؛ لو تجردنا من هذه الرؤية الإيمانية سنفسر التاريخ تفسيراً مخالفاً تماماً، سنفسره باعتبار سيدنا علي قائداً لانقلاب ناجح على عثمان وأنه عمل على حماية المنقلبين.
هذا هو السبب في أن الناس انقسموا في سيدنا علي إلى ثلاثة أقسام: قسم غلا فيه حتى وصل إلى سب أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة وبقية الصحابة، وقسم أبغضه حتى كفره وناصبه العداء مثل الخوارج والنواصب، والقسم الثالث هو أهل السنة والجماعة الذين استحضروا نصوص القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا أهل عدل وإنصاف، وعرفوا أن الحق مع علي، وأن من خالفوه كانوا مخطئين ولكنهم كانوا مجتهدين متأولين.
هؤلاء الصحابة انقسموا أيضاً إلى ثلاث فئات: فئة قاتلت مع علي، وفئة قاتلته، وفئة اعتزلت الفتنة لا تدري أي الفئتين أقرب إلى الحق، فلولا أننا طالعنا نصوص النبي لكان خلاف الأمة في ذلك الأمر لا يزال مستمراً حتى الآن؛ من منهم على الحق؟ بل أنا أكاد أجزم أنه لولا النصوص النبوية كان أغلب الأمة سيكونون ممن يرون أن الحق في جانب معاوية، وهذا من دلائل قصر عقل الإنسان وقلة علمه، وأنه محتاج دائماً إلى هداية القرآن والسنة في فهم الأمور والحكم عليها.
إذاً سيدنا علي اعتمد سياسة التهدئة والتسكين، ما هي هذه السياسة؟ خذ هذه الإجراءات: الإجراء الأول عزل ولاة عثمان عن الولايات والأمصار، والإجراء الثاني إرجاء التفكير في القصاص من قتلة عثمان. نبدأ بعزل ولاة عثمان؛ سيدنا علي عزل كما ذكرنا والي البصرة عبد الله بن عامر بن كريز -وهو من قرابة عثمان- وأرسل بدلاً منه سهل بن حنيف الأنصاري، وعزل والي عثمان على مكة خالد بن سعيد بن العاص -وهو مخزومي- وأرسل بدلاً منه أبا قتادة الأنصاري، وذكرنا أنه الأمر كان مضطرباً فعزله وأرسل بدلاً منه ابن عمه قثم بن العباس، وعزل والي اليمن ثمامة بن علي وأرسل بدلاً منه ابن عمه أيضاً عبيد الله بن العباس.
والي عثمان على مصر كان عبد الله بن سعد بن أبي السرح انسحب منها وتغلب عليها محمد بن أبي حذيفة الذي كان من الساعي في التحريض على عثمان فأقره علي عليها، فبقي فيها والياً مع أنه من المحرضين على عثمان. وأرسل إلى الشام؛ سيدنا علي أرسل إلى الشام سهل بن حنيف أرسله ومعه رسالة بأنه الوالي وبِعزل معاوية بن أبي سفيان، لكن طبعاً قوة معاوية في الشام منعت من تنفيذ هذا الأمر، قيل له: إن كنت قد جئت من عثمان فأهلاً، وإن كنت قد جئت من غيره فلا نعرف غيره.
هذه الإجراءات تصب في تسكين أجواء الفتنة وفي تفكيك تكتل المتمردين، أثارت من جهتها مخاوف أخرى؛ بالذات في المتعاطفين مع عثمان؛ لأنه بدا وكأن سيدنا علي ينفذ ما أراده المتمردون، ينفذه طوعاً أو كرهاً، فيزيح ولاة عثمان. طبعاً بعض الولاة بالذات في المناطق التي يسودها الغضب لمقتل عثمان مثل مكة والمدينة والبصرة كان ولاتها من قرابة علي، عبد الله بن عباس تولى البصرة، تمام بن العباس تولى المدينة، قثم بن العباس تولى مكة، عبيد الله بن العباس تولى اليمن، واليمن أكثر الولايات رجالاً، ويمكن أن نضيف إليهم محمد بن أبي بكر الذي تولى مصر فيما بعد، لأنه ربيب علي؛ لأنه ابن زوجته أسماء بنت عميس، ولد في حجة الوداع لأبي بكر، وزوجته أسماء بنت عميس تزوجت بعد أبي بكر بعلي، فهو نشأ في حجر علي. هذه الإجراءات يمكن أن تفسر على أنها سعي في إخماد كل تعاطف مع عثمان وفي تعطيل أي محاولة لأي تحرك يطالب بالقصاص لعثمان.
البند الثاني وهو إرجاء التفكير في القصاص من قتلة عثمان، هذه من سياسة التسكين التي اعتمدها علي رضي الله عنه، هو لا يزال يرى أن الأمر غير ممكن؛ لأن هؤلاء المتمردين ما زالوا متكتلين، وما زالوا العرب يتكتلون معهم في المدينة ومن ورائهم قبائل تتعصب لهم، وبدون شك فإن استقرار الأمور وتمكن الخليفة من شأن الحكم هو أولى وأعظم وأهم من إنزال حكم القصاص على بعض الناس، حتى لو كان المقتول هو الخليفة السابق.
شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في هذا الموضوع: لم يكن علي مع تفرق الناس عليه متمكناً من قتل قتلة عثمان إلا بفتنة تزيد الأمر شراً وبلاء، ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما أولى من العكس؛ هي الموازنة بين المفاسد؛ لأنهم كانوا عسكراً وكانت لهم قبائل تغضب لهم، والمباشر منهم للقتل -الذين مارسوا القتل بأنفسهم- وإن كان قليلاً، فكان رِدؤهم أهل الشوكة، ولولا ذلك لم يتمكنوا، حتى وإن كانوا القتلة العمليين فيهم قلة لكن هم معتصمون بأهل الشوكة. طبعاً يزيد في صعوبة الأمر أيضاً أن قاتل سيدنا عثمان غير معروف على وجه التحديد، صح عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما قتلنا عثمان ولا نعلم له قاتلاً، وبالتالي فإن مصادمة الآلاف في اللحظة التي لم يتمكن فيها الخليفة السابق من الأمر كانت ستزيد الفتنة فتناً كثيرة.
سيثبت معنا فيما بعد حكمة علي رضي الله عنه؛ لأنه لن يستطيع المخالفون له عائشة وطلحة والزبير وفيما بعد معاوية، لن يستطيعوا أن يتعقبوا أو أن يقتصوا من كل قتلة عثمان، لكن النفوس في هذه اللحظة التي نتحدث فيها ما تزال الدماء ساخنة، لم تكن لتستوعب كيف يمكن أن يبقى أولئك المتمردون وهؤلاء القتلة قريبين من علي رضي الله عنه في أنصاره، وكيف لا يؤخذ منهم القصاص على هذه الجريمة العظمى غير المسبوقة في تاريخ الإسلام.
بدأ التململ من بعض الصحابة في المدينة أمام هذا الوضع، سيدنا طلحة عرض على علي رضي الله عنه أن يذهب إلى البصرة ويجمع له من أنصاره ومن أنصار عثمان ما يستطيع به إنزال القصاص بهؤلاء؛ إذا كنا مش قادرين بإمكانيات المدينة على أن نقتص من هؤلاء، أنا سأذهب إلى البصرة وآتيك بجيش، والزبير عرض على سيدنا علي أن يذهب إلى الكوفة ويأتيه بجيش، فسيدنا علي كان يحاول معهم تأجيل الأمر، وكان لا يأذن لهما بالخروج ويقول لهما: حتى أنظر في ذلك.
سيدنا علي بدأ يشعر بهذه المشاعر تسود جو المدينة، فأصدر قراراً بمنع الصحابة من ترك المدينة خشية من تحركهم، وخشي أيضاً من تكاثر بني أمية عند معاوية؛ لأنه كل من استطاع أن يخرج من مكة أو المدينة ذهب إلى معاوية، وهناك انقسام الآن بين آراء الصحابة في مسألة القصاص. يروي الطبري أن سيدنا علي اشتد على قريش وحال بينهم وبين الخروج، وهاجهم على ذلك -حسب الطبري- هرب بني أمية وتفرق القوم، وبعضهم يقول: والله لئن ازداد الأمر لا قدرنا على انتصار من هؤلاء الأشرار إذا استمر الحال على هذا الشكل لن نستطيع، لا، تركوا هذا إلى ما قال علي أمثل، وبعضهم يقول: نقضي الذي علينا ولا نؤخره، والله إن علياً لمستغنٍ برأيه وأمره عنا، ولا نراه إلا سيكون على قريش أشد من غيره. هناك تقديرات متفاوتة، ومسألة غلبة أهل الفتنة على المدينة مثيرة للإشكال.
هذه الفترة كانت أجواء الفتنة مشبعة بالشائعات، طبيعي الدنيا فوضى فالشائعات مليئة. نحن الجيل الذي عايش ثورات وحروباً، فنحن نفهم ما تفعله، فمن ضمن الشائعات مثلاً أن سيدنا ابن عمر لما خرج من المدينة إلى مكة ذهب للعمرة، صارت شائعة أنه خرج إلى الشام ليحرض الناس فيها على القتال، وهذا ما فزع له علي رضي الله عنه، لكن كان خروج عبد الله بن عمر إلى مكة خيراً لعلي؛ لأنه ابن عمر هناك منع أخته أم المؤمنين حفصة من الخروج مع عائشة وطلحة والزبير في الجيش الذي أرادوا به أن ينصروا علياً على قتلة عثمان. ما الذي حصل في مكة؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسلُ ولكلهم قدر وفضل ساطعُ لكنما الصديق منهم أفضلُ هذا اعتقاد الشافعي ومالكٍ وأبي حنيفةَ ثم أحمدَ ينقلُ فإن اتبعت سبيلهم فموحدٌ وإن ابتدعت فما عليك مُعولُ
محمد إلهامي